Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
تفسير سورة الأنفال : ٥٤ ، ٥٥ ، ٥٦
من قبلهم من الأمم المكذبةِ رسلتها وصنيعهم = ((فأهلكناهم بذنوبهم))، بعضاً بالرجفة،
وبعضاً بالخسف، وبعضاً بالريح = ((وأغرقنا آل فرعون))، فى اليم = ((وكل
كانوا ظالمين))، يقول : كل هؤلاء الأمم التى أهلكناها كانوا فاعلين ما لم يكن
لهم فعله ، من تكذيبهم رسلَ اللّه، والجحود لآياته . فكذلك أهلكنا هؤلاء الذين
أهلكناهم بيدر، إذ غيروا نعمة الله عندهم، بالقتل بالسيف ، وأذللنا بعضهم
بالإسار والسِّبَاء .
#
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ عِندَ اللهِ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ (٥٠)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : إن شر ما دبّ على الأرض عند الله، (١)
الذين كفروا بربهم ، فجحدوا وحدانيته ، وعبدوا غيره = ((فهم لا يؤمنون))،
يقول : فهم لا يصدّقون رسلَ اللّه ، ولا يقرُّون بوحيه وتنزيله .
#
القول فى تأويل قوله ﴿ اُلَّذِينَ عَهَدَتَّ مِنْهُهُ
يَنْقُضُونَ
ـم
٥
عَهْدَهُمْ فِ كُلّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((إن شر الدواب عند الله الذين كفروا))،
((الذين عاهدت منهم))، يا محمد، يقول: أخذت عهودهم ومواثيقهم أن لا يحاربوك، (٢)
ولا يظاهروا عليك محارباً لك ، كقريظة ونظرائهم ممن كان بينك وبينهم عهد
(١) انظر تفسير (الدابة)) فيما سلف ٣: ٢٧٤، ١١/٢٧٥: ٤٥٩:١٣/٣٤٤.
(٢) انظر تفسير ((العهد)) فيما سلف ٧٢:١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٢٢
تفسير سورة الأنفال : ٥٦ ، ٥٧
وعقد = (( ثم ينقضون))، عهودهم ومواثيقهم كلما عاهدوك وواثقوك، (١) حاربوك
وظاهروا عليك، (٢) وهم لا يتقون اللّه، ولا يخافون فى فعلهم ذلك أن يوقع بهم وقعة
تجتاحھم وتهلکھم ، کالذی : -
١٦٢١٠ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: (( الذين عاهدت منهم ثم ينقضون
عهدهم))، قال: قريظة ، ما لأوا على محمد يوم الخندق أعداءه.
١٦٢١١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد ، نحوه .
القول تأويل قوله ﴿ فَإِمَّا تَثْقَفَّهُمْ فِى الْحَرْبِ فَشَرّدْ بِهِم
مِّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَكَّرُونَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فإما
٠ ١٩/١ تلقيَنَّ فى الحرب هؤلاء الذين عاهدتهم فنقضوا عهدك مرة بعد مرة من قريظة،
فتأسرهم (٣) = ((فشرد بهم من خلفهم))، يقول : فافعل بهم فعلاً يكون مشرِّداً من
خلفهم من نظرائهم ، ممن بينك وبينه عهد وعقد .
...
و((التشريد))، التطريد والتبديد والتفريق.
وإنما أمِرَ بذلك نبىُّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يفعل بالناقض العهد بينه
...
(١) فى المطبوعة: ((كلما عاهدوا دافعوك وحاربوك))، وفى المخطوطة: ((كلما عاهدوا
دافعوك وحاربوك))، وكأن الصواب ما أثبت .
(٢) انظر تفسير ((النقض)) فيما سلف ٩: ١٠/٣٦٣ : ١٢٥.
(٣) انظر تفسير ((ثقف)) فيما سلف ٣: ٧/٥٦٤: ١١٠.
-

٢٣
تفسير سورة الأنفال : ٥٧
وبينهم إذا قدر عليهم ، فعلاً يكون إخافةً لمن وراءهم، ممن كان بين رسول الله
صلى الله عليه وسلم وبينه عهد ، حتى لا يجترئوا على مثل الذى اجترأ عليه هؤلاء
الذين وصف الله صفتهم فى هذه الآية من نقض العهد.
*
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
#
١٦٢١٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على، عن ابن عباس قوله: (( فإما تثقفهم فى الحرب
فشرد بهم من خلفهم )) ، يعنى : نكّل بهم من بعدهم .
١٦٢١٣ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((فشرد بهم من خلفهم))، يقول:
نكل بهم من وراءهم.
١٦٢١٤ - حدثننا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((فإما تثقفيهم فى الحرب فشرد بهم من خلفهم))، يقول: عظْ
بهم من سواهم من الناس.
١٦٢١٥ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((فإما تثقفهم فى الحرب فشرد بهم من خلفهم)) ،
يقول: نكل بهم من خلفهم، مَنْ بعدهم من العدوّ، لعلهم يحذرون أن ينكُثُوا
فتصنع بهم مثل ذلك .
١٦٢١٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير: (( فشرد بهم من خلفهم)) ، قال :
أنذر بهم من خلفهم .
١٦٢١٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،

٢٤
تفسير سورة الأنفال : ٥٧
عن ابن جريج ، عن عطاء الخراسانى ، عن ابن عباس قال : نكل بهم من
خلفهم ، مَنْ بعدهم = قال ابن جريج ، قال عبد الله بن كثير : نكل بهم
مَنْ وراءهم.
١٦٢١٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((فإما
تثقفهم فى الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون )» ، أى : نكل بهم
من وراءهم لعلهم يعقلون .(١)
١٦٢١٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ،
حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول فى قوله: (( فشرد بهم
من خلفهم » ، يقول : نکل بهم من بعدهم .
١٦٢٢٠ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قول الله: ((فإما تثقفهم فى الحرب فشرد بهم من خلفهم))، قال : أخفهم بما
تصنع بهؤلاء. وقرأ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْلاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (٢)
[ سورة الأنفال: ٦٠]
#
وأما قوله: ((لعلهم يذكرون))، فإن معناه : كى يتعظوا بما فعلت بهؤلاء
الذين وصفت صفتهم، (٣) فيحذروا نقضَ العهد الذى بينك وبينهم خوفَ أن
ینزل بهم منك ما نزل بهؤلاء إذا هم نقضوه .
(١٠) الأثر : ١٦٢١٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٩، وهو تابع الأر السالف رقم:
١٦١٧٣، ثم هو فى الحقيقة تابع الأثر السالف رقم: ١٦١٨٦، سيرة ابن هشام ٢: ٣١٨، ٣١٩.
(٢٠) الأثر: ١٦٢٢٠ - انظر الأثر التالى رقم: ١٦٢٤٢، والتعليق عليه.
(٣) انظر تفسير ((التذكر)) فيما ملف من فهارس اللغة (ذكر).

٢٥
تفسير سورة الأنفال : ٥٨
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِمَّا تَخَفَنَّ مِن قَوْمِ خِيَاَنَةٌ
فَاَنِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَآَيِنِينَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وإما تخافن))، يا محمد ، من عدو
ـث بينك وبينه عهد وعقد ، أن ينكث عهده، وينقض عقده، ويغدر بك = وذلك
هو ((الخيانة)) والغدر (١) = ((فانبذ إليهم على سواء))، يقول : فناجزهم بالحرب،
وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم ، بما كان منهم
من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم ، (٢) حتى تصير أنتَ وهم على سواء فى العلم
بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر = ((إن الله لا يحب الخائنين)»،
الغادرين بمن كان منه فى أمان وعهد بينه وبينه أن يغدر به فيحاربه ، قبل
إعلامه إياه أنه له حرب ، وأنه قد فاسخه العقد .
#
#
فإن قال قائل: وكيف يجوز نقضُ العهد بخوف الخيانة، و((الخوف)) ظنّ
= لا يقين ؟ (٣)
قيل : إن الأمر بخلاف ما إليه ذهبت ، وإنما معناه : إذا ظهرت أمارُ
الخيانة من عدوك، (٤) وخفت وقوعهم بك، فألقى إليهم مقاليد السَّ، وآذنهم
بالحرب . (٥) وذلك كالذى كان من بنى قريظة إذ أجابوا أبا سفيان ومن معه من ٢٠/١٠
(١) انظر تفسير ((الخيانة)) فيما سلف ١٣: ٤٨٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تغير ((النبذ)) فيما سلف ٢: ٤٠١، ٧/٤٠٢ : ٤٥٩ .
وفى المطبوعة: ((آثار الغدر))، وأثبت ما فى المخطوطة، و((الأمار)) و((الأمارة))،
العلامة، ويقال: ((أمار)) جمع ((أمارة)).
(٣) انظر تفسير ((الخوف)) فيما سلف ١١: ٣٧٣، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٤) فى المطبوعة: ((آثار الخيانة))، وأثبت ما فى المخطوطة، وانظر التعليق السالف رقم: ٢.
(٥) فى المخطوطة: ((وأد))، وبعدها بياض، صوابه ما فى المطبوعة.

٢٦
تفسير سورة الأنفال : ٥٨
المشركين إلى مظاهرتهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحاربتهم معهم، (١)
بعد العهد الذى كانوا عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسالمة، ولن
يقاتلوا رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم. (٢) فكانت إجابتهم إياه إلى ذلك ، موجباً
لرسول الله صلى الله عليه وسلم خوف الغدر به وبأصحابه منهم. فكذلك حكم كل
قوم أهل موادعةٍ للمؤمنين، ظهر لإمام المسلمين منهم من دلائل الغدر مثل الذى
ظهرَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من قريظة منها، فحقٌّ على إمام المسلمين
أن ينبذ إليهم على سواء ، ويؤذنهم بالحرب .
ومعنى قوله: ((على سواء))، أى : حتى يستوى علمك وعلمهم بأن كل
فريق منكم حرب لصاحبه لاسليم.(٣)
وقيل : نزلت الآية فى قريظة .
*
ذكر من قال ذلك :
*
١٦٢٢١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فانبذ إليهم على سواء))، قال : قريظة .
وقد كان بعضهم يقول: ((السواء))، فى هذا الموضع، المَهَل. (٤)
ذكر من قال ذلك :
#
١٦٢٢٢ - حدثنى على بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال : إنه
ما تبين لنا أن قوله: ((فانبذ إليهم على سواء))، أنه: على مهل = كما حدثنا بكير،
عن مقاتل بن حيان فى قول الله: ﴿بَرَاءةٌ مِنَ اُللهِ وَرَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدْ تَم
SKIP
(١) فى المطبوعة: ((ومحاربتهم معه))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المخطوطة: ((ولم يقاتلوا))، وما فى المطبوعة شبيه بالصواب.
(٣) انظر تفسير ((السواء)) فيما سلف ١٠: ٤٨٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٤) فى المطبوعة: ((وقد قال بعضهم))، غير الجملة كلها بلا شىء.

٢٧
تفسير سورة الأنفال : ٥٨
مِنَ اْلْمُشْرِكِينَ* فَسِيحُوا فِىِ اُلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر﴾، [سورة التوبة: ٢،١]
وأما أهل العلم بكلام العرب ، فإنهم فى معناه مختلفون .
فكان بعضهم يقول : معناه : فانبذ إليهم على عدل = يعنى : حتى يعتدل
علمك وعلمهم بما عليه بعضكم لبعض من المحاربة ، واستشهدوا لقولهم ذلك بقول
الراجز : (١)
وَأَضْرِبْ وُجُوهَ الْغُدُرِ الأعْدَاءِ خَّى يُحِبُوكَ إِلَى السَّوَاءِ(٢)
يعنى : إلى العدل
#
*
وكان آخرون يقولون : معناه : الوسط ، من قول حسان :
يَا وَبْعَ أَنْصَارِ الرَّسُولِ ورَحْطِهِ بَعْدَ الُغَّبِ فِى سَوَاءِ المُلْحَدِ (٣)
بمعنى: فى وسط اللَّحْد.
#
وكذلك هذه المعانى متقاربة، لأن ((العدل ))، وسط لا يعلو فوق الحق ولا
يقصّر عنه. وكذلك ((الوسط))، عدل ، واستواء علم الفريقين فيما عليه بعضهم
لبعض بعد المهادنة ، (٤) عدل من الفعل ووسط . وأما الذى قاله الوليد بن مسلم
من أن معناه: ((المهل))، فما لا أعلم له وجهاً فى كلام العرب.
(١) لم أعرف قائله.
(٢) كان فى المطبوعة: ((الغدر للأعداء))، وهو خطأ، صوابه من المخطوطة. و((الغدر))
(يضمتين)، جمع ((غدور))، مثل ((صبور))، وهو: الغادر المستمرىُ للغدر .
(٣) سلف البيت وتخريجه وشرحه فيما مضى ٢: ٤٩٦، تعليق: ٢ .
(٤) فى المطبوعة: ((واستواء الفريقين ... ))، وفى المخطوطة: ((واستواء على الفريقين))،
وصواب قراءتها ما أثبت ، وهو حق المعنى .

٢٨
تفسير سورة الأنفال : ٥٩
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَا يَحْسَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوَاْ
إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ (٦)
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ﴾،
بكسر الألف من ((إنهم))، وبالتاء فى ((تحسبن)) = بمعنى: ولا تحسبن، يا محمد،
الذين كفروا سبقونا فقاتونا بأنفسهم . ثم ابتدئ الخبر عن قدرة الله عليهم فقيل :
إن هؤلاء الكفرة لا يعجزون ربهم ، إذا طلبهم وأراد تعذيبهم وإهلاكهم، بأنفسهم
فیفوتوه بها .
#
وقرأ ذلك بعض قرأة المدينة والكوفة: ﴿ وَلَا يَحْسَّبَنَّ الَّذِينَ كَمَرُوا﴾، بالياء فى
((يُحسبن)) وكسر الألف من (إنَّهُمْ).
#
#
وهى قراءة غير حميدة، لمعنيين ، (١) أحدهما خروجها من قراءة القرأة
وشذوذها عنها = والآخر: بعدها من فصيح كلام العرب. وذلك أن ((يحسب))
يطلب فى كلام العرب منصوباً وخبره، كقوله: ((عبد اللّه يحسب أخاك قائماً))
و((يقوم)) و((قام)). فقارئ هذه القراءة أصحب ((يحسب)) خبرًا لغير مخبر عنه
مذكور. وإنما كان مراده، ظنّى: (٢) ولا يحسبن الذين كفرواسبقوا إنهم لا يعجزوننا =
فلم يفكر فى صواب مخرج الكلام وسُقمه ، واستعمل فى قراءته ذلك كذلك ،
ما ظهر له من مفهوم الكلام . وأحسب أن الذى دعاه إلى ذلك ، الاعتبارُ بقراءة
٢١/١٠ عبد اللّه. وذلك أنه فيما ذكر فى مصحف عبد الله: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
(١) هذه القراءة التى ردها أبو جعفر، هى قراءتنا اليوم.
(٢) فى المطبوعة: ((وإنما كان مراد بطى ولا يحسبن))، فأتى بعجب لا معنى له. وقوله
الطبرى: ((ظنى))، يقول كما نقول اليوم. ((في) أظن)).

٢٩
تفسير سورة الأنفال : ٥٩
أَنَّهُمْ سَبَّقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُمْجِزُونَ﴾، وهذا فصيح صحيح، إذا أدخلت ((أنهم )) فى
الكلام، لأن ((يحسبن)) عاملة فى ((أنهم))، وإذا لم يكن فى الكلام ((أنهم))
كانت خالية من اسم تعمل فيه .
والذى قرأ ذلك من القرأة وجهان فى كلام العرب ، وإن كانا بعيدين من
فصیح کلامهم :
أحدهما: أن يكون أريد به: ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، أو: أنهم سبقوا=
ثم حذف ((أن)) و((أنهم))، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيَكُمُ الْبَرْقَ
خَوْفَاًوَطَمَا﴾، [سورة الروم: ٢٤]، بمعنى: أن يريكم، وقد ينشد فى نحو ذلك بيت
لذى الرمة :
أَظَنّ أَبْنُ طُرْتُوتٍ عُثْبَةُ ذَاهِباً بَِادِيَّتِى تَكْذَابُهُ وَجَعَائِلُهُ(١)
(١) ديوانه ٤٧٣، من قصيدة ذكر فيها ((المهاجر بن عبد اللّه الكلابى)) والى اليمامة،
وكان للمهاجر عريف من السعاة بالبادية يقال له: ((رومى))، فاختلف ذو الرمة، وعتيبة
ابن طرثوث فى بئر عادية ، فخاصم ذو الرمة إلى رومى ، فقضى رومى لابن طرثوث قبل فصل الخصومة ،
وكتب له بذلك سجلا ، فقال ذو الرمة من قصيدته تلك ، برواية ديوانه :
وَذُو اللُّبِّمَهْمَا كَانَ، لِلنَّفْسِ قَائِلَةْ
أَقُولُ لِنَفْسِي، لاَ أَعَتِبُ غَيْرَهَا
بِعَدِيَّتِى تَكْذَابُهُ وَجَعَائِلُهُ
لَعَلَّ أَبْنَ طُرْتُوتٍ عُقْبَةُ ذَاهِبٌ
وَبِضْعَاَ، لَنَ أَحْرَاجُهُ وَمَسَآَيِلَةْ
بِقَاعٍ، مَنَعْنَهُ ◌َنِينَ حِجَّةٌ
ثم ذكر المهاجر بالذكر الجميل ، ثم قال :
يَعِزُّ، أَبْنَ عَبْدِ اللهِ، مَنْ أَنْتَ نَصِرٌ وَلاَ يَنْصُرُ الرَّحَمَنُ مَنْ أَنْتَ خَذِلُهُ
إِذا خَفَ قَلِ جَوْرَ سَاعٍ وَظُلْمَهُ ذَكَرْتُكَ أُخْرَى فَالْأَنَّتْ بَلاَ بِلَةُ
لِعَبْدٍ، وَلاَ أَسْبَبُ أَمْرٍ يُحَوِلِةْ
تَرَى اللهَ لاَ تَخْفَى عَلَيْهِ سَرِيرَةٌ
لَقَدْ خَطِّ رُومِىٌّ ، وَلاَ زَعَمَتِهِ،
بِغَيْرِ كتابٍ وَاضِحٍ مِنْ مُهَاجِرٍ
لِمُتْبَةَ خَطًّا لَمْ تُطَّقْ مَفَصِلَةْ
وَلاَ مُقْعَدٍ مِّ بَخَضْمِ أُجَادِلِهْ

٣٠
تفسير سورة الأنفال : ٠٩
بمعنى : أظن ابن طرثوث أن يذهب بعاديتى تكذابه وجعائله ؟ وكذلك قراءة
من قرأ ذلك بالياء، يوجه ((سبقوا)) إلى ((سابقين))، على هذا المعنى.(١)
والوجه الثانى على أنه أراد إضمار منصوببـ ((يحسب))، كأنه قال: ولا يحسب الذين
كفروا أنهم سبقوا - ثم حذف ((أنهم)) وأضمر. (٢)
وقد وجَّه بعضهم معنى قوله: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّف أَوْلِيَاءَ.﴾، [ سورة
آل عمران: ١٧٥]: إنما ذلكم الشيطان يخوف المؤمن من أوليائه، وأن ذكر ((المؤمن))
مضمر فى قوله: ((يخوف))، إذ كان الشيطان عنده لا يخوُّف أولياءه. (٣)
#
وقرأ ذلك بعض أهل الشام: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالتاء من (تحسبن))
= {سَبَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ)، بفتح الألف من ((أنهم))، بمعنى: ولا تحسبن
الذين كفروا أنهم لا يعجزون .
٠
*
قال أبو جعفر: ولا وجه لهذه القراءة يُعقل، إلا أن يكون أراد القارئ ب((لا)) التى
فى ((يعجزون))، ((لا)) التى تدخل فى الكلام حشواً وصلة، (٤) فيكون معنى الكلام
حينئذ: ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم يعجزون = ولا وجه لتوجيه حرف فى
كتاب اللّه إلى التطويل، (٥) بغير حجة يجب التسليم لها، وله فى الصحة مخرج .
...
قال أبو جعفر :. والصواب من القراءة فى ذلك عندى ، قراءة من قرأ :
وهذه قصة حية. وكان فى المطبوعة: ((عيينة))، والصواب من الديوان ، ومما يدل عليه الشعر
السالف إذ سماه ((عتبة))، ثم صغره. و((العادية))، البئر القديمة، كأنها من زمن ((عاد)).
و((التكذاب))، مصدر مثل ((الكذب)). و((الجعائل))، الرشى، تجعل للعامل المرتشى.
(١) انظر هذا فى معانى القرآن للفراء ١ : ٤١٤ - ٤١٦.
(٢) كان فى المطبوعة: ((ثم حذف الهمز وأضمر))، وهو كلام لا تفلته الحساسة. وصواب
قراءة المخطوطة: ((أنهم)) كما أثبتها، وهو واضح جداً
(٣) انظر ما سلف ٧ : ٤١٧، تفسير هذه الآية.
(٤) ((الصلة))، الزيادة، كما سلف مراراً، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف.
(٥) ((التطويل))، الزيادة أيضاً. انظر ما سلف ١: ١١٨، ٢٢٤، ٤٠٥، ٤٠٦،
٤٤٠، ٤٤١، وهو هناك («التطول)» .

٣١
تفسير سورة الأنفال : ٥٩، ٦٠
﴿ وَلَ تَحْتَنّ﴾، بالتاءِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ)، بكسر الألف من ((إنهم))،
﴿لاَ يُعْجِزُونَ﴾، بمعنى: ولا تحسبن أنت، يا محمد ، الذين جحدوا حجج الله
وكذبوا بها، سبقونا بأنفسهم ففاتونا، إنهم لا يعجزوننا = أى : يفوتوننا بأنفسهم،
ولا يقدرون على الهرب منا، (١) كما :-
١٦٢٢٣ - حدثی محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((ولا يحسبن الذين كفرواسبقوا إنهم لا يعجزون))، يقول: لا يفوتون.
القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَعِدُواْ لَهُم مَّ أُسْتَطَمْتُ مِّن
قُوَّةٍ وَمِن رِّبَطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّ كُمْ ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وأعدوا))، لهؤلاء الذين كفروا بربهم،
الذين بينكم وبينهم عهد ، إذا خفتم خيانتهم وغدرهم ، أيها المؤمنون بالله ورسوله =
(( ما استطعتم من قوة))، يقول: ما أطقتم أن تعدّوه لهم من الآلات التى تكون قوة
لكم عليهم، (٢) من السلاح والخيل = ((ترهبون به عدو الله وعدوكم))، يقول :
تخيفون بإعدادكم ذلك عدوًّ الله وعدوكم من المشركين .
٠ ٥
#
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٢٢٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أسامة
ابن زيد ، عن صالح بن كيسان ، عن رجل من جهينة ، يرفع الحديث إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة))، ألا إنَّ الرمى هو
القوة ، ألا إنّ الرمى هو القوة. (٣)
(١) انظر تفسير ((أعجز)) فيما سلف ١٢: ١٢٨.
(٢) انظر تفسير ((الاستطاعة))، فيما سلف ٤: ٩/٣١٥: ٢٨٤.
(٣) الأثر: ١٦٢٢٤ - ((ابن إدريس))، هو ((عبد الله بن إدريس الأودى)) الإمام،
مضى مراراً. وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((أبو إدريس))، وهو خطأ صرف.

٣٢
تفسير سورة الأنفال : ٦٠
١٦٢٢٥ -- حدثنا أبو کریب قال، حدثنا سعيد بن شرحبيل قال ، حدثنا
ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبى حبيب ، وعبد الكريم بن الحارث ، عن أبى على
الهمدانى: أنه سمع عقبة بن عامر على المنبر يقول: قال الله: ((وأعدوا لهم ما
استطعتم من قوة ومن رباط الخيل))، ألا وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول على المنبر: قال الله: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة))، ألا إن القوة
الرمى ، ألا إن القوة الرمى، ثلاثاً .(١)
و((أسامة بن زيد الليثى))، ثقة، مضى برقم: ٢٨٦٧، ٣٣٥٤.
و ((صالح بن كيسان المدنى))، روى له الجماعة، مضى برقم : ١٠٢٠، ٥٣٢١.
وسيأتى هذا الخبر من طرق أخرى رقم : ١٦٢٢٦ - ١٦٢٢٨، وسأذكرها عند كل واحد
منها ، وانظر تخريج الخبر التالى .
(١) الأثر: ١٦٢٢٥ - ((سعيد بن شرحبيل الكندى))، روى عنه البخارى، وروى له
النسائى وابن ماجة بالواسطة. ثقة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٤٤٢/١/٢، وابن أبى حاتم
٠٣٣/١/٢
و ((ابن لهيعة))، مضى مراراً ، ومضى الكلام فى أمر توثيقه .
و((يزيد بن أبى حبيب الأزدى المصرى))، ثقة، روى له الجماعة، مضى مراراً آخرها:
٠١١٨٧١
و((عبد الكريم بن الحارث بن يزيد الحضرمى المصرى))، ثقة، مترجم فى التهذيب ، وابن
أبى حاتم ٦٠/١/٣.
و((أبو على الهمدانى))، هو ((ثمامة بن شفى الهمدانى)) المصرى، ثقة، مترجم فى التهذيب،
والكبير ١٧٧/٢/١، وابن أبى حاتم ٤٦٦/١/١.
وهذا إسناد فيه ضعف لمن ضعف ابن لهيعة، والطبرى نفسه سيقول فى ص: ٣٧، تعليق: ٢،
أنه سند فيه وهاء)).
بيد أن هذا الخبر روى من طرق صحيحة جداً :
رواه مسلم فى صحيحه ١٣ : ٦٤، من طريق هارون بن معروف، عن ابن وهب ، عن
عمرو بن الحارث ، عن أبى على ثمامة بن شفى ، بمثله .
ورواه أبو داود فى سننه ٣ : ٢٠، رقم : ٢٥١٤، من طريق سعيد بن منصور ، عن
ابن وهب ، بمثله .
ورواه ابن ماجة فى سننه: ٩٤٠ رقم: ٢٨١٣، من طريق يونس بن عبد الأعلى ، عن
ابن وهب بمثله .
ورواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٣٢٨، من طريق سعيد بن أبى أيوب ، عن يزيد بن أبى حبيب ،
عن أبى الغير، عن عقبة، وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ولم يخرجه البخارى،
لأن صالح بن كيسان أوقفه» ووافقه الذهبي.

٣٣
تفسير سورة الأنفال : ٦٠
١٦٢٢٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محبوب ، وجعفر بن عون ،
ووكيع ، وأبو أسامة ، وأبو نعيم = ، عن أسامة بن زيد، عن صالح بن كيسان، ٢٢/١٠
عن رجل ، عن عقبة بن عامر الجهنى قال : قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
على المنبر: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل))، فقال: ألا إن
القوة الرمى ، ألا إن القوة، الرمى، ثلاث مرات .(١)
١٦٢٢٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن أسامة بن زيد ، عن
صالح بن كيسان ، عن رجل ، عن عقبة بن عامر : أن النبى صلى الله عليه وسلم
قرأ هذه الآية على المنبر ، فذكر نحوه .(٢)
١٦٢٢٨ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
أسامة بن زيد ، عن صالح بن كيسان ، عن عقبة بن عامر ، عن النبى صلى
اللّه عليه وسلم، نحوه. (٣)
١٦٢٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا
موسى بن عبيدة ، عن أخيه ، محمد بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة ،
عن عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم فى قوله: (( وأعدوا لهم ما استطعتم
من قوة))، ألا إن القوة الرمى. (٤)
(١) الأثر: ١٦٢٢٦ - ((محبوب))، هو ((محبوب بن محرز القواريرى))، وثقه ابن حبان،
وضعفه الدارقطنى. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٤ /٣٨٨/١.
و ((جعفر بن عون المخزومى))، ثقة، أخرج له الجماعة ، مضى برقم : ٩٥٠٦.
وهذا الخبر رواه الترمذى من طريق وكيع عن أسامة بن زيد، ثم قال: ((وقد روى بعضهم
هذا الحديث عن أسامة بن زيد ، عن صالح بن كيسان ، عن عقبة بن عامر ، وحديث وكيع أصح ،
وصالح بن كيسان لم يدرك عقبة بن عامر، وأدرك ابن عمر)). وانظر الخبر رقم : ١٦٢٢٨.
(٢) الأثر : ١٦٢٢٧ - هو مكرر الأثر السالف، وانظر تخريجه، رواه من هذه
الطريق ، التربذى فى سننه ، كما سلف .
(٣) الأثر: ١٦٢٢٨ - هذا هو الحديث الذى أشار إليه الترمذى، وقال فيه: ((صالح
ابن كيسان، لم يدرك عقبة بن عامر)». انظر ما سلف : ١٦٢٢٦.
(٤) الأثر : ١٦٢٢٩ - ((موسى بن عبيدة بن نشيط الربذى))، ضعيف بمرة، لا تحل
الرواية عنه. سلف مراراً، آخرها رقم: ١١٨١١، ١٤٠٤٥، روى عن أخويه ((عبد الله))
و ((محمد)) وأخوه ((محمد بن عبيدة بن نشيط الريدى))، لم أجد له ترجمة، وهو مذكور فى ترجمة
ج ١٤ (٣)

٣٤٠
تفسير سورة الأنفال : ٦٠
١٦٢٣٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن شعبة
ابن دينار، عن عكرمة فى قوله: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة»، قال: الحصون =
(( ومن رباط الخيل))، قال: الإناث.(١)
١٦٢٣١ - حدثنا على بن سهل قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة ، عن رجاء
ابن أبى سلمة قال: لقى رجل مجاهداً بمكة، ومع مجاهد جُوَالَق، (٢) قال: فقال
مجاهد : هذا من القوة ! = ومجاهد يتجهز للغزو .
١٦٢٣٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة))، من سلاح.
...
وأما قوله: ((ترهبون به عدو الله وعدوكم))=
= فقال ابن وكيع :
١٦٢٣٣ - حدثنا أبى، عن إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة الثقفى ، عن
مجاهد، عن ابن عباس: ((ترهبون به عدو الله وعدوكم))، قال: تخزون به
عدو الله وعدوكم .
١٦٢٣٤ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
إسرائيل ، عن عثمان ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، مثله .
١٦٢٣٥ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل ،
عن خصيف ، عن عكرمة وسعيد بن جبير ، عن ابن عباس: (( ترهبون به عدو الله
أخيه ((موسى))، وترجمة أخيه ((عبد الله))، وأنه روى عنه. وكان أكبر من أخيه موسى بثمانين سنة.
وأخوه ((عبد اللّه بن عبيدة بن نشيط الربذى))، روى عن جماعة من الصحابة ، وثقه بعضهم ،
وضعفه آخرون، وقال أحمد: ((موسى بن عبيدة وأخوه، لا يشتغل بهما)). مترجم فى التهذيب ،
وابن أبى حاتم ١٠١/٢/٢ .
(١) الأثر: ١٦٢٣٠ - «شعبة بن دینار الکوفی )» ، روى عن عكرمة ، وأبى بردة بن أبى موسى
الأشعرى، ثقة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٢٤٥/٢/٢، وابن أبى حاتم ٣٦٨/١/٢.
(٢) ((الجوالق)) (بضم الجيم، وفتح اللام أو كسرها)، وعاء من الأوعية، هو الذى نسميه
اليوم فى مصر محرفاً ((الشوال)).

٣٥
تفسير سورة الأنفال : ٦٠
وعدوكم))، قال: تخزون به عدو الله وعدوكم. وكذا كان يقرؤها: ﴿تُخْزُونَ).(١)
١٦٢٣٧ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال : حدثنا إسرائيل ،
عن عثمان بن المغيرة، وخصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس: ((ترهبون به))،
تخزون به . (٢)
١٦٢٣٨ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
إسرائيل ، عن خصيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، مثله .
...
يقال منه: ((أرهبت العدو، ورهَّبته، فأنا أرهبه وأرهِّبه، إرهاباً وترهيباً ،
وهو الرَّهَب والرُّهْب)) ، ومنه قول طفيل الغنوى:
وَيْلُ أَمِّ حَىّ دَفَتُ فِى تُحُورِمُ بِكَلاَبٍ غَدَاةِ الرُّعْبِ وَالرَّهَبِ(٣)
#
القول فى تأويل قوله ﴿ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ
اللهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى هؤلاء ((الآخرين))، من هم، وما هم ؟
فقال بعضهم : هم بنو قريظة .
* ذكر من قال ذلك :
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وكذا كان يقرؤها: ترهبون))، والصواب الذى لاشك فيه
هنا، هو ((تخزون))، كما أثبتها، وقد ذكر قراءة ابن عباس هذه، ابن خالويه فى القراءات
الشاذة: ٥٠ (وفى المطبوعة خطأ، كتب: يجرون به عدو اللّه، والصواب ما أثبت)، وقال
أبو حيان فى تفسيره ٤: ٥١٢: ((وقرأ ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد: ((تخزون به))، مكان:
ترهبون به = وذكرها الطبرى على جهة التفسير لا على جهة القراءة، وهو الذى ينبغى، لأنه مخالف
لسواد المصحف )) .
قلت : وقد رأيت بعد أن الطبرى ذكرها أيضاً على جهة القراءة، ولا يستقيم نصه إلا بما أثبت .
(٢) سقط من الترقيم : ١٦٢٣٦، مهواً.
(٣) ديوانه: ٥٦، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٤٩ يمدح بها بنى جعفر بن كلاب،
من أبيات ثلاثة ، مفردة .

٣٦
تفسير سورة الأنفال : ٩٠
١٦٢٣٩ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وآخرين من دونهم)) ، يعنى : من
بنى قريظة .
١٦٢٤٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وآخرين من دونهم))، قال : قريظة .
وقال آخرون : من فارس .
* ذكر من قال ذلك :
١٦٢٤١ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم))،
هؤلاء أهل فارس .
وقال آخرون : هم كل عدو للمسلمين ، غير الذين أمر النبى صلى الله عليه
وسلم أن يشرِّد بهم من خلفهم . قالوا : وهم المنافقون .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٦٢٤٢ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قول الله: (( فإما تثقفهم فى الحرب فشرد بهم من خلفهم )) ، قال : أخفھم بهم ،
لما تصنع بهؤلاء. وقرأ: ((وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم)). (١)
٢٣/١٠
١٦٢٤٣ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((وآخرين من دونهم لا تعلمونهم اللّه يعلمهم))، قال: هؤلاء المنافقون ،
لا تعلمونهم لأنهم معكم، يقولون : لا إله إلا اللّه ، ويغزون معكم .
...
(١) الأثر: ١٦٢٤٢ - هذا مكرر الأثر السالف رقم ١٦٢٢٠، ولا أدرى فيم جاء
به هنا مفرداً، وأما الأثر الذى عناه، فهو الذى يليه، والظاهر أنه خطأ من الطبرى نفسه فى النقل
ولفظ هذا الخبر ، يخالف لفظ الخبر السالف قليلا .

٣٧
تفسير سورة الأنفال : ٦٠
وقال آخرون : هم قوم من الجنّ .
٠
٠
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين
بإعداد الجهاد وآلة الحرب وما يتقوّون به على جهاد عدوه وعدوهم من المشركين ،
من السلاح والرمى وغير ذلك، ورباط الخيل = ولا وجه لأن يقال: عنى بـ ((القوة))،
معنى دون معنى من معانى (القوة))، وقد عمّ اللّه الأمر بها .
فإن قال قائل : فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد بيَّن أن ذلك مرادٌ به
الخصوص بقوله: ((ألا إن القوة الرمى))؟ (١)
قيل له: إن الخبر، وإن كان قد جاء بذلك، فليس فى الخبر ما يدلّ على أنه
مرادٌ بها الرمى خاصة، دون سائر معانى القوة عليهم، فإن الرمى أحد معانى القوة ، لأنه
إنما قيل فى الخبر: ((ألا إن القوة الرمى))، ولم يقل: ((دون غيرها))، ومن ((القوة))
أيضاً السيف والرمح والحربة ، وكل ما كان معونة على قتال المشركين ، كمعونة
الرمى أو أبلغ من الرمى فيهم وفى النكاية منهم . هذا مع وهاء سند الخبر بذلك عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٢)
#
وأما قوله: (( وآخرين من دونهم لا تعلمونهم))، فإن قول من قال: عنى به
الجن، أقربُ وأشبهُ بالصواب، لأنه جل ثناؤه قد أدخل بقوله: ((ومن رباط
الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم))، الأمرَ بارتباط الخيل لإرهاب كل عدوًّ لله
والمؤمنين يعلمونهم . ولا شك أن المؤمنين كانوا عالمين بعداوة قريظة وفارس لهم ،
لعلمهم بأنهم مشركون ، وأنهم لهم حرب. ولا معنى لأن يقال، وهم يعلمونهم لهم
(١) انظر الآثار السالفة رقم : ١٦٢٢٤ - ١٦٢٢٩.
(٢) هذه مرة أخرى تختلف فيها كتابة المخطوطة، فههنا: ((وهاء))، كما أثبتها، وكان فى
المطبوعة: ((وهى))، وانظر ما كتبته ما سلف ٩: ٥٣١، تعليق: ٢ .
ثم انظر ما قلته فى تخريج الخبر السالف رقم : ١٦٢٢٥، وما ذكرته من الطريق الصحيحة
فى رواية هذا الخبر .

٣٨
تفسير سورة الأنفال : ٦٠
أعداءَ: ((وآخرين من دونهم لا تعلمونهم))، ولكن معنى ذلك إن شاء الله: ترهبون
بارتباطكم ، أيها المؤمنون ، الخيلَ عدوَّ اللّه وأعداء كم من بنى آدم الذين قد علمتم
عداوتهم لكم ، لكفرهم بالله ورسوله ، وترهبون بذلك جنساً آخر من غير بنى آدم ،
لا تعلمون أماكنهم وأحوالهم ، اللّه يعلمهم دونكم ، لأن بنى آدم لا يرونهم . وقيل:
إن صهيل الخيل يرهب الجن ، وأن الجن لا تقرب داراً فيها فرس . (١)
٠ ٠ ٠
فإن قال قائل : فإن المؤمنين كانوا لا يعلمون ما عليه المنافقون ، فما تنكر أن
يكون عُنِى بذلك المنافقون ؟
قيل : فإن المنافقين لم يكن تروعهم خيل المسلمين ولا سلاحهم ، وإنما كان
يَرُوعهم أن يظهر المسلمون على سرائرهم التى كانوا يستسرُّون من الكفر ، وإنما
أمر المؤمنون بإعداد القوة لإرهاب العدو، فأما من لم يرهبه ذلك، فغیر داخل فى معنى
من أمر بإعداد ذلك له المؤمنون. وقيل: ((لا تعلمونهم))، فاكتفى ! ((العلم))،
بمنصوب واحد فى هذا الموضع ، لأنه أريد: لا تعرفونهم ، كما قال الشاعر : (٢)
(١) ذكر ابن كثير فى تفسيره خبرين، أحدهما رواه ابن أبى حاتم، عن يزيد بن عبد الله
ابن عريب، عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هم الجن، فى هذه الآية.
ثم قال رواه الطبرانى، وزاد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يخبل بيت فيه عتيق الخيل))،
( انظر الإصابة ترجمة: عريب)، ثم قال ابن كثير: ((هذا الحديث منكر، لا يصح إسناده
ولا متنه)). وانظر القرطبى ٨: ٣٨.
وهذا الذى قاله الطبرى ، رده العلماء من قوله ، وحق لهم . وقد رجح ابن كثير وأبو حبان
(٤: ٥١٣)، أن المعنى بذلك هم المنافقون، وهو القول الذى رده أبو جعفر فيما يلى، ورد
أبى جعفر رد محكم .
فإن كان لنا أن نختار، فإنى أختار أن يكون عنى بذلك ، من خفى على المؤمنين أمره من أهل
الشرك ، كنصارى الشأم وغيرهم، ممن لم ينظر المؤمنون عداوتهم بعد ، وهى آتية سوف يرونها عياناً
بعد قليل . وفى الكلام فضل بحث ليس هذا مكانه، والآية عامة لا أدرى كيف يخصصها أبو جعفر ،
يخبر لا حجة فيه .
(٢) هو النمر بن تولب العكلى .

٣٩
تفسير سورة الأنفال : ٦٠
فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُنِى وَوَهْبًا وَأَنَّا سَوْفَ يَلْقَهُ كِلاَنَا(١)
٥
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ شَىْءٍ فِ سَبِيلِ
اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْثُمْ لَا تُظْلَمُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وما أنفقتم، أيها المؤمنون، من نفقة فى
شراء آلة حرب من سلاح أو حراب أو كُرّاع أو غير ذلك من النفقات ، (٢)
فى جهاد أعداء الله المشركين يخلفه الله عليكم فى الدنيا، ويدَّخر لكم
أجوركم على ذلك عنده حتى يوفِّكموها يوم القيامة(٣) =((وأنتم لا تظلمون))،
يقول : يفعل ذلك بكم ربكم ، فلا يضيع أجوركم عليه .
#
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
*
(١) الاقتضاب: ٣٠٣، المفصل الزمخشرى: ٨٨. وكان النمر بن تولب، نازع رجلا
يقال له ((وهب))، من قومه، فى بئر تدعى ((الدحول)) ( بالحاء المهملة)، فى أرض عكل ،
غيرة الماء ، يقول فيها من هذه الأبيات :
ولكنَّ الدَّحُولَ إِذَا أَتَهَاَ عِجَفُ المَالِ تَتْرُكَهُ مِمَنَ
وكان النمر سقاه منها ، فلم يشكر له ، وخان الأمانة ونازعه فيها فقال :
يُرِيدُ خِيَنَتِى وَهْبٌ، وَأَرْجُو مِنَ اللهِ البراءَةَ وَالأُمَانَا
وَيَعْلَمُ أَنْ سَيَلْقَاءُ كِلاَنَاَ
فإنَّ اللهَ يَعْلَمِ وَوَهْباً
وَإِنَّ بَنِى رَبِيعَةَ بَعْدَ وَهْبٍ
كَرَاعِى الْبَيْتِ يَحْفَظُهُ فَانَ
وكان البيت فى المطبوعة والمخطوطة :
فإن الله يعلمنى وأنا سوف يلقاهُ كلاناً
(٢) انظر تفسير ((النفقة)) فيما سلف من فهارس اللغة (نفق).
(٣) انظر تفسير ((وفى)) فيما سلف ١٢: ٢٢٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

٤٠
تفسير سورة الأنفال : ٦٠، ٦١
١٦٢٤٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، ((وما
تنفقوا من شىء فى سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون))، أى: لا يضيع لكم
عند الله أجرُه فى الآخرة ، وعاجل خَلَفه فى الدنيا .(١)
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّمِ فَاجْتَحْ لَمَاَ
وَتَوَكَّلْ عَى اللهِ إِنَّهُو هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ))
٢٤/١٠
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: وإما
تخافن من قوم خيانة وغدراً، فانبذ إليهم على سواء، وآذنهم بالحرب = ((وإن
جنحوا للسلم فاجنح لها ))، وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحربَ ، إما بالدخول
فى الإسلام ، وإما بإعطاء الجزية ، وإما بموادعة ، ونحو ذلك من أسباب السلم
والصلح(٢) = ((فاجنح لها))، يقول: فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه .
يقال منه: ((جنح الرجل إلى كذا يجنح إليه جنوحاً))، وهى تميم وقيس،
فيما ذكر عنها، تقول: ((يجنُح))، بضم النون، وآخرون يقولون: ((يجنح)) بكسر
النون ، وذلك إذا مال ، ومنه قول نابغة بنی ذبيان :
جَوَانِحَ قَدْ أَيْقَنَّ أَنَّ فَبِيلَهُ إِذَا مَا الْتَفَى الَجْعَانِ أَوَّلُ غَالِبٍ (٣)
« جوانح )»، موائل
٥
(١) الأثر: ١٦٢٤٤ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٩، ٣٣٠، وهو تابع الأثر السالف
رقم : ١٦٢١٨ .
(٢) انظر تفسير ((السلم)» فيما سلف ٤ : ٢٥١ - ٢٥٥.
(٣) ديوانه: ٤٣، من شعره المشهور فى عمرو بن الحارث الأعرج، حين هرب إلى الشام،
من النعمان بن المنذر فى خبر المتجردة، وقبله ، ذكر فيها غارة جيشه ، والنسور التى تتبع الجيش :