Indexed OCR Text
Pages 521-540
٠٢١ تفسير سورة الأنفال : ٣٥ القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّمُكَاء " تَكْفُرُونَ) ٦ وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما لهؤلاء المشركين ألا يعذبهم الله ، وهم يصدون عن المسجد الحرام الذين يصلون لله فیه ویعبدونه، ولم یکونوا لله أولياء، بل أولياؤه الذين يصدونهم عن المسجد الحرام، وهم لا يصلون فى المسجد الحرام= ((وما كان صلاتهم عند البيت))، يعنى بيت الله العتيق= ((إلاّ مُكاء))، وهو الصفير. يقال منه: (( مكا يمكومَكوًا ومُكاءً)) وقد قيل: إن ((المكو)) أن يجمع الرجل يديه، ثم يدخلهما فى فيه، ثم ويصيح. ويقال منه: ((مَكت است الدابة مُكاء))، إذا نفخت بالريح . ويقال: ((إنه لا يمكو إلا استٌ مكشوفة))، ولذلك قيل للاست : ((المَكْوة))، سميت بذلك، (١) ومن ذلك قول عنترة: وَحَلِيلٍ غَانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلاَ تَكُوْفَرِيِصَتُهُ كَثِدْقِ الْأَعْلَرِ(٣) وقول الطِّرِمَّاح: (١) تمامه سياقه أن يقال: ((سميت بذلك لصغيرها)). (٢) من معلقته المشهورة الغالية. سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٦، والمعانى الكبير: ٩٨١، واللسان ( مكا) وبعد البيت : سَبَقَتْ يَدَاىَ لَهُ بِعَجِلٍ طَعْنَةٍ وَرَشَشِ نَفِذَةٍ كَلَوَنِ الْعَنْدَمِ ((الحليل))، الزوج، و((الغانية)): البارعة الحسن والجمال، استغنت بجمالها عن التجمل. ((مجدلا))، صريعاً على الجدالة، وهى الأرض. و«الفريضة))، لحمة عند نغضى الكتف، فى وسط الجنب ، عند منبض القلب، وهما فريصتان، وهى التى ترعد عند الفزع ، فيقال الفزع : ((أرعدت فرائصه))، وإصابة الفريصة مقتل. و(الأعلى))، الجمل المشقوق الشفة العليا. خرج إليه هذا القتيل ، مدلا بقوته وشبابه ، يحفزه أن ينال إعجاب صاحبته الغانية الجميلة به إذا قتل عنترة ، فلم يكد حتى عاجله بالطعنة التى وصف ما وصف من اتساعها كشدق البعير الأعلم . ٥٢٢ تفسير سورة الأنفال : ٣٥ تَمْكُو جَوَانِهَاَ مِنَ الإِنْهَرِ (١) فَنَحَاً لِأَّوَلاَها بِطَمْنَةٍ مُحْفَظٍ بمعنى : تصوّت . وأما ((التصدية))، فإنها التصفيق، يقال منه: ((صدَّى يصدِّى تصدية)، و((صفّق))، و((صفّح))، بمعنى واحد. ٠ ٠ ٠ وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٦٠٢٢ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبی ، عن موسى بن قیس ، عن حجر بن عنبس: ((إلا مكاء وتصدية))، قال: ((المكاء))، التصفير = و ((التصدية))، التصفيق.(٢) ١٦٠٢٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على ، عن ابن عباس قوله: (( وما كان صلانهم عند البيت إلا مكاء وتصدية))، ((المكاء))، التصفير = و((التصدية))، التصفيق . ١٦٠٢٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى (١) ديوانه ١٤٩، والمعانى الكبير: ٩٨٣، وهو بيت من قصيدة مدح بها خالد بن عبد الله القسرى ، ولكن هذا البيت ، مفرد وحده لا صلة له بما قبله ، وهى قصيدة ناقصة بلا شك . وشرحه ابن قتيبة فقال: ((نحا)) انحرف، و((المحفظ))، المغضب. و((تمكو))، تصفر، وذلك عند سيلانها. و((الإنهار))، سعة الطعنة، ومنه قول قيس بن الخطيم، يصف طعنة : لَهَا نَفَذٌ لَوْلاَ الشُّعَاعُ أَضَاءَها طَمَنْتُ أَبْنَ عَبْدِ الْغَيْسِ طَعْنَةً ثَائِرٍ يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وَراءها مَلَكْتُ بها كَفَّى فَأَنْهَرْتُ فَتَقَّهَاً (٢) الأثر: ١٦٠٢٢ - ((موسى بن قيس الحضرى))، ((عصفور الجنة))، مضى برقم: ١٦٠٢٢ ٠ و((حجر بن عنبس الحضرى))، ((أبو العنب))، ويقال: ((أبو السكن))، قال ابن معين: ((شيخ كوفى ثقة مشهور)). تابعى، وكان شرب الدم فى الجاهلية، وشهد مع على الجمل وصفين مترجم فى التهذيب، والكبير ٦٨:١٢، وابن أبى حاتم ٢٦٦/٢/١. ٥.٢٠٣ تفسير سورة الأنفال : ٣٥ قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية))، يقول: كانت صلاة المشركين عند البيت ((مكاء)) = يعنى الصفير = و((تصدية))، يقول : التصفيق . ١٦٠٢٥ - حدثنى محمد بن عمارة الأسدی قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا فضيل، عن عطية: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية )»، قال : التصفيق والصفير . ١٦٠٢٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن قرة بن خالد ، عن عطية، عن ابن عمر قال: ((المكاء))، التصفيق، و((التصدية))، الصفير. قال : وأمال ابن عمر خدّه إلى جانب . ١٦٠٢٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا وكيع ، عن قرة بن خالد، عن عطية، عن ابن عمر: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكله وتصدية))، قال: ((المكاء)) و((التصدية))، الصفير والتصفيق. ١٦٠٢٨ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا القاسم قال، سمعت محمد بن الحسين يحدث، عن قرة بن خالد، عن عطية العوفى، عن ابن عمر قال: ((المكاء))، الصغير، و((التصدية))، التصفيق . ١٦٠٢٩ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا أبو عامر قال ، حدثنا قرة ، عن عطية، عن ابن عمر فى قوله: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية)) ، قال: ((المكاء))" الصفير، و((التصدية))، التصفيق= وقال قرة: وحكى لنا عطية فعل ابن عمر ، فصفر ، أوأمال خده ، وصفق بيديه . ١٦٠٣٠ - حدثی یونس قال؟، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى بكر بن مضر ، عن جعفر بن ربيعة قال : سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف يقول فى قول الله: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية))، قال بكر: ١٥٨/٩ فجمع لى جعفر كفيه ، ثم نفخ فيهما صفيراً ، كما قال له أبو سلمة . ٥٢٤ تفسير سورة الأنفال : ٣٥ ١٦٠٣١ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا إسرائيل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: ((المكاء))، الصفير، و((التصدية))، التصفيق . . قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سلمة بن سابور، ١٦٠٣٢ - عن عطية، عن ابن عمر: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية))، قال : تصفير وتصفيق .(١) ١٦٠٣٣ -.... قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، عن ابن عمر ، مثله . ١٦٠٣٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حبويه أبو يزيد ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفّرون ويصفقون، فأنزل الله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِى أُخْرَجَ لِعِبَادِهٍ﴾، [سورة الأعراف: ٣٢، فأمروا بالثياب . ١٦٠٣٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحمانى قال ، حدثنا شريك ، عن سالم ، عن سعيد قال: كانت قريش يعارضون النبى صلى اللّه عليه وسلم فى الطواف يستهزئون به، يصفرون ويصفقون، فنزلت: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية)) . ١٦٠٣٦ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد: ((إلا مكاء))، قال: كانوا ينفخون فى أيديهم، و((التصدية))، التصفيق. (١) الأثر: ١٦٠٣٢ - ((سلمة بن سابور»، روى عن عطية العوفى، وعبد الوارث مولى أنس. روى عنه أبو نعيم ، والفضل بن موسى ، وغيرهما . ضعفه ابن معين ، وثقه ابن حبان وقال: ((كان يحيى القطان يتكلم فيه، ومن المحال أن يلحق بسلمة ما جنت يدا عطية)). أما البخارى فاقتصر على قوله ((كان يحيى يتكلم فى عطية)، كأنه لا يريد استضعافه. مترجم فى لسان الميزان ٣: ٦٨، والكبير ٢/ ٨٤/٢، وابن أبى حاتم ٢ / ١ / ١٦٣، وضعفه، وميزان الاعتدال ٤٠٦:١، واقتصر فقال (( جرحوه )) ٥٢٥ تفسير سورة الأنفال : ٣٥ ١٦٠٣٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إلا مكاء وتصدية))، قال: ((المكاء))، إدخال أصابعهم فى أفواههم، و((التصدية)) التصفيق، يخلطون بذلك على محمد صلى الله عليه وسلم صلاته . ١٦٠٣٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد اللّه، عن ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد، مثله = إلا أنه لم يقل: ((صلاته)). ١٦٠٣٩ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: ((المكاء ))، إدخال أصابعهم فى أفواههم ، و ((التصدية))، التصفيق. قال: نفرٌ من بنى عبد الدار، كانوا يخلطون بذلك کله على محمد صلاته . ١٦٠٤٠ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا طلحة بن عمرو ، عن سعيد بن جبير: (( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية))، قال: من بين الأصابع = قال أحمد: سقط علىَّ حرف، وما أراه إلا الخَذْف (١) = والنفخ والصفير منها، وأرانى سعيد بن جبير حيث كانوا يَمْكون من ناحية أبى قُبيس .(٢) ١٦٠٤١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق بن سلمان قال ، أخبرنا طلحة ابن عمرو، عن سعيد بن جبير فى قوله: (( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية))، قال: ((المكاء))، كانوا يشبّكون بين أصابعهم ويصفرون بها ، فذلك (المكاء)). قال: وأرانى سعيد بن جبير المكان الذى كانوا يمكون فيه نحو أبى قُبيس. ١٦٠٤٢ -حدثی المثی قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا محمد بن حرب (١) ((الخذف))، وميك بحصاة أو نواة تأخذها بين سبابتيك، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ((الخذف)) وقال: ((إنه يفقأ عيناً، ولا ينكى العدو، ولا يحرز صيداً)). (٢) (أبو قبيس))، اسم الجبل المشرف على بطن مكة. ٥٢٦ تفسير سورة الأنفال : ٣٥ قال ، حدثنا ابن لهيعة ، عن جعفر بن ربيعة ، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن فى قوله: ((مكاء وتصدية))، قال: ((المكاء)) النفخ = وأشار بكفه قِبَل فيه = و ((التصدية))، التصفيق . ١٦٠٤٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربى ، عن جويبر ، عن الضحاك، قال: ((المكاء))، الصفير، و((التصدية))، التصفيق. ١٦٠٤٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك ، مثله . ١٦٠٤٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية))، قال: كنا نُحَدَّث أن ((المكاء))، التصفيق بالأيدى، و((التصدية))، صياح كانوا يعارضون به القرآن . ١٦٠٤٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة: ((مكاء وتصدية))، قال: ((المكاء))، التصفير، و((التصدية))، التصفيق. ١٦٠٤٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: (( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية )) ، و((المكاء))، الصغير، على نحوطير أبيض يقال له: ((المكتَّاء)) يكون بأرض الحجاز، (١) و((التصدية))، التصفيق . ١٦٠٤٨ - حدثى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((وما كان صلاتهم عند البيت إلاّ مكاء وتصدية))، قال: ((المكاء)، صغير كان أهل الجاهلية يُعلنون به. قال: وقال فى ((المكاء))، أيضاً: صغير فی أیدیهم ولعب . (١) ((المكاء)) (بضم الميم وتشديد الكاف)، وجمعه ((مكاكى)) طائر نحو القنبرة، إلا أن فى جناحيه بلقاً . سمى بذلك، لأنه يجمع يديه ، ثم يصفر فيهما صفيراً حسناً . ٥٢٧٠ تفسير سورة الأنفال : ٣٥ وقد قيل فى ((التصدية)): إنها ((الصد عن بيت الله الحرام)). وذلك قول لا وجه له، لأن ((التصدية))، مصدر من قول القائل: ((صدّيت تصدية)). وأما ((الصدّ) فلا يقال منه: ((صدَّيت))، إنما يقال منه: ((صدَدْت))، فإن شدَّدت منها الدال على معنى تكرير الفعل قيل: ((صدَّدْتَ تصديداً)).(١) إلا أن يكون صاحب هذا ١٥٩/٩ القول وجە ((التصدیة )) إلى أنه من (( صَدَّدت))، ثم قلبت إحدی دالیه یاء ، کما يقال: ((تظنَّيْتُ)) من ((ظننت))، وكما قال الراجز: (٢) • تَقَفِّىَ البَازِى إذَا البَازِى كَمَرْ.(٢) يعنى : تقضُّض البازى، فقلب إحدى ضاديه ياء ، فيكون ذلك وجهاً يوجَّه إليه . ٠٠٠ • ذكر من قال ما ذكرنا فى تأويل ((التصدية)). ١٦٠٤٩ - حدثنى أحمد بن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا طلحة بن عمرو ، عن سعيد بن جبير: (( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية)) ، صدهم عن بيت الله الحرام . ١٦٠٥٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق بن سليمان قال ، أخبرنا طلحة ابن عمرو، عن سعيد بن جبير: ((وتصدية)) قال: ((التصدية))، صدّهم الناس عن البيت الحرام . ١٦٠٥١ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((وتصدية))، قال: التصديد، عن سبيل الله، (٤) وصدّهم عن الصلاة وعن دين الله . (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((صددت تصدية))، وهو خطأ ظاهر، صوابه ما أثبت. (٢) هو العجاج . (٣) ملف البيت وتخريجه وشرحه ٢: ١٥٧، وسيأتى فى التفسير ٣٠: ١٢٥ (بولاق). (٤) فى المطبوعة: ((التصدية))، وفى المخطوطة توشك أن تقرأ هكذا وهكذا، ورأيت الأرجح أن تكون ((التصديد))، فأثبتها . ٥٢٨ تفسير سورة الأنفال : ٣٥ ١٦٠٥٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((وما کان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية )) ، قال : ما كان صلاتهم التى يزعمون أنها يُدْرَأ بها عنهم= ((إلا مكاء وتصدية))، وذلك ما لا يرضى الله ولا يحبّ، ولا ما افترض عليهم ، ولا ما أمرهم به. (١) ٠ ٠ ٠ وأما قوله: ((فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون))، فإنه يعنى العذاب الذى وعدهم به بالسيف يوم بدر. يقول للمشركين الذين قالوا: (( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء)) الآية ، حين أتاهم بما استعجلوه من العذاب = (( ذوقوا))، أى: اطعموا ، وليس بذوق بفم ، ولكنه ذوق بالحسّ ووجود طعم ألمه بالقلوب.(٢) يقول لهم: فذوقوا العذابَ بما كنتم تجحدون أن الله معذبكم به على جحودكم توحيد ربكم ، ورسالة نبيكم صلى الله عليه وسلم . ٠ ٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٦٠٥٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق : ((فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون))، أى: ما أوقع الله بهم يوم بدر من القتل.(٣) ١٦٠٥٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثنى حجاج، عن ابن جريج: ((فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون))، قال: هؤلاء أهل بدر، يوم عذبهم الله . ١٦٠٥٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون)) ، يعنى أهل بدر ، عذبهم الله يوم بدر بالقتل والأسر . (١) الأثر: ١٦٠٥٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٦، وهو تابع الأثر السالف رقم: ٠١٦٠٢١ (٢) انظر تفسير ((الذوق)) فيما سلف ص ٤٣٤، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٣) الأثر: ١٦٠٥٣ - سيرة ابن هشام ٣٢٦:٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ١٦٠٥. ٥٢٩ تفسير سورة الأنفال : ٣٦ القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَّلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَبُنِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمْ ◌ُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنْمَ مُحْشَرُونَ ﴾ ﴾) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : إن الدين كفروا بالله ورسوله ينفقون أموالهم، (١) فيعطونها أمثالهم من المشركين ليتقوّوا بها على قتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين به، ليصدّوا المؤمنين بالله ورسوله عن الإيمان بالله ورسوله، (٢) فسينفقون أموالهم فى ذلك، ثم تكون نفقتهم تلك عليهم = ((حسرة ))، يقول: تصير ندامة عليهم، (٣) لأن أموالهم تذهب، ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور الله، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله، لأن اللّه مُعْلى كلمته ، وجاعل كلمة الكفر السفلى ، ثم يغلبهم المؤمنون ، ويحشر اللّه الذين كفروا به وبرسوله إلى جهنم ، فيعذبون فيها ، (٤) فأعظم بها حسرة وندامة لمن عاش منهم ومن هلك! أما الحىّ ، فحُرِب ماله وذهبَ باطلاً فى غير دَرَك نفع، ورجع مغلوباً مقهوراً محروباً مسلوباً .(٥) وأما الهالك، فقتل وسُلب، وعُجِّل به إلى نار اللّه يخلُّد فيها، نعوذ بالله من غضبه . ٠ وكان الذى تولَّى النفقةَ التى ذكرها الله فى هذه الآية فيما ذُكر ، أبا سفيان. · ذکر من قال ذلك : (١) انظر تفسير ((الإنفاق)) فيما سلف من فهارس اللغة (نفق). (٢) انظر تفسير (الصد)) فيما سلف ١٢: ٥٥٩ تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((الحسرة)) فيما سلف ٣ : ٧/٢٩٥: ١١/٣٣٥ : ٣٢٥. (٤) انظر تفسير ((الحشر)) فيما سلف ص: ٤٧٢ تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٥) فى المطبوعة: ((محزونا مسلوباً))، والسياق يتقضى ما أثبت. ((محروب))، مسلوب المال. ج ١٣ (٣٤) ٥٣٠ تفسير سورة الأنفال : ٣٦ ١٦٠٥٦ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يعقوب القمى، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير فى قوله: ((إن الذين كفروا ينفقون أموالهم)) الآية، ((والذين كفروا إلى جهنم يحشرون))، قال : نزلت فى أبى سفيان بن حرب . استأجر يوم أحد ألفين من الأحابيش من بنى كنانة ، (١) فقاتل بهم النبيَّ صلى اللّه عليه وسلم، وهم الذين يقول فيهم كعب بن مالك : أَحَابِيشُ، مِنْهُمْ حَاسِرٌ وَمُقَنَّعُ (٣) وَجِثْنَاَ إلَى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وَسْطَه ثَلََّةُ آلآفٍ، ونَحْنُ نَصِيّةٌ ثَلاَثُ مِئِينَ، إِن كَثُرْنَ، فَأَرْبَعُ (٣) ١٦٠/٩ ١٦٠٥٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا إسحق بن إسمعيل ، عن يعقوب القمى، عن جعفر، عن ابن أبزى: (( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله))، قال: نزلت فى أبى سفيان: استأجر يوم أحد ألفين ليقاتل بهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، سوى من استجاش من العرب. (٣) (١) ((الأحابيش))، هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وعضل، والديش، من بنى الهون بن خزيمة، والمصطلق، والحيا، من خزاعة. وسميت ((الأحابش))، لاجتماعها وانضمامها محالفة لقريش، فى قتال بنى ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة . (انظر المحبر : ٢٤٦، ٢٦٧) و (نسب قريش : ٩). (٢) سيرة ابن هشام ٣: ١٤١، طبقات فحول الشعراء: ١٨٣، نسب قريش: ٩، وغيرها . ويعنى بقوله: ((فجئنا إلى موج))، جيش الكفار يوم أحد، يموج موجه . وكان عدة المشركين بأحد ثلاثة آلاف. و ((الحاسر)»، الذى لا درع له، ولا بيضة على رأسه. و((المقنع))، الدارع الذى لبس سلاحه ، ووضع البيضة على رأسه . (٣) ((نصية))، أى: خيار أشراف، أهل جلد وقتال. يقال: ((انتمى الشىء))، اختار ناصيته، أى أكرم ما فيه. وكان فى المطبوعة: ((ونحن نظنه))، وهو خطأ صرف، وهى فى المخطوطة ، كما كتبتها غير منقوطة . وهكذا جاء الرواية فى المخطوطة: ((إن كثرن فأربع)»، كأنه يعنى أنهم كانوا ثلاثمئة، فإن كثروا فأربعمئة . وهو لا يصح ، لأن عدة المسلمين يوم أحد كانت سبعمئة ، فصواب الرواية ما أنشده ابن إسحق وابن سلام . (((إنْ كَثُرْنَا وَأَرْبَعُ)) (٤) ((استجاش))، طلب منه الجيش وجمعه على عدوه. ٥٣١ تفسير سورة الأنفال : ٣٦ . قال، أخبرنا أبى ، عن خطاب بن عثمان العصفرى، ١٦٠٥٨ - . عن الحكم بن عتيبة: ((إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله))، قال : نزلت فى أبى سفيان . أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية من ذهب ، وكانت الأوقية يومئذ اثنين وأربعين مثقالاً .(١) ١٦٠٥٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله))، الآية، قال : لما قدم أبو سفيان بالعير إلى مكة أشَّبَ الناس ودعاهم إلى القتال ، (٢) حتى غزا نبيَّ اللّه من العام المقبل . وكانت بدر فى رمضان ، يوم الجمعة صبيحة سابع عشرة من شهر رمضان . وكانت أحد فى شوال يوم السبت لإحدى عشرة خلت منه فى العام الرابع . ١٦٠٦٠ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى قال : قال اللّه فيما كان المشركون ، ومنهم أبو سفيان ، يستأجرون الرجال يقاتلون محمداً بهم: ((إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله))، وهو محمد صلى الله عليه وسلم = ((فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة))، يقول: ندامة يوم القيامة وويل" (٣) = ((ثم يغلبون)). ١٦٠٦١ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: ((ينفقون أموالهم ليصدوا . (١) الأثر: ١٦٠٥٨ - ((خطاب بن عثمان العصفرى))، لم أجد له ترجمة فى غير ابن أبى حاتم ٢٨٦/٢/١، وقال: ((خطاب العصفرى)) روى عن الشعبى، روى عنه وكيع، ومحمد بن ربيعة، وأبو نعيم. سمعت أبى يقول ذلك. وسألته عنه فقال: ((شيخ)). ولم يذكر أن اسم أبيه ((عثمان)». (٢) فى المطبوعة: ((أنشد الناس))، وهو لا معنى له. وفى المخطوطة: ((أنسب)»، غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت. و(التأشيب))، التحريش بين القوم، و((التأشيب)»، التجميع، يقال: ((تأشب به أصحابه))، أى: اجتمعوا إليه وطافوا به . أراد أنه جمعهم وحرضهم على القتال . (٣) فى المطبوعة: ((وويلا))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب أيضاً. ٥٣٢ تفسير سورة الأنفال : ٣٦ عن سبيل الله))، الآية حتى قوله: ((أولئك هم الخاسرون))، قال : فى نفقة أبى سفیان على الكفار يوم أحد . ١٦٠٦٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله . ١٦٠٦٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال ، حدثنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهرى ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، وعاصم بن عمر بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، (١) [ وغيرهم من علمائنا ، كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد . وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقت من الحديث عن يوم أحد ، قالوا : أو من قاله منهم : لما أصيب] يوم بدر من كفار قريش من أصحاب القليب، (٢) ورجع فَلُّهم إلى مكة، (٣) ورجع أبو سفيان بعِيره، مشى عبد الله بن أبى ربيعة، (٤) وعكرمة ابن أبى جهل ، وصفوان بن أمية ، فى رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر ، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له فى تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش ، إن محمداً قد وتر كم وقتل خيار كم ، (٥) فأعينونا (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((الحصين بن عبد الرحمن وعمرو بن سعد بن معاذ»، وهو خطأ ، فقد مضى مراراً مثله . وصوابه من سيرة ابن هشام . (٢) هذه الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام، وإنما فعلت ذلك، لأن المطبوعة خالفت المخطوطة الخطأ فيها ، فكتب فى المطبوعة: ((قالوا: لما أصابت المسلمون يوم بدر ... »، وكان فى المخطوطة: ((قالوا: لما أصيبت قريش، أو من قاله منهم، يوم بدر))، وهو غير مستقيم ، فرجح قوله: ((أو من قال منهم»، أن الناسخ قد عجل فى نقل بقية الإسناد، وخلط الكلام فاضطرب . فلذلك أثبته بنصه من السيرة . (٣) ((الفل)) (بفتح الفاء): المنهزمون، الراجعون من جيش قد هزم. (٤) فى المطبوعة: ((عبد الله بن ربيعة))، خطأ محض. (٥) ((وتر القوم))، أدرك فيهم مكروهاً بقتل أو غيره. و((الموتور)) الذى قتل له قتيل فلم يدرك بدمه . ٥٣٣ تفسير سورة الأنفال : ٣٦ بهذا المال على حربه ، لعلنا أن ندرك منه ثأراً بمن أصيب منا ! ففعلوا . قال : ففيهم، كما ذكر عن ابن عباس، (١) أنزل الله: ((إن الذين كفروا ينفقون أموالهم)) إلى قوله: ((والذين كفروا إلى جهنم يحشرون)).(٢) ١٦٠٦٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله))، إلى قوله: ((يحشرون))،يعنى النفر الذين مشوا إلى أبى سفيان ، وإلى من كان له مال من قريش فى تلك التجارة، فسألوهم أن يُقَوّوهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، (٣) ففعلوا. (٤) ١٦٠٦٥ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى سعيد بن أبى أيوب ، عن عطاء بن دينار فى قول الله: ((إن الذين كفروا ينفقون أموالهم)»، الآية ، نزلت فى أبى سفيان بن حرب .(٥) # وقال بعضهم : عنى بذلك المشركون من أهل بدر . . ذكر من قال ذلك : ١٦٠٦٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله )) الآية ، قال : هم أهل بدر . ٠ ٠ ٠ (١) الذى فى سيرة ابن هشام: ((قال ابن إسحق، ففيهم، كما ذكر لى بعض أهل العلم )»، ولم يسند الكلام إلى ابن عباس . (٢) الأثر: ١٦٠٦٣ - سيرة ابن هشام ٣ : ٦٤. (٣) فى المطبوعة: ((أن يعينوهم))، وفى سيرة ابن هشام: ((يقومهم بها)»، بزيادة. (٤) الأثر: ١٦٠٦٤ سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٧، وهو تابع الأثر السالف رقم : ٠١٦٠٥٣ (٥) الأثر: ١٦٠٦٥ - ((سعيد بن أبى أيوب مقلاص المصرى))، مضى مراراً، آخرها رقم: ١٣١٧٨. وكان فى المخطوطة: ((سعيد بن أيوب))، وصححه ناشر المطبوعة. و ((عطاء بن دينار الهذلى المصرى))، مضى أيضاً برقم: ١٦٠، ١٣١٧٨، بمثل هذا الإسناد . ٥٣٤ تفسير سورة الأنفال : ٣٦، ٣٧ قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى ما قلنا ، وهو أن يقال : إن الله أخبر عن الذين كفروا به من مشركى قريش ، أنهم ينفقون أموالهم ليصدُوا عن سبيل الله. لم يخبرنا بأىّ أولئك عنى، غير أنه عم بالخبر ((الذين كفروا)). وجائز أن يكون عَنَى المنفقين أموالهم لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأحد = وجائز أن يكون عنى المنفقين منهم ذلك ببدر - وجائز أن يكون عنى الفريقين . وإذا كان ذلك كذلك ، فالصواب فى ذلك أن يعمّ كما عم جل ثناؤه الذين كفروا من قريش . ٠ ٠ ١٦١/٩ القول فى تأويل قوله ﴿ لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُوَ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْ كُمَهُ جِيمَا فَجْمُهُ فِى جَهََّ أُوْلَئِكَ هُمُ اَلْسِرُونَ) (3) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : يحشر اللّه هؤلاء الذين كفروا بربهم وينفقون أموالهم للصدّ عن سبيل الله، إلى جهنم، ليفرق بينهم = وهم أهل الخبث، كما قال وسماهم ((الخبيث)) = وبين المؤمنين بالله وبرسوله، وهم ((الطيبون))، كما سماهم جل ثناؤه . فميّز جل ثناؤه بينهم بأن أسكن أهل الإيمان به وبرسوله جناته،وأنزل أهل الكفر نارَه .(١) ٠ ٠ ٠ وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : ٠ ١٦٠٦٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية ، (١) انظر تفسير ((الخبيث)) فيما سلف ص: ١٦٥، تعليق: ٣، ٤، والمراجع هناك. = وتفسير ((الطيب )) فيما سلف من فهارس اللغة (طيب). ٥٣٥ تفسير سورة الأنفال : ٣٧ عن على، عن ابن عباس قوله: ((ليميز اللّه الخبيث من الطيب))، فميَّز أهل السعادة من أهل الشقاوة . ١٦٠٦٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قال : ثم ذكر المشركين وما يصنع بهم يوم القيامة ، فقال: ((لميز اللّه الخبيث من الطيب))، يقول: يميز المؤمن من الكافر ، فيجعل الخبيث بعضه على بعض . ويعنى جل ثناؤه بقوله: ((فيجعل الخبيث بعضه على بعض)) ، فيجعل الكفار بعضهم فوق بعض = (( فيركمه جميعاً))، يقول : فيجعلهم ركاماً ، وهو أن يجمع بعضهم إلى بعض حتى يكثروا ، كما قال جل ثناؤه فى صفة السحاب : ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامَ﴾ ، [ سورة النور: ٤٣]، أى: مجتمعاً كثيفاً، وكما :- ١٦٠٦٩ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فی قوله: (( فيركمه جميعاً))، قال : فيجمعه جميعاً بعضه على بعض . ٠٠٠ وقوله: ((فيجعله فى جهنم )) يقول: فيجعل الخبيث جميعاً فى جهنم = فوحَّد الخبر عنهم لتوحيد قوله: ((يميز الله الخبيث))، ثم قال: ((أولئك هم الخاسرون))، فجمع، ولم يقل: ((ذلك هو الخاسر))، فردَّه إلى أول الخبر. ويعنى بـ ((أولئك))، الذين كفروا ، وتأويله: هؤلاء الذين ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله ((هم الخاسرون))، ويعنى بقوله: ((الخاسرون))، الذين غُبنت صفقتهم، وخسرت تجارتهم.(١) وذلك أنهم شَرَوْا بأموالهم عذابَ اللّه فى الآخرة ، وتعجَّلوا بإنفاقهم إياها فيما أنفقوا من قتال نىّ اللّه والمؤمنين به ، الخزىّ والذلّ . ٠ ٠ ٠ (١) انظر تفسير ((خسر)) فيما سلف ١٢: ٥٧٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك. ٥٣٦ تفسير سورة الأنفال : ٣٨ القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِنَ يَنْتَهُوْ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يُعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ) (@) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (( قل ))، يا محمد، ((للذين كفروا))، من مشركى قومك = ((إن ينتهوا))، عما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله ورسوله ، وقتالك وقتال المؤمنين ، فينيبوا إلى الإيمان(١) = يغفر الله لهم ما قد خلا ومضى من ذنوبهم قبل إيمانهم وإنابتهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله بإيمانهم وتوبتهم (٢) = ((وإن يعودوا))، يقول: وإن يعد هؤلاء المشركون لقتالك بعد الوقعة التى أوقعتها بهم يوم بدر = فقد مضت سنتى فى الأولين منهم ببدر، ومن غيرهم من القرون الخالية ، (٣) إذ طغوا وكذبوا رسلى ولم يقبلوا نصحهم ، من إحلال عاجل النِّقَ بهم، فأحلّ بهؤلاء إن عادوا لحربك وقتالك ، مثل الذى أحللت بهم . (٤) ٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٦٠٧٠ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قوله: ((فقد مضت سنة الأولين))، فى قريش يوم بدر ، وغيرها من الأمم قبل ذلك . ١٦٠٧١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله . (١) انظر تفسير ((الانتهاء)) فيما سلف: ٤٥٥، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((ملف)) فيما سلف ٦: ٨/١٤: ١٣٨، ١١/١٥٠ : ٤٨. (٣) انظر تفسير ((سنة)) فيما سلف ٧ : ٨/٢٢٨: ٢٠٩. (٤) فى المطبوعة: ((الذين أحللت بهم))، وفى المخطوطة سيئة الكتابة، صوابها ما أثبت. ٥٣٧ تفسير سورة الأنفال : ٣٨، ٣٩ ١٦٠٧٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله . ١٦٠٧٣ - حدثنى ابن وكيع قال ، (١) حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فقد مضت سنة الأولين))، قال : فى قريش وغيرها من الأمم قبل ذلك . ١٦٠٧٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال فى قوله: ((قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا »، لحربك = ((فقد مضت سنة الأولين))، أى: من قُتل منهم يوم بدر. (٢) ١٦٠٧٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((وإن يعودوا))، لقتالك = ((فقد مضت سنة الأولين)»، من أهل بدر . القول فى تأويل قوله ﴿وَقَتْلُوهُمْ خَتِىُ لَا تَكُونَ فِْتَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ ، ◌ِّهِ فَإِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يُعَمُلُونَ بَصِيرٌ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله : وإن يعد هؤلاء لحربك، فقد رأيتم سنتى فيمن قاتلكم منهم يوم بدر، وأنا عائد بمثلها فيمن ١٦٢/٩ حاربكم منهم ، فقاتلوهم حتى لا يكون شرك ، ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له ، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض = وهو ((الفتنة)) (٣) = (( ويكون الدين ... ))، وهو خطأ ظاهر، (١) فى المطبوعة: ((حدثنا المثنى قال، حدثنا ابن وكيع وصوابه من المخطوطة . (٢) الأثر: ١٦٠٧٤ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٧، وهو تابع الأثر السالف رقم : ٠١٦٠٦٤ (٣) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف: ٤٨٦، تعليق: ١، والمراجع هناك. ٥٣٨ تفسير سورة الأنفال : ٣٩ كله لله))، يقول: وحتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصةً دون غيره.(١) وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : ٠ ١٦٠٧٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ، عن على، عن ابن عباس قوله: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة))، يعنى : حتى لا يكون شرك . ١٦٠٧٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن يونس، عن الحسن فى قوله: ((وقاتلوهم حتى لاتكون فتنة))، قال : ((الفتنة))، الشرك . ١٦٠٧٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ))، يقول : قاتلوهم حتى لا يكون شرك = ((ويكون الدين كله لله))، حتى يقال: ((لا إله إلا اللّه))، عليها قاتل نبى الله صلى الله عليه وسلم، وإليها دَعا . ١٦٠٧٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة))، قال : حتى لا یکون شرك . ١٦٠٨٠ - حدثنى الحارث قال: حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا مبارك ابن فضالة، عن الحسن فى قوله: (( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة )» ، قال : حتى لا یکون بلاء . (١) وتفسير (الدين)) فيما سلف ١: ١٥٥، ٦/١٥٦: ٢٧٣ - ٢٧٥، وغيرها فى فهارس اللغة ( دين) . ٥٣٩ تفسير سورة الأنفال : ٣٩ ١٦٠٨١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله))، أى : لا يفتن مؤمن عن دينه ، ويكون التوحيد لله خالصاً ليس له فيه شرك ، وُيخلع ما دونه من الأنداد .(١) ١٦٠٨٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة))، قال: حتى لا يكون كفر = (( ويكون الدين كله لله )» ، لا يكون مع دينكم كفر . ١٦٠٨٣ - حدثنى عبد الوارث بن عبد الصمد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنا أبان العطار قال ، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه : أن عبد الملك بن مروان كتبَ إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: (( سلام عليك ، فإنى أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو. أما بعد، فإنك كتبت إلىّ تسألنى عن مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وسأخبرك به ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. كان من شأن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبيُّ! ونعم السيد ! ونعم العشيرة ! فجزاه الله خيراً، وعرّفنا وجهه فى الجنة ، وأحيانًا على ملته، وأماتنا عليها ، وبعثنا عليها . وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله له من الهدى والنور الذى أنزل عليه، لم يَبْعُدُوا منه أوّلَ ما دعاهم إليه، (٢) وكادوا (١) الأثر: ١٦٠٨١ - هذا نص ابن هشام فى سيرته، من روايته عن ابن إسحق، فأنا أكاد أقطع أن هذا الخبر ملفق من خبرين : أولهما هذا الإسناد الأول ، سقط نص خبره . والآخر إسناد أبى جعفر إلى ابن إسحق ، وهو هذا : (( حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق فى قوله : .. »، ثم هذا السياق الذى هنا ، وهو نص ما فى ابن هشام . انظر سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٧، وهو تابع الأثر السالف رقم : ١٦٠٧٤. (٢) فى المطبوعة: ((لم ينفروا منه))، غير ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى التاريخ. ٥٤٠ تفسير سورة الأنفال : ٣٩ يسمعون له ، (١) حتى ذكر طواغيتهم . وقدم ناس من الطائف من قريش ، لهم أموال ، أنكر ذلك ناسٌ واشتدّوا عليه، (٢) وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس فتركوه ، (٣) إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل . فمكث بذلك ما قدّر الله أن يمكث ، ثم انتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنةٌ شديدة الزلزال، (٤) فافتُتِن من افتّن، وعصم اللّه من شاء منهم . فلما فُعِل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى أرض الحبشة. وكان بالحبشة ملك صالح يقال له ((النجاشى))، لا يُظلم أحد بأرضه، (٥) وكان يُثْنَى عليه مع ذلك [صلاح]، (٦) وكانت أرض الحبشة متجراً لقريش، يَتْجَرون فيها، ومساكن لتجارهم، (٧) يجدون فيها رقاغاً من الرزق وأمناً ومتْجراً حسناً، (٨) فأمرهم بها النبى صلى الله عليه وسلم، فذهب إليها عامتهم لما قُهِروا بمكة، وخاف عليهم الفتن.(٩) ومكث هو فلم يبرح. فمكث ذلك (١) فى المطبوعة: ((وكانوا يسمعون))، غير ما فى المخطوطة، وهو مطابق التاريخ. (٢) فى المطبوعة: ((أنكر ذلك عليه ناس))، زاد ((عليه))، وفى التاريخ: ((أنكروا ذلك عليه))، ليس فيه ((ناس)). (٣) فى المطبوعة: ((فانعطف عنه))، غير ما فى المخطوطة عبئاً، وهو مطابق لما فى التاريخ. و ((انصفق عنه الناس))، رجعوا وانصرفوا. و((انصفقوا عليه)): أطبقوا واجتمعوا، أصله من ((الصفقة))، وهو الاجتماع على الشىء. وإنما غير المعنى استعمال الحرف، فى الأولى ((عنه)»، وفى الأخرى ((عليه)) . وهذا من محاسن العربية . (٤) فى المخطوطة: ((شدودة الزلزال))، وهو سهو من الناسخ. (٥) فى المخطوطة: ((لا يظلم بأرضه))، وصححها الناشر وتصحيحه مطابق لما فى التاريخ. (٦) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبرى. (٧) قوله: ((ومساكن لتجارهم))، ليست فى التاريخ، وفى المطبوعة: ((لتجارتهم))، وهو خطأ ، صوابه من المخطوطة ، وابن كثير . (٨) فى المطبوعة: ((رتاعاً من الرزق))، خالف المخطوطة، لأنها غير منقوطة، وهى مطابقة لما فى التاريخ. و((الرفاغ)) مصدر ((رفع)) (بفتح فضم)، وهو قياس العربية، والذى فى المعاجم ((رفاغة)). يقال: ((إنه لفى رفاغة من العيش))، و((رفاغية)) (على وزن: ثمانية): سعة من العيش وطيب وخصب. و ((عيش رافع». (٩) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وخافوا عليهم الفتن))، والجيد ما أثبته من التاريخ.