Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
تفسير سورة الأنفال : ١٧،١٦
وغيره: (١) أنه لا يجوز أن يحكم لحكم آية بنسخ، وله فى غير النسخ وجه، إلا بحجة
يجب التسليم لها، من خبر يقطع العذر ، أو حجة عقل . ولا حجة من هذين
المعنيين تدل على نسخ حكم قول الله عز وجل: ((ومن يوهم يومئذ دبره إلا متحرفاً
لقتال أو متحيزًا إلى فئة)).
٠٠٠
وأما قوله: ((فقد باء بغضب من الله))، يقول : فقد رجع بغضب من
اللّه(٢) = ((ومأواه جهنم))، يقول: ومصيره الذى يصير إليه فى معاده يوم القيامة
جهنم (٣) = ((وبئس المصير))، يقول: وبئس الموضع الذى يصير إليه ذلك
المصير .(٤)
#
القول فى تأويل قوله ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلْكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا
رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَىْ وَلِيْلِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاء حَسَنَا إِنَّ
اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله ، ممن شهد بدرًا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش: فلم تقتلوا
المشركين ، أيها المؤمنون ، أنتم ، ولكن اللّه قتلهم .
٠
٠
وأضاف جل ثناؤه قتلهم إلى نفسه، ونفاه عن المؤمنين به الذين قاتلوا المشر کین،
إذا كان جل ثناؤه هو مسبِّب قتلهم ، وعن أمره كان قتالُ المؤمنين إياهم . ففى
ذلك أدلُ الدليل على فساد قول المنكرين أن يكون للّه فى أفعال خلقه صُنْحٌ به
وصلوا إليها .
(١) انظر ما قاله فى ((النسح))، فى فهارس الموضوعات، وفى فهارس اللغة والنحو وغيرهما .
(٢) انظر تفسير ((باء)) فيما سلف ١٠: ٢١٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((مأوى)) فيما سلف ١٠: ٤٨١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((المصير)) فيما سلف ٩: ٢٠٥، تعليق: ٥، والمراجع هناك.

٤٤٢
تفسير سورة الأنفال : ١٧
وكذلك قوله لتبيه عليه السلام: ((وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى))،
فأضاف الرمىّ إلی نی الله، ثم نفاه عنه،وأخبر عن نفسه أنه هو الرامی،إذ كان جل
ثناؤه هو الموصل المربىّ به إلى الذين رُمُوا به من المشركين، والمسبِّب الرمية لرسوله .
فيقال للمنكرين ملّذكرنا(١): قد علمتم إضافة اللّه رَمْىٍ نبيه صلى الله عليه
وسلم المشركين إلى نفسه، بعد وصفه نبيِّه به، وإضافته إليه، وذلك فعلٌ واحد، (٢)
كان من اللّه تسبيبه وتسديده، (٣) ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحذفُ
والإرسال ، فما تنكرون أن يكون كذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة: من الله
الإنشاء والإنجاز بالتسبيب، ومن الخلق الاكتسابُ بالقُوى؟ فلن يقولوا فى أحدهما
قولاً إلا ألزموا فى الآخر مثله .
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٥٨١٧ -حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ،عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: ((فلم تقتلوهم ))، لأصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم حين قال هذا: ((قتلت))، وهذا: ((قتلت) = (( وما رميت
إذ رميت))، قال : لمحمد حين حَصَب الكفار .
١٥٨١٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه .
١٥٨١٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((المسلمين ما ذكرنا))، وهو خطأ صرف، وظاهر أن كاتب
النسخة التى نقل عنها ناسخ المخطوطة، قد وصل ((راء)) المنكرين بالياء والنون، ولم يضع شرطة
الكاف كمادتهم ، فقرأها خطأ ، ونقلها خطأ .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ذلك)) بغير واو، والكلام لا يستقيم بغيرها.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((تسبيبه))، وهو خطأً من الناسخ، صوابه ما أثبت بغير
باء فى أوله ، كما يدل عليه السياق .
١٣٦

٤٤٣
تفسير سورة الأنفال : ١٧
قتادة: ((وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى))، قال: رماهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالخصباء يوم بدر .
١٥٨٢٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة قال : ما وقع منها شىء إلاّ فى عين رجل .
١٥٨٢١ - حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال ، حدثنا
أبى قال ، حدثنا أبان العطار قال ، حدثنا هشام بن عروة قال : لما ورد رسول الله
صلى الله عليه وسلم بدرًا قال: هذه مصارعهم! ووجد المشركون النبيَّ صلى اللّه
عليه وسلم قد سبقهم إليه ونزل عليه ، فلما طلعوا عليه زعموا أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال: (( هذه قريش قد جاءت بجَلَبتها وفخرها ، تحادُّك وتكذب رسولك،
اللهم إنى أسألك ما وعدتنى!)). فلما أقبلوا استقبلهم ، فحثا فى وجوههم ،
فهزمهم الله عز وجل . (١)
١٥٨٢٢ - حدثنا أحمد بن منصور قال، حدثنا يعقوب بن محمد قال ،
حدثنا عبد العزيز بن عمران قال ، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة ،
عن يزيد بن عبد الله ، عن أبى بكر بن سليمان بن أبى حثمة ، عن حكيم بن
حزام قال: لما كان يوم بدر، سمعنا صوتاً وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت
فى طَسْت، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرمية فانهزمنا. (٢)
(١) الأثر: ١٥٨٢١ - ((أيان العطار))، هو ((أبان بن يزيد العطار))، ثقة،
مضى : ٣٨٣٢، ٩٦٥٦ ، ١٣٥١٨، ١٥٧١٩ .
وهذا الخبر رواه أبو جعفر فى تاريخه ٢ : ٢٦٨ فى أثناء خبر طويل ، قد مضى بعضه
برقم : ١٥٧١٩، وهو من كتاب عروة إلى عبد الملك بن مروان، ورواه أبو جعفر مفرقاً فى التاريخ،
سأخرجه مجموعاً فى تخريج الأثر رقم : ١٦٠٨٣.
وكان فى المطبوعة هنا: ((قد جاءت بخيلائها وفخرها))، وهو تصرف قبيح. وأثبت ما فى المخطوطة،
وهو مطابق لما فى التاريخ .
و ((الجلبة))، هو اختلاط الناس إذ تجمعوا، وصاح بعضهم ببعض يذمره ويستحثه،
كالذى يكون فى اجتماع الجيوش .
(٢) الأثر: ١٥٨٢٢ - ((أحمد بن منصور بن سيار بن المعارك الرمادى))، شيخ
الطبرى ، ثقة مضى برقم : ١٠٢٦٠ ، ١٠٥٢١.

٤٤٤
تفسير سورة الأنفال : ١٧.
١٥٨٢٣ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر،
عن محمد بن قيس ، ومحمد بن كعب القرظى قالا : لما دنا القوم بعضهم من
بعض، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضه من تراب فرمى بها فى وجوه القوم ،
وقال: ((شاهت الوجوه !))، فدخلت فى أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم ، وكانت هزيمتهم فى رمية رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وأنزل الله: ((وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى))، الآية، إلى: ((إن
الله سميع عليم)).
١٥٨٢٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((وما رميت إذ رميت))، الآية، ذكر لنا أن نبى الله صلى الله
عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاثة أحجار ورمى بها وجوه الكفار ، فهزموا عند الحجر
الثالث .
و («يعقوب بن محمد الزهرى)»، مختلف فيه، وهو صدوق ، ولكن لا يبالى عمن حدث .
مضى برقم : ٢٨٦٧ ، ٨٠١٢ ، ١٥٦٥٤، ١٥٧١٤ .
و ((عبد العزيز بن عمران بن عبد العزيز الزهرى))، الأعرج ، يعرف بابن أبى ثابت .
ضعيف ، كان صاحب نسب، لم يكن من أصحاب الحديث . مضى برقم : ٨٠١٢، ١٥٧٥٦.
و ((موسى بن يعقوب بن عبد الله بن وهب بن زمعة الأسدى القرشى))، ثقة، متكلم فيه،
وقال أحمد: ((لا يعجبنى حديثه))، وقال أبو داود: ((له مشايح مجهولون)). مضى برقم : ٩٩٢٣،
٠١٥٧٥٦
و ((يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة الأسدى القرشى))، روى عنه ابن أخيه ((موسى بن يعقوب)).
مترجم فى الكبير ٤ /٣٤٦/٢، وابن أبى حاتم ٤ /٢٧٦/٢، ولم يذكرا فيه جرحاً.
و ((أبو بكر بن سليمان بن أبى حثمة العدوى))، كان من علماء قريش. ثقة. مترجم فى التهذيب،
والكنى للبخارى: ١٣، وابن أبى حاتم ٤ /٣٤١/٢.
وهذا خبر ضعيف الإسناد، لضعف ((عبد العزيز بن عمران الزهرى))، وذكره ابن كثير
فى تفسيره ٤: ٣٢، وقال: ((غريب من هذا الوجه))، فقصر فى بيان إسناده.
بيد أن الهيثمى ذكره فى مجمع الزوائد ٦: ٨٤، وقال: ((رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط،
وإسناده حسن)»، فاصله إسناد غير هذا ، فإنه قد ضعف عبد العزيز بن عمران فى هذا الباب
مراراً كثيرة .
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ١٧٤، وزاد نسبته إلى ابن أبى حاتم ، والطبرانى ،
وابن مردويه .

٤٤٥
تفسير سورة الأنفال : ١٧
١٥٨٢٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين التقى
الجمعان يوم بدر لعلى: ((أعطنى حصاً من الأرض))، فناوله حصى عليه تراب ،
فرمى به وجوه القوم ، فلم يبق مشرك إلاّ دخل فى عينيه من ذلك التراب شىء ، ثم
رَدِ فهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم،(١) فذكر رميةَ النبى صلى اللّه عليه وسلم
فقال: ((فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى)).
١٥٨٢٦ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمی ) ، قال : هذا يوم بدر ، أخذ رسول
الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات، فرمى بحصاة فى ميمنة القوم ، وحصاة
فى ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال: ((شاهت الوجوه!))، وانهزموا ،
فذلك قول الله عز وجل: (( ومارميت إذ رميت ولكن الله رمى)).
١٥٨٢٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على ، عن ابن عباس قال: رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يوم بدر
فقال : يا رب ، إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد فى الأرض أبداً ! فقال له جبريل:
خذ قبضة من التراب ! فأخذ قبضة من التراب ، فرمى بها فى وجوههم، فمامن
المشركين من أحد إلا أصابَ عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة ، فولَّوا
مدبرين .
١٥٨٢٨ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال :
قال الله عز وجل فى ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين بالحصباء من يده
حين رماهم: ((ومارميت إذ رميت ولكن الله ربى))، أى: لم يكن ذلك برميتك ، لولا
الذى جعل الله فيها من نصرك، وما ألقى فى صدور عدوك منها حين هزمهم اللّه.(٢)
٠٠٠
(١) ((ردفه)) (بفتح فكسر): اتبعه ودهمه.
(٢) الأثر: ١٥٨٢٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٣، وهو تابع الأثر السالف رقم:

٤٤٦
تفسير سورة الأنفال : ١٧
وروى عن الزهرى فى ذلك قول خلاف هذه الأقوال ، وهو ما : -
١٥٨٢٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
١٣٧/٩ معمر، عن الزهرى: ((وما رميت إذ رميت))، قال: جاء أبى بن خلف الجمحى
إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، فقال: ((آللّه محي هذا، يا محمد ، وهو
رميم ؟)، وهو يفتُ العظم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: يحييه اللّه، ثم يمتيك،
ثم يدخلك النار! قال : فلما كان يوم أحد قال: والله لأقتلن محمداً إذا رأيته !
فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال: بل أنا أقتله إن شاء الله.(١)
١٥٧٨٣. وكان فى المطبوعة والمخطوطة، أغفل ذكر ((وما رميت إذ رميت))، وأتى ببقية الآية.
وكان فى المخطوطة ((حين هزمهم))، بغير ذكر لفظ الجلالة، فغيرها فى المطبوعة فقال: ((فهزمتهم)).
وأثبت ما فى سيرة ابن هشام .
(١) أخشى أن يكون فى هذا الموضع من التفسير نقص، فإنى وجدت ابن كثير (٤: ٣٢)
قد ذكر فى تفسير هذه الآية ما نسبه إلى ابن جرير ، وهذا نصه بترتيبه وتعليقه :
« وههنا قولان آخران غریبان جدًّا:
أحدهما : قال ابن جرير: حدثنى محمد بن عوف الطائى ، حدثنا أبو المغيرة ،
حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
يوم ابن أبى الحقيق بخير، دعاً بقوس، فأتىَ بقوسٍ طويلة، وقال : حيثونى بقوس
غيرها . فجيؤوه بقوسٍ كَبْداء، فرمى النبيّ صلى الله عليه وسلم الحصن ، فأقبل السهم
يهوى حتى قتل ابن أبى الحقيق، وهو فى فراشه، فأنزل الله: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ
وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى)).
وهذا غريب، وإسناده حيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه،
أو أنه أراد أن الآيه تعم هذا كله، وإلا فسياق الآية فى سورة الأنفال فى قصة بدر
لا تَحالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم.
والثانى: روى ابن جرير أيضاً، والحاكم فى مستدركه ، بإسناد صحيح إلى سعيد

٤٤٧
تفسير سورة الأنفال : ١٧
ابن المسيّب والزهرى أنهما قالا: أنزلت فى رمية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحُدٍ
أُبَّ بن خلفٍ بالحربة فى لَأُمَته، فدشه فى تَرْقُوَته ، جمل يتدأدا عن فرسه مراراً .
حتى كانت وفاته بعد أيام قاسى فيها العذاب الأليمَ ، موصولاً بعذابٍ البرزخ ،
المتصل بعذاب الآخرة .
وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضًا جدًّا، ولعلهما أرادًا أن الآية تتناوله
بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة، كما تقدم ، والله أعلم» .
قلت : والخبر الأول منهما ، رواه الواحدى فى أسباب النزول: ١٧٤ من طريق («صفوان
ابن عمرو، عن عبد العزيز بن جبير))، وقوله: ((عبد العزيز))، خطأ، صوابه ما فى تفسير
ابن كثير .
ثم إن السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ١٧٥، خرج هذين الخبرين منسوبين إلى ابن جرير
أيضاً، وزاد نسبته الأول منهما إلى ابن أبى حاتم . وذكر الثانى وزاد نسبته إلى ابن المنذر ، وابن
أبى حاتم .
ثم زاد السيوطى فى الدر المنثور هذا الخبران ، أنقلهما أيضاً بنصهما منه:
الأول : ((أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبى حاتم، عن سعيد بن المسيب
قال : لما کان یوم أُحُد ، أخذ أبىّ بن خلفٍ يركض فرسه حتى دنا من رسول الله
صلى الله عليه وسلم، واعترض رجالٌ من المسلمين لأبىّ بن خلف ليقتلوه. فقال لهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأخروا ! فاستأخرُوا، فأخذ رسول الله صلى الله
عليه وسلم حربته فى يده فرمى بها أبيّ بن خلف، وكسر ضِلَماً من أضلاعه ، فرجع
أبيّ بن خلف إلى أصحابه ثقيلاً، فاحتملوه حين وَأَوا قافلين ، فطفقوا يقولون:
لا بأس! فقال أبىّ حين قالوا له ذلك: والله لو كانت بالناس لقتلتهم! ألم يقل: إِنّى
أقتلك إن شاء الله؟ فانطلق به أصحابه يَنْمَشونه حتى مات ببعض الطريق، فدفنوه.
قال ابن المسيب: وفى ذلك أنزل الله تعالى: وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ الآية)).
الثانى: «وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن الزهرى فى قوله: ومَا رَمَيْتَ
إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى . قال: حيث رمَى أبىَّ بنَ خلف يوم أُحُدٍ بحربته،

٤٤٨
تفسير سورة الأنفال : ١٧
وأما قوله: ((وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً))، فإنّ معناه: وكى ينعم على
المؤمنين بالله ورسوله بالظفر بأعدائهم، (١) ويغنّمهم ما معهم، ويكتب لهم أجور
أعمالهم وجهادهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٢)
٠٠٠
وذلك ((البلاء الحسن))، ربى الله هؤلاء المشركين، ويعنى بـ ((البلاء الحسن))،
النعمة الحسنة الجميلة، وهى ما وصفت وما فى معناه . (٣)
٠٠٠
١٥٨٣٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال
فى قوله: ((وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً» ، أى: ليعرُّف المؤمنين من نعمه عليهم ،
فى إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه، ولیشکروا
بذلك نعمته . (٤)
٥
٠
وقوله: ((إن الله سميع عليم))، يعنى: إن الله سميع، أيها المؤمنون، لدعاء
النبى صلى الله عليه وسلم ، ومناشدته ربه ، ومسألته إياه إهلاكَ عدوه وعدوكم ،
فقيل له : إنْ يَكُ إلَّ جَحْش! قال: أليسَ قال: أما أقلَك؟ والله لو قالها لجميع
الخلق لماتوا !))
فهذا كله ، يوشك أن يرجح سقوط شىء من أخبار أبى جعفر فى هذا لموضع . إلا أن تكون
هذه الأخبار ستأتى فيما بعد فى غير هذا الموضع. أما فيما سلف، فإن خبر ((أبى بن خلف)) قد مضى
فى حديث السدى رقم : ٧٩٤٣ (ج ٧ : ٢٥٥).
والخبر الأول رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٣٢٧، من طريق محمد بن فليح ، عن موسى
ابن عقبة ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين
ولم يخرجاه ، ووافقه الذهبى .
(١) فى المطبوعة: ((ولينم))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((ويثبت لهم أجور أعمالهم))، وهو لا معنى له، ولم يحسن قراءة المخطوطة،
خطأ فى نقطها .
(٣) انظر تفسير ((البلاء)) فيما سلف ص: ٨٥، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٤) الأثر: ١٥٨٣٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٣، ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف
رقم: ١٥٨٢٨. وفى السيرة سقط من السياق قوله. ((مع كثرة عددهم))، فيصحح هناك.

٤٤٩
تفسير سورة الأنفال : ١٨،١٧
ولقيلكم وقيل جميع خلقه = ((عليم))، بذلك كله، وبما فيه صلاحكم وصلاح
عباده ، وغير ذلك من الأشياء ، محيط به، فاتقوه وأطيعوا أمرَه وأمر رسوله.(١)
٠
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ ذُلِّكُمْ وَأَنّْ اللهَ مُومِنُ كَيْدِ
اَلْكَفِرِينَ) )
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ذلكم))، هذا الفعل = من قتل
المشركين ، ورميهم حتى انهزموا ، وابتلاء المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم ،
وإمكانهم من قتلهم وأسرهم = فعلنا الذى فعلنا =((وإنّ اللّه موهن كيد الكافرین))،
يقول: واعلموا أن الله مع ذلك مُضْعِف(٢) =((كيد الكافرين))، يعنى:
مكرهم، (٣) حتى يَذِلُّوا وينقادوا للحق، أو يُهْلَكوا.(٤)
وفى فتح ((أن)) من الوجوه ما فى قوله: ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ ◌ِلْكَافِرِينَ﴾،
[ سورة الأنفال: ١٤]، وقد بينته هنالك.(٥)
٠٠٠
وقد اختلفت القرأة فى قرأة قوله: (( موهن)) .
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض المكبين والبصريين: (مُوَهِّنُ) بالتشديد،
من: ((وهَّنت الشىء))، ضعَّقته .
(١) انظر تفسير ((جميع) و((عليم)) فيما ملف من فهارس اللغة (سمع)، (على).
(٢) انظر تفسير ((الوهن)) فيما ملف ٧: ٢٣٤، ٩/٢٦٩: ١٧٠ .
(٣) انظر تفسير ((الكيد)) فيا سلف ص: ٣٢٢) تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٤) فى المخطوطة: ((ويهلكوا))، وصواب السياق ما أثبت.
(٥) انظر ما سلف ص : ٤٣٤.
ج ١٣ (٢٩)

٤٥٠
تفسير سورة الأنفال : ١٨، ١٩
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: (مُوهِنُ)، من ((أوهنته، فأنا موهنه))، بمعنى:
أضعفته .
قال أبو جعفر: والتشديد فى ذلك أعجبُ إلىّ، لأن الله تعالى ذكره كان
٠
ينقض ما يبرمه المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، عقداً بعد عقد ،
وشيئاً بعد شىء . وإن كان الآخرُ وجهاً صحيحاً .
القول فى تأويل قوله ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَ كُمُ الْفَتْحُ وإِن
تَّهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَمُودُواْ نَعُدْ وَلَن ◌ُغْفِىَ عَنْكُمْ فَتُكُمْ شَيْئاً
وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمشركين الذين حاربوا رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم بيدر: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح))، يعنى : أن تستحكموا
اللّه على أقطع الحزبين للرحم ، وأظلم الفئتين ، وتستنصروه عليه ، فقد جاءكم
حكم الله، ونصرُه المظلوم على الظالم، والمحق على المبطل.(١)
#
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٨٣١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربى ، عن جويبر ، عن
الضحاك: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح))، قال: إن تستقضوا فقد جاءكم
القضاء .
(١) انظر تفسير ((الاستفتاح)) و((الفتح)) فيما سلف ٢: ١٠/٢٥٤: ٤٠٥ ،
١٢/٤٠٦ ٠ ٠٥٦٣

٤٥١
تفسير سورة الأنفال : ١٩
١٥٨٣٢ -.... قال، حدثنا سويد بن عمرو الكلبى ، عن حماد
ابن زيد، عن أيوب، عن عكرمة: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح »، قال :
إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء .
١٥٨٣٣ - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی
معاوية ، عن على، عن ابن عباس قوله: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح )) ،
يعنى بذلك المشركين : إن تستنصروا فقد جاءكم المدد .
١٥٨٣٤ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جریج قال ، أخبرنی عبد الله بن کثیر، عن ابن عباس قوله: (( إن تستفتحوا)»،
قال: إن تستقضوا القضاء = وإنه كان يقول: ((وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن
تعودوانعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئاً»، قلت: للمشركين؟ قال: لا نعلمه إلاّ ذلك(١).
١٥٨٣٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: ((إن تستفتحوا فقد جاءك
الفتح))، قال: كفار قريش فى قولهم: ((ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه))!
قفتح بينهم يوم بدر .
١٥٨٣٦ - حدثى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، نحوه .
١٥٨٣٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن الزهرى: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح))، قال : استفتح
أبو جهل فقال: ((اللهم)) = يعنى محمداً ونفسه = ((أيُّنا كان أفجرَ لك، اللهم
وأقطعَ للرحم، فأحِنْه اليوم))!(٢) قال الله: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)).
١٥٨٣٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الزهرى فى قوله: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح))، قال : استفتح
١٣٨/٩
(١) فى المطبوعة ومخطوطة، ((لا نعلم))، والميد ما أثبت.
(٢) يقال: ((أحانه الله))، أهلكه. و((الحين)) (بفتح فسكون): الهلاك، أو هو
أجل الهلاك على التحقيق .

٤٥٢
تفسير سورة الأنفال : ١٩
أبو جهل بن هشام فقال: (( اللهم أيُّنَا كان أفجر لك وأقطعَ للرحم، فأحنه
اليوم!)) يعنى محمداً عليه الصلاة والسلام ونفسه. قال الله عز وجل: ((إن تستفتحوا
فقد جاءكم الفتح))، فضربه ابنا عفراء : عوف ومعوِّذ، وأجهزَ عليه ابن
مسعود .
١٥٨٣٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى الليث قال ،
حدثی عقيل، عن ابن شهاب قال : أخبرنى عبد الله بن ثعلبة بن صُغیر العدوى،
حليف بنى زهرة : أن المستفتح يومئذ أبو جهل ، وأنه قال حين التقى القوم :
(( أينا أقطعُ للرحم، وآتانا بما لا يُعرف، فأحِنْه الغداة ))! فكان ذلك استفتاحه،
فأنزل الله فى ذلك: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح))، الآية.(١)
١٥٨٤٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح))، الآية، يقول: قد كانت بدرٌ قضاءً"
وعِبْرةً لمن اعتبر .
(١) الأثر: ١٥٨٣٩ - ((عبد الله بن ثعلبة بن صعير العدوى))، مسح رسول الله صلى الله
عليه وسلم وجهه ورأسه زمن الفتح، ودعا له. وقال أبو حاتم: ((رأى النبى صلى الله عليه
وسلم وهو صغير))، وقال البخارى فى التاريخ: ((عبد الله بن ثعلبة، عن النبى صلى الله
عليه وسلم، مرسل، إلا أن يكون عن أبيه، وهو أشبه)). مترجم فى الإصابة، والتهذيب، وأسد
الغابة، والاستيعاب: ٣٤١، وابن أبى حاتم ١٩/٢/٢.
وهذا الخبر سيأتى من طريق ابن إسحق، عن الزهرى، برقم : ١٥٨٤٦، ١٥٨٤٨، ومن
طريق صالح بن كيسان ، عن الزهرى ، رقم : ١٥٨٤٧ .
ورواه أحمد فى مسنده ٥ : ٤٣١، ٤ من طريق يزيد بن هرون، عن ابن إسحق ، عن الزهرى،
وص : ٤٣١، ٤٣٢، من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحق ،
عن الزهرى .
ورواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٣٢٨ من طريق يزيد بن هرون، عن محمد بن إسحق ، عن
الزهرى = ثم من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ،
عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن الزهرى، وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ،
ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي.
وهذا الإسناد الثانى الذى ذكره الحاكم، لم أجده فى المسند، و((إبراهيم بن سعد)» يروى عن
((صالح بن كيسان))، وعن ((الزهرى))، وعن (ابن إسحق)).

٤٥٣
تفسير سورة الأنفال : ١٩
١٥٨٤١ -حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : كان المشركون حين خرجوا إلى النبى صلى الله
عليه وسلم من مكة، أخذوا بأستار الكعبة واستنصروا اللّه وقالوا: ((اللهم انصر
أعز الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين))! فقال الله: ((إن تستفتحوا فقد
جاءكم الفتح))، يقول: نصرت ما قلتم ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم.
١٥٨٤٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ،
حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((إن تستفتحوا فقد
جاءكم الفتح)) إلى قوله: ((وأن اللّه مع المؤمنين))، وذلك حين خرج المشركون
ينظرون عِيرَهم ، وأن أهلَ الغير ، أبا سفيان وأصحابه ، أرسلوا إلى المشركين
بمكة يستنصرونهم ، فقال أبو جهل: (( أينا كان خيرًا عندك فانصره ))! وهو قوله:
((إن تستفتحوا))، يقول : تستنصروا.
١٥٨٤٣ - حدثی يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح))، قال: إن تستفتحوا العذاب، فعُذَّ بوا
يوم بدر. قال: وكان استفتاحهم بمكة، قالوا: ﴿اللَّهُمّ إِنْ كانَ هذَا هُوَ الْحَقِّ مِنْ
عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ انْتِنَا بِعَذَابِ أَلِيمٍ﴾، [سورة الأنفال: ٣٢].
قال : فجاءهم العذاب يوم بدر . وأخبر عن يوم أحد: ((وإن تعودوا نعد ولن
تغنى عنكم فتتكم شيئاً ولو كثرت وأن اللّه مع المؤمنين)).
١٥٨٤٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن فضيل ، عن مطرف ، عن
عطية قال: قال أبو جهل يوم بدر: (( اللهم انصر أهدى الفئتين ، وخير الفئتين
وأفضل)) فنزلت: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح))،
١٥٨٤٥ - .
. قال، حدثنا عبد الأعلى، عن معمر ، عن الزهرى :
أن أبا جهل هو الذى استفتح يوم بدر وقال: ((،اللهم أينا كان أفجر وأقطع
لرحمه، فأحينْه اليوم))! فأنزل الله: ((إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح)).
. قال، حدثنا يزيد بن هرون ، عن ابن إسحق ،
١٥٨٤٦ - .

٤٥٤
تفسير سورة الأنفال : ١٩
عن الزهرى ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير : أن أبا جهل قال يوم بدر :
((اللهم" أقطعنا لرحمه، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة!)). وكان ذلك استفتاحاً
منه، فنزلت: ((إن تستفتحوا فقد جاء كم الفتح))، الآية.(١)
١٥٨٤٧ -
قال ، حدثنا يحيى بن آدم، عن إبراهيم بن سعد ،
عن صالح بن كيسان ، عن الزهرى ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير قال :
كان المستفتح يوم بدر أبا جهل، قال: ((اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف،
فأحنه الغداة!))، فأنزل الله: ((إن تستفتحوا فقد جاء كم الفتح)). (٢)
١٥٨٤٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن بن إسحق قال ،
حدثنى محمد بن مسلم الزهرى ، عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير ، حليف
بنى زهرة قال: لما التّى الناس ودنا بعضهم من بعض، قال أبو جهل: ((اللهم
أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة!))، فكان هو المستفتح على
نفسه = (٣) قال ابن إسحق: فقال الله: ((إن تستفتحوا فقد جاء كم الفتح))،
لقول أبى جهل: ((اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة!))،
قال: ((الاستفتاح))، الإنصاف فى الدعاء . (٤)
١٥٨٤٩ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا أبو معشر،
عن يزيد بن رومان وغيره قال: أبو جهل يوم بدر: (( اللهم انصر أحب الدينين
إليك، ديننا العتيق، أم دينهم الحديث))! فأنزل الله: ((إن تستفتحوا فقد
جاءكم الفتح))، إلى قوله: ((وأن اللّه مع المؤمنين)).
١٣٩/٩
٠ ٠
(١) الأثر: ١٥٨٤٦ - انظر تخريج الأثر رقم: ١٥٨٣٩، والخبرين التاليين.
(٢) الأثر : ١٥٨٤٧ - انظر تخريج الآثار السالفة، والذى سيايه .
(٣) قول: ((على نفسه))، ليست فى سيرة ابن هشام ٢: ٢٨٠. وانظر تخريج الخبر، بعد.
(٤) الأثر: ١٥٨٤٨ - هما خبران، أولهما إلى قوله: ((المستفتح على نفسه))، رواه
ابن هشام فى سيرته ٢ : ٢٨٠، وسائر الخبر، رواه فى سيرته ٢ : ٣٢٤، وهو تابع الأثر :
١٥٨٣٠ .
وانظر تخريج الأثر رقم : ١٥٨٣٩.

٤٩٥
تفسير سورة الأنفال : ١٩
وأما قوله: ((وإن تنتهوا فهو خير لكم))، فإنه يقول: ((وإن تنتهوا))،
يا معشر قريش، وجماعة الكفار، عن الكفر بالله ورسوله، وقتال نبيه صلى الله
عليه وسلم والمؤمنين به = ((فهو خير لكم))، فى دنياكم وآخرتكم (١) = (( وإن
تعودوا بعد))، يقول: وإن تعودوا لحربه وقتاله وقتال أتباعه المؤمنين = ( تعد))،
أى : يمثل الوقعة التى أوقعت بكم يوم بدر .
وقوله : ( ولن تغی عنگم فتتكم شيئاً ولو کثرت ))، يقول : وإن تعودوا نعد
هلا ککم بأیدی أولیائی وهز یمتکم ، ولن تغی عنكم عند عودی لقتلکم بأيديهم
وسبيكم وهزمكم (٢) = ((فتكم شيئاً ولو كثرت))، يعنى: جندهم وجماعتهم من
المشركين ، (٣) كما لم يغنوا عنهم يوم بدر، مع كثرة عددهم وقلة عدد المؤمنين، شيئاً
= ((وأن اللّه مع المؤمنين))، يقول جل ذكره: وأن الله مع من آمن به من عباده
على من كفر به منهم ، ينصرهم عليهم ، أو يظهرهم كما أظهرهم يوم بدر على
المشركين .(٤)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٨٥٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق فى قوله :
(( وإن تنتهوا فهو خير لكم))، قال: يقول لقريش = ((وإن تعودوا نعد)»، لمثل
الوقعة التى أصابتكم يوم بدر = ((ولن تغنى عنكم فتتكم شيئاً ولو كثرت وأن الله
مع المؤمنين)»، أى: وإن كثر عدد كم فى أنفسكم لن يغنى عنكم شيئاً . وإنى مع
المؤمنين ، أنصرهم على من خالفهم . (٥).
(١) انظر تفسير ((الانتماء)) فيما سلف ٢٠: ٥٦٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((أغنى)) فيما سلف ٧ : ١٣٣
(٣) انظر تفسير ((فئة)) فيما سلف ص: ٤٣٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((مع)) فيما سلف ض: ٤٢٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) الأثر: ١٥٨٥٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم :
١٥٨٤٨، فى القسم الثانى منه .

٤٥٦
تفسير سورة الأنفال : ١٩
وقد قيل: إن معنى قوله: ((وإن تعودوا نعد))، وإن تعودوا للاستفتاح ،
فعد لفتح محمد صلى الله عليه وسلم .
وهذا القول لا معنى له ، لأن الله تعالى قد كان ضمن لنبيه عليه السلام حين
أذن له فى حرب أعدائه، إظهار دينه وإعلاء كلمته ، من قبل أن يستفتح أبو جهل
وحزبه ، فلا وجه لأن يقال والأمر كذلك: ((إن تنتهوا عن الاستفتاح فهو خير
لكم، وإن تعودوا نعد))، لأن الله قد كان وعد نبيه صلى الله عليه وسلم الفتح
بقوله : (أُذِنَ لَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَهُمْ ظُلُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ،
[ سورة الحج: ٣٩]، استفتح المشركون أو لم يستفتحوا .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٨٥١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وإن تعودوا نعد))، إن تستفتحوا الثانية ، نفتح
لمحمد صلى الله عليه وسلم = ((ولن تغنى عنكم فتتكم شيئاً ولو كثرت وأن اللّه مع
المؤمنين )) ، محمد وأصحابه .
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((وأن اللّه مع المؤمنين)).
ففتحها عامة قرأة أهل المدينة بمعنى : ولن تغنى عنكم فئتكم شيئاً ولو كثرت
وأن الله لمع المؤمنين=(١) فعطف بـ((أن)) على موضع ((ولو كثرت))، كأنه قال:
لكثرتها، ولأن الله مع المؤمنين. ويكون موضع ((أن)) حينئذ نصباً على هذا القول.(٢)
وكان بعض أهل العربية يزعم أن فتحها إذا فتحت، على: ((وأنّ اللّه موهن
كيد الكافرين))، ((وأن اللّه مع المؤمنين))، عطفاً بالأخرى على الأولى .
٠ ٠
وكان فى المطبوعة و((إن الله مع المؤمنين ينصرهم))، وفى المخطوطة مثله إلا أن فيها ((أنصرهم))،
وأثبت نص ما فى سيرة ابن هشام ، والذى فى المخطوطة بعضه سهو من الناسخ وعجلة .
(١) فى المطبوعة: ((مع المؤمنين)) بغير لام، وأثبت ما فى المخطوطة، وأنا فى شك منه.
(٢) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٠٧ .

٤٥٧
تفسير سورة الأنفال : ٢٠،١٩
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين: ﴿وَ إِنَّ اللهَ﴾، بكسر الألف، على
الابتداء، واعتلوا بأنها فى قراءة عبد الله: ﴿وإنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
٠ ٥
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب، قراءة من كسر (( إن)) للابتداء،
لتقضَّى الخبر قبل ذلك عما يقتضى قوله: ((وأن اللّه مع المؤمنين)).(١)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ يَأْ يِهاَ الَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ أُلهَ
وَرَسُولَهُ, وَلَا تَوَلَّواْ عَنْهُ وَأَثُمْ تَسْمَعُونَ) )
قال أبو جعفر : إيقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله =
((أطيعوا الله ورسوله))، فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه = ((ولا تولوا عنه))، يقول:
ولا تدبروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفين أمره ونهيه(٢) =((وأنتم تسمعون)).
أمرَه إياكم ونهيه ، وأنتم به مؤمنون ، كما : -
١٥٨٥٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((يا أبيه)
الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون))، أى: لا تخالفوا أمره،
وأنتم تسمعون لقوله ، وتزعمون أنكم منه .(٢)
٥
(١) فى المطبوعة: ((عما يقضى قوله))، والصواب ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((التولى)) فيما سلف من فهارض اللغة (ولى).
(٣) الأثر: ١٥٨٥٢ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم
١٥٨٥٠ ٠
وكا فى المطبوعة هنا ((وتزعمون أنكم مؤمنون))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو المطابق لما فى سيرة
ابن هشام .

٤٥٨
تفسير سورة الأنفال : ٢١
٠٫٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَلُواْ سَمِسْنَاَ
وَهُمْ لَا يَشْعُونَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبى الله
صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا ، أيها المؤمنين ، فى مخالفة رسول الله صلى الله عليه
١٤٠/٩ وسلم، كالمشركين الذين إذا سمعوا كتاب اللّه يتلى عليهم قالوا: ((قد سمعنا))، بآ ذاننا
= (( وهم لا يسمعون))، يقول: وهم لا يعتبرون ما يسمعون بآ ذانهم ولا ينتفعون به،
الإعراضهم عنه، وتركهم أن يُوعُوه قلوبهم ويتدبروه . فجعلهم الله، إذ لم ينتفعوا
بمواعظ القرآن وإن كانوا قد سمعوها بآذانهم ، (١) بمنزلة من لم يسمعها . يقول جل
ثناؤه لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكونوا أنتم فى الإعراض عن أمر
رسول الله، وترك الانتهاء إليه وأنتم تسمعونه بآ ذانكم ، كهؤلاء المشركين الذين
يسمعون مواعظ كتاب الله بآذانهم، ويقولون: ((قد سمعنا))، وهم عن الاستماع
لها والاتعاظ بها معرضون كمن لا يسمَعُها .(٢)
٠٠٠
وكان ابن إسحق يقول فى ذلك ما :-
١٥٨٥٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((ولا
تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ))، أى : كالمنافقين الذين يظهر ون له
الطاعة ، وُيُسِرُون المعصية .(٣)
١٥٨٥٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
(١) فى المطبوعة: ((فجعلهم الله لما لم ينتفعوا))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المخطوطة: ((وهم لاستعمالها والاتعاظ بها))، والصواب ما فى المطبوعة، وإنما هو
إسقاط من الناسخ فى كتابته. وكان فى المطبوعة: ((كمن لم يسمعها))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) الأثر: ١٥٨٥٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٤، وهو تابع الأثر السالف رقم :
٠١٥٨٥٢

٤٥٩
تفسير سورة الأنفال : ٢٢،٢١
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وهم لا يسمعون))،
قال : عاصون .
١٥٨٥٥- حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبى
نجيح ، عن مجاهد مثله .
قال أبو جعفر: والذى قال ابن إسحق وجه ، ولكن قوله: ((ولا تكونوا
كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون)»، فى سياق قصص المشركين، ويتلوه الخبر
عنهم بذمّهم، وهو قوله: ﴿ إِنَّ شَرّ الدَّوَابِّ عِنْدَ أَشْرِ العُمُّ الْبُكْمُ الّذِينَ
لاَ يَعْلُونَ﴾،فلأن یکون ما بينهما خبرًا عنهم، أولى منأن یکون خبراً عن غيرهم .
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ شَرَّ التَّوَابِ عِندِ الْهِ السُّمُ أَحَمْ
الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾
٢٢
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إنّ شر ما دبَّ على الأرض من خلق
الله عند الله، (١) الذين يصغون عن الحق لئلا يستمعوه، (٢) فيعتبروا به ويتعظوا
به، وينكُصون عنه إن نطقوا به، (٣) الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، فیستعملوا
بهما أبدانهم .
٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
(١) انظر تفسير ((دابة)) فيما سلف ٣: ١١/٢٧٥: ٣٤٤.
(٢) انظر تفسير ((الصمم)) فيما سلف ١: ٣٢٨ - ٣/٣٣١: ١٠/٣١٥ : ٤٧٨/
١١ : ٠٣٥٠
(٣) انظر تفسير ((البكم)) فيما سلف ١: ٣٢٨ - ٣/٣٣١: ١٢/٣١٥ : ٣٥٠.

٤٦٠
تفسير سورة الأنفال : ٢٢
١٥٨٥٦ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((إن شر الدواب عند اللّه))، قال: ((الدواب))، الخلق.
١٥٨٥٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج، عن عكرمة قال: وكانوا يقولون: ((إنا صم بكم عما يدعو إليه
محمد ، لا نسمعه منه ، ولا نجيبه به بتصديق ! )) فقتلوا جميعاً بأحد ، وكانوا
أصحابَ اللواء .
١٥٨٥٨ -حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((الصم البكم الذين لا يعقلون)) ،
قال : الذين لا يتبعون الحق .
١٥٨٥٩ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون))، وليس بالأصم فى
الدنيا ولا بالأبكم، ولكن صمّ القلوب وبُكمها ومُميها! وقرأ: ﴿فَإِنَّهَ لاَ تَعْمَى
الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ اَلَِّ فِ الصُّدُورِ﴾، [سورة الحج: ٤٦].
واختلف فيمن عنى بهذه الآية .
فقال بعضهم : عُنى بها نفرٌ من المشركين .
. ذكر من قال ذلك :
١٥٨٦٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال ، قال ابن عباس: ((الصم البكم الذين
لا يعقلون)) ، نفرٌ من بنى عبد الدار ، لا يتبعون الحق .
. قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله ، عن
١٥٨٦١ - .
ورقاء ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: ((الصم البكم الذين لازَيعقلون))،
قال : لا يتبعون الحق = قال، قال ابن عباس: هم نفرً من بنى عبد الدار .
١٥٨٦١ م-حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج، عن