Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
تفسير سورة الأنفال : ١٢،١١
واستشهد هؤلاء لصحة قراءتهم كذلك بقوله فى (( آل عمران)): ﴿يَغْشَى
[سورة آل عمران: ١٥٤].
طَائتـ
قال أبو جعفر : وأولى ذلك بالصواب: ﴿ إِذْ يُغَشِّيَكُمْ﴾، علىما ذكرت من
قراءة الكوفيين ، لإجماع جميع القرأة على قراءة قوله: ((وينزل عليكم من السماء
ماء)، بتوجيه ذلك إلى أنه من فعل الله عز وجل، فكذلك الواجب أن يكون كذلك
((يغشيكم))، إذ كان قوله: ((وينزل))، عطفاً على ((يغشى))، ليكون الكلام
متسقاً على نحو واحد .
وأما قوله عز وجل: ((وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ))، فإن ذلك
مطرٌ أنزله الله من السماء يوم بدر ليطهر به المؤمنين لصلاتهم ، لأنهم كانوا أصبحوا ١٣٠/٩
يومئذ مجْنِبين على غير ماء. فلما أنزل الله عليهم الماء اغتسلوا وتطهروا، وكان الشيطان
قد وسوس إليهم بما حزنهم به من إصباحهم مجنبين على غير ماء ، فأذهب اللّه ذلك
من قلوبهم بالمطر . فذلك ربطه على قلوبهم ، وتقويته أسبابهم ، وتثبيته بذلك
المطر أقدامهم ، لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على رملة ميثاء، (١) فلبَّدها المطر،
حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها، توطئةً من الله عز وجل لنبيه عليه
السلام وأوليائه ، أسباب التمكن من عدوهم والظفر بهم .
وبمثل الذى قلنا تتابعت الأخبار عن [ أصحاب] رسول الله صلى الله عليه وسلم
وغيرهم من أهل العلم .(٢)
(١) فى المطبوعة: ((على رملة هشاء))، ولا أصل لذلك فى اللغة، كلام لا يقال . وهو
فى المخطوطة من الكتابة قليلا، صواب قراءته ما أثبت. و((الرملة الميثاء))، الينة السهلة. قد
تسوخ فيها الرجل قليلا .
(٢) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، والأخبار الآتية تدل على صحة ذلك. وكان فى
المخطوطة أمام هذا السطر حرف (ط) دلالة على الخطأ والشك .

٤٢٢
تفسير سورة الأنفال : ١١ ، ١٢
ذكر الأخبار الواردة بذلك :
#
١٥٧٦٤ - حدثنا هرون بن إسحق قال ، حدثنا مصعب بن المقدام قال ،
حدثنا إسرائيل قال ، حدثنا أبو إسحق ، عن حارثة ، عن على رضى الله عنه
قال : أصابنا من الليل طَشّ من المطر (١) = يعنى الليلة التى كانت فى صبيحتها
وقعة بدر = فانطلقنا تحت الشجرة والحَجَف نستظل تحتها من المطر، (٢) وبات
رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد
فى الأرض!))، فلما أن طلع الفجر، نادى: ((الصلاةَ، عبادَ الله!))، فجاء
الناس من تحت الشجر والحجف ، فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وحرّض على القتال. (٣)
١٥٧٦٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حفص بن غياث، وأبو خالد ،
عن داود، عن سعيد بن المسيب: ((ماء ليطهركم به))، قال : طش يوم بدر .
١٥٧٦٦ - حدثى الحسن بن يزيد قال، حدثنا حفص ، عن داود ، عن
سعيد ، بنحوه . (٤)
(١) ((الطش))، المطر القليل، وهو فوق ((الرذاذ)).
(٢) فى المطبوعة: ((تحت الشجر))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب جيد.
= و ((الحجف)) (بفتحتين) جمع ((حجفة)). وهى الترس، يكون من الجلود ليس فيه
خشب ولا عقب، وهو مثل ((الدرقة)).
(٣) الأثر: ١٥٧٦٤ - ((هرون بن إسحق الهمدانى))، شيخ الطبرى، مضى برقم:
٣٠٠١، ١٠٨٧٣ ٠
و ((مصعب بن المقدام الخشمى))، ثقة، مضى برقم: ١٢٩١، ٣٠٠١، ١٠٨٧٣،
وغيرها .
و ((إسرائيل)) هو ((إسرائيل بن يونس بن إسحق السبيعى))، ثقة حافظ، مضى مراراً كثيرة .
و((أبو إسحق))، هوجد ((إسرائيل))، ((أبو إسحق السبيعى))، مضى مراراً.
و ((حارثة)) هو ((حارثة بن مضرب العبدى))، من ثقات التابعين، مضى برقم : ٢٠٥٧ ،
٠٨٥٩٧
وهو خبر صحيح الإسناد ، خرجه السيوطى مختصراً بغير هذا اللفظ ، ونسبه إلى ابن جرير ،
وأبى الشيخ، وابن مردويه. الدر المنثور ٣ : ١٧١.
(٤) الأثر: ١٥٧٦٦ - ((الحسن بن يزيد))، لم أجد فى شيوخ أبى جعفر، وفيمن

٤٢٣
تفسير سورة الأنفال : ١٢٠١١
١٥٧٦٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا محمد بن أبى عدى، وعبد الأعلى،
عن داود ، عن الشعبى، وسعيد بن المسيب ، قالا : طش يوم بدر .
١٥٧٦٨ -حدثنا ابن المثنی قال، حدثنا ابن أبی عدی، عن داود ، عن
الشعبى ، وسعيد بن المسيب فى هذه الآية: (( ينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم
به ويذهب عنكم رجز الشيطان)»، قالا: طشٌّكان يوم بدر، فثبَّت اللّه به الأقدام.
١٥٧٦٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((إذ يغشاكم النعاس أمنة منه)) الآية، ذكرلنا أنهم مُطروا يومئذ
حتى سال الوادى ماءً، واقتتلوا على كثيب أعفر، (١) فلبَّده الله بالماء ، وشرب
المسلمون وتوضأوا وسقوا، وأذهب الله عنهم وسواس الشيطان .
٢٥٧٧٠٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد اللّه قال ، حدثنى معاوية ، عن
على ، عن ابن عباس قال : نزل النبى صلى الله عليه وسلم - يعنى: حين سار
إلى بدر= والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دَعْصَة، (٢) فأصاب المسلمين ضعف
شديد ، وألقى الشيطان فى قلوبهم الغيظ ، فوسوس بينهم : تزعمون أنكم أولياء الله
وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلُّون مُجْنِبين! فأمطر الله عليهم
مطرًا شديداً ، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان ، وثبت
روى عن حفص بن غياث، من يقال له ((الحسن بن يزيد))، وأرجح أنه :
((الحسن بن عرفة بن يزيد العبدى))، شيخ أبى جعفر، نسبه إلى جده ، وقد مضى برقم :
٩٣٧٣ ، ١٢٨٥١ ٠
. (١) ((الأعفر))، الرمل الأحمر.
(٢): ((رملة دعصة))، هكذا جاء فى التفسير، فى المخطوطة والمطبوعة، وفى ابن كثير،
وضبطته بفتح الدال، لأنى رجوت أن يكون صفة، كقولهم: ((الدعصاء))، وهى أرض سهلة فيها
رملة تحمى عليها الشمس ، فتكون رمضاؤها أشد من غيرها ، قال :
كالمُسْتَجِيرِ مِنَ الدَّعْصَاءِ بالنَّار
وَالْمُسْتَجِيرُ بِعَمْرِو عِنْدَ كُرْبَتِهِ
ولكن كتب اللغة لم تذكر ((دعصة))، هذه. وفى بعض الأخبار الأخرى ((رملة دهسة)).
و((الدهس))، و((الدهاس))، أرض سهلة لينة يثقل فيها المشى.

٤٢٤
تفسير سورة الأنفال : ١٢٠١١
الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم ، وأمدّ
الله نبيه بألف من الملائكة ، فكان جبريل عليه السلام فى خمسمئة من الملائكة
مجنِّبَةً ، وميكائيل فى خمسمئة مجنبةً.(١)
١٥٧٧١ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( إذ يغشاكم النعاس أمنة منه)) إلى
قوله: ((ويثبت به الأقدام))، وذلك أن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا
الغير ويقاتلوا عنها ، نزلوا على الماء يوم بدر ، فغلبوا المؤمنين عليه ، فأصاب المؤمنين
الظمأ ، فجعلوا يصلون مجنبین 'ُمْد ثین ،حتى تعاظم ذلك فى صدور أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادى، فشرب
المسلمون، وملأوا الأسقية، وسقوا الرِّكاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله فى
ذلك طهوراً، وثبت الأقدام وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله
عليها المطر ، فضربها حتى اشتدّت، وثبتت عليها الأقدام .
١٥٧٧٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمسلمون ،
فسبقهم المشركون إلى ماء بدر فنزلوا عليه، وانصرف أبو سفيان وأصحابه تِلْقاء البحر ،
فانطلقوا . قال : فنزلوا على أعلى الوادى ، ونزل محمد صلى اللّه عليه وسلم فى
أسفله ، فكان الرجل من أصحاب محمد عليه السلام يُجْنِب فلا يقدر على الماء ،
فيصلى جُنُباً ، فألقى الشيطان فى قلوبهم فقال : كيف ترجون أن تظهروا عليهم ،
وأحدكم يقوم إلى الصلاة جنباً على غير وضوء !، قال : فأرسل الله عليهم المطر ،
فاغتسلوا وتوضأوا وشربوا ، واشتدت لهم الأرض ، وكانت بطحاء تدخل فيها
أرجلهم ، (٢) فاشتدّت لهم من المطر ، واشتدُّوا عليها .
١٣١/٩
(١) ((المجنبة)) (بتشديد النون مكسورة)، هى الكتيبة التى تأخذ إحدى ناحيتى الجيش ،
((المجنبة اليمنى))، و ((المجنبة اليسرى))، وهى: ((الميمنة)) و((الميسرة)).
(٢) ((البطحاء)، راب لين مما جرته السيول، وهو ((الأبطح))، يكون فى مسيل الوادى.

٤٢٥
تفسير سورة الأنفال : ١٢،١١
١٥٧٧٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج قال ، قال ابن عباس : غلب المشركون المسلمين فى أول أمرهم على
الماء، فظمئ المسلمون وصلوا مجنبين محدثين، وكانت بينهم رمال، فألقى الشيطان فى
قلوب المؤمنين الحَزّن، فقال: تزعمون أن فيكم نبيًّا، وأنكم أولياء الله ، وقد غلبتم
على الماء ، وتصلون ◌ُجْنبيين محدثين! قال: فأنزل الله عز وجل ماء من السماء،
فسال كل واد، فشرب المسلمون وتطهروا ، وثبتت أقدامهم ، وذهبت وسوسة
الشيطان .
١٥٧٧٤ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد فى قوله: ((ماء ليطهركم به )) ، قال:
المطر، أنزله عليهم قبل النعاس = ((رجز الشيطان))، قال: وسوسته. قال:
فأطفأ بالمطر الغبار، والتبدت به الأرض،(١) وطابت به أنفسهم ، وثبتت به
أقدامهم .
١٥٧٧٥ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( ماء ليطهركم به)) ، أنزله عليهم قبل النعاس ،
طبَّق بالمطر الغبار، ولبّد به الأرض، وطابت به أنفسهم ، وثبتت به الأقدام.
١٥٧٧٦ - حدثنى المتى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ماء ليطهركم به))، قال: القطر = ((ويذهب
عنكم رجز الشيطان))، وساوسه. أطفأ بالمطر الغبار، ولبد به الأرض، (٢) وطابت
به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم .
١٥٧٧٧ - حدثنى المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
(١) فى المخطوطة: ((وإسب به)) غير منقوطة، كأنها ((وأثبتت به))، البناء المجهول،
والذى فى المطبوعة جيد ، وقريب أن يكون قد حرفه الناسخ .
(٢) فى المخطوطة: ((تطفى بالمطر الغبار، وبدت به الأرض))، وهو محرف، واللى فى
المطبوعة أشبه بالصواب .

٤٢٦
تفسير سورة الأنفال : ١٢،١١
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( رجز الشيطان ))، وسوسته .
١٥٧٧٨ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ))، قال: هذا يوم بدر، أنزل
عليهم القطر = (( وليذهب عنكم رجز الشيطان))، الذى ألقى فى قلوبكم : ليس
لكم بهؤلاء طاقة ! = ((وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام )) .
١٥٧٧٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول :
حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((إذ يغشاكم النعاس
أمنة منه))، إلى قوله: (( ويثبت به الأقدام )) ، إن المشرکین نزلوا بالماء يوم بدر،
وغلبوا المسلمين عليه ، فأصاب المسلمين الظمأ، وصلوا محدثين مجنبيين، فألقى
الشيطان فى قلوب المؤمنين الحزن ، ووسوس فيها: إنكم تزعمون أنكم أولياء الله ،
وأن محمداً نبى الله، وقد غلبتم على الماء ، وأنتم تصلون محدثين مجنبين ! فأمطر الله
السماء حتى سال كل واد، فشرب المسلمون وملأوا أسقيتهم، (١) وسقوا دوابهم،
واغتسلوا من الجنابة ، وثبت اللّه به الأقدام . وذلك أنهم كان بينهم وبين عدوهم
رملة لا تجوزها الدواب ، ولا يمشى فيها الماشى إلا بجهد. فضربها اللّه بالمطر حتى
اشتدت ، وثبتت فيها الأقدام .
١٥٧٨٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((إذ
يغشاكم النعاس أمنة منه))، أى : أنزلت عليكم الأمنة حتى نمتم لا تخافون ،
= ((وينزل عليكم من السماء ماء))، للمطر الذى أصابهم تلك الليلة، (٢) فحبس
المشركون أن يسبقوا إلى الماء، وخلَّى سبيل المؤمنين إليه = ((ليطهركم به ويذهب
عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام »، ليذهب عنهم شك
(١) فى المخطوطة: ((ودلوا أسقيتهم)). كأنها تقرأ ((وبلوا))، والذى فى المطبوعة جيد،
قد مضى مثله فى الأخبار .
(٢) فى المطبوعة: ((ونزل عليكم من السماء المطر الذى أصابهم ... ))، وفى المخطوطة ((ونزلت
عليكم من السماء المطر الذى أصابهم .. ))، وأثبت ما فى سيرة ابن هشام وهو الجيد .

٤٢٧
تفسير سورة الأنفال : ١١، ١٢
الشيطان ، بتخويفه إياهم عدوهم ، واستجلاد الأرض لهم ، (١) حتى انتهوا إلى
منزلهم الذى سبقوا إليه عدوهم . (٢)
١٥٧٨١ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : ثم ذكر ما ألقى الشيطان فى قلوبهم من شأن
الجنابة، وقيامهم يصلون بغير وضوء، فقال: ((إذ يغشيكم النعاسَ أمنة منه
وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على
قلوبكم ويثبت به الأقدام)) ، حين تشتدون على الرمل، وهو كهيئة الأرض .
١٥٧٨٢ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا
داود بن أبى هند قال: قال رجل عند سعيد بن المسيب = وقال مرة: قرأ ١٣٢/٩
= (( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهّركم به))، (٣) فقال سعيد: إنما هى :
﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءَ لِيُظْهِرَ كُمْ بِدٍ﴾. قال: وقال الشعبى: كان ذلك
طشًا يوم بدر.
وقد زعم بعض أهل العلم بالغريب من أهل البصرة ، أن مجاز قوله: ((ويثبت
به الأقدام))، ويفرغ عليهم الصبر وينزله عليهم ، فيثبتون لعدوهم. (٤)
(١) ((استجلاد الأرض)): (من ((الجلد)) (بفتحتين) ، وهى الأرض الصلبة ، يعنى أنها
صارت أرضاً صلبة غليظة ، بعد أن كانت رملة ميثاء لينة .
و ((استجلدت الأرض))، مما لم تذكره معاجم اللغة، وهو عريق فصيح .
(٢) الأثر : ١٥٧٨٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٣، وهو تابع الأثر السالف رقم:
١٥٧٤٠ ٠
وكان فى المطبوعة: ((الذى سبق))، غير ما كان فى المخطوطة، وهو المطابق لما فى سيرة ابن هشام،
وهو الصواب .
(٣) فى المطبوعة كتب ((ليطهركم بها))، غير ما فى المخطوطة، ولا أدرى من أين جاء بها،
ولم أجد قراءة كهذه القراءة، بل المعروف أن قراءة عامة القرأة ((ليطهركم به)) بتشديد الهاء مكسورة،
من ((طهر)) مضعفاً، وأن سعيد بن المسيب، قد انفرد بقراءة ((ليطهركم))، كما ضبطها، بضم
الياء، وسكون الطاء وكسر الهاء. من ((أطهر))، وهى قراءة شاذة. انظر شواذ القراءات لابن خالويه:
٤٩، وتفسير أبى حيان ٤ : ٤٢٨.
(٤) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن ١: ٢٤٢.

٤٢٨
تفسير سورة الأنفال : ١٢،١١
وذلك قولٌ خِلافٌ لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين، وحَسْبُ ...
قول خطأً أن يكون خلافاً لقول من ذكرنا ، وقد بينا أقوالهم فيه ، وأن معناه :
ويثبت أقدام المؤمنين بتلبيد المطر الرمل حتى لا تسوخ فيه أقدامهم وحوافر دوابهم.(١)
وأما قوله: ((إذ يوحى ربك إلى الملائكة أنىّ معكم))، أنصركم(٢) = (( فثبتوا
الذين آمنوا))، يقول: قوُّوا عزمهم، وصححوا نياتهم فى قتال عدوهم من المشركين. (٣)
#
#
٠
وقد قيل : إن تثبيت الملائكة المؤمنين ، كان حضورهم حربهم معهم .
وقيل : كان ذلك معونتهم إياهم بقتال أعدائهم .
#
وقيل : كان ذلك بأن الملك يأتى الرجلَ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
يقول: سمعت هؤلاء القوم = يعنى المشركين = يقولون : والله لئن حملوا علينا
لتنكشفن !(٤) فيحدِّث المسلمون بعضهم بعضاً بذلك ، فتقوى أنفسهم . قالوا :
وذلك كان وحى الله إلى ملائكته .
وأما ابن إسحق فإنه قال بما :-
١٥٧٨٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: (( فثبتوا
الذين آمنوا))، أى: فآزروا الذين آمنوا . (٥)
#
(١) انظر تفسير ((تثبيت الأقدام)) فيما سلف ٥: ٧/٣٥٤: ٢٧٢ ، ٢٧٣.
٠٠٠
هذا، وقد أغفل أبو جعفر هنا إفراد تفسير ((يذهب عنكم رجز الشيطان)) و((وليريط
على قلوبكم )) .
وانظر تفسير ((الرجز)) فيما سلف: ص: ١٧٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((مع)) فيما سلف ٣: ٥/٢١٤: ٣٥٣.
(٣) انظر تفسير (التثبيت)) فيما سلف ٢٧٣،٢٧٢/٧/٣٥٤:٥، ومادة (ثبت) فى فهارس اللغة.
(٤) ((الانكشاف))، الانهزام.
(٥) الأر: ١٥٧٨٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٣، وهو تابع الأثر السالف رقم: ٠١٥٧٨٠

٤٢٩
تغير سورة الأنفال : ١٢
القول فى تأويل قوله ( سَأْتِي فِ قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ
الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَقِ وَأَضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَذِ ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : سأُ رْعَبُ قلوب الذین کفروا بی ، أيها
المؤمنون، منكم، وأملأها فرقاً حتى ينهزموا عنكم (١) = ((فاضربوا فوق الأعناق )).
...
واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((فوق الأعناق )).
فقال بعضهم : معناه : فاضربوا الأعناق .
. ذكر من قال ذلك :
١٥٧٨٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن
عطية: (( فاضربوا فوق الأعناق))، قال : اضربوا الأعناق .
... قال ، حدثنا أبى، عن المسعودى ، عن القاسم
١٥٧٨٥ - ٠
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنى لم أبعث لأعذّب بعذاب اللّه، إنما
بعثت لضرب الأعناق وشدّ الوَثَاق .
١٥٧٨٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ،
حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((فاضربوا فوق
الأعناق )) ، يقول : اضربوا الرقاب .
٠
واحتج قائلو هذه المقالة بأن العرب تقول: ((رأيت نفس فلان))، بمعنى :
رأيته. قالوا: فكذلك قوله: ((فاضربوا فوق الأعناق))، إنما معناه : فاضربوا
الأعناق .
وقال آخرون : بل معنى ذلك ، فاضربوا الرؤوس .
(١) انظر تفسير ((إلقاء الرعب)) فيما سلف ٧ : ٢٧٩ .

٤٣٠
تفسير سورة الأنفال : ١٢
• ذكر من قال ذلك :
١٥٧٨٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا
الحسين، عن يزيد، عن عكرمة: ((فاضربوا فوق الأعناق))، قال: الرؤوس.
٠
واعتلّ قائلوا هذه المقالة بأن الذى ((فوق الأعناق))، الرؤوس. قالوا: وغير
جائز أن تقول ((فوق الأعناق))، فيكون معناه: ((الأعناق )) . قالوا : ولو جاز
ذلك، جاز أن يقال(١): ((تحت الأعناق))، فيكون معناه: ((الأعناق)).
قالوا : وذلك خلاف المعقول من الخطاب ، وقلبٌ لمعانى الكلام . (٢)
وقال آخرون: معنى ذلك: فاضربوا على الأعناق، وقالوا: (( على )) و (( فوق ))
معناهما متقاربان، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر.(٣) . ١٨٧٥٢
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين،
مُعَلَّمَهم كيفية قتل المشركين وضربهم بالسيف: أن يضربوا فوق الأعناق منهم
والأیدی والأرجل. وقوله (( فوق الأعناق ))، محتمل أن يكون مراداً به الرؤوس،
ومحتمل أن يكون مراداً له: من فوق جلدة الأعناق، (٤) فيكون معناه: على الأعناق.
وإذا احتمل ذلك ، صحَّ قولُ من قال ،١ معناه : الأعناق . وإذا كان الأمر
محتملاً ما ذكرنا من التأويل ، لم يكن لنا أن نوجّهه إلى بعض معانيه دون بعض؛
إلا بحجة يجب التسليم لها . ولا حجة تدلّ على خصوصه ، فالواجب أن يقال : إن
الله أمر بضرب رؤوس المشركين وأعناقهم وأيديهم وأرجلهم، أصحاب نبيه صلى
الله عليه وسلم الذين شهدوا معه بدرًا .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ولو جاز ذلك كان أن يقال))، وهو فاسد، صوابه ما أثبت.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وقلب معانى الكلام))، وصواب السياق ما أثبت
(٣) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٤٢.
..
(٤) فى المطبوعة حذف ((من))، وهى فى المخطوطة سيئة الكتابة.

٤٣١
تفسير سورة الأنفال : ١٢
وأما قوله: ((واضربوا منهم كل بنان))، فإن معناه: واضربوا ، أيها المؤمنون ،
من عدوكم كل طَرَف ومفْصِل من أطراف أيديهم وأرجلهم .
و(البنان)) جمع ((بنانة))، وهى أطراف أصابع اليدين والرجلين، ومن ذلك
قول الشاعر : (١)
١٣٣/٩
وَلاَقَيْتُهُ فِى الْبَيْتِ يَقْظَانَ حازِرًا (٧)
أَلاَ لَيْتَنِى قَطَّعْتُ مِّ بَنَانَةً
(١) هو العباس بن مرداس السلمى.
(٢) مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٤٢، اللسان (بنن)، ولم أجده فى مكان آخر .
وقال أبو عبيدة بعد البيت : (( يعنى أبا ضب، رجلا من هذيل، قتل هريم بن مرداس وهو نائم،
وكان جاورهم بالربيع )» .
وقد روى أبو الفرج الأصبهانى فى الأغانى ١٣: ٦٦ (ساسى)، عن أبى عبيدة. أن هريم
ابن مرداس كان مجاوراً فى خزاعة، فى جوار رجل منهم يقال له عامر ، فقتله رجل من خزاعة يقال
له خويلد . فالذى قاله أبو عبيدة هنا مضطرب ، وهو زيادة بين قوسين فى النسخة المطبوعة ،
فأخشى أن لا تكون من قول أبى عبيدة .
وأما ((أبو ضب)) الرجل من هذيل، فهو شاعر معروف من بنى لحيان، من هذيل ،
له شعر فى بقية أشعار الهذليين وأخبار، انظر رقم: ١٣، ١٤ من الشعر ، وجاء أيضاً فى البقية
من شعر هذيل ٤٣، ما نصه: ((وقال عباس بن مرداس، وأحواله بنو لحيان)):
جِوَارَ أَنَاسِ يَبْعَنُونَ الْحَصَائِرَا
لاَ تَأْمَنْ بالعَادِ وَالْخِلْفِ بَعْدَهَا
ذكر ((جواراً)) كان فى بنى لحيان، فأجابه رجل من بنى لحيان، يذكر عقوقه أخواله،
ويتهدده بالقتل .
عُقُوقً كَحَرِّ النَّارِ يَأْتِى الْعَاشِرَا
جَزَىَ الله عَبَّاسَاً عَلَى نَأْىِ دَارِهِ
لَغَقَّرْتُهُ، إِنِّى أُصِيبُ الْغَافِرَا
فَوَاللهِ لَوْلاَ أَنْ يُقال: أَبْنُ أَخْتِهِ!
تَكَلْنَا عَلَيْهِ دَاخِلاً وَمَجَاهِرَا
فِدَى لأْبِی ضَبِّ تِلاَدِى ، فإنَّا
بِما كانَ مَنَّ أَوْرَدُوهُ الْجَرَائِرَا
وَمَطْعَنَّهُ بِالسَّيْفِ أَحْشَاءَ مَالِكٍ
فقد ذكر فى هذا الشعر ((أبا ضب))، ومقتله ((مالكا)). ولم أقف بعد على ((مالك)) هذا،
ولكنى أظن أن شعر عباس هذا، يدخل فى خبر مقتل ((مالك)) الذى قتله ((أبو ضب))، لا فى
خبر مقتل أخيه ((هريم بن مرداس))، فذاك خبر معروف رجاله .

٤٣٢
تفسير سورة الأنفال : ١٢
يعنى: ((البنانة)) واحدة ((البنان)).
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
٠
#
ذكر من قال ذلك :
١٥٧٨٨ - حدثنا أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن
عطية: ((واضربوا منهم كل بنان))، قال : كل مفصِل .
١٥٧٨٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس، عن أبيه ، عن
عطية: ((واضربوا منهم كل بنان )) ، قال : المفاصل .
. قال ، حدثنا المحاربى، عن جويبر، عن الضحاك :
١٥٧٩٠ - .
(( واضربوا منهم كل بنان))، قال : كل مفصل .
١٥٧٩١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا
الحسين ، عن يزيد، عن عكرمة: ((واضربوا منهم كلا بنان))، قال: الأطراف.
ويقال : كل مفصل .
١٥٧٩٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس: ((واضربوا منهم كل بنان))، يعنى: بالبنان، الأطراف .
١٥٧٩٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((واضربوا منهم كل بنان))، قال: الأطراف .
١٥٧٩٤ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذقال، حدثنا عبيد بن
سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: (واضربوا منهم كل بنان))، يعنى: الأطراف.
#
٠٠
وقوله ((حاذرا))، أى: مستعداً حذراً تيقظاً. وقال شمر: ((الحاذر))، المؤدى الشاك
السلاح ، وفى شعر العباس بن مرداس ما يشعر بذلك :
وَإِنَّى حاذِرٌ أَنْسِى سِلاَحِى إِلى أَوْصالِ ذَيَّالٍ مَنِيعِ
وكان فى المطبوعة: ((قطعت منه بنانة))، فأفسد الشعر إفساداً، إذ غير الصواب المحض
الذى فى المخطوطة ، متابعاً خطأ الرواية المحرفة فى لسان العرب .

٤٣٣
تفسير سورة الأنفال : ١٤،١٣
القول فى تأويل قوله ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاءُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ, وَمَن
١٣
يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ذلك بأنهم ))، هذا الفعل من
ضرب هؤلاء الكفرة فوق الأعناق وضرب كل بنان منهم ، جزاءٌ لهم بشقاقهم اللّه
ورسوله ، وعقاب لهم عليه .
٥
#
ومعنى قوله: ((شاقوا الله ورسوله))، فارقوا أمر الله ورسوله وعصوهما، وأطاعوا
أمرَ الشيطان .(١)
ومعنى قوله: ((ومن يشاقق، الله ورسوله))، ومن يخالف أمر الله وأمر رسوله
ففارق طاعتهما(٢) = ((فإن الله شديد العقاب))، له . وشدة عقابه له: فى الدنيا،
إحلالُه به ما كان يحلّ بأعدائه من النقم ، وفى الآخرة ، الخلودُ فى نار جهنم
= وحذف : ، من الكلام ، لدلالة الكلام عليها .
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكُفِرِينَ
عَذَابَ النَّار ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : هذا العقابُ الذی عجلته لكم ، أيها
الكافرون المشاقون لله ورسوله ، فى الدنيا ، من الضرب فوق الأعناق منكم ، وضرب
(١) انظر تفسير (الشقاق)) فيما سلف ٣: ١١٥، ١١٦، ٨/٣٣٦: ٣١٩/
٩ : ٢٠٤ .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وفارق)، والسياق يقتضى ما أثبت.
ج ١٣ (٢٨)

٤٣٤
تفسير سورة الأنفال : ١٤
كل بنان ، بأيدى أوليائى المؤمنين، فذوقوه عاجلاً ، واعلموا أن لكم فى الآجل
والمعاد عذابَ النار .(١)
ولفتح ((أن)) من قوله: ((وأن الكافرين))، من الإعراب وجهان:
أحدهما : الرفع ، والآخر : النصبُ.
فأما الرفع ، فبمعنى : ذلكم فذوقوه ، ذلكم وأن للكافرين عذاب النار = بنية
تكرير ((ذلكم))، كأنه قيل: ذلكم الأمر ، وهذا.
وأما النصب : فمن وجهين : أحدهما: ذلكم فذوقوه ، واعلموا ، أو: وأيقنوا
أن للكافرين = فيكون نصبه بنية فعل مضمر ، قال الشاعر :
مُتَقَلِّدًا سَيْقَاً وَرُحَا (٢)
وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِ الوَغَى
بمعنى : وحاملاً رمحاً .
والآخر : بمعنى : ذلكم فذوقوه ، وبأن للكافرين عذاب النار = ثم حذفت
(((الباء))، فنصبت .(٣)
٠
(١) انظر تفسير ((الذوق)) فيما سلف ١٢: ٤٢٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) مضى البيت مراراً وتخريجه، انظر آخرها ما سلف ١١: ٥٧٧، تعليق: ٣،
والمراجع هناك .
(٣ ) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٠٥، ٤٠٦.

٤٣٥
تفسير سورة الأنفال : ١٥، ١٦
القول فى تأويل قوله ﴿يَنْأَيُّهَ الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيْثُمُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ زَحْفَ فَلاَ تُوَلُوهُمُ الْأَدْبَارَ ٥ وَمَن يُؤْلِهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّ
مُتَحَرِّفَاً لِفِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الْهِ وَمَأْوَلُهُ
جَهٌَّ وَ بِشْسَ الْمَصِيرُ)
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره : يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله - ((إذا
لقيتم الذين كفروا)) فى القتال = ((زحفاً))، يقول: متزاحفاً بعضكم إلى بعض
= و((التزاحف))، التدانى والتقارب(١) = ((فلا تولوهم الأدبار))، يقول: فلا
تواوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم ، ولكن اثبتوا لهم ، فإن الله معكم عليهم(٢) = (( ومن
يولهم يومئذ دبره))، يقول: ومن يولهم منكم ظهره = ((إلا متحرفاً للقتال))، يقول :
إلا مستطرداً لقتال عدوه، يطلب عورةً له يمكنه إصابتها فيكرّ عليه = ((أو متحيزاً
إلى فئة)) أو: إلا أن يوليهم ظهره متحيزًا إلى فئة، يقول: صائرًا إلى حَيِّز المؤمنين
الذين يفيئون به معهم إليهم لقتالهم ، (٣) ويرجعون به إليهم معهم. (٤)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل
* ذكر من قال ذلك :
١٥٧٩٥ - حدثنا ابن و کیع مال، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن جوییر ،
عن الضحاك: ((إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة))، قال: ((المتحرف))،
المتقدم من أصحابه ليرى غِرَّة من العدوّ فيصيبها. قال، و((المتحيز))، الفارّ إلى
(١) هذا الشرح لقوله: ((التزاحف))، لا تجده فى معاجم اللغة، فيقيد .
(٢) انظر تفسير ((التولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى).
=وتفسير ((الدبر)) فيما سلف ٧: ١٠٩، ١٠/١١٠: ١٧٠.
(٣) انظر تفسير ((فتة)) فيما سلف ٩: ٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٤) فى المطبوعة: ((يرجعون به معهم إليهم))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٤٣٦
تفسير سورة الأنفال : ١٦،١٥
النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه . وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره وأصحابه . قال
١٣٤/٩ الضحاك: وإنما هذا وعيد من الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أن لا يفروا.
وإنما كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام وأصحابه فئتهم.(١)
١٥٧٩٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزًا
إلى فئة))، أما ((المتحرف))، يقول: إلا مستطرداً يريد العودة = ((أو متحيزاً إلى
فئة))، قال: ((المتحيز))، إلى الإمام وجنده إن هو كرّ فلم يكن له بهم طاقة،
ولا يُعذَّر الناس وإن كثروا أن يُؤَلُّوا عن الإمام .
٠٠
واختلف أهل العلم فى حكم قول الله عز وجل: ((ومن يولهم يومئذ دبره إلا
متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم)) ، هل هو
خاص فى أهل بدر ، أم هو فى المؤمنين جميعاً ؟
فقال قوم : هو لأهل بدر خاصة ، لأنه لم يكن لهے أن یتر کوا رسول الله صلى
الله عليه وسلم مع عدوه وينهزموا عنه، فأما اليومَ فلهم الانهزام .
: ذكر من قال ذلك ::
٠
١٥٧٩٧ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال ، حدثنا
داود، عن أبى نضرة فى قول الله عز وجل: ((ومن يولهم يومئذ دبره))، قال : ذاك
يوم بدر، ولم يكن لهم أن ينحازوا ، ولو انحاز أحدٌ لم ينحز إلا إلى (٢) = قال
أبو موسى : يعنى : إلى المشركين .
١٥٧٩٨ - حدثنا إسحق بن شاهين قال، حدثنا خالد ، عن داود ، عن
(١) فى المطبوعة: حذف ((وأصحابه))، تحكماً.
(٢) وقف على قوله: ((إلى))، كأنه يشير بيده إلى الفئة الأخرى، والتى فسرها أبو موسى،
وهو ابن المثنى ، بقوله : يعنى : إلى المشركين .

٤٣٧
تفسير سورة الأنفال : ١٦،١٥
أبى نضرة، عن أبى سعيد قوله عز وجل: (( ومن يولهم يومئذ دبره))، ثم ذكر
نحوه = إلاّ أنه قال: ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم
فى الأرض غيرهم.
١٥٧٩٩ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن مفضل قال ،
حدثنا داود ، عن أبى نضرة ، عن سعيد قال : نزلت فى يوم بدر: ((ومن
يولهم يومئذ دبره)).
١٥٨٠٠ - حدثنا ابن المثنى وعلى بن مسلم الطوسى - قال ابن المثنى :
حدثنى عبد الصمد = وقال على : حدثنا عبد الصمد - قال ، حدثنا شعبة ،
عن داود ، يعنى ابن أبى هند، عن أبى نضرة ، عن أبى سعيد: ((ومن يولهم
يومئذ دبره ))، قال : يوم بدر = قال أبو موسى : حدثت أن فى كتاب غندر
هذا لحديث : عن داود ، عن الشعبى ، عن أبى سعيد .
١٥٨٠١ - حدثنا أحمد بن محمد الطوسى قال، حدثنا على بن عاصم ،
عن داود بن أبى هند، عن أبى نضرة ، عن أبى سعيد الخدرى قال: إنما كان ذلك
يوم بدر، لم يكن للمسلمين فئة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأما بعد ذلك،
فإن المسلمين بعضهم فئة لبعض . (١)
١٥٨٠٢ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود ،
عن أبى نضرة: (("ومن يولهم يومئذ دبره))، قال : هذه نزلت فى أهل بدر .
١٥٨٠٣ - حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن ابن عون قال :
(١) الآثار: ١٥٧٩٧ - ١٥٨٠١ - ((دواد)) هو ((ابن أبى هند و مضى مراراً.
و ((أبو نضرة)) هو ((المنذر بن مالك بن قطعة العبدى))، ثقة، مضى مراراً آخرها رقم:
٠١٤٦٦٤
و((أبو سعيد))، هو أبو سعيد الخدرى، صاحب رسول الله.
وهذا الخبر رواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٣٢٧، من طريق شعبة ، عن داود بن أبى هند،
بمثله، وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي.

٤٣٨
تفسير سورة الأنفال : ١٥، ١٦
كتبت إلى نافع أسأله عن قوله: ((ومن يولم يومئذ دبره ))، أكان ذلك اليوم ،
أم هو بعد؟ قال: وكتب إلىّ: (( إنما كان ذلك يوم بدر)).
١٥٨٠٤ - حدثنا على بن سهل قال، حدثنا زيد، عن سفيان ، عن
جويبر ، عن الضحاك قال : إنما كان الفرار يوم بدر، ولم يكن لهم ملجأ يلجأون
إليه . فأما اليوم ، فليس فرارٌ .
١٥٨٠٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن الربيع ، عن الحسن !.
((ومن يولهم يومئذ دبره))، قال : كانت هذه يوم بدر خاصة ، ليس الفرار من
من الزحف من الكبائر.
عن سفيان ، عن رجل ، عن
قال، حدثنا أبى ،
١٥٨٠٦ -.
الضحاك: ((ومن يولهم يومئذ دبره))، قال : كانت هذه يوم بدر خاصة .
. قال ، حدثنا روح بن عبادة ، عن حبيب بن
١٥٨٠٧ - ٠ ٠
الشهيد، عن الحسن: ((ومن يولهم يومئذ دبره ))، قال : نزلت فى أهل بدر .
١٥٨٠٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة : « ومن یولهم يومئذ دبره )) ، قال : ذلکم یوم بادر .
١٥٨٠٩ - حدثى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ،
عن المبارك بن فضالة، عن الحسن: ((ومن يولهم يومئذ دبره))، قال : ذلك يوم
بدر. فأما اليوم ، فإن انحاز إلى فئة أو مصر = أحسبه قال : فلا بأس به .
١٥٨١٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال ،، حدثنا
سفيان، عن ابن عون قال: كتبت إلى نافع: ((ومن يولهم يومئذ دبره))، قال :
إنما هذا يوم بدر .
١٥٨١١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال ، حدثنا ابن
المبارك ، عن ابن لهيعة قال ، حدثنى يزيد بن أبى حبيب قال : أوجب الله لمن
فرّ يوم بدر النارَ. قال: ((ومن يولهم يومئذ دبره إلاّ متحرفاً لقتال أو متحيزًا إلى

٤٣٩
تفسير سورة الأنفال : ١٥، ١٦
فئة فقد باء بغضب من الله))، فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال: ﴿ إِنَّا أُشْغَزَلَهُمْ
الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَ اللهُ عَنْهُمْ﴾، [سورة آل عمران: ١٠٠].ثم كان
حنين ، بعد ذلك بسبع سنين فقال:
وَلْتَمْ مُدْبِرِينَ﴾ ، [ سورة التوبة: ٢٥]:
(ثُمّ يَتُوبُ اَللّهُ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ على مَنْ يَشَاءِ﴾، [سورة التوبة: ٢].
١٥٨١٢ -حدثی بعقوب قال ، حدثنا ابن علیة قال ، حدثنا ابن عون، ١٣٠/٩
عن محمد : أن عمر رحمة اللّه عليه بلغه قتل أبى عبيد فقال: لو تخیز إلى" !
إنْ كنتُ لَفِئَةٌ!(١)
١٥٨١٣ - حدثنى المتى قال ، حدثنا سويد قال ، حدثنا ابن المبارك ، عن
جرير بن حازم قال ، حدثنى قيس بن سعد قال : سألت عطاء بن أبي رباح
عن قوله: ((ومن يولهم يومئذ دبره))، قال : هذه منسوخة بالآية التى فى الأنفال :
﴿أْلَآَنَ خَلََّ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِ أَنْ فِيَكُمْ ضَْفَا فَإِنْ يَكُنْ مِفْكُمْ مِثَةٌ صَابِرَةُ
يَغْلِبُوا مِئَتْنِ﴾، [سورة الأنفال: ٦٦]. قال: وليس لقوم أن يفرُّوا من مثليهم . قال
ونسخت تلك إلاّ هذه العدّة.(٢)
١٥٨١٤ - حدثنى المثى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
(١) الأثر: ١٥٨١٢ - ((أبو عبيد بن مسعود الثقفى))، صحابى، وهو صاحب يوم
الجسر المعروف بجسر أبى عبيد. وكانعمر لما ولى الخلافة، عزل خالد بن الوليد عن العراق والأعنة،
وولى أبا عبيد بن مسعود الثقفى سنة ١٣. ولما وجه يزدجر جموعه إلى جيش أبى عبيد ، عبر أبو عبيد
الجسر فى المضيق، فاقتتلوا فتالا شديداً، وأنكى أبو عبيد فى الفرس: وضرب أبو عبيد مشفر الفيل ،
فبرك عليه الفيل فقتله . واستشهد من المسلمين يومئذ ألف وثمانمئة ، ويقال أربعة آلاف ، ما بين
قتيل وغريق . انظر الاستيعاب : ٦٧١، وتاريخ الطبرى ٤: ٦٧ - ٧٠. وانظر الأثر رقم:
١٥٨١٤، ٠١٥٨١٥
وفى كثير من الكتب ((أبو عبيدة)) فى هذا الخبر، وهو خطأ.
وكان فى المطبوعة هنا: ((لو تحيز إلى لكنت له فئة))، غير ما فى المخطوطة بلا أمانة ولا معرفة.
(٢) الأثر: ١٥٨١٣ - ((قيس بن سعد المكى))، ثقة، مضى برقم: ٢٩٤٣، ٩٤١٣،
وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((قيس بن سعيد))، وهو خطأ.

٤٤٠
تفسير سورة الأنفال: ١٦،١٥
سليمان التيمى ، عن أبى عثمان قال : لما قتل أبو عبيد ، جاء الخبر إلى عمر فقال :
يا أيها الناس ، أنا فتتكم .(١)
قال ابن المبارك : عن معمر وسفيان الثورى وابن
١٥٨١٥ -
عيينة ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : قال عمر رضى الله عنه : أنا فئة
كل مسلم .
٥
وقال آخرون : بل هذه الآية حكمها عام فى كل من ولى الدبر عن العدو
منهزماً .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٨١٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قال : أكبر الكبائر الشرك بالله،
والفرار من الزحف، لأن الله عز وجل يقول: ((ومن يولهم يومئذ دبره فقد باء بغضب
من الله ومأواه جهنم وبئس المصير)).
٠
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين فى هذه الآية بالصواب عندى، قولُ من
قال : حكمها محكم ، وأنها نزلت فى أهل بدر، وحكمها ثابت فى جميع المؤمنين،
وأن اللّه حرّم على المؤمنين إذا لقوا العدو ، أن يولوهم الدبر منهزمين إلا لتحرف لقتال،
أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين حيث كانت من أرض الإسلام ، وأن من ولا هم
الدبر بعد الزحف لقتال منهزماً بغيرنية إحدى الخلتين اللتين أباح الله التولية بهما ،
فقد استوجب من اللّه وعيده، إلاّ أن يتفضل عليه بعفوه.
وإنما قلنا هى محكمة غير منسوخة ، لما قد بينا فى غير موضع من كتابنا هذا
(١) الأثر: ١٥٨١٤ - ((أبو عثمان))، مجهول، روى عن أنس بن مالك، ومعقل
ابن يسار. روى عنه ((سليمان التيمى))، قال ابن المدينى: ((لم يرو عنه غيره، وهو مجهول))
مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٤ / ٤٠٨/٢ .