Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١
تفسير سورة الأنفال : ١
١٥٦٧٥ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
شريك)) ، عن جابر ، عن مجاهد وعكرمة = أو: عكرمة وعامر = قالا : نسخت
الأنفال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنََّ غَنِئْتُمْ مِنْ شَىءٌ فَأَنَّ لِهِ خُمُسَهُ).
٠
وقال آخرون: هى محكمة، وليست منسوخة، وإنما معنى ذلك: ((قل
الأنفال الله))، وهى لا شك اللّه مع الدنيا بما فيها والآخرة = وللرسول، يضعها فى
مواضعها التى أمره الله بوضعها فيه .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٦٧٦ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ، قال ابن زید
فى قوله: ((يسألونك عن الأنفال))، فقرأ حتى بلغ: ((إن كنتم مؤمنين))،
فسلّموا لله ولرسوله يحكمان فيها بما شاءا ، ويضعانها حيث أرادا ، فقالوا : نعم !
ثم جاء بعد الأربعين: ﴿وَأَعْلَمُوا أَنَّا غَنِعْتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَأَنَّ ◌ِّرِ خُمُسَهُ وَلِلرِّسُولٍ﴾
الآية، [ سورة الأنفال: ٤١]، ولكم أربعة أخماس. وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم
خيبر: ((وهذا الخمس مردود على فقرائكم))، يصنع اللّه ورسوله فى ذلك الخمس
ما أحبَّاً، ويضعانه حيث أحبًّاً. ثم أخبرنا الله بالذى يحب من ذلك. ثم قرأ الآية:
﴿لِذِىِ الْقُرْبَى وَالْيَتَى وَالْتَسَاكِينِ وَأْنِ السَّبِيلِ كَيْلاَ يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ
الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [سورة الحشر : ٧].
١١٩/٩
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال: إن اللّه جعل ثناؤه
أخبر أنه جعل الأنفال لنبيه صلى الله عليه وسلم ، يُنفِّل من شاء ، فنقل القاتل
السََّب وجعل للجيش فى البَدْأة الربع، وفى الرجعة الثلث بعد الخمس.(١) ونقَّل
(١) ((البدأة))، ابتداء سفر الغزو، و((الرجعة)) القفول منه. وكان إذا نهضت سرية
من جملة العسكر المقبل على العدو ، فأوقعت بطانته من العدو ، فا غنموا كان لهم الربع، ويشركهم
٣٨١
تفسير سورة الأنفال : ١
قوماً بعد سُهْمَانهم بعيرًا بعيرًا فى بعض المغازى . فجعل الله تعالى ذكره حكم
الأنفال إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، ينفُّل على ما يرى مما فيه صلاحُ المسلمين.
وعلى من بعده من الأمة أن يستنّوا بسُنته فى ذلك .
وليس فى الآية دليل على أن حكمها منسوخ ، لاحتمالها ما ذكرتُ من المعنى
الذي وصفت . وغير جائز أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ ، إلا بحجة
يجب التسليم لها ، فقد دللنا فى غير موضع من كتبنا على أن لا منسوخ إلا ما أبطل
حكمه حادثُ حكم بخلافه ، ينفيه من كل معانيه ، أو يأتى خبرٌ يوجب الحجة
أن أحدهما ناسخٌ الآخرَ . (١)
٠٠
وقد ذكر عن سعيد بن المسيب: أنه کان ینکر أن يكون التنفیل لأحد بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، تأويلاً منه لقول الله تعالى: ((قل الأنفال لله
والرسول ».
١٥٦٧٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان ، عن محمد
ابن عمرو قال : أرسل سعيد بن المسيب غلامه إلى قوم سألوه عن شىء ، فقال :
إنكم أرسلتم إلى تسألونى عن الأنفال ، فلا نَفَل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٠ ٠
وقد بينا أن للأئمة أن يتأسّوْا برسول الله صلى الله عليه وسلم فى مغازيهم بفعله ،
فينفّلوا على نحو ما كان ينفل ، إذا كان التنفيل صلاحاً للمسلمين .
٠
٠
سائر العسكر فى ثلاثة أرباع ما غنموا . وإذا فعلت ذلك عند عود العسكر ، كان لهم من جميع
ما غنموا الثلث ، لأن الكرة الثانية أشق عليهم ، والخطر فيها أعظم . وذلك لقوة الظهر عند دخولهم ،
وضعفه عند خروجهم . وهم فى الأول أنشط وأشهى السير والإمعان فى بلاد العدو ، وهم عند القفول
أضعف وأفتر وأشهى للرجوع إلى أوطانهم ، فزادهم لذلك .
(١) انظر مقالته أبى جعفر فى ((النسخ)» فيما سلف فى فهارس الموضوعات، وفهارس النحو
والعربية وغيرهما .
ـي
٣٨٣
تفسير سورة الأنفال : ١
القول فى تأويل قوله ﴿ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ يْنِكُمْ
وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ، إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ) (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : فخافوا الله، أيها القوم، واتقوه بطاعته
واجتناب معاصيه ، وأصلحوا الحال بينكم .
واختلف أهل التأويل فى الذى عنى بقوله: ((وأصلحوا ذات بينكم)).
فقال بعضهم : هو أمر من اللّه الذين غنموا الغنيمة يوم بدر ، وشهدوا الوقعة
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ اختلفوا فى الغنيمة: أن يردَّ ما أصابوا منها
بعضُهم على بعض .(١)
• ذكر من قال ذلك :
١٥٦٧٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم))، قال: كان نى اللّه ينفِّل الرجل
من المؤمنين سَلَب الرجل من الكفار إذا قتله، ثم أنزل اللّه: ((فاتقوا الله وأصلحوا
ذات بينكم )) ، أمرهم أن يردّ بعضهم على بعض .
١٥٦٧٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال: بلغنى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان ينفّل الرجل على قدر
جِدّه وغَنّائه على ما رأى، حتى إذا كان يوم بدر، وملأ الناسُ أيديهم غنائم ،
قال أهل الضعف من الناس : ذهب أهل القوة بالغنائم ! فذكروا ذلك للنبي
صلى الله عليه وسلم، فنزلت: ((قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات
بينكم ))، ليردَّ أهل القوة على أهل الضعف .
...
(١) فى المطبوعة: ((أن يردوا)) بالجمع، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب.
٣٨٤
تفسير سورة الأنفال : ١
وقال آخرون : هذا تحريج من اللّه على القوم ، ونهىٌ لهم عن الاختلاف
فيما اختلفوا فيه من أمر الغنيمة وغيره .
* ذكر من قال ذلك :
١٥٦٨٠ -حدثی محمد بن عمارة قال، حدثنا خالد بن یزید = وحدثنا
أحمد بن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد = قالا ، حدثنا أبو إسرائيل ، عن
فضيل، عن مجاهد فى قول الله: ((فاتقوا اللّه وأصلحوا ذات بينكم))، قال:
حَرَّج عليهم .
١٥٦٨١ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا القاسم قال، حدثنا عباد بن العوام ،
عن سفيان بن حسين، عن مجاهد، عن ابن عباس: ((فاتقوا اللّه أصلحوا ذات
بينكم )) ، قال: هذا تحريجٌ من اللّه على المؤمنين، أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم =
قال عباد ، قال سفيان : هذا حين اختلفوا فى الغائم يوم بدر .
١٥٦٨٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضيل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((فاتقوا اللّه وأصلحوا ذات بينكم))، أى لا تَسْتَبُّوا.
١٢٠/٩
...
واختلف أهل العربية فى وجه تأنيث ((البين)).
فقال بعض نحوبى البصرة: أضاف ((ذات)) إلى ((البين))، وجعله ((ذاتاً))،
لأن بعض الأشياء يوضع عليه اسم مؤنث، وبعضاً يذكر، نحو ((الدار))
و((الحائط))، أنث ((الدار)) وذكر ((الحائط)).
٠٠٠
وقال بعضهم: إنما أراد بقوله: ((ذات بينكم))، الحال التى للبين،
فقال: وكذلك ((ذات العشاء))، يريد الساعة التى فيها العشاء، قال : ولم يضعوا
مذكرًا لمؤنث ، ولا مؤنثاً لمذكر ، إلا لمعنى.
٠ ٠٠
قال أبو جعفر : وهذا القول أولى القولين بالصواب ، للعلة التى ذكرتها له .
٣٨٥
تفسير سورة الأنفال : ١ ، ٢
وأما قوله: ((وأطيعوا الله ورسوله))، فإن معناه: وانتهوا، أيها القوم الطالبون الأنفال،
إلى أمر الله وأمر رسوله فيما أفاء الله عليكم، فقد بين لكم وجوهه وسبله = ((إن
كنتم مؤمنين))، يقول: إن كنتم مصدقين رسول اللّه فيما آتاكم من عند ربكم، كما :-
١٥٦٨٣ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
((فاتقوا اللّه وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين))، فسلموا
لله ولرسوله ، يحكمان فيها بما شاءا ، ويضعانها حيث أرادا .
#
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ
وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ،أَيْتُهُ زَادَتْهُمْ إِمَنَا وَىْ رَبِهِمْ
يَتَّوْكُونَ) ))
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : ليس المؤمن بالذى يخالف الله ورسوله ،
ويترك اتباع ما أنزله إليه فی کتابه من حدوده وفرائضه ، والانقياد لحكمه ، ولكن
المؤمن هو الذى إذا ذكر اللّه وَجِل قلبه، وانقاد لأمره، وخضع لذكره ، خوفاً
منه، وفَرَقاً من عقابه، وإذا قرئت عليه آيات كتابه صدّق بها، (١) وأيقن
أنها من عند الله، فازداد بتصديقه بذلك، إلى تصديقه بما كان قد بلغه منه قبل
ذلك، تصديقاً . وذلك هو زيادة ما تلى عليهم من آيات الله إيَّاهم إيماناً (٢)=
((وعلى ربهم يتوكلون))، يقول: وباللّه يوقنون، فى أن قضاءه فيهم ماضٍ ، فلا
يرجون غيره، ولا يرهبون سواه. (٣)
#
#
(١) انظر تفسير ((التلاوة)) فيما سلف ص: ٢٥٢، تعليق ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((زيادة الإيمان)) فيما سلف ٧ : ٤٠٥.
(٣) انظر تفسير ((الوكتل)) فيما سلف ٥٦٣:١٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
ج ١٣ (٢٥)
٣٨٦
تفسير سورة الأنفال : ٢
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
· ذكر من قال ذلك :
١٥٦٨٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم))،
قال : المنافقون ، لا يدخل قلوبهم شىء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا
يؤمنون بشىء من آيات الله، ولا يتوكلون على اللّه، ولا يصدّون إذا غابوا، ولا
يؤدُّون زكاة أموالهم . فأخبر الله سبحانه أنهم ليسوا بمؤمنين ، ثم وصف المؤمنين
فقال: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم))، فأدوا فرائضه = (( وإذا
تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً))، يقول تصديقاً = ((وعلى ربهم يتوكلون))،
يقول : لا يرجون غيره .
١٥٦٨٥ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا عبد الله ، عن ابن جريج ، عن
عبد الله بن كثير، عن مجاهد: ((الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم))، قال :
قرِقت .
. قال ، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن السدي :
١٥٦٨٦ -
((الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم))، قال: إذا ذكر الله عند الشىء وجيلَ قلبه.
١٥٦٨٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم))،
يقول : إذا ذكر الله وجيل قلبه .
١٥٦٨٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: ((وجلت قلوبهم))،
قال : فرقت .
١٥٦٨٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
٣٨٧
تفسير سورة الأنفال : ٢
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( وجلت قلوبهم )) ، فرقت .
١٥٦٩٠ -.... قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان
قال: سمعت السدى يقول فى قوله: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم))،
قال: هو الرجل يريد أن يظلم - أو قال: يهمّ بمعصية = أحسبه قال: فينزع عنه .
١٥٦٩١ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان
الثورى، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن شهر بن حوشب، عن أبى الدرداء
فى قوله: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم))، قال: الرجل فى القلب
كإحراق السَّعفة،(١) أما تجد له قشعريرة ؟ قال : بلى! قال : إذا وجدت
ذلك فى القلب فادع الله ، فإن الدعاء يذهب بذلك .
١٥٦٩٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم))، قال: فرقاً من الله ١٢١/٩
تبارك وتعالى ، ووَجلاً من اللّه ، وخوفاً من الله تبارك وتعالى .
٠٠٠
وأما قوله: ((زادتهم إيماناً)) ، فقد ذكرت قول ابن عباس فيه.(٢)
٠٠٠
وقال غيره فيه ، ما : -
١٥٦٩٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ((وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً))،
قال : خشية .
١٥٦٩٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة:
((وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون))، قال: هذا نعت
أهل الإيمان ، فأثبت نَعْتهم ووصفهم ، فأثبت صِفتهم .
٠٠٠
(١) ((السعفة)) (بفتحتين) ورق جريد النخل إذا يبس.
(٢) يعنى رقم : ١٥٦٨٤.
٣٨٨
تفسير سورة الأنفال : ٣، ٤
القول فى تأويل قوله ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَّا رَزَقْنَهُمْ
يُتْفِقُون ) أُوْ لَكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : الذين يؤدون الصلاة المفروضة بحدودها ،
وينفقون مما رزقهم اللّه من الأموال فيما أمرهم الله أن ينفقوها فيه ، من زكاة وجهاد
وحج وعمرة، ونفقةٍ على من تجب عليهم نفقته، فيؤدُّون حقوقهم = ((أولئك))،
يقول: هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال(١) = ((هم المؤمنون))، لا الذين يقولون
بألسنتهم: ((قد آمنا))، وقلوبهم منطوية على خلافه نفاقاً ، لا يقيمون صلاة ،
ولا يؤدُون زكاة .
٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذکر من قال ذلك :
١٥٦٩٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على، عن ابن عباس: ((الذين يقيمون الصلاة))، يقول :
الصلوات الخمس = ((ومما رزقناهم ينفقون))، يقول: زكاة أموالهم (٢) = ((أولئك
هم المؤمنون حقًّاً))، يقول: برئوا من الكفر. ثم وصف الله النفاق وأهله فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْعُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرَّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِ﴾:
إلى قوله ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾، [سورة النساء: ١٥١،١٥٠] فجعل
اللّه المؤمن مؤمناً حقًّا، وجعل الكافر كافراً حقًّا، وهو قوله: ﴿هُوَ الَّذِىِ خَلَقَكُمْ
فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [سورة التغابن: ٢].
(١) انظر تفسير ((إقامة الصلاة))، و((الرزق))، و((النفقة)) فيما سلف من فهارس
اللغة ( قوم)، (رزق)، ( نفق) .
(٢) انظر تفسير ((حقا)» فيما سلف من فهارس اللغة (حقق).
٣٨٩
تفسير سورة الأنفال : ٤
١٥٦٩٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة.
(أولئك هم المؤمنون حقًّاً))، قال: استحقُّوا الإيمان بحق، فأحقه الله لهم .
القول فى تأويل قوله ﴿لَّهُمْ دَرَجْتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةُ
وَرِزْقُكَرِيمٌ) (٥)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((لهم درجات))، لهؤلاء المؤمنين
الذين وصف جل ثناؤه صفتهم = ((درجات))، وهى مراتب رفيعة. (١)
ثم اختلف أهل التأويل فى هذه ((الدرجات)) التى ذكر الله أنها لهم عنده ،
ما هى ؟
فقال بعضهم : هى أعمال رفيعة ، وفضائل قدّموها فى أيام حياتهم.
• ذكر من قال ذلك :
١٥٦٩٧ - حدثنى أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا
إسرائيل، عن أبى يحيى القتات، عن مجاهد: ((لهم درجات عند ربهم))، قال:
أعمال رفيعة .(٢)
٠٠
وقال آخرون : بل ذلك مراتب فى الجنة .
. ذكر من قال ذلك :
١٥٦٩٨ -حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
(٤) انظر تفسير ((الدرجة)) فيما سلف ١٢: ٢٨٩، تعليق: ١، والمراجع هناك ..
(٥) الأثر: ١٥٦٩٧ - ((أبو يحيى القتات))، ضعيف، مضى برقم : ١٢١٣٩.
٣٩٠
تفسير سورة الأنفال ٤
سفيان، عن هشام ، عن جبلة، عن عطية، عن ابن محيريز: ((لهم درجات عند
ربهم))، قال : الدرجات سبعون درجة ، كل درجة حُضْر الفرس الجواد المضمَّر
سبعين سنة .(١)
٠٠
وقوله: ((ومغفرة))، يقول: وعفو عن ذنوبهم، وتغطية عليها (٢)=هورزق
كريم))، قيل: الجنة = وهو عندى: ما أعد الله فى الجنة له من مزيد المآ كل
والمشارب وهى ء العيش. (٣)
١٥٦٩٩ - حدثنى المثى قال ، حدثنا إسحق، عن هشام ، عن عمرو ،
عن سعيد، عن قتادة: ((ومغفرة))، قال: لذنوبهم = ((ورزق كريم))،
قال : الجنة .
٠
٠
١٥٦٩٨ - ((سفيان)) هو ، الثورى .
(١) الأثر
و((هشام)) هو: ((هشام بن حسان القردوسى))، مضى برقم: ٢٨٣٧، ٧٢٨٧،
٤٩٨٣٧ ١٠٢٥٨ ٠
و((جبلة)، هو ((جبلة بن محيم التيمى))، مضى برقم: ٣٠٠٣، ١٠٢٥٨، وكان فى
المطبوعة والمخطوطة: (( هشام بن جبلة))، وهو خطأ صرف.
وأما (عطية»، فلا أعرف من يكون، وأنا فى شك منه.
و«ابن محيريز)»، هو: ((عبدالله بن محيريز الجمحى))، مضى برقم: ٨٧٢٠، ٠١٠٢٥٨
وهذا الخبر، روى مثله فى تفسير غير هذه الآية، فيما سلف برقم: ١٠٢٥٨ قال: (( حدثنا
حلى بن الحسين الأزدى، قال حدثنا الأشجعى ، عن سفيان، عن هشام بن حسان ، عن جبلة
ابن محم، عن ابن محيريز))، ليس فيه ((ابن عملية)) هذا الذى هنا.
ـ.«الخضر)) (بضم فسكون)، ارتفاع الفرس فى عدوه.
بو « المضير .. ، هو الذى أحد السباق والركض.
{(٢)) انظر تفسير ((المنفرة)) فيها سلف من فهارس اللغة (غفر )
((٢٣)) انظر تفسير « كريم» فيها سلف ٨ : ٢٥٩
٣٩١
تفسير سورة الأنفال : ٥ ، ٦
القول فى تأويل قوله ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ يَنْتِكَ
بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِقً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكُرِمُونَ (٥ يُجْدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ
بَعْدَ مَاتَبَّنَ كَأَنَّا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنَظُرُونَ) (١)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى الجالب لهذه (( الكاف)) التى فى
قوله: ((كما أخرجك))، وما الذى ◌ُشبِّه بإخراج اللّه نبيه صلى الله عليه وسلم من
بيته بالحق .
فقال بعضهم: 'شُبِّه به فى الصلاح للمؤمنين، القاؤهم ربهم، وإصلاحهم
ذات بينهم ، وطاعتهم الله ورسوله . وقالوا: معنى ذلك: يقول الله: وأصلحوا
ذات بينكم ، فإن ذلك خير لكم، كما أخرج اللّه محمداً صلى الله عليه وسلم من
بیته بالحق ، فكان خيراً له .(١)
• ذكر من قال ذلك :
١٥٧٠٠ - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثا
داود، عن عكرمة: ((فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم
مؤمنين . كما أخرجك ربك من بيتك بالحق))، الآية، أى: إن هذا خيرٌ
لكم، كما كان إخراجك من بيتك بالحق خيراً لك .
..
٠
وقال آخرون : معنى ذلك : كما أخرجك ربك ، يا محمد ، من بيتك بالحق
على كره من فريق من المؤمنين ، كذلك هم يكرهون القتال ، فهم يجادلونك فيه ١٢٢/٩
بعد ما تبين لهم .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٧٠١ -حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
(١) فى المطبوعة، والخطوطة ((كان خيراً له))، بغير فاء، والصواب ما أثبت، وهى
فى المحفوظة سبنه الكتابة.
٣٩٢
تفسير سورة الأنفال : ٥ ، ٦
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ))،
قال : كذلك يجادلونك فى الحق .
١٥٧٠٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((كما أخرجك ربك من بيتك بالحق))، كذلك
يجادلونك فى الحقّ ، القتالِ.
.. قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن أبى
١٥٧٠٣ - .
جعفر ، عن ورقاء ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: (( كما أخرجك
ربك من بيتك بالحق)) ، قال : كذلك أخرجك ربك .(١)
١٥٧٠٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط ، عن السدی قال : أنزل الله فى خروجه = یعنی خروج النبى صلى
اللّه عليه وسلم = إلى بدر، ومجادلتهم إياه فقال: ((كما أخرجك ربك من بيتك بالحق
وإن فريقاً من المؤمنين الكارهون»، لطلب المشركين، ((يجادلونك فى الحق بعد ما تبين)).
٠
واختلف أهل العربية فى ذلك .
فقال بعض نحوبى الكوفيين : ذلك أمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم
أن يمضى لأمره فى الغنائم ، على كره من أصحابه ، كما مضى لأمره فى خروجه
من بيته لطلب العبير وهم كارهون . (٢)
٠
٠
وقال آخرون منهم: معنى ذلك: يسألونك عن الأنفال مجادلةً ، كما جادلوك
يوم بدر فقالوا: ((أخرجتنا للعِير، ولم تعلمنا قتالاً فنستعدَّ له)).
٠
(١) هكذا فى المخطوطة والمطبوعة، ولعل الصواب: ((قال: كذلك يجادلونك))، وهو
ما تدل عليه الآثار السالفة عن مجاهد .
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٤٠٣.
٣٩٣
تفسير سورة الأنفال : ٥ ، ٦
وقال بعض نحوبى البصرة. يجوز أن یکون هذا ((الكاف)) فى (( كما أخرجك))،
على قوله: ((أولئك هم المؤمنون حقًّا))، ((كما أخرجك ربك من بيتك بالحق)). وقال:
(الكاف)) بمعنى ((على)).(١)
وقال آخر منهم(٢): هى بمعنى القسم. قال: ومعنى الكلام : والذى أخرجك
ربّك . (٣)
٠
٠
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندى بالصواب، قولُ من قال فى ذلك
بقول مجاهد ، وقال: معناه: كما أخرجك ربك بالحقّ على كره من فريق من
المؤمنين ، كذلك يجادلونك فى الحق بعد ما تبين = لأن كلا الأمرين قد كان ،
أعنى خروج بعض من خرج من المدينة كارهاً ، وجدالهم فى لقاء العدو وعند دنوٍ
القوم بعضهم من بعض ، فتشبيه بعض ذلك ببعض ، مع قرب أحدهما من الآخر ،
أولى من تشبيهه بما بعد عنه .
وقال مجاهد فى ((الحق)) الذى ذكر أنهم يجادلون فيه النبيّ صلى الله عليه وسلم
بعد ما تبينوه : هو القتال .
١٥٧٠٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((يجادلونك فى الحق))، قال: القتال.
١٥٧٠٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
(١) فى المطبوعة: ((وقيل: الكاف .. ))، كأنه قول آخر، والصواب ما فى المخطوطة.
ولعل قائل هذا هو الأخفش، لأنه الذى قال: ((الكاف بمعنى: على ))، وزعم أن من كلام العرب
إذا قيل لأحدهم: ((كيف أصبحت))، أن يقول: ((كخير))، والمعنى: على خير.
وانظر تفسير ((؟!)) فيما سلف ٣: ٢٠٩، فى قوله تعالى: ((كما أرسلنا فيكم رسولا))
[ سورة البقرة ١٥٠ ]
(٢) فى المطبوعة ((وقال آخرون)». جمعاً، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب،
وقائل ذلك هو أبو عبيدة معمر بر المثنى
٢٤١٠٢٤٠
(٣) نظم مى القرآن لأنى عبيده
٣٩٤
تفسير سورة الأنفال : ٦،٥
١٥٧٠٧ - حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله ، عن ورقاء، عن ابن أبى
فجیح ، عن مجاهد ، مله .
وأما قوله: ((من بيتك))، فإن بعضهم قال: معناه: من المدينة.
• ذكر من قال ذلك :
١٥٧٠٨ -حدثی احی قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى يزة: «كما أخرجك ربك من بيتك))، المدينة، إلى بدر.
١٥٧٠٩ -حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج قال: أخبرنى محمد بن عباد بن جعفر فى قوله: ((كما أخرجك ربك
من بيتك بالحق))، قال: من المدينة إلى بدر .
ڵناقل: ،وإن فريقاً من الثمنین لکارهون » ، فإن کراهتهم کانت، کما :-
١٥٧١٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال ،
حدثنى محمد بن مسلم الزهرى، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبى
بكر، وتزيد من رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا ، عن عبد الله
ابن عباس، قالوا: لا سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان مقبلاً
من الثأم، نهب إليهم المسلمين،١١) وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم، (٢)
تخرجوا إليها، لسل ال أن يتفلكموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقُل
بعضهم، وذلك أنهم لم يظنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً. (٣)
١٠٧١١ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثا أسبالا، عن السدى: ((وإن فريقاً من المؤمنين الكارهون))، لطلب المشركين.
(١) . ذهب التالى إلى حرب أو معرفة، فانتدبو،، أى: دعام فاستجابوا وأسرعوا إليه.
(٢) • السير)))) (بكر السين): القائلة، وكل احاوا عليه من إبل وحمير وبغالى
لى كلفة تبارة قريش إلى الشام .
٢٥٧ ٠ ٢٥٨
(٢) الأثر ١٥٧١٠ - سيرة ابن هشام ٢
٣٩٥
تفسير سورة الأنفال : ٦،٥
ثم اختلف أهل التأويل فى الذين عُنُوا بقوله: ((يجادلونك فى الحق بعد
ما تبين)) .
فقال بعضهم : عنى بذلك أهلُ الإيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، الذين كانوا معه حين توجَّه إلى بدر للقاء المشركين .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٧١٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال: لما شاور النبى صلى الله عليه
وسلم فى لقاء القوم ، وقال له سعد بن عبادة ما قال ، وذلك يوم بدراً ، أمر الناس
فتعبَّوْا للقتال، (١) وأمرهم بالشوكة، وكره ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله: ((كما
أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون . يجادلونك فى الحق
بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينتظرون)).
١٢٣/٩
١٥٧١٣ - حدثنى ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال :
ثم ذكر القومَ = يعنى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم = ومسيرهم مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم، حين عرف القوم أن قريشاً قد سارت إليهم ، وأنهم إنما
خرجوا يريدون العيرَ طمعاً فى الغنيمة، فقال: (( كما أخرجك ربك من بيتك
بالحق))، إلى قوله: ((لكارهون))، أى كراهيةً للقاء القوم، وإنكارًا لمسير
قريش حين ذُكِروا لهم. (٢)
وقال آخرون : عُنى بذلك المشركون .
#
ذكر من قال ذلك :
١٥٧١٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
(١) ((عبى الجيش)) و((عبأه)) بالهمز، واحد. و((تعبوا للقتال)) و((تعبأوا))، تهيأوا له.
(٢) الأثر: ١٥٧١٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٣٢٢، وهو تابع الأثر السالف رقم:
٠١٥٦٥٥
٣٩٦
تفسير سورة الأنفال : ٥ ، ٦
قوله: (( يجادلونك فى الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون))،
قال : هؤلاء المشركون ، جادلوه فى الحق (١)= (( كأنما يساقون إلى الموت ))، حین
يدعون إلى الإسلام = ((وهم ينظرون))، قال: وليس هذا من صفة الآخرين،
هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر .
١٥٧١٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا يعقوب بن محمد
قال ، حدثنى عبد العزيز بن محمد ، عن ابن أخى الزهرى ، عن عمه قال : كان
رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر: ((كأنما يساقون إلى الموت وهم
ينظرون))، خروجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العبير.(٢)
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك ما قاله ابن عباس وابن إسحق ،
من أن ذلك خبرٌ من اللّه عن فريق من المؤمنين أنهم كرهوا لقاء العدو ، وكان
جدالهم نبيَّ اللّه صلى الله عليه وسلم أن قالوا: ((لم يُعلمنا أنا نلقى العدو فنستعد لقتالهم،
وإنما خرجنا للغير )). ومما يدلَ على صحته قولُه(٣): ﴿وَإِذْ يَعِدُ كُمُ اللهُ إحْدَى
الطَّائِفَتَيْنِ أنها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)، ففى ذلك
الدليل الواضح لمن فهم عن اللّه، أنّ القوم قد كانوا للشوكة كارهين، وأن جدالهم كان
فى القتال ، كما قال مجاهد ، كراهيةً منهم له = وأنْ لا معنى لما قال ابن زيد؛
لأن الذى قبل قوله: ((يجادلونك فى الحق))، خبرٌ عن أهل الإيمان ، والذى يتلوه
(١) فى المطبوعة: ((جاداوك))، وأثبت الصواب الجيد من المخطوطة.
(٢) الأثر: ١٥٧١٥ - ((يعقوب بن محمد الزهرى))، مضى قريباً برقم ١٥٦٥٤، وهو
يروى عن ابن أخى الزهرى مباشرة ، ولكنه روى عنه هنا بالواسطة .
((عبد العزيز بن محمد بن عبيد بن أبى عبيد الدراوردى))، ثقة، روى له الجاعة ، مضى
برقم : ١٠٦٧٦ ٠
و((ابن أخى الزهرى))، هو ((محمد بن عبد الله بن مسلم الزهرى))، ثقة، متكلم فيه، روى
له الجماعة. يروى عن عمه ((ابن شهاب الزهرى)).
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((على صحة قوله))، والصواب ما أثبت.
٣٩٧
تفسير سورة الأنفال : ٥ ، ٦
خبرٌ عنهم ، فأن یکون خبرًا عنهم ، أولی منه بأن یکون خبرًا عمن لم یجر له ذکرٌ
وأما قوله: ((بعد ما تبين))، فإن أهل التأويل اختلفوا فى تأويله .
فقال بعضهم : معناه : بعد ما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٧١٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى : بعد ما تبين أنك لا تصنع إلاّ ما أمرك الله به
٥
وقال آخرون : معناه : يجادلونك فى القتال بعد ما أمرت به .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٧١٧ - روی الکلی ، عن أبى صالح ، عن ابن عباس .(١)
٠ ٠
وأما قوله: (( كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون))، فإن معناه: كأن هؤلاء
الذين يجادلونك فى لقاء العدوّ، من كراهتهم للقائهم إذا دعوا إلى لقائهم للقتال،
« يساقون إلى الموت)).
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
١٥٧١٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، قال ابن إسحق
(( كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون))، أى كراهةً للقاء القوم، وإنكاراً لمسير
قريش حين ذكروا لهم . (٢)
(١) الأثر : ١٥٧١٧ - هكذا جاءفى المخطوطة والمطبوعة، لم يذكر نصاً، وكأن صواب
العبارة: ((رواه الكلبى " .. )) .
(٢) الأثر : ١٥٧١٨ - سيرة بن هشام ٢: ٣٢٢، وهو جزء من الخبر السالف رقم :
٠١٥٧١٣
٣٩٨
تفسير سورة الأنفال : ٧
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِذْ يَِدُ كُمُ اللهُ إِحْدَى الَّابِفَتَيْنِ
أَنَّهَاَ لَكُمْ وَتَوَّدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: واذكروا، أبها القوم = ((إذ يعدكم الله
إحدى الطائفتين )) ، يعنى إحدى الفرقتين ، (١) فرقة أبى سفيان بن حرب والعیر ،
وفرقة المشركين الذين نَفروا من مكة لمنع غيرهم .
٠٠٠
وقوله: (( أنها لكم))، يقول: أن ما معهم غنيمة لكم = ((وتودون أنّ غير
ذات الشوكة تكون لكم)) ، يقول : وتحبون أن تكون تلك الطائفة التى ليست
لها شوكة = يقول: ليس لها حدّ،(٢) ولا فيها قتال = أن تكون لكم . يقول :
تودُّون أن تكون لكم العيرُ التى ليس فيها قتال لكم ، دون جماعة قريش الذین
جاءوا لمنع عيرهم ، الذين فى لقائهم القتالُ والحربُ.
وأصل ((الشوكة))، من ((الشوك)).
٠
٠٠٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٥٧١٩ - حدثنا على بن نصر ، وعبد الوارث بن عبد الصمد قالا ،
١٢٤/٩ حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال ، حدثنا أبان العطار قال ، حدثنا
هشام بن عروة، عن عروة : أن أبا سفيان أقبل ومن معه من رُكبان قريش
مقبلين من الشأم ، (٣) فسلكوا طريق الساحل . فلما سمع بهم النبى صلى الله عليه
وسلم ، ندب أصحابه ، وحدثهم بما معهم من الأموال ، وبقلة عددهم . فخرجوا
(١) انظر تفسير ((الطائفة)) فيما سلف ١٢: ٥٦٠، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) ((الحد)) (بفتح الحاء) هو: الحدة (بكسر الحاء)، والبأس الشديد، والنكاية .
(٣) الركبان)) و((الركب))، أصحاب الإبل فى السفر، وهو اسم جمع لا واحد له .
٣٩٩
تفسير سورة الأنفال : ٧
لا يريدون إلا أبا سفيان والركب معه ، لا يرونها إلا غنيمة لهم ، لا يظنون أن يكون
كبيرُ قتال إذا رأوهم. وهى التى أنزل الله فيها(١): ((وتودون أن غير ذات الشوكة
تكون لكم » .(٢)
١٥٧٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق ،
عن محمد بن مسلم الزهري ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبى بكر ،
ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، (٣) عن عبد الله بن
عباس ، كُلّ قد حدثنى بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سُقْت من
حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان مقبلاً من
الشأم، ندب المسلمين إليهم وقال: هذه عير قريش ، فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها
لعل الله أن ينفِّلكموها! فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعض ، وذلك أنهم
لم یظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً . وكان أبو سفيان يستيقن حين
دنا من الحجاز ويتحسس الأخبار ، (٤) ويسأل من لقى من الركبان ، تخوفاً على
(١) فى المطبوعة: ((وهى ما أنزل الله))، وفى المخطوطة: ((وهى أنزل الله))، وأثبت ما فى
تاريخ الطبرى .
(٢) الأثر: ١٥٧١٩ - ((على بن قصر بن على بن نصر بن على الجهضمى))، الثقا
الحافظ ، شيخ الطبرى، روى عنه مسلم، وأبو داود ، والترمذى، والنسائى، وأبو زرعة، وأبو حاتم،
والبخارى، فى غير الجامع الصحيح. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢٠٧/١/٣.
و ((عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث العنبرى)»، شيخ الطبرى. ثقة، مضى برقم:
٢٣٤٠ .
وأبوه: ((عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبرى))، ثقة، مضى مراراً كثيرة .
و((أبان العطار))، هو ((أبان بن يزيد العطار))، ثقة، مضى برقم : ٣٨٣٢، ٩٦٥٦.
وهذا الخبر رواه أبو جعفر، بإسناده هذا فى التاريخ ٢ : ٢٦٧، مطولا مفصلا، وهو كتاب
من عروة بن الزبير إلى عبد الملك بن مروان، وكتاب عروة إلى عبد الملك بن مروان كتاب طويل
رواه الطبرى مفرقاً فى التاريخ، وسأخرجه مجموعاً فى تعليق على الأر ١٦٠٨٣.
(٣) القائل ((من علمائنا ... )) إلى آخر السياق، هو محمد بن إسحق.
(٤) فى المطبوعة، وفى تاريخ الطبرى، وفى سيرة ابن هشام: ((وكان أبو سفيان حين دنا
من الحجاز يتحسس))، ليس فيها ((يستيقن))، وليس فيها واو العطف فى ((يتحسس))، ولكن
المخطوطة واضحة ، فأثبتها .
٤٠٠
تفسير سورة الأنفال : ٧
أموال الناس، (١) حتى أصاب خبراً من بعض الركبان: ((إن محمداً قد استنفر
أصحابه لك ولغيرك))!(٢) فحذر عند ذلك، واستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى،
فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتى قريشاً يستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أن محمداً قد
عرض لها فى أصحابه . فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلى مكة .(٣) وخرج رسول
الله صلى الله عليه وسلم فى أصحابه حتى بلغ وادياً يقال له ((ذَفيِرَان))، فخرج منه، (٤)
حتى إذا كان ببعضه ، نزل ، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا غيرهم،
فاستشار النبى صلى الله عليه وسلم الناس، وأخبرهم عن قريش. فقام أبو بكر
رضوان اللّه عليه، فقال فأحسن. ثم قام عمر رضى الله عنه، فقال فأحسن.
ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول اللّه، امض إلى حيث أمرك الله ، فنحن
معك، واللّه، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاً
إِنَّا فَهُناً قَعِدُونَ﴾، سورة المائدة: ٢٤ فا، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا ،
إنا معكما مقاتلون ! فوالذي بعثك بالحق، لئن سرت بنا إلى بَرْك الغِمَاد = يعنى:
مدينة الحبشة(٥) = لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه!فقال له رسول الله صلى الله
عليه وسلم خيرًا، ثم دعا له بخيرٍ. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا علىّ
وكان فى المطبوعة: ((يتجسس)) بالجيم، وإنما هى بالحاء المهملة، و((تحسس الخبر))،
تسمعه بنفسه وتبحثه وتطلبه .
(١) فى المطبوعة: ((تخوفا من الناس))، وفى سيرة ابن هشام: ((تخوفاً على أمر الناس))،
وأثبت ما فى تاريخ الطبرى .
(٢) (استنفر الناس))، استنجدهم واستنصرهم، وحثهم على الخروج القتال.
(٣) عند هذا الموضع انتهى ما فى سيرة ابن هشام ٢: ٢٥٧، ٢٥٨، وسيصله بالآتى فى
السيرة بعد ٢: ٢٦٦، وعنده انتهى الخبر فى تاريخ الطبرى ٢: ٢٧٠، وسيصله بالآتى فى التاريخ
أيضاً ٢ : ٢٧٣ .
وانظر التخريج فى آخر هذا الخبر .
(٤) فى السيرة وحدها ((فجزع فيه))، وهى أحق بهذا الموضع، ولكنى أثبت ما فى المطبوعة
والمخطوطة والتاريخ. و((جزع الوادى))، قطعه عرضاً .
(٥) ((برك الغماد))،((برك)) (بفتح الباء وكسرها)، و((الغماد))، (بكسر الغين
وضمها)). قال الهمدانى: ((برك الغماد))، فى أقاصى اليمن (معجم ما استعجم: ٢٤٤).