Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
تفسير سورة الأنعام : ١٢١
١٣٨١٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ،
عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٣٨١٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم))، قال:
جادلهم المشركون فى الذبيحة فقالوا : أما ما قتلتم بأيديكم فتأكلونه ، وأما ما قتل
الله فلا تأكلونه! يعنون ((الميتة))، فكانت هذه مجادلتهم إياهم.
١٣٨٢٠ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)) الآية ، يعنى
عدوّ اللّه إبليس ، أوحى إلى أوليائه من أهل الضلالة فقال لهم: خاصموا أصحاب
محمد فى الميتة فقولوا: (( أما ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون ، وأما ما قتل اللّه فلا تأكلون،
وأنتم تزعمون أنكم تتبعون أمرَ الله))! فأنزل الله على نبيه: ((وإن أطعتموهم إنكم
المشركون))، وإنا والله ما نعلمه كان شرك قط إلاّ بإحدى ثلاث: أن يدعو
مع اللّه إلهاً آخر، أو يسجد لغير اللّه ، أو يسمى الذبائح لغير الله .
١٣٨٢١ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه))، إن المشركين
قالوا للمسلمين: كيف تزعمون أنكم تتبعون مرضاة الله، وما ذبح اللّه فلا تأكلونه ،
وما ذبحتم أنتم أكلتموه ؟ فقال الله: لئن أطعتموهم فأكلتم الميتة ، إنكم لمشركون.
١٣٨٢٢ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع، عن إسرائيل ، عن
سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس فى قوله: ((وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم
ليجادلوكم))، قال: كانوا يقولون: ما ذكر الله عليه وما ذبحتم فكلوا ! فنزلت:
((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)).
١٣٨٢٣ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن سعيد
ابن جبير، عن ابن عباس: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)) إلى قوله:
ج ١٢ (٦)

٨٢
تفسير سورة الأنعام : ١٢١
(((ليجادلوكم))، قال يقول: يوحى الشياطين إلى أوليائهم: تأكلون ما قتلتم ،
ولا تأكلون مما قتل الله ! فقال: إن الذى قتلتم يذكر اسم الله عليه، وإن الذى
مات لم يذكر اسم الله عليه .
١٥/٨
١٣٨٢٤ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك فى قوله: ((وإن الشياطين ليوحون إلى
أوليائهم ليجادلوكم))، هذا فى شأن الذبيحة . قال : قال المشركون للمسلمين :
تزعمون أن الله حرم عليكم الميتة ، وأحل لكم ما تذبحون أنتم بأيديكم ، وحرم عليكم
ما ذبح هو لكم؟ وكيف هذا وأنتم تعبدونه! فأنزل الله هذه الآية: ((ولا تأكلوا
مما لم يذكر اسم الله عليه))، إلى قوله: ((المشركون)).
٠٠٠
وقال آخرون : كان الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك
قوماً من اليهود .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٨٢٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى وسفيان بن وكيع قالا، حدثنا عمران
ابن عيينة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس = قال
ابن عبد الأعلى : خاصمت اليهودُ النبى صلى الله عليه وسلم = وقال ابن وكيع:
جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم = فقالوا: نأكل ما قتلنا ، ولا نأكل
ما قتل الله! فأنزل الله: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق)).
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إن اللّه أخبر
أنّ الشياطين يوحون إلى أوليائهم ليجادلوا المؤمنين فى تحريمهم أكل الميتة ، بما
ذكرنا من جدالهم إياهم = وجائز أن یکون الموحون کانوا شياطين الإنس یوحون
إلى أوليائهم منهم = وجائز أن يكونوا شياطين الجن أوحوا إلى أوليائهم من الإنس =
وجائز أن يكون الجنسان كلاهما تعاونا على ذلك ، كما أخبر اللّه عنهما فى الآية

٨٣
تفسير سورة الأنعام : ١٢١
الأخرى التى يقول فيها: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاَ لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإنْسِ وَالْجِنِّ
يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غَرُوراً﴾، [ سورة الأنعام: ١١٢]. بل ذلك
الأغلب من تأويله عندى ، لأن الله أخبر نبيه أنه جعل له أعداء من شياطين
الجن والإنس، كما جعل لأنبيائه من قبله ، يوحى بعضهم إلى بعض المزيِّنّ من
الأقوال الباطلة ، ثم أعلمه أن أولئك الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس
ليجادلوه ومن تبعه من المؤمنين فيما حرم الله من الميتة عليهم .
واختلف أهل التأويل فى الذى عنى الله جل ثناؤه بنهيه عن أكله مما لم يذكر
اسم الله عليه .
فقال بعضهم : هو ذبائح كانت العرب تذبحها لآلمتها .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٨٢٦ - حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا، حدثنا أبو عاصم
قال ، أخبرنا ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما قوله: (( فكلوا مما ذكر اسم الله
عليه))؟ قال: يأمر بذكر اسمه على الشراب والطعام والذبح. قلت لعطاء : فما
قوله : ( ولا تأكلوا مما لم یذ کر اسم الله علیه » ؟ قال : ینهی عن ذبائح كانت
فى الجاهلية على الأوثان ، کانت تذبحها العرب وقریش .
وقال آخرون : هى الميتة .(١)
• ذكر من قال ذلك :
١٣٨٢٧ - حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا : حدثنا جرير، عن عطاء
(١) هذه الترجمة: ((وقال آخرون: هى الميتة))، ليست فى المخطوطة، ولكن إثباتها كما فى
المطبوعة هو الصواب إن شاء الله .

٨٤
تفسير سورة الأنعام : ١٢١
ابن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر
إسم اللّه عليه ، قال: الميتة .
#
٠٠
وقال آخرون: بل عنى بذلك كلَّ ذبيحة لم يذكر اسمُ اللّه عليها .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٨٢٨ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبو أسامة، عن جھیر بن یزید
قال: سُئِل الحسن، سأله رجل قال له: أتِيتُ بطيرٍ كَرّى، (١) فمنه ما ذبح فذكر
اسم الله عليه، ومنه ما نسى أن يذكر اسم الله عليه ، واختلط الطير؟ فقال
الحسن: كُلْه، كله! قال: وسألت محمد بن سيرين فقال: قال الله: ((ولا
تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)). (٢)
١٣٨٢٩ - حدثی المثنی قال، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد ، عن
أيوب وهشام ، عن محمد بن سيرين ، عن عبد الله بن يزيد الخطمى قال : كلوا
من ذبائح أهل الكتاب والمسلمين ، ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه .
١٣٨٣٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هرون ، عن أشعث،
١٦/٨ عن ابن سيرين، عن عبد الله بن يزيد قال، كنت أجلس إليه فى حلقة،
فكان يجلس فيها ناس من الأنصار هو رأسهم، فإذا جاء سائل فإنما يسأله ويسكتون.
قال : فجاءه رجل فسأله ، فقال : رجل ذبح فنسى أن يسمّى؟ فتلا هذه الآية:
(١) فى المطبوعة: ((بطير كذا))، وهو خطأ لا شك فيه. وفى المخطوطة: ((بطير كدى)) برسم
الدال، وهو خطأ لا معنى له. والصواب ما أثبت ((كرى)) (بفتحتين) جمع ((الكروان)) وهو طائر بين
الدجاجة والحمامة ، حسن الصوت، يؤكل لحمه . ذكر صاحب لسان العرب أنه يدعى الحجل والقبج ،
والصحيح أنه ضرب من الطير شبيه به. ويقال له عند صيده (( أطرق كرى، أطرق كرى، إن النعام
فى القری )»، فيجبن ويلتصق بالأرض ، فیلقى عليه ثوب فيصاد .
(٢) الأثر: ١٣٨٢٨ - ((جهير بن يزيد العبدى))، حدث عن معاوية بن قرة، وابن سيرين.
روى عنه أبو أسامة، وموسى بن إسماعيل، والقعنبى. وثقه يحيى بن معين وابن حبان، وغيرهما. ولم يذكر
فيه البخارى جرحاً . مترجم فى تعجيل المنفعة: ٧٤، والكبير ٢٥٣/٢/١، وابن أبى حاتم ٥٤٧/١/١
قال ابن حجر: ((جهير، بصيغة التصغير، وقيل: بوزن عظيم)).

٨,٥
تفسير سورة الأنعام : ١٢١
((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)) ، حتى فرغ منها .
...
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال : إن اللّه عنى بذلك
ما ذُبح للأصنام والآلهة ، وما مات أو ذبحه من لا تحلّ ذبيحته .
وأما من قال: ((عنى بذلك: ما ذبحه المسلم فنسى ذكر اسم الله ))، فقول
بعيد عن الصواب ، لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله ، وکفی
بذلك شاهداً على فساده . وقد بينا فساده من جهة القياس فى كتابنا المسمى :
﴿لطيف القول فى أحكام شرائح الدين)، فأغنى ذلك عن إعادته فى هذا الموضع .
وأما قوله: ((وإنه لفسق))، فإنه يعنى: وإنّ أكْل ما لم يذكر اسم الله
عليه من الميتة ، وما أهل به لغير اللّه ، الفسق .
...
واختلف أهل التأويل فى معنى: ((الفسق))، فى هذا الموضع.(١)
فقال بعضهم : معناه : المعصية .
فتأويل الكلام على هذا : وإنّ أكلَ ما لم يذكر اسم الله عليه لمعصية
لله وإثم .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٨٣١ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((وإنه لفسق))، قال :
((الفسق))، المعصية .
٠ ٠
وقال آخرون : معنى ذلك : الكفر .
وأما قوله: ((وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم))، فقد ذكرنا اختلاف
(١) انظر تفسير ((الفسق)) فيما ملف من فهارس اللغة (فسق).

٨٦
تفسير سورة الأنعام : ١٢١
المختلفين فى المعنىّ بقوله: ((وإن الشياطين ليوحون))، والصوابَ من القول فيه =
وأما إيحاؤهم إلى أوليائهم ، فهو إشارتهم إلى ما أشاروا لهم إليه: إما بقول ، وإما
برسالة ، وإما بكتاب .
٠
٠
وقد بينا معنى: ((الوحى)) فيما مضى قبل ، بما أغنى عن إعادته فى هذا
الموضع . (١)
وقد :-
١٣٨٣٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا عكرمة ،
عن أبى زميل قال: كنت قاعداً عند ابن عباس، فجاءه رجل من أصحابه فقال:
يا أبا عباس ، زعم أبو إسحق أنه أوحى إليه الليلة ! = يعنى المختار بن أبى عبيد=
فقال ابن عباس: صدق! فنفرت فقلت: يقول ابن عباس ((صدق))! فقال
ابن عباس: هما وحيان، وحى اللّه، ووحى الشيطان، فوحى الله إلى محمد ،
ووحى الشياطين إلى أوليائهم. ثم قرأ: ((وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم)).(٢)
٠ ٠
وأما ((الأولياء))، فهم النصراء والظهراء، فى هذا الموضع. (٣).
٠ ٠
ویعنی بقوله: ((لیجادلو کم ))، لیخاصموکم، بالمعنى الذى قد ذكرت قبل . (٤)
وأما قوله: ((وإن أطعتموهم إنكم لمشركون))، فإنه يعنى: وإن أطعتموهم
٠ ٠٠
(١) انظر تفسير ((الوحى)) فيما سلف ٩: ٣٩٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) الأثر: ١٣٨٣٢ - ((أبو زميل)) هو: ((سماك بن الوليد الحنفى))، روى عن ابن عباس،
وابن عمر ، ومالك بن مرثد ، وعروة بن الزبير. روى عنه شعبة، ومسعر، وعكرمة بن عمار. وهو ثقة .
مترجم التهذيب، والكبير ١٧٤/٢/٢، وابن أبى حاتم ٢٨٠/١/٢.
و((المختار بن أبى عبيد بن مسعود الثقفى))، كذاب متنىء خبيث ، قتله الله بيد مصعب بن الزبير
وأصحابه سنة ٦٧ من الهجرة، وله خبر طويل فيه كذبه وما فعل ، وما فعل الناس به .
(٣) انظر تفسير ((الولى)) فيما سلف ١٠ : ٤٩٧، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((الجدال)) فيما سلف من فهارس اللغة (جدل).

٨٧
تفسير سورة الأنعام : ١٢١
فی أکل الميتة وما حرم علیکم ربكم ، كما : -
١٣٨٣٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى
معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((وإن أطعتموهم)) ، يقول :
وإن أطعتموهم فى أكل ما نهيتكم عنه .
١٣٨٣٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وإن أطعتموهم))، فأكلتم الميتة .
٠
٠٠
وأما قوله: ((إنكم لمشركون))، يعنى : إنكم إذاً مثلهم ، إذ كان هؤلاء
يأكلون الميتة استحلالاً. فإذا أنتم أكلتموها كذلك ، فقد صرتم مثلهم مشركين .
...
قال أبو جعفر : واختلف أهل العلم فى هذه الآية ، هل نسخ من حكمها
شى أم لا ؟
فقال بعضهم : لم ينسخ منها شىء ، وهى محكمة فيما عُنيت به . وعلى هذا
قول عامة أهل العلم .(١)
٠ ٠
وروى عن الحسن البصرى وعكرمة ، ما : -
١٣٨٣٥ - حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين
ابن واقد، عن يزيد، عن عكرمة والحسن البصرى قالا، قال: ((فكلوا مما ذكر
اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين . ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه
لفسق))، فنسخ واستثنى من ذلك فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلْ
لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [ سورة المائدة: ٥].
١٧/٨
(١) انظر ((الناسخ والمنسوخ))، لأبى جعفر النحاس. ص: ١٤٤، قال: ((وفى هذه
السورة = يعنى سورة الأنعام = شىء قد ذكره قوم هو عن الناسخ والمنسوخ بمعزل ، ولكنا نذكره
ليكون الكتاب عام الفائدة ... )) ثم ذكر الآية، وما قيل فى ذلك، إلى ص : ١٤٦.

٨٨
تفسير سورة الأنعام : ١٢١، ١٢٢
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا ، أن هذه الآية محكمة
فيما أنزلت ، لم ينسخ منها شىء ، وأن طعام أهل الكتاب حلال ، وذبائحهم
ذكيّة. وذلك مما حرم الله على المؤمنين أكله بقوله: ((ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم
اللّه عليه))، بمعزل. لأن اللّه إنما حرم علينا بهذه الآية الميتة، وما أهلّ به
للطواغيت ، وذبائحُ أهل الكتاب ذكية سمَّوا عليها أولم يسمُوا ، لأنهم أهل توحيد
وأصحاب كتب الله ، يدينون بأحكامها ، يذبحون الذبائح بأديانهم ، كما يذبح
المسلم بدينه ، سمى الله على ذبيحته أو لم يسمِّه، إلا أن يكون ترك من ذكر تسمية
الله على ذبيحته على الدينونة بالتعطيل، أو بعبادة شىء سوى الله ، فيحرم حينئذ
أكل ذبيحته ، سمى الله عليها أو لم يسم .
القول فى تأويل قوله ﴿ أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَبْتَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ و
نُورًا ◌َمْشِى بِهِ ، فِ النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِىِ الظُّلُمَاتِ لَيْسَ
بِخَرِجَ مِنها)
قال أبو جعفر: وهذا الكلام من الله جلّ ثناؤه يدلّ على نهيه المؤمنين برسوله
يومئذ عن طاعة بعض المشركين الذين جادلوهم فى أكل الميتة ، بما ذكرنا عنهم
من جدالهم إياهم به ، وأمره إياهم بطاعة مؤمن منهم كان كافراً، فهداه جلّ ثناؤه
لرشده، ووفقه للإيمان. فقال لهم : أطاعة من كان ميتاً ، يقول: من كان كافراً ؟
فجعله جل ثناؤه لانصرافه عن طاعته ، وجهله بتوحيده وشرائع دينه ، وتركه
الأخذ بنصيبه من العمل لله بما يؤديه إلى نجاته، بمنزلة ((الميت)) الذى لا ينفع نفسه
بنافعة، ولا يدفع عنها من مكروه نازلة = ((فأحييناه ))، يقول : فهدیناه للإسلام ،
فأنعشناه ، فصار يعرف مضارّ نفسه ومنافعها ، ويعمل فى خلاصها من سَخّط

٨٩
تفسير سورة الأنعام : ١٢٢
الله وعقابه فى معاده . فجعل إبصاره الحق تعالى ذكره بعد حَمَاه عنه ، ومعرفته
بوحدانيته وشرائع دينه بعد جهله بذلك ، حياة وضياء يستضىء به فيمشى على
قصد السبيل ، ومنهج الطريق فى الناس(١) = (( كمن مثله فى الظلمات))، لا يدرى
كيف يتوجه ، وأى طريق يأخذ ، لشدة ظلمة الليل وإضلاله الطريق . فكذلك
هذا الكافر الضال فى ظلمات الكفر، لا يبصر رشداً ، ولا يعرف حقّاً ، = يعنى
فى ظلمات الكفر. يقول: أفَطَاعة هذا الذى هديناه للحق وبصَّرفاه الرشاد، كطاعة
من مثله مثل من هو فى الظلمات متردّ د، لا يعرف المخرج منها، فى دعاء هذا إلى
تحريم ما حرم الله، وتحليل ما أحل، وتحليل هذا ما حرم الله، وتحريمه ما أحلّ؟
...
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت فى رجلين بأعيانهما معروفين : أحدهما مؤمن ،
والآخر كافر .
ثم اختلف أهل التأويل فيهما .
فقال بعضهم: أما الذى كان مَيْتاً فأحياه اللّه، فعمر بن الخطاب رضى الله
عنه . وأما الذى مثله فى الظلمات ليس بخارج منها ، فأبو جهل بن هشام .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٨٣٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، أخبرنا سليمان بن
أبى هوذة ، عن شعيب السراج ، عن أبى سنان، عن الضحاك فى قوله: ((أو
من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشى به فى الناس ))، قال : عمر بن الخطاب
رضى الله عنه = ((كمن مثله فى الظلمات))، قال: أبو جهل بن هشام. (٢)
٠
٠ ٠
(١) انظر تفسير ((الموت))، و((الإحياء)) فيما سلف من فهارس اللغة (موت) و (حى).
(٢) الأثر: ١٣٨٣٦ - ((سليمان بن أبى هوذة ))، روى عن حماد بن سلمة، وأبى هلال
الراسبى، وعمرو بن أبى قيس. لم يذكر فيه البخارى جرحاً. وقال أبو زرعة: ((صدوق لا بأس به)).
مترجم فى الكبير ٤٢/٢/٢، وابن أبى حاتم ١٤٨/١/٢.
وأما ((شعيب السراج))، فلم أجد له ذكراً فيما بين يدى من الكتب .

٩٠
تفسير سورة الأنعام : ١٢٢
وقال آخرون : بل الميت الذى أحياه اللّه ، عمار بن ياسر رحمة الله عليه.
وأما الذى مثله فى الظلمات ليس بخارج منها ، فأبو جهل بن هشام .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٨٣٧ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن بشر بن
١٨/٨ تيم، عن رجل، عن عكرمة: ((أو من كان ميتاً فأحییناه وجعلنا له نوراً يمشى
به فی الناس )) ، قال : نزلت فی عمار بن ياسر . (١)
١٣٨٣٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
الزبير، عن ابن عيينة ، عن بشر بن تيم، عن عكرمة: (( أو من كان ميتاً فأحييناه
وجعلنا له نوراً يمشى به فى الناس))، عمار بن ياسر = ((كمن مثله فى الظلمات))،
أبو جهل بن هشام . (١)
وبنحو الذى قلنا فى الآية قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٨٣٩ -حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((أومن كان ميتاً فأحييناه))،
قال : ضالاً فهديناه = ((وجعلنا له نوراً يمشى به فى الناس))، قال : هدى =
(كمن مثله فى الظلمات ليس بخارج منها)) ، قال: فى الضلالة أبداً .
١٣٨٤٠ -حدثی المثی قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
(١) الأثران: ١٣٨٣٧، ١٣٨٣٨ - ((بشر بن تيم بن مرة))، ويقال: (( بشير
ابن قيم بن مرة)» .
وهو فى الإسناد الأول، بينه وبين عكرمة ((عن رجل)). وقد قال البخارى فى الكبير ٩٦/٢/١ :
((بشير بن قيم بن مرة)) عن عكرمة، قاله لنا الحميدى، عن ابن عيينة. مرسل ، ولم يذكر فيه
جرماً، وجعله ((بشيراً)). وأما ابن أبى حاتم ٣٧٢/١/١ فقد ترجمه فى ((بشير)»، كمثل ما قال
البخارى، ولم يذكر ((بشرا))، ولكنه ترجمه قبل ٣٥٢/١/١ فى ((بشر بن تيم)) وقال: ((مكی))،
روى عنه ابن جريج، وابن عيينة. سمعت أبى يقول ذلك. وابن عيينة يقول: ((بشير)).
ولكنه هنا فى المخطوطة فى الموضعين (بشر بن تيم))، فى رواية ابن عيينة، فتركت ما كان فى
المخطوطة على حاله ، لئلا يكون اختلافاً على ابن عيينة .

٩١
تفسير سورة الأنعام : ١٢٢
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( أو من كان ميتاً فأحييناه))، هديناه = ((وجعلنا
له نوراً يمشى به فى الناس كمن مثله فى الظلمات)) ، فى الضلالة أبداً ..
١٣٨٤١ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن رجل ،
عن مجاهد: ((أو من كان ميتاً فأحييناه ))، قال : ضالاً فهديناه .
١٣٨٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((أومن كان ميتاً فأحييناه))،
يعنى: من كان كافراً فهديناه = ((وجعلنا له نوراً يمشى به فى الناس ))، يعنى
بالنور، القرآنَ، من صدَّق به وعمل به = (كمن مثله فى الظلمات))، يعنى :
بالظلمات ، الكفر والضلالة .
١٣٨٤٣ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثی عمى
قال ، حدثی أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( أو من كان ميتاً فأحييناه
وجعلنا له نوراً يمشی به فی الناس ))، یقول: الهدی =( مشی به فى الناس ))، يقول:
فهو الكافر يهديه اللّه للإسلام . يقول: كان مشركاً فهدیناه = « کمن مثله فى
الظلمات ليس بخارج منها)).
١٣٨٤٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((أو من: كان ميتاً فأحييناه))، هذا المؤمن معه من الله نور وبيِّنة
يعمل بها ويأخذ، وإليها ينتهى، كتابَ اللّه = ((كمن مثله فى الظلمات ليس
بخارج منها))، وهذا مثل الكافر فى الضلالة ، متحير فيها متسكع ، لا يجد مخرجاً
ولا منفذاً .
١٣٨٤٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشى به
فى الناس ))، يقول : من كان كافراً فجعلناه مسلماً ، وجعلنا له نورًا يمشى به
١٠
فى الناس، وهو الإسلام. يقول : هذا كمن هو فى الظلمات، يعنى: الشرك.

٩٢
تفسير سورة الأنعام : ١٢٢
١٣٨٤٦ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ،
قال ابن زيد فى قوله: (( وجعلنا له نوراً يمشى به فى الناس))، قال : الإسلام
الذى هداه الله إليه = ((كمن مثله فى الظلمات))، ليس من أهل الإسلام. وقرأ:
﴿الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِ جُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ﴾، [ سورة البقرة: ٢٥٧].
قال: والنور يستضىء به ما فى بيته ويبصره ، وكذلك الذى آتاه الله هذا النور،
يستضىء به فى دينه ويعمل به فى نوره، (١) كما يستضىء صاحب هذا السراج .
قال: ((كمن مثله فى الظلمات))، لا يدرى ما يأتى ولا ما يقع عليه .
القول فى تأويل قوله ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ
يُعْمَلُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : كما خذلت هذا الكافر الذى يجادلكم =
أيها المؤمنون بالله ورسوله ، فى أكل ما حرّمت عليكم من المطاعم = عن الحق،
فزينت له سوء عمله فرآه حسناً ، ليستحق به ما أعددت له من أليم العقاب ،
كذلك زيَّنت لغيره ممن كان على مثل ما هو عليه من الكفر بالله وآياته ، ما كانوا
١٩/٨ يعملون من معاصى الله، ليستوجبوا بذلك من فعلهم، ما لهم عندربهم من النَّكال.(٢)
٠٠٠
قال أبو جعفر: وفى هذا أوضح البيان على تكذيب اللّه الزاعمين أن اللّه فوّض
الأمور إلى خلقه فى أعمالهم، فلا صنع له فى أفعالهم، (٣) وأنه قد سوَّى بين جميعهم فى
(١) فى المطبوعة: ((فى فرره)) بالفاء، والصواب ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((التزيين)) فيما سلف: ص: ٣٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) ((التفويض))، هو زعم القدرية والمعتزلة والإمامية من أهل الفرق، أن الأمر قد
فوض إلى العبد، فإرادته كافية فى إيجاد فعله، طاعة كان أو معصية، وهو خالق أفعاله ، والاختيار ،
. ينفون أن تكون أفعال العباد من خلق الله. وانظر ما سلف ١: ١٦٢ تعليق: ١١/٣: ٣٤٠،
تعليق: ٢، وانظر ما سبأتى ص: ١٠٨، تعليق : ١

٩٣
تفسير سورة الأنعام : ١٢٢، ١٢٣
الأسباب التى بها يصلون إلى الطاعة والمعصية . لأن ذلك لو كان كما قالوا ، لكان
قد زَيِّن لأنبيائه وأوليائه من الضلالة والكفر ، نظير ما زيَّن من ذلك لأعدائه وأهل
الكفر به ، وزّين لأهل الكفربه من الإيمان به ، نظير الذى زيّن منه لأنبيائه
وأوليائه . وفى إخباره جل ثناؤه أنه زين لكل عامل منهم عمله ، ما ينبئ عن تزيين
الكفر والفسوق والعصيان ، وخصّ أعداءه وأهل الكفر، بتزيين الكفر لهم والفسوق
والعصيان ، وكرّه إليهم الإيمان به والطاعة .
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَمَلْنَ فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكْبِرَ
مُجْرِمِيهاَ لِيَشْكُرُواْ فِيهَاَ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّ بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه : وكما زينا للكافرين ما كانوا يعملون ،
كذلك جعلنا بكل قرية عظماءها مجرميها = يعنى أهل الشرك بالله والمعصية له =
((ليمكروا فيها))، بغرور من القول أو بباطل من الفعل، بدين الله وأنبيائه = ((وما
يمكرون)» ، أى ما يحيق مكرهم ذلك إلا بأنفسهم ، لأن الله تعالی ذ کره من وراء
عقوبتهم على صدّهم عن سبيله = ((وهم لا يشعرون))، يقول : لا يدرون ما قد
أعدّ اللّه لهم من أليم عذابه، (١) فهم فى غيُّهم وعتوَّهم على اللّه يتمادَوْن.
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
(١) انظر تفسير ((شعر)) فيما سلف: ص: ٣٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٩٤
تفسير سورة الأنعام : ١٢٣
١٣٨٤٧ - حدثی محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((أكابر مجرميها))، قال: عظماءها .
١٣٨٤٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله
١٣٨٤٩ -حدثنا محمد بنعبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((أكابر مجرميها))، قال: عظماءها .
١٣٨٥٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج ، عن عكرمة : نزلت فى المستهزئين = قال ابن جريج ، عن عمرو ،
عن عطاء، عن عكرمة: ((أكابر مجرميها))، إلى قوله: ((بما كانوا يمكرون))،
بدين الله، وبنبيه عليه السلام وعباده المؤمنين .
٠
٠
و((الأكابر)) جمع ((أكبر))، كما ((الأفاضل)) جمع ((أفضل)). ولو قيل:
هو جمع ((كبير))، فجمع ((أكابر))، لأنه قد يقال: ((أكبر))، كما قيل :
﴿قُلْ هَلْ أَنَبِّنْكُمْ بِالأُخْسَرِينَ أَعْمَالاً﴾، [ سورة الكهف: ١٠٣]، واحدهم ((الخاسر))،
لكان صواباً. وحكى عن العرب سماعاً ((الأكابرة)) و((الأصاغرة)) و((الأكابر))،
و((الأصاغر))، بغير الهاء، على نية النعت، كما يقال: ((هو أفضل منك)).
وكذلك تفعل العرب بما جاء من النعوت على ((أفعل))، إذا أخرجوها إلى الأسماء،
مثل جمعهم ((الأحمر)) و((الأسود))، ((الأحامر)) و((الأحامرة))، و((الأساود))
و((الأساودة))، ومنه قول الشاعر: (١)
إِنَّ الأَحَامِرَةِ الثَّلاثَةَ أَهْلَكَتْ مَالٍ، وَكُنْتُ بِهِنْ قِدْماً مُولَمَا
(١) هو الأعشى.

٩٥
تفسير سورة الأنعام : ١٢٣، ١٢٤
الخَمْرُ، واللَّحْمُ السَّمِينُ إِدَامُهُ، وَالزَّعْفَرَانُ، فَلَنْ أَرُوحَ مُبَّمَ(١)
٠٠٠
وأما ((المكر))، فإنه الخديعة والاحتيال للممكور به بالغدر، ليورُطه الماكر
به مكروهاً من الأمر .
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُواْ لَنْ تُؤْمِنَ
حَىْ نُوْنَىْ مِثْلَ مَآ أُوْفِىَ رُسُلُ اللهِ الْهُ أَعْلَمُ حَيْتُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ,)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا جاءت هؤلاء المشركين الذين
يجادلون المؤمنين بزخرف القول فيما حرم الله عليهم، ليصدوا عن سبيل الله =و آية)»،
يعنى حجة من اللّه على صحة ما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله
وحقيقته (٢)= قالوا لنبى الله وأصحابه : = ((لن نؤمن ))، بقول: يقولون: لن نصدق
بما دعانا إليه محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان به ، وبما جاء به من تحريم
ما ذكر أنّ اللّه حرّمه علينا = ((حتى نؤتى))، يعنون: حتى يعطيهم الله من
المعجزات مثل الذى أعطى موسى من فلق البحر ، وعيسى من إحياء الموتى ،
٢٠/٨
(١) ديوانه ٢٤٧، ٢٤٨، وهى فى نسختى المصورة من ديوان الأعشى رقم: ٢٩،
واللسان (حمر) وهو أول الشعر. وكان فى المطبوعة هنا: ((السمين أديمه))، و((فلن أزال مبقعا))،
وأثبت ما فى المخطوطة وفى مخطوطة الأعشى: ((السمين، وأطلى بالزعفران وقد أروح مبقعاً)).
وهكذا جاء فى المخطوطة: ((السمين إدامه))، والإدام ما يؤتدم به مع الخبز، أى شىء كان.
وعجيب إضافة الإدام إلى اللحم. ويروى: ((أديمه))، ضبطه فى اللسان بفتح الألف، وهو غير
مرتضى، بل الصواب إن شاء الله ((أديمه)) من ((أدام الشىء))، إذا أطال زمانه واستمر به.
ورواية أبى جعفر هنا ((فلن أروح مبقعاً))، ورواية مخطوطة ديوانه: ((وقد أروح مبقعاً)»،
وهى أجودهما. و((المبقع)) الذى فيه لون يخالف لونه، أو لون ما أصابه الماء أو الزعفران أو ما
شابههما. يعنى أنه يكثر من الزعفران حتى يترك فى بشرته لمعا. وأكثر ما، كانوا يستعملون الزعفران فى
أعراسم، إذا أعرس الرجل تزعفر. فكنى بذلك عن كثرة زواجه.
وفى البيت روايات أخرى ، راجعها فى حوائى ديوانه ، فى ذيل الديوان .
(٢) انظر تفسير ((آية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبي).

٩٦
تفسير سورة الأنعام : ١٢٤
وإبراء الأكمه والأبرص.(١) يقول تعالى ذكره: ((الله أعلم حيث يجعل رسالته)).
يعنى بذلك جل ثناؤه: إنّ آيات الأنبياء والرسل لن يُعطاها من البشر إلاّ رسول
مرسل ، (٢) وليس العادلون بربهم الأوثان والأصنام منهم فيعطوها . يقول جل
ثناؤه : فأنا أعلم بمواضع رسالاتى ، ومن هو لها أهل، فليس لكم أيها المشركون أن
تتخيّروا ذلك على أنتم، لأن تخيُّر الرسول إلى المرسلِ دون المرسل إليه، والله أعلم
إذا أرسل رسالةً بموضع رسالاته.
القول فى تأويل قوله (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللهِ
وَعَذَابٌ شَدِيدُ بِمَ كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾
١٢٤
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، معلّمَه
ما هو صانع بهؤلاء المتمردين عليه: ((سيصيب))، يا محمد، (٣) الذين اكتسبوا الإثم
بشركهم بالله وعبادتهم غيره = ((صغار))، يعنى: ذلة وهوان، كما : -
١٣٨٥١ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله))، قال :
((الصغار))، الذلة .
٠.٠
وهو مصدر، من قول القائل: ((صَغِرَ يصغَرُ صَغاراً وصَغَرًا))، وهو
أشد الذل".
(١) انظر تفسير ((الإيتاء)) فيما سلف من فهارس اللغة (أتى).
(٢) فى المطبوعة: ((لم يعطها))، وفى المخطوطة: ما أثبت، وهو صواب محض.
(٣) انظر تفسير ((الإصابة)) فيما سلف: ١١: ١٧٠، تعليق ٢، والمراجع هناك.

٩٧
تفسير سورة الأنعام : ١٢٤
وأما قوله: (( صغار عند الله )) ، فإن معناه : سیصیبهم صغارٌ من عند الله ،
كقول القائل: ((سيأتينى رزقى عند اللّه))، بمعنى: من عند الله، يراد بذلك:
سيأتينى الذى لى عند الله. وغير جائز لمن قال: ((سيصيبهم صغار عند الله))،
أن يقول: ((جئت عند عبد اللّه))، بمعنى: جئت من عند عبد الله، لأن معنى:
(((سيصيبهم صغارٌ عند اللّه))، سيصيبهم الذى عند الله من الذل ، بتكذيهم
رسوله. فليس ذلك بنظير: ((جئت من عند عبد اللّه)).(١)
٠ ٠٠
وقوله: ((وعذاب شديد بما كانوا يمكرون))، يقول: يصيب هؤلاء المكذبين
بالله ورسوله ، المستحلين ما حرَّم الله عليهم من الميتة ، مع الصغار عذابٌ شديد ،
بما كانوا يكيدون للإسلام وأهله بالجدال بالباطل ، والزخرف من القول ، غروراً
لأهل دين الله وطاعته .(٢)
٠
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٥٣ = وتفسير ((عند)) فيما سلف ٢ : ٧/٥٠١:
٨/٤٩٠ : ٥٥٥ ٠
(٢) انظر تفسير ((المكر)) فيما سلف قريباً ص : ٩٥
٠٠٠
وعند هذا الموضع ، انتهى جزء من التقسيم القديم الذى نقلت منه نسختنا ، وفيها ما نصه.
(بتلوه القول فى تأويل قوله :
فَمَنْ يُردِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَةَ لِلإِسْلَامِ.
وصلى الله على محمد النبى وآله وصحبه وسلم كثيرًا ))
ثم يتلوه ما نصه :
((بسم الله الرحمن الرحيم
رَبِّ يَسِّر)»
ج ١٢

٩٨
تفسير سورة الأنعام : ١٢٥
القول فى تأويل قوله ﴿ فَمَن يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُو يَشْرَحْ
صَدْرَهُو لِلْإِسْلَمِ﴾
قال أبو جعفر : ويقول تعالى ذكره: فمن يرد الله أن يهديه للإيمان به وبرسوله
وما جاء به من عند ربه، فيوفقه له(١) - (( يشرح صدره للإسلام))، يقول: فسح
صدره لذلك وهوَّنه عليه ، وسهّله له ، بلطفه ومعونته ، حتى يستنير الإسلام فى
قلبه ، فیضیء له ، ویتسع له صدره بالقبول ، کالذى جاء الأثر به عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، الذى :-
١٣٨٥٢ - حدثنا سوّار بن عبد اللّه العنبرىّ قال، حدثنا المعتمر بن سليمان
قال ، سمعت أبى يحدث ، عن عبد الله بن مرة، عن أبى جعفر قال: لما نزلت
هذه الآية: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام))، قالوا: كيف
يشرح الصدر ؟ قال : إذا نزل النور فى القلب انشرح له الصدر وانفسح .
قالوا : فهل لذلك آية يعرف بها ؟ قال: نعم ، الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافى
عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل الموت .(٢)
(١) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
(٢) الأثر: ١٣٨٥٢ - ((عبد الله بن مرة))، هكذا هو فى المخطوطة والمطبوعة وتفسير
ابن كثير ، وأنا أستبعد أن يكون كذلك لأسباب .
الأول - أنى أستبعد أن يكون هو ((عبد الله بن مرة الخارفى))، الذى يروى عن ابن عمر،
ومسروق ، وأبى كنف ، والذى يروى عنه الأعمش ، ومنصور . وهو مترجم فى التهذيب ، وابن أبى حاتم
١٦٥/٢/٢، وهو ثقة.
الثانى - أن الخبر رواه أبو جعفر الطبرى بأسانيد، هذا ورقم: ١٣٨٥٣، ١٣٨٥٤.،
وهى تدور على ((عمرو بن مرة)) .
الثالث - أنه سيتبين بعد من ((أبو جعفر)) الذى روى هذا الخبر، ومذكور هناك أنه روى
عنه ((عمرو بن مرة))، ولم يذكر ((عبد الله بن مرة)).
فمن أجل ذلك أرجح أن صوابه (( أبو عبد الله بن مرة))، أو ((أبو عبد الله عمرو بن مرة))،
فسقط من النساخ .

٩٩
تفسير سورة الأنعام : ١٢٥
١٣٨٥٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
الثورى ، عن عمرو بن قيس ، عن عمرو بن مرة ، عن أبى جعفر قال : سئل
وأما ((أبو جعفر)) الذى يدور عليه هذا الخبر، فهو موصوف فى الخبر رقم ١٣٨٥٤:
((رجل يكنى أبا جعفر، كان يسكن المدائن))، ثم جاءت صفة أخرى فى تخريج السيوطى لهذا
الخبر فى الدر المنثور، قال: ((رجل من بنى هاشم، وليس هو محمد بن على)) = يعنى الباقر.
وقد وقفت أولا عند ((أبى جعفر)) هذا، وظننت أنه مجهول، لأنى لم أجد له ذكراً فى شىء
مما بين يدى من الكتب ، ولكن لما جئت إلى الخبر رقم : ١٣٨٥٦ من رواية ((خالد بن أبي كريمة ،
عن عبد الله بن المسور))، تبين لى على وجه القطع، أن ((أبا جعفر)) هذا ، الذى كان يسكن
المدائن، وكان من بنى هاشم، هو نفسه ((عبد الله بن المسور))، الذى روى عنه رقم : ١٣٨٥٦.
وإذن، فهو ((أبو جعفر)): ((عبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبى طالب))
((أبو جعفر الهاشمى المدائنى)). روى عنه عمرو بن مرة، وخالد بن أبى كريمة. مترجم فى ابن أبى حاتم
١٦٩/٢/٢، وتاريخ بغداد ١٠: ١٧، وميزان الاعتدال الذهبى ٢: ٧٨، ولسان الميزان
٣: ٣٦٠ . قال الخطيب. ((سكن المدائن، وحدث بها عن محمد بن الحنفية))، وذكر فى بعض
ما ساقه من أسانيد أخباره: ((عن خالد بن أبى كريمة (وهو الآتى برقم: ١٣٨٥٦)، عن أبى جعفر
وهو عبد الله بن المسور، رجل من بنى هاشم، كان يسكن المدائن)).
و((أبو جعفر))، ((عبد اللّه بن المسور)) ضعيف كذاب. قال جرير بن رقبة: ((كان
أبو جعفر الهاشمى المدائنى ، يضع أحاديث كلام حق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاختلط
بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاحتمله الناس». وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل:
((قال أبى: أبو جعفر المدائنى، اسمه عبد الله بن مسور بن عون بن جعفر بن أبى طالب . قال أبى:
اضرب على حديثه ، كان يضع الحديث ويكذب ، وقد تركت أنا حديثه . وكان عبد الرحمن بن مهدى
لا يحدثنا عنه )). وقال ابن أبى حاتم: « سألت أبي عن أبى جعفر الهاشمى فقال : الهاشمیون لا يعرفونه ،
وهو ضعيف الحديث ، يحدث بمراسيل لا يوجد لها أصل فى أحاديث الثقات)).
وإذن ، فالأخبار من رقم : ١٣٨٥٢ - ١٣٨٥٤، ورقم : ١٣٨٥٦ - أخبار معلولة
ضعاف واهية ، كما ترى .
وهذه الأخبار الثلاثة : ١٣٨٥٢ - ١٣٨٥٤، ذكرها ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٣٩٤،
٣٩٥، وخرجها السيوطى فى الدر المنثور ٣: ٤٤، ونسب الخبر لابن المبارك فى الزهد، وعبد الرزاق،
والفريابى ، وابن أبى شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، وابن مردويه ،
والبيهقى فى الأسماء والصفات .
وقال ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٣٩٥، وذكر هذه الأخبار ، وخبر ابن مسعود الذى رواه
أبو جعفر برقم: ١٣٨٥٥، ١٣٨٥٧، ثم قال: ((فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتصلة ،
يشد بعضها بعضاً، والله أعلم)).
وأخطأ الحافظ جداً كما ترى ، فإن حديث أبى جعفر الماشى ، أحاديث كذاب وضاع لا تشد
شيئاً ولا تحله ! ! وكتبه محمود محمد شاكر .

١٠٠
تفسير سورة الأنعام : ١٢٥
النبى صلى الله عليه وسلم: أى المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم للموت ذكراً ،
وأحسنهم لما بعده استعداداً. قال: وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية:
((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام )) ، قالوا: كيف يشرح صدره ،
يا رسول الله؟ قال: نور يُقذف فيه ، فینشرح له وينفسح . قالوا : فهل لذلك
من أمارة يعرف بها ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافى عن دار الغرور ،
والاستعداد للموت قبل الموت .
٢١/٨
١٣٨٥٤ - حدثنا هناد قال ، حدثنا قبيصة، عن سفيان ، عن عمرو بن
مرة، عن رجل يكنى ((أبا جعفر)) ، كان يسكن المدائن قال : سئل النبي صلى
عليه وسلم عن قوله: ((فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام))، قال :
نور يقذف فى القلب فينشرح وينفسح . قالوا : يا رسول اللّه ، هل له من أمارة
يعرف بها ؟ = ثم ذكر باقى الحديث مثله .(١)
١٣٨٥٥ - حدثنى هلال بن العلاء قال، حدثنا سعيد بن عبد الملك بن
واقد الحرّانى قال ، حدثنا محمد بن سلمة ، عن أبى عبد الرحيم ، عن زيد بن
أبى أنيسة ، عن عمرو بن مرة ، عن أبى عبيدة ، عن عبد الله بن مسعود قال:
قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية: ((فمن يرد الله أن يهديه
يشرح صدره للإسلام))، قال : إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح . قالوا :
فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتنحى عن
دار الغرور ، والا تعداد للموت قبل الموت . (٢)
(١) الأثران : ١٣٨٥٣، ١٣٨٥٤ - حديثان واهيان، كما سلف فى التعليق على الخبر
السالف .
و ((عمرو بن مرة المرادى))، ثقة مأمون. مضى مراراً، آخرها رقم : ١٢٣٩٦.
(٢) الأثر: ١٣٨٥٥ - ((هلال بن العلاء بن هلال الباهلى الرق))، شيخ أبى جعفر،
مضى برقم : ٤٩٦٤، وأنه صدوق ، متكلم فيه .
وكان فى المطبوعة: ((محمد بن العلاء))، وهو شىء لا أصل له هنا. وفى المخطوطة: ((لكل