Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
تفسير سورة الأنعام : ١٠٩
إذا جاءت آمنوا واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم: سل، يا رسول اللّه، ربّك ذلك. فسأل، فأنزل الله فيهم
وفى مسألتهم إياه ذلك: ((قل)) للمؤمنين بك يا محمد = ((إنما الآيات عند اللّه
وما يشعركم))، أيها المؤمنون بأن الآيات إذا جاءت هؤلاء المشركين بالله ، أنهم
لا يؤمنون به = ففتحوا ((الألف)) من ((أنّ)).
٠ ٠
ومن قرأ ذلك كذلك ، عامة قرأة أهل المدينة والكوفة . وقالوا : أدخلت
((لا)) فى قوله: ((لا يؤمنون)) صلة، (١) كما أدخلت فى قوله: ﴿مَا مَنَّعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾،
[سورة الأعراف: ١٢]، وفى قوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُون﴾،
[سورة الأنبياء: ٩٥]، وإنما المعنى: وحرام عليهم أن يرجعوا = وما منعك أن تسجُد.
٠ ٠
٠
وقد تأوَّل قوم قرأوا، ذلك بفتح ((الألف)) من (( أنها)) بمعنى: لعلها.
وذكروا أن ذلك كذلك فى قراءة أبيّ بن كعب .
٠ ٠
وقد ذكر عن العرب سماعاً منها: ((اذهب إلى السوق أنّك تشترى لى شيئاً))،
بمعنى : لعلك تشترى .(٢)
وقد قيل : إن قول عدى بن زيد العبادىّ :
أَعَاذِلَ، مَا يُدْرِيكِ أَنَّ مَنِِّ إِلَى سَاعَةٍ فِى الْيَومِأَوْ فِ ضُحَى الْغَدِ (٣)
(١) ((الصلة)). الزيادة، والإلغاء، انظر فهارس المصطلحات
(٢) انظر فى هذا معانى القرآن الفراء ١: ٣٤٩، ٣٥٠، ومجاز القرآن لأبى عبيدة
١ : ٢٠٤.
(٣) جمهرة أشعار العرب ١٠٣، اللسان (أفن)، وغيرهما . من قصيدة له حكيمة ،
يقول قبله :
فَلَمَا غَتْ فِى الَّوْعُ قُلْتُ لها: أَقْصِدِى
وعَاذِلَةٍ هَبَّتْ بِلَيْلِ تُلُومُنِى،
عَلَىَ تّى، مِنْ غَيِّكِ المُغَرَدِّهِ
أعَاذِلَ ، إن اللَوْمَ فى غير كُنْهِهِ

٤٢
تفسير سورة الأنعام : ١٠٩
بمعنى: لعل منيَّى . وقد أنشدوا فى بيت دريد بن الصمة : (١)
٢١٣/٧
ذَرِيِ أُطَوِّفْ فِى الِلاَدِ، لَأَنَّنِ أُرَى مَا تَرَيْنَ، أَوْ بَخِيلاً مُخَلََّا(٢)
بمعنى: لعلنى. والذى أنشدنى أصحابُنا عن الفراء: ((لعلَّى أَرَى ما تَرْين)).
وقد أنشد أيضاً بيتُ توبة بن الحميرِّ :
◌َعَّكَ يَاتَيْاَ نَزَا فِى قَرِيرَةٍ مُعَذِّبُ لَيْلَى أَنْ تَرَانِىِ أَزُورُهَا (٣)
وَإِنَّ الْمَنَيَاَ لِرَّجَالِ بِرْ صَدٍ
أَعَاذِلَ، إِنَّ الْجَهْلِ مِنْ لَذَّةِ الفَتَى
وأَبْعَدَهُ مِنْهُ إِذَا لَمَ يُسَدَّدٍ
أُعَاذِلَ، مَا أَدْنَى الرشادَ مِنَ الفَتَّى
- كفاحاً، وَمَنْ يُكْتَبْلَهُ الفَوْزُ يُشْعَدِ
أَعَاذِلَ ، من تُكْتَبْ لَهُ النَّارُ ◌َبْقَهَاَ
وَطَابَقْتُ فى الْحِجْلَيْنِ مَشْىَ المُغْيَّدِ
أَعَاذِلَ ، قَدْ لَاقَيْتُ مَا يَزَعُ الفَتَى
(١) فى المطبوعة: ((وقد أنشدونى))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) هكذا جاء البيت فى المخطوطة والمطبوعة، وهو خطأ من أبى جعفر، أو من الفراء ، بلا شك
فإن الشطر الأخير من هذا الشعر ، هو من شعر حطائط بن يعفر، وقد خرجته آنفاً ٣: ٧٨،
واستوفيت الكلام عنه هناك، وأشرت إلى هذا الموضع من اختلاف الشعر. وأما قوله: ((ذرينى أطوف
فى البلاد لعلنى))، فهو كثير فى أشعارهم ، وأما شعر دريد بن الصمة الذى لاشك فيه ، فهو هذا :
ذَرِبِ أُطَوِّفْ فِىِ الِلَادِ لَعَلَّنِى أُلاَقِ يِاثْرِ ثُّ من مُحَرِبٍ
ولعل أبا جعفر نسى ، فكتب ما كتب . وشعر دريد هذا مروى فى الأصمعيات ص ١٢
(ص : ١١٩، طبعة المعارف) ، من قصيدة قالها بعد مقتل أخيه عبد الله ، ذكر فيها ما أصاب
خضر محارب من القتل والاستئصال ، يقول قبله :
فَتُخْبِرَ عَنَّا الِْضْرَ، خُضْرَ مُحَارِبٍ
فَلَيْتَ قُبُوراً بالَخَاضَةِ أَخْبَرَتْ
وَدَسْنَهُمُ بِتَخْلٍ حَتَى ◌َّتْ عَوَافِى الضِّبَاعِ وَالذَّنَبِ السَّوَاغِبِ
ذَرِينِى أُطَوِّق .
(٣) من قصيدة فيما جمعته من شعره، وسيبويه ١: ٣١٢ . يقول ذلك لزوج ليلى الأخيلية
صاحبته، يتوعده لمنعه من زيارتها، وتعذيبها فى سببه، ويجعله كالتيس ينزو فى حبله. وقوله ((فى
مريرة))، ((المريرة)) الحبل المفتول المحكم القتل.

٤٣
تفسير سورة الأنعام : ١٠٩
((لَهَنَّك ياتيساً)، بمعنى: ((لأنّك)) التى فى معنى ((لعلك))، وأنشد بيت
أبى النجم العجلىّ :
قُلْتُ لِشَيَْنَ أَدْنُ مِنْ لِقَائِهِ أَنَّا نُغَدِّى القَوْمَ مِنْ شِوَائِهِ(١)
بمعنى : (٢) لعلنا نغدّى القوم.
٠ ٠ ٠
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات فى ذلك بتأويل الآية ، قولُ من قال :
ذلك خطاب من اللّه للمؤمنين به من أصحاب رسوله = أعنى قوله: ((وما يشعركم
أنها إذا جاءت لا يؤمنون)) = وأن قوله: ((أنها))، بمعنى: لعلَّها.
وإنما كان ذلك أولى تأويلاته بالصواب ، لاستفاضة القراءة فى قرأة الأمصار
بالیاء من قوله: ((لا يؤمنون)).
ولو كان قوله: (( وما يشعركم)) خطاباً للمشركين ، لكانت القراءة فى قوله :
((لا يؤمنون))، بالتاء ، وذلك ، وإن كان قد قرأه بعض قرأة المكيين كذلك،
فقراءةٌ خارجة عما عليه قرأة الأمصار. وكفى بخلاف جميعهم لها دليلاً على ذهابها ٢١٤/٧
وشذوذها . (٣)
وإنما معنى الكلام: وما يدريكم، أيها المؤمنون ، لعل الآيات إذ جاءت هؤلاء
المشركين لا يؤمنون ، فيعاجلوا بالنقمة والعذاب عند ذلك، ولا يؤخّروا به !.
...
(١) المعانى الكبير لابن قتيبة: ٣٩٣، الخزانة ٣: ٥٩١، وروايتهما ((كما نغدى))
قال ابن قتيبة: (قال أبو النجم وذكر ظليما ... ((شيبان)) ابنه، قلت له: اركب فى طلبه.
(كما)) بمعنى ((كيما))، يقول: كيما نصيده فنغدى القوم به مشوياً) .
وكان البيت فى المخطوطة غير منقوط، وفى المطبوعة: ((قلت لسيبان))، وهو خطأ. وفيها وفى
المخطوطة: ((من سرابه))، والصواب ما أثبت.
(٢) فى المطبوعة: ((يعنى))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) قوله: ((ذهابها))، أى هلاكها وفسادها.

٤٤
تفسير سورة الأنعام : ١١٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا
لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ ىٌ أَوَّلَ مَرَّةٍ)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم : معنى ذلك: لو أنا جئناهم بآية كما سألوا ، ما آمنوا ، كما لم
يؤمنوا بما قبلها أوّل مرة، لأن اللّه حال بينهم وبين ذلك :
• ذكر من قال ذلك :
١٣٧٥١ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((ونقلب أفئدتهم وأبصارهم
كما لم يؤمنوا به أوّل مرة)) الآية، قال: لما جحد المشركون ما أنزل اللّه، لم
تثبت قلوبهم على شىء ، ورُدَّتْ عن كل أمر .
١٣٧٥٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((ونقلب أفئدتهم وأبصارهم))، قال : نمنعهم من ذلك، كما فعلنا بهم
أول مرة. وقرأ: ((كما لم يؤمنوا به أول مرة )).
١٣٧٥٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: (( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم))، قال : نحول بينهم
وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية، فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة .
وقال آخرون : معنى ذلك : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لورُدُّوا من الآخرة
إلى الدنيا فلا يؤمنون، كما فعلنا بهم ذلك ، فلم يؤمنوا فى الدنيا . قالوا : وذلك
نظير قوله ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَدُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾، [سورة الأنعام: ٢٨].
• ذكر من قال ذلك :
١٣٧٥٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى

٤٥
تفسير سورة الأنعام : ١١٠
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس، قال: أخبر الله سبحانه ما
العبادُ قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه. قال: ولا ينبئك مثلُ خبير:
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّْتُ فِى جَنْبِ اللهِ وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ
السَّاخِرِينَ . أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِى لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . أَوْ تَقُولَ حِينَ
تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِ كَرَّةً فَأْكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، [سورة الزمر: ٥٦ - ٥٨]،
يقول: من المهتدين. فأخبر الله سبحانه أنهم لورُدُّوا [إلى الدنيا، لما استقاموا ]على
الهدى، [وقال]: ﴿لَوْ رُدُّوالَعَادُوا لِمَ نُهُواعَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ)،(١) وقال: ((ونقلب
أفئدتهم وأبصارهم کما لم يؤمنوا به أول مرة )) ، قال: لو ردوا إلی الدنیا لحیل بينهم
وبين الهدى ، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم فى الدنيا .
قال أبو جعفر : وأولى التأويلات فى ذلك عندى بالصواب أن يقال : إن
الله جل ثناؤه ، أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهدَ أيمانهم لئن جاءتهم آية
ليؤمنن بها : أنَّه يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرَّفها كيف شاء، وأنّ ذلك بيده
يقيمه إذا شاء، ويزيغه إذا أراد = وأنّ قوله: (( كما لم يؤمنوا به أول مرة))، دليل على ٢١٥/٧
محذوف من الكلام = وأنّ قوله: (( كما )) تشبيه ما بعده بشىء قبله .
وإذْ كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يكون معنى الكلام : ونقلب أفئدتهم ،
فتزيغها عن الإيمان، وأبصارهم عن رؤية الحق ومعرفة موضع الحجة، وإن جاءتهم الآية
التى سألوها ، فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، كما لم يؤمنوا بتقليبنا
إياها قبل مجيئها مرَّة قبل ذلك .
#
٠ ٥
(١) فى المطبوعة: ((فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ... )) حذف بعض
ما فى المخطوطة. وفى المخطوطة: ((فأخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا على الهدى وقال: ولو ردوا لعادوا
لما انهو عنه ... ))، فأثيت نص المخطوطة، وزدت ما زدته بين القوسين حتى يستقيم الكلام.

٤٦
تفسير سورة الأنعام : ١١٠، ١١١
وإذا كان ذلك تأويله، كانت ((الهاء)) من قوله: ((كما لم يؤمنوا به))، كتابة
ذكر ((التقليب )).
القول فى تأويل قوله ﴿وَتَذَرُهُمْ فِى ◌ُغْنِمْ يَسْهُونَ) (١)
٥
#
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ونذر هؤلاء المشركين الذين أقسموا
باللّه جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها عند مجيئها (١) = فى تمرُّدهم على
اللّه واعتدائهم فى حدوده، (٢) يتردّدون، لا يهتدون لحق، ولا يبصرون صواباً، (٣)
قد غلب عليهم الخِذْلان ، واستحوذ عليهم الشيطانُ.
٢/٨
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْ أَنَّنَاَ نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَمَكَةَ
وَكََّهُمُ الْمَوْنَىُ وَحَشَرْنَ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ مُلَا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوَاْ إِلَّ
أَن يَشَآءَ اللهُ وَلَكِنْ أَ كْثَهُمْ يَجْمَلُونَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد،
آيسْ من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام، القائلين لك: ((لئن جئتنا
بآية لنؤمنن لك))، فإننا لو نزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عياناً ، وكلمهم الموتى
بإحيائنا إياهم حُجَّةً لك، ودلالة على نبوّتك، وأخبر وهم أنك محقٌّ فيما تقول، وأن
ما جئتهم به حقٍّ من عند الله، وحشرنا عليهم كل شىء فجعلناهُم لك قبلاً ،
(١) انظر تفسير ((يذر)) فيما سلف ١١: ٥٢٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الطغيان)) فيما سلف ١٠: ٤٧٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((العمه)) فيما سلف ١ : ٣٠٩ - ٣١١.

٤٧
تفسير سورة الأنعام : ١١١
ما آمنوا ولا صدّقوك ولا اتبعوك إلاّ أن يشاء الله ذلك لمن شاء منهم = ((ولكن
أكثرهم يجهلون))، يقول: ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن ذلك كذلك ،.
يحسبون أن الإيمان إليهم ، والكفرَ بأيديهم، متى شاؤوا آمنوا، ومتى شاؤوا كفروا .
ولیس ذلك كذلك، ذلك بیدی، لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته ، ولا یکفر
إلاّ من خذلته عن الرشد فأضالته .
وقيل إن ذلك نزل فى المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء به
من عند الله ، من مشركى قريش .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٧٥٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن
ابن جريج قال : نزلت فى المستهزئين الذين سألوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم الآية،
فقال: ((قل))، يا محمد، ((إنما الآيات عند اللّه وما يشعركم أنها إذا جاءت
لا يؤمنون))، ونزل فيهم: ((ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم
كل شىء قبلاً )).
...
وقال آخرون: إنما قيل: ((ما كانوا ليؤمنوا))، يراد به أهل الشقاء ، وقيل:
((إلا" أن يشاء الله))، فاستثنى ذلك من قوله: ((ليؤمنوا))، يراد به أهل الإيمان والسعادة.
* ذكر من قال ذلك :
١٣٧٥٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( ولو أننا
نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا)) ،
وهم أهل الشقاء = ثم قال: ((إلا أن يشاء الله))، وهم أهل السعادة الذين سبق
لهم فى علمه أن يدخلوا فى الإيمان .

٤٨
تفسير سورة الأنعام : ١١١
قال أبو جعفر: وأولى القولين فى ذلك بالصواب، قولُ ابن عباس، لأن اللّه
جل ثناؤه عمَّ بقوله: (( ما كانوا ليؤمنوا))، القوم الذين تقدّم ذكرهم فى قوله:
(( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها)).
وقد يجوز أن يكون الذين سألوا الآية كانوا هم المستهزئين الذين قال ابن جريج
أنهم عُنوا بهذه الآية ، ولكن لا دلالة فى ظاهر التنزيل على ذلك ، ولا خبر تقوم
به حجة بأن ذلك كذلك. والخبر من اللّه خارجٌ مخرجَ العموم، فالقول بأنَّ ذلك
غنى به أهل الشقاء منهم أولى ، لما وصفنا .
٠ ٠
واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((وحشرنا عليهم كل شىء قبلاً)).
فقرأته قرأة أهل المدينة: ﴿قِبَلاً﴾، بكسر ((القاف)) وفتح ((الباء))،
بمعنى : معاينةً = من قول القائل: ((لقيته قِلاً))، أى معاينة ومجاهرة".
#
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين والبصريين: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْ ءٍ قَبْلاً)،
بضم ((القاف))، و((الباء)).
وإذا قرئ كذلك ، كان له من التأويل ثلاثة أوجه :
أحدها: أن يكون ((القبل)) جمع ((قبيل))، كالرُّغُف التى هى جمع
((رغيف))، و((القُضُب)) التى هى جمع ((قضيب))، ويكون ((القبل))، الضمناء
والكفلاء = وإذا كان ذلك معناه، كان تأويل الكلام: وحشرنا عليهم كل شىء
كُفْتَلاء يكفلون لهم بأن الذى نعدهم على إيمانهم بالله إن آمنوا ، أونوعدهم على كفرهم
باللّه إن هلكوا على كفرهم، ما آمنوا إلاّ أن يشاء الله.
والوجه الآخر: أن يكون (( القبل)) بمعنى المقابلة والمواجهة ، من قول القائل:
(( أتيتُك قُبُلاً لادُبُرًا)) ، إذا أتاه من قبل وجهه .
والوجه الثالث : أن يكون معناه : وحشرنا عليهم كل شىء قبيلةٌ قبيلةً ،
صنفاً صنفاً، وجماعة جماعةً، فيكون ((القبل)) حينئذ جمع ((قبيل))، الذى هو

٤٩
تفسير سورة الأنعام : ١١١
جمع ((قبيلة))، فيكون ((القبل)) جمع الجمع. (١)
٠٠٠
وبكل ذلك قد قالت جماعة من أهل التأويل .
• ذكر من قال: معنى ذلك : معاينةً.
١٣٧٥٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة،عن ابن عباس: (وحشرنا عليهم كل
شىء قبلاً ))، يقول: معاينة .
١٣٧٥٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((وحشرنا عليهم كل شىء قبلاً))، حتى يعاينوا ذلك معاينة = (( ما كانوا ليؤمنوا
إلا أن يشاء الله)).
#
* ذكر من قال : معنى ذلك : قبيلة قبيلة ، صنفاً صنفاً.
١٣٧٥٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
يزيد: من قرأ ((قُبُلاً))، معناه: قبيلاً قبيلاً .
١٣٧٦٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال: قال مجاهد: ((قُبُلاَ ))، أفواجاً، قبيلاً قبيلاً .
١٣٧٦١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أحمد بن يونس ،
عن أبى خيثمة قال ، حدثنا أبان بن تغلب قال، حدثنى طلحة : أن مجاهداً قرأ
فى ((الأنعام)): ((كل شىء قُبُلاً))، قال: قبائل، قبيلاً وقبيلاً وقبيلاً .
٠
• ذكر من قال: معناه: مقابلةً .
١٣٧٦٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٥٠، ٣٥١.
ج ١٢ (٤ )

تفسير سورة الأنعام : ١١٢،١١١
وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شىء قبلاً))، يقول: لو استقبلهم ذلك كله،
لم يؤمنوا إلاّ أن يشاء الله.
١٣٧٦٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( وحشرنا عليهم كل شىء قبلاً))، قال : حشروا إليهم جميعاً ، فقابلوهم
وواجهوهم .
١٣٧٦٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
يزيد: قرأ عيسى: ((قُبُلاً))، ومعناه: عياناً.
٠ ٠ ٠
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين فى ذلك بالصواب عندنا ، قراءةُ من قرأ:
﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلاً)، بضم ((القاف)) و((الباء))، لما ذكرنا من
احتمال ذلك الأوجهَ التى بينًا من المعانى، وأن معنى ((القِبَل)) داخلٌ فيه ، وغير
داخل فى ((القِبَل)) معانى ((القُبُل)).
...
وأما قوله: ((وحشرنا عليهم))، فإن معناه: وجمعنا عليهم، وسقنا إليهم. (١)
٠
٥
٥
القول فى تأويل قوله ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاَ لِكُلّ نَبِّ عَدُوًّا
شَيَّطِينَ اُلْإِنس وَأَبِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْإلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، مسليه
بذلك عما لقى من كفرة قومه فى ذات الله ، وحائًا له على الصبر على ما نال فيه :
( و کذلك جعلنا لکل نی عدوًّا ))، يقول : و کما ابتلیناك ، یا محمد ، بأن جعلنا
لك من مشركى قومك أعداء شياطين يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ،
(١) انظر تفسير ((حشر)) فيما سلف ٤٥٧: ١١، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
٤/٨

٥١
تفسير سورة الأنعام : ١١٢
ليصدُوهم بمجادلتهم إياك بذلك عن اتباعك والإيمان بك وبما جئتهم به من عند
ـربّك، كذلك ابتلينا من قبلك من الأنبياء والرّسل، بأن جعلنا لهم أعداءً من
قومهم يؤذُوهم بالجدال والخصومات. يقول : فهذا الذى امتحنتك به ، لم تخصص
به من بينهم وحدك ، بل قد عممتهم بذلك معك لأبتليهم وأختبرهم ، مع قدرتى
على منع من آذاهم من إيذائهم ، فلم أفعل ذلك إلاّ لأعرف أولى العزم منهم
من غيرهم . يقول: فاصبر أنتَ كما صبر أولو العزم من الرسل .
٠٠
وأما ((شياطين الإنس والجنّ))، فإنهم مَرَدتهم، وقد بينا الفعل الذى منه بُنِى
هذا الاسم، بما أغنى عن إعادته .(١)
ونصب ((العدوّ)) و((الشياطين)) بقوله: ((جعلنا)). (٢)
#
وأما قوله: (( يُوحِی بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً))، فإنه يعنى أنّه يلقى
الملقى منهم القولَ، الذى زيّته وحسَّتَه بالباطل إلى صاحبه، ليغترّ به من سمعه ،
فيضلّ عن سبيل الله.(٣)
٠
ثم اختلف أهل التأويل فى معنى قوله: ((شياطين الإنس والجن)).
فقال بعضهم : معناه شياطين الإنس التى مع الإنس ، وشياطين الجن التى
مع الجنّ ، وليس للإنس شياطين .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٧٦٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس
(١) انظر تفسير ((الشيطان)) فيما سلف ١: ١١١، ١١٢، ٢٩٦.
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٥١.
(٣) انظر تفسير ((الوحى)) فيما سلف من فهارس اللغة (وحى).

٥٢
تفسير سورة الأنعام : ١١٢
والجنّ يوحى بعضهم إلى بعض زُخْرُف القول غروراً ولو شاء ربك ما فعلوه))، أما
((شياطين الإنس))، فالشياطين التى تضلّ الإنس = ((وشياطين الجن))، الذين
يضلون الجنّ، يلتقيان، فيقول كل واحد منهما: ((إنى أضللت صاحبى بكذا
وكذا ، وأضللت أنت صاحبك بكذا وكذا )) ، فيعلم بعضهم بعضاً .
١٣٧٦٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم ، عن شريك ، عن
سعيد بن مسروق، عن عكرمة: ((شياطين الإنس والجن))، قال : ليس فى
الإنس شياطين ، ولكن شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس ، وشياطين
الإنس يوحون إلى شياطين الجن .(١)
١٣٧٦٧ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا إسرائيل ،
عن السدى فى قوله: (( يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً))، قال:
للإنسان شيطان ، وللجنىّ شيطان، فيلقىَ شيطان الإنس شيطان الجن، فيوحى
بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً .
#
قال أبو جعفر : جعل عكرمة والسدى فى تأويلهما هذا الذى ذكرت عنهما ،
عدوّ الأنبياء الذين ذكرهم الله فى قوله: ((وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً))،
أولاد إبليس ، دون أولاد آدم ، ودون الجن = وجعل الموصوفين بأن بعضهم يوحى
إلى بعض زخرف القول غروراً، ولدَ إبليس، وأن مَنْ مع ابن آدم من ولد إبليس
يوحى إلى مَنْ مع الجن من ولده زخرف القول غروراً.
وليس لهذا التأويل وجه مفهوم، لأن الله جعل إبليس وولده أعداءَ ابن
آدم، فكل ولده لكل ولده عدوّ . وقد خصّى الله فى هذه الآية الخبر عن الأنبياء
أنه جعل لهم من الشياطين أعداء" . فلو كان معنيًا بذلك الشياطين الذين ذكرهم
السدى ، الذين هم ولد إبليس ، لم يكن لخصوص الأنبياء بالخبرِ عنهم أنه جعل
لهم الشياطين أعداءً، وجهٌ . وقد جعل من ذلك لأعدى أعدائه ، مثل الذى جعل
(١) الأثر: ١٣٧٦٦ - ((سعيد بن مسروق الثورى))، ثقة، مضى برقم: ٧١٦٢.

٥٣
تفسير سورة الأنعام : ١١٢
لهم . ولكن ذلك كالذى قلنا، من أنه معنى به أنه جعل مردة الإنس والجن لكل
نى عدوًّا يوحى بعضهم إلى بعض من القول ما يؤذيهم به .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك جاء الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
١٣٧٦٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا
حماد ، عن حميد بن هلال ، قال ، حدثنى رجل من أهل دمشق ، عن عوف
ابن مالك ، عن أبى ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يا أبا ذر ، هل
تعوَّذت بالله من شرّ شياطين الإنس والجنّ؟ قال: قلت: يا رسول اللّه، هل
للإنس من شياطين ؟ قال : نعم!(١)
٥/٨
١٣٧٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاويه
ابن صالح ، عن أبى عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة ، عن ابن عائذ،
عن أبى ذر أنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مجلس قد أطال فيه
الجلوس ، قال فقال : يا أبا ذر، هل صلَّيت ؟ قال قلت: لا، يا رسول اللّه. قال:
قم فاركع ركعتين . قال : ثم جئت فجلستُ إليه فقال: يا أبا ذر ، هل تعوَّذت
بالله من شرٌّ شياطين الإنس والجن؟ قال قلت: يا رسول اللّه، وهل للإنس من
شياطين ؟ قال : نعم، شرٌّ من شياطين الجن ! (٢)
(١) الأثر: ١٣٧٦٨ - ((حميد بن هلال العدوى))، ثقة، متكلم فيه. سمع من ((عوف
ابن مالك))، ولكنه رواه هنا بالواسطة، عن مجهول: ((رجل من أهل دمشق)). مترجم فى التهذيب،
والكبير ٣٤٤/٢/١، وابن أبي حاتم ٢٣٠/٢/١.
و ((عوف بن مالك بن فضلة الجشمى))، ثقة، مضى برقم : ٦١٧٢، ١٢٨٢٥، ١٢٨٢٦.
لم يذكر أنه سمع من أبى ذر .
وهذا الخبر فيه مجهول. ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣: ٣٨٠.
(٢) الأثر : ١٣٧٦٩ - كان فى إسناد هذا الخبر خطأ فاحش، وقع بلا شك من منهو
الناسخ وعجلته، فإنه كتب «حدثنى معاوية بن صالح عن على بن أبى طلحة ، عن أبى عن ابن عباس،
أبى عبد الله محمد بن أيوب))، ثم ضرب على ((ابن عباس)). ولكنه ترك ((عن على بن أبى طلحة))،
وهو خطأ لاشك فيه كما سترى بعد. وسبب ذلك إسناد أبى جعفر المشهور وهو: ((حدثنى المثنى ،
قال حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس))

٥٤
تفسير سورة الأنعام : ١١٢
١٣٧٧٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلی قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر ، عن قتادة قال : بلغنى أن أبا ذر قام يوماً يُصّلى، فقال له النبي صلى اللّه
عليه وسلم: تعوَّذ يا أبا ذر ، من شياطين الإنس والجن . فقال : يا رسول الله ،
أوَّ إنّ من الإنس شياطين ؟ قال: نعم!(١)
٠
#
وقال آخرون فى ذلك بنحو الذى قلنا : من أن ذلك إخبارٌ من اللّه أنّ شياطين
الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض .
• ذكر من قال ذلك :
وهو إسناد دائر فى التفسير ، آخره رقم : ١٣٧٥٦، فعجل فكتب الإسناد المشهور ، ثم استدرك
فضرب على ((ابن عباس))، والصواب أن يضرب أيضاً على ((على بن أبى طلحة))، لأن هذا إسناد
مختلف عن الأول كل الاختلاف، ولذلك حذفت ((عن على بن أبى طلحة))، مع ثبوته فى المخطوطة
والمطبوعة ، ولكن ابن كثير ذكره فى التفسير على الصواب ٣ : ٣٧٩، كما أثبته .
و (أبو عبد الله محمد بن أيوب))، كأنه أيضاً خطأ من الناسخ، صوابه: ((أبو عبد الملك
محمد بن أيوب)) لما سترى .
((محمد بن أيوب الأزدى))، ((أبو عبد الملك))، قال البخارى فى الكبير ٢٩/١/١، ٣٠:
((محمد بن أيوب أبو عبد الملك الأزدى، عن ابن عائذ، عن أبى ذر، عن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: آدم ذبى مكلم. قال لنا : عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح ، عن محمد بن أيوب،
حديثه فى الشاميين. سمع منه معاوية بن صالح) وترجمه ابن أبى حاتم ١٩٦/٢/٣ ، ١٩٧،
فذكر مثله .
و((ابن عائذ)) هو ((عبد الرحمن بن عائذ الثمالى))، ويقال: الأزدى الكندى، ويقال:
اليحصبى. روى له الأربعة، مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٢٧٠/٢/٢، وكان ابن عائذ
من حملة العلم ، يطلبه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحاب أصحابه . روى عن عمر وعلى
مرسلا. وفى التهذيب أنه روى عنهما وعن أبى ذر، وعن غيرهم من الصحابة، ولم يذكر ((مرسلا)).
. وذكر ابن كثير هذا الأثر والذى يليه فى تفسيره ٣: ٣٧٩ ثم قال: ((وهذا أيضاً فيه انقطاع))،
وتبين من تفسير إسناده أنه غير منقطع. ثم قال: ((وروى متصلا كما قال الإمام أحمد : حدثنا
وكيع ، حدثنا المسعودى ، أنبأنى أبو عمر الدمشقى، عن عبيد بن الخشخاش ، عن أبى ذر قال : ..-. ))
وذكر الحديث، وهو بطوله فى مسند أحمد ه : ١٧٨، ١٧٩ .
ثم ذكر ابن كثير طرقاً أخرى الحديث ثم قال: «فهذه طرق لهذا الحديث ، ومجموعها يفيد
قوته وصمته، واقه أعلم)» .
(١) الأثر: ١٣٧٧٠ - هذا أثر منقطع، انظر التعليق على الخبر السالف، وما قاله
ابن كثير .

تفسير سورة الأنعام : ١١٢
١٣٧٧١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((شياطين الإنس والجن))، قال : من الجن شياطين،
ومن الإنس شياطين ، يوحى بعضهم إلى بعض = قال قتادة : بلغنى أن أبا ذر
كان يوماً يصلّى، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : تعوَّذ يا أبا ذر من شياطين
الإنس والجن. فقال : يا نبي الله، أوَ إن من الإنس شياطين ؟ فقال النبى صلى
الله عليه وسلم : نعم !
١٣٧٧٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( وكذلك جعلنا لكل فى عدوًّا شياطين الإنس والجن))، الآية ، ذكر
لنا أنّ أبا ذر قام ذات يوم يصلى ، فقال له نبى الله: تعوّذ بالله من شياطين
الجن والإنس. فقال : يا نبي الله، أوَ للإنس شياطين كشياطين الجن ؟ قال :
نعم، أوّ كذَبْتُ عليه؟(١)
١٣٧٧٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ،
عن ابن جريج قال، قال مجاهد: ((وكذلك جعلنا لكل نبى عدوًّا شياطين
الإنس والجن)) ،فقال: كفار الجنّ شياطين، يوحون إلى شياطين الإنس، کفارٍ
الإنس ، زخرف القول غروراً .
وأما قوله: ((زُخرف القول غروراً))، فإنه المزيّن بالباطل، كما وصفت
قبل. يقال منه: ((زخرف كلامه وشهادته))، إذا حسّن ذلك بالباطل ووشّاه ، كما :-
١٣٧٧٤ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبو نعيم، عن شريك ،
عن سعيد بن مسروق، عن عكرمة قوله: ((زخرف القول غروراً))، قال :
تزبين الباطل بالألسنة .
(١) قوله: ((أو كذبت عليه))، استنكار من رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤال أبى ذر،
فإن نص التنزيل دال على ذلك ، ورسول الله هو الصادق المصدق المبلغ عن ربه الحق الذى لا كذب فيه .

تفسير: سورة الأنعام : ١١٢
١٣٧٧٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: أما ((الزخرف))، فزخرفوه، زيَّنوه .
١٣٧٧٦ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((زخرف القول غروراً))، قال :
تزيين الباطل بالألسنة .
١٣٧٧٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح، عن مجاهد ، مثله .
١٣٧٧٨ -حدثی محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عی
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((زخرف القول غروراً))،
يقول : حسّن بعضهم لبعضٍ القولَ ليتتبعوهم فى فتنتهم .
١٣٧٧٩ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فی
قوله: ((زخرف القول غروراً))، قال: ((الزخرف))، المزيّن، حيث زيَّن لهم
هذا الغرور ، كما زين إبليس لآدم ما جاءه به وقاسمه إنه له لمن الناصحين . وقرأ :
﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قَرُّنَاءٍ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾، [سورة فصلت: ٢٥]. قال: ذلك الزخرف.
٠
٦/٨
وأما ((الغرور))، فإنه ما غرّ الإنسان فخدعه فصدّه عن الصواب إلى الخطأ،
وعن الحق إلى الباطل(١) = وهو مصدر من قول القائل: ((غررت فلاناً بكذا
وكذا، فأنا أغرُّه غروراً وغرًّا))، (٢) كالذى : -
١٣٧٨٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((غروراً))، قال: يغرّون به الناسَ والجنّ".
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: (ومن الحق))، والجيد ما أثبت كما ترى.
(٢) انظر تفسير («الغرور)) فيما سلف ٧: ٩/٤٥٣: ٢٢٤.
٠

٥٧
تفسير سورة الأنعام : ١١٣،١١٢
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ
٥-٨
وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾.
١١٢
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولوشئت ، يا محمد ، أن يؤمن الذين
كانوا لأنبيائى أعداءً من شياطين الإنس والجن فلا ينالهم مكرهم ويأمنوا غوائلهم
وأذاهم ، فعلتُ ذلك ، ولكنى لم أشأ ذلك ، لأبتلى بعضهم ببعض ، فيستحق كل
فريق منهم ما سبق له فى الكتاب السابق = ((فذرهم))، يقول: فدعهم(١) =
يعنى الشياطين الذين يجادلونك بالباطل من مشركى قومك ويخاصمونك بما يوحى
إليهم أولياؤهم من شياطين الإنس والجن = ((وما يفترون))، يعنى : وما يختلقون
من إفك وزور .(٢)
يقول له صلى الله عليه وسلم: اصبر عليهم، فإنى من وراء عقابهم على
افترائهم على اللّه، واختلاقهم عليه الكذب والزور .
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَلِتَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًّا
شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً)) = (( ولتصغی
إليه))، يقول جل ثناؤه: يوحى بعض هؤلاء الشياطين إلى بعض المزيّن من القول
(١) انظر تفسير ((ذر)) فيما سلف ص: ٤٦، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف: ٥٣٣:١١، تعليق: ١، والمراجع هناك.

١٥٨
تفسير سورة الأنعام : ١١٣
بالباطل ، ليغرّوا به المؤمنين من أتباع الأنبياء فيفتنوهم عن دينهم = (( ولتصغى
إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة))، يقول : ولميل إليه قلوب الذين لا يؤمنون
بالآخرة .
٠ ٠
#
= وهو من ((صغَوْت تتَصْغَى وتصغُو)) = والتنزيل جاء: ((تصغَى)) = ((صَغْواً،
وصُغُوًّا))، وبعض العرب يقول: ((صغيت))، بالياء، حكى عن بعض بنى
أسد: ((صَغيت إلى حديثه، فأنا أصغَى صُغِيًّا)) بالياء، وذلك إذا ملت. يقال:
((صَغْوِى معك))، إذا كان هواك معه وميلك، مثل قولهم: ((ضِلَعِى معك)).
ويقال: ((أصغيت الإناء))، إذا أملته ليجتمع ما فيه، ومنه قول الشاعر: (١)
تَرَى السَّفِيهَ بِهِ عَنْ كُلِّ ◌ُحْكَمَةٍ زَيْغٌ، وفيهٍ إِلَى النَّشْبِيهِ إِصْغَاءِ(٣)
ويقال للقمر إذا مال للغيوب: ((صغا)) و(أصغى)).
٠٠٠
وبنحو الذی قلنا فی ذلك قال أهل التأويل
• ذكر من قال ذلك :
١٣٧٨١ - حدثی المثنی قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثی
معاوية ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: (( ولتصغى إليه أفئدة)) ،
يقول : تزيغ إليه أفئدة .
١٣٧٨٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال ابن عباس فى قوله: (( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون
بالآخرة » ، قال : لميل .
١٣٧٨٣ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
: (١) لم أعرف قائله .
(٢) اللسان (صفا)، وأيضاً فى تفسير أبى حيان ٤: ٢٠٥، والقرطبى ٧ : ٦٩،
وفى السان والقرطبى: ((عن كل مكرمة))، وكأن الصواب ما فى تفسير ابن جرير، وأبي حيان،
وكأن الشاعر يريد الذين يتبعون ما تشابه من آيات كتاب اللّه ، ويعرضون عن المحكم من آياته .

نفسير سورة الأنعام : ١١٣
حدثنا أسباط، عن السدى: ((ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة))،
يقول : تميل إليه قلوبُ الكفار ، ويحبونه ، ويرضون به .
١٣٧٨٤ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة))، قال: ((ولتصغى))،
وليهووا ذلك وليرضوه. قال: يقول الرجل للمرأة: ((صَغَيْت إليها))، هَوِيتها.
القول فى تأويل قوله ﴿وَلِعْتَرِفُواْ مَاهُمْ مُقْتَرِفُونَ )
١١٣
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وليكتسبوا من الأعمال ما هم مكتسبون .
...
حكى عن العرب سماعاً منها: ((خرج يقترف لأهله))، بمعنى يكسب لهم .
ومنه قيل: ((قارف فلان هذا الأمر)»، إذا واقعه وعمله .
وكان بعضهم يقول :: هو التهمة والادعاء. يقال للرجل: ((أنت قَرَفْتَنى))،
٧/٨
أى: اتّهمتنى. ويقال: ((بئسما اقترفتَ لنفسك))، وقال رؤبة:
أَعَ اقْتِرَافُ الكَذِبِ الَقْرُوفِ تَقْوَى التَّفِى وعِنَّةَ الَفِيفِ (١)
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى تأويل قوله: (( وليقترفوا))، قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٧٨٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: (( وليقترفوا ما هم مقترفون))،
ولیکتسبوا ما هم مكتسبون
(١) ليسا فى ديوانه، وهما فى مجاز القرآن ١: ٢٠٥ .

٦٠
تفسير سورة الأنعام : ١١٣ ، ١١٤
١٣٧٨٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وليقترفوا ما هم مقترفون ))، قال : ليعملوا ما هم
عاملون .
١٣٧٨٧ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((وليقترفوا ما هم مقترفون))، قال: ليعملوا ما هم عاملون .
القول فى تأويل قوله ﴿أَفَتَيْرَ اللهِ أَبْتَغَى حَكَمَاَ وَهُوَ الَّذِىَ
أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلًا ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء
العادلين باللّه الأوثان والأصنام، القائلين لك: ((كفَّ عن آلهتنا، ونكف عن إلهك)»:
إن الله قد حكم علىّ بذكر آلهتكم بما يكون صدًا عن عبادتها = ((أفغير الله أبتغى
حكماً )) ، أى: قل: فليس لى أن أتعدّى حكمه وأتجاوزه، لأنه لاحكتم أعدل
منه، ولا قائل أصدق منه(١) = ((وهو الذى أنزل إليكم الكتاب مفصلاً))، يعنى
القرآن = ((مفصَّلاً))، يعنى: مبيناً فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمرى وأمركم .
وقد بينا معنى: ((التفصيل))، فيما مضى قبل.(٢)
(١) انظر تفسير ((الحكم)) فيما سلف من فهارس اللغة (كم).
(٢) انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ١١ : ٣٩٤.