Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١.
تفسير سورة الأنعام : ٩١
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِمَّ إِذْ قَالُواْ
مَآ أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرِ مِّن شَىْءٍ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وما قدروا الله حق قدره))، وما أجلُّوا
الله حق إجلاله، ولا عظموه حق تعظيمه = (( إذا قالوا ما أنزل الله على بشر من
شىء))، يقول: حين قالوا: لم ينزل الله على آدمىّ كتاباً ولا وحياً. (١)
واختلف أهل التأويل فى المعنىّ بقوله: (( إذا قالوا ما أنزل اللّه على بشر من
شىء)) ، وفى تأويل ذلك .
فقال بعضهم : كان قائل ذلك رجلاً من اليهود .
٠ ٠
ثم اختلفوا فى اسم ذلك الرجل .
فقال بعضهم : كان اسمه : مالك بن الصيف .
وقال بعضهم : كان اسمه : فنخاص .
٠ ٠
واختلفوا أيضاً فى السبب الذى من أجله قال ذلك .
٠ ٠
• ذكر من قال : كان قائل ذلك : مالك بن الصيف .
١٣٥٣٥ - حدثنا ابن حميدقال، حدثنا يعقوب القمى، عن جعفر بن أبى المغيرة،
عن سعيد بن جبير قال: جاء رجل من اليهود يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي صلى اللّه
عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالذى أنزل التوراة على موسى ، أما
تجد فى التوراة أن اللّه يُبْغِض الحَبْر السمين؟ وكان حبراً سميناً، فغضب فقال:
(١) انظر تفسير ((بشر)» فيما سلف ٦: ١٠/٥٣٨: ١٥٢*
:

٥٢٢
تفسير سورة الأنعام : ٩١
والله ما أنزل الله على بشر من شىء! فقال له أصحابه الذين معه: ويحك! ولا
موسى ! فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شىء! فأنزل الله: ((وما قدروا
الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل اللّه على بشر من شىء قل من أنزل الكتاب الذى
جاء به موسى )) ، الآية .
١٧٧/٧
١٣٥٣٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عكرمة قوله: (( وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على
بشر من شىء))، قال : نزلت فى مالك بن الصيف، كان من قريظة ، من أحبار
يهود = ((قل)) يا محمد ((من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نوراً وهدى للناس))، الآية.
٠ ٠٠
• ذکر من قال : نزلت فى فنحاص اليهودىّ .
١٣٥٣٧ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وما قدروا الله حق قدره إذا قالوا ما أنزل الله على
بشرمن شىء ))، قال: قال فنحاص اليهودىّ: ما أنزل الله على محمد من شىء!
وقال آخرون : بل عنى بذلك جماعة من اليهود ، سألوا النبى صلى الله عليه
وسلم آیات مثل آیات موسى .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٥٣٨ - حدثنا هناد قال، حدثنا يونس قال، حدثنا أبو معشر المدنى ،
عن محمد بن كعب القرظى قال: جاء ناسٌ من يهودَ إلى النبيّ صلى اللّه عليه
وسلم وهو مُحْتَبٍ ، فقالوا : يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من السماء ، كما جاء به
موسى ألواحاً يحملها من عند الله؟ فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أُهْلُ الْكِتَبِ أَنْ
◌ُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقَالُوا أَرِنَاَ
اللّهَ جَهْرَةً﴾، الآية [سورة النساء: ١٥٣]. فجثا رجل من يهود فقال: ما أنزل الله عليك

٥٢٣
تفسير سورة الأنعام : ٩١
ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئاً! فأنزل الله: ((وما قدروا الله حق قدره)).
= قال محمد بن كعب: ما علموا كيف الله (١) = ((إذا قالوا ما أنزل الله على بشر
من شىء قل من أنزل الكتاب الذى جاء به موسی نوراً )) ، فحلّ رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم حُبْوته، وجعل يقول: ولا على أحدٍ!(٢)
١٣٥٣٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: ((وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء))،
إلى قوله: ((فى خوضهم يلعبون))، هم اليهود والنصاري، قوم آتاهم الله علماً
فلم يقتدوا به، (٣) ولم يأخذوا به، ولم يعملوا به ، فذمهم الله فى عملهم ذلك . ذكر
لنا أن أبا الدرداء كان يقول: إن من أكثر ما أنا مخاصمٌ به غداً أن يقال : يا أبا
الدرداء ، قد علمت ، فماذا عملت فيما علمت ؟
١٣٥٤٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((وما قدروا الله حق
قدره إذا قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء))، يعنى من بنى إسرائيل ، قالت
اليهود: يا محمد ، أنزل الله عليك كتاباً ؟ قال : نعم! قالوا: والله ما أنزل الله من
السماء كتاباً! قال: فأنزل الله: ((قل)) يا محمد ((من أنزل الكتاب الذى جاء
به موسى نوراً وهدى للناس)»، إلى قوله: ((ولا آباؤكم))، قال: الله أنزله .
٥٠٠
وقال آخرون : هذا خبر من الله جل ثناؤه عن مشركى قريش أنهم قالوا :
(( ما أنزل الله على بشر من شىء)).
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ما علموا كيف الله))، هكذا، وهو تعبير غريب جداً
أكاد أستنكره، وأخشى أن يكون تحريفاً، وهو تفسير للآية، أى: ((قدروا الله)).
(٢) الأثر : ١٣٥٣٨ - هذا الخبر لم يذكر فى تفسير الآية من سورة النساء ٩: ٣٥٦ -
٣٥٨، وهذا من وجوه اختصار أبى جعفر تفسيره .
(٣) فى المطبوعة: « فلم يهتموا))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٥٢٤
تفسير سورة الأنعام : ٩١
• ذكر من قال ذلك :
١٣٥٤١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج قال،
قال ابن جريج قال ، عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهداً يقول: ((وما قدروا
الله حق قدره إذا قالوا ما أنزل الله على بشر من شىء))، قالها مشركو قريش.
قال: وقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الكِتَبَ الَّذِىِ جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدّى لِلِناسِ
يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا)، (١) قال: هم يهود، الذین یبدونها
ويخفون كثيراً. قال: وقوله: ((وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم))، قال: هذه للمسلمين.
١٣٥٤٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( وما قدروا الله حق قدره))،
قال : هم الكفار، لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم ، فمن آمنَ أن الله على كل شىء
قدير ، فقد قدر الله حق قدره . ومن لم يؤمن بذلك ، فلم يقدر الله حق قدره .
١٣٥٤٣ -حدثی المثی قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن
١٧٨/٧ أبى نجيح، عن مجاهد: ((وما قدروا الله حق قدره))، يقول: مشركو قريش.
٠٠
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب فى تأويل ذلك ، قول من
قال: عنى بقوله(٢): ((وما قدروا الله حق قدره))، مشركو قريش. وذلك أن
ذلك فى سياق الخبر عنهم أولاً ، فأن يكون ذلك أيضاً خبراً عنهم ، أشبهُ من أن
يكون خبراً عن اليهود ولما يجر لهم ذكرٌ يكون هذا به متصلاً ، مع ما فى الخبر
عمن أخبر اللّه عنه فى هذه الآية ، من إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئاً
من الكتب، وليس ذلك مما تدين به اليهود ، بل المعروف من دين اليهود : الإقرار
(١) هذه إحدى القراءتين فى الآية بالياء فيها جميعاً (يجعلونه))،((يبدونها))، ((يخفون))،
وهى غير قراءتنا فى مصحفنا، وسيذكرها أبو جعفر فيما يلى .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((عنى بذلك))، والسياق يقتضى ما أثبت.

٥٢٥
تفسير سورة الأنعام : ٩١
بصُحُف إبراهيم وموسى، وزبور داود. وإذ لم يأت بما روى من الخبر، (١) بأن قائل
ذلك كان رجلاً من اليهود، خبرٌ صحيح متصل السند = ولا كان على أن ذلك كان
كذلك من أهل التأويل إجماعٌ = وكان الخبر من أوّل السورة ومبتدئها إلى هذا
الموضع خبراً عن المشركين من عبدة الأوثان = وكان قوله: (( وما قدروا الله حق
قدره ))، موصولاً بذلك غير مفصول منه =(٢) لم يجز لنا أن ندّعى أن ذلك مصروف
عما هو به موصول ، إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر أو عقل .
ولكنى أظن أن الذين تأوّلوا ذلك خبراً عن اليهود، وجدوا قوله: (( قل من
أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نوراً وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون
كثيراً وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم))، فوجهوا تأويل ذلك إلى أنه لأهل
التوراة، فقرأوه على وجه الخطاب لهم: (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا
وَغُلِّمُْ مَ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ﴾،(٣) فجعلوا ابتداء الآية خبراً عنهم"،
إذا كانت خاتمتها خطاباً لهم عندهم. وغير ذلك من التأويل والقراءة أشبه بالتنزيل،
لما وصفت قبل من أن قوله: ((وما قدروا الله حق قدره))، فى سياق الخبر عن
مشركى العرب وعبدة الأوثان وهو به متصل ، فالأولى أن يكون ذلك خبراً عنهم .
والأصوب من القراءة فى قوله: ﴿يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ يُبْدُونَهَا وَيُخْفُونَ كَثِيرًا﴾،
أن يكون بالياء لا بالتاء، على معنى : أنّ اليهود يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً ،
ويكون الخطاب بقوله: ((قل من أنزل الكتاب))، لمشركى قريش . وهذا هو
المعنى الذى قصده مجاهد إن شاء الله فى تأويل ذلك ، وكذلك كان يقرأ .
١٣٥٤٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإذا لم يكن بما روى من الخبر))، وهو كلام غير مستقيم،
صوابه ما أثبت إن شاء الله - أى: ((وإذا لم يأت بماروى ... خبر صحيح)).
(٢) السياق: ((وإذ لم يأت بما روى ... خبر صحيح ... ولا كان ... وكان الخبر ...
كان قوله ... لم يجز))، كل ذلك عطوف متتابعة، وجواب ((وإذ لم يأت)) قوله: ((لم يجز)).
(٣) هذه القراءة الثانية للآية، وهى قراءتنا اليوم فى مصحفنا.

٥٢٦
تفسير سورة الأنعام : ٩١
حماد، عن أيوب، عن مجاهد أنه كان يقرأ هذا الحرف: ﴿ يَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ
◌ُبْدُونَهَا وَيُحْقُونَ كَثِيراً).
القول فى تأويل قوله (قُلْ مَنْ أَنزَلَ اَلْكِتَبَ الَّذِى جَاءِ يِهِ م
مُوسَىْ نُورًا وَهُدَى لِلِنَّاسِ تَجْمَلُونَهُ فَرَاطِيسَ تُبْدُونَها وَتَحْقُونَ كَثِيرًا﴾(١)
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))، يا محمد ،
لمشركى قومك القائلين لك: ((ما أنزل الله على بشر من شىء)) = قل: ((من أنزل
الكتاب الذى جاء به موسى نوراً))، يعنى: جلاءً وضياء من ظلمة الضلالة (٢)=
(((وهدى للناس))، يقول: بياناً للناس ، يبين لهم به الحق من الباطل فيما أشكل
عليهم من أمر دينهم(٣) = ((تجعلونه قراطيس تبدونها)).
٠ ٠ ٠
فن قرأ ذلك: (تَجْعَلُونَهُ﴾، جعله خطاباً لليهود على ما بيّنت من تأويل
من تأوّل ذلك كذلك .
٠ ٠
ومن قرأه بالباء ( يَجْعَلُونَ)،فتأويله فى قراءته: يجعله أهله قراطيس، وجري
الكلام فى ((يبدونها)) بذكر ((القراطيس))، والمراد منه المكتوب فى القراطيس ،
يراد : يبدون كثيراً مما يكتبون فى القراطيس فيظهرونه للناس ، ويخفون كثيراً مما
يثبتونه فى القراطيس فيسرُّونه ويكتمونه الناس . (٤)
٥
٠٠
(١) أثبت الآية على قراءتنا فى مصحفنا، وإن كان تفسير أبى جعفر بعد على القراءة
الأخرى . فليتنبه قارئ التفسير إلى موضع الخلاف كما حرره أبو جعفر ، ص : ٥٢٤، ٥٢٥.
(٢) انظر تفسير ((النور)) فيما سلف ١٠: ٣٣٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف من فهارس اللغة (هدى).
(٤) انظر تفسير ((القرطاس)) فيما سلف ص٣٦٥: ٣٦٦.

٥٢٧
تفسير سورة الأنعام : ٩١
ومما كانوا يكتمونه إياهم ، ما فيها من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته ،
كالذى : -
١٣٥٤٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد : ((قراطیس یبدونها ويخفون كثيراً )) ، اليهود .
١٧٩/٧
١٣٥٤٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج،عن عكرمة : ((قل))،یا محمد «من أنزل الكتاب الذى جاء به موسى
نوراً وهدى للناس يجعلونه قراطيس يبدونها))، يعنى يهود ، لما أظهروا من التوراة =
((ويخفون كثيراً))، مما أخفوا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه =
قال ابن جريج: وقال عبد الله بن كثير: إنه سمع مجاهداً يقول: ((يجعلونه
قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً))، قال : هم يهود ، الذين يبدونها ويخفون كثيراً .
...
القول فى تأويل قوله ﴿وَهُلِّمْثُ مَّالَمْ تَعْلَمُواْ أَثُمْ وَلَاَ ، بَاؤُ كُمْ
قُلِ اللهُ ثُمَ ذَرْهُمْ فِ خَوْضِهِمْ يَلْمَبُون) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وعلمكم الله جل ثناؤه بالكتاب الذى
أنزله إليكم، (١) ما لم تعلموا أنتم من أخبار من قبلكم، ومن أنباء من بعدكم ، وما
هو كائن فى معادكم يوم القيامة = ((ولا آباؤكم ))، يقول: ولم يعلمه آباؤكم،
أيها المؤمنون بالله من العرب وبرسوله صلى الله عليه وسلم، كالذى :-
١٣٥٤٧ - حدثی المثنی قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا
حماد، عن أيوب، عن مجاهد: ((وعلمتم)) معشرَ العرب ((ما لم تعلموا أنتم
ولا آباؤكم)) .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((الكتاب)) بغير باء الجر، والصواب إثباتها، فإن مفعول
علمكم))، هو: ((ما لم تعلموا)).

٥٢٨
تفسير سورة الأنعام : ٩١
١٣٥٤٨ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج قال: قال عبدالله بن كثير: إنه سمع مجاهداً يقول فى قوله: (( وعلمتم
ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم )) ، قال : هذه للمسلمين .
٠٠٠
وأما قوله: ((قل اللّه))، فإنه أمرٌ من الله جل ثناؤه نبيَّه محمداً صلى اللّه عليه
وسلم أن يجيب استفهامَه هؤلاء المشركين عما أمره باستفهامهم عنه بقوله: « قل
من أنزل الكتاب الذى جاء به موسی نوراً وهدى للناس يجعلونه قراطیس یبدونها
ويخفون كثيراً))، (١) بقيل الله، (٢) كأمره إياه فى موضع آخر فى هذه السورة بقوله:
﴿قُلْ مَنْ يَتَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُعاً وَخُفْيَةً لَّيْ
أَنْجَيْتَنَامِنْ هُذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، [ سورة الأنعام: ٦٣].(٣) فأمره باستفهام
المشركين عن ذلك، كما أمره باستفهامهم إذا قالوا: (( ما أنزل الله على بشر من شىء))،
عمن أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نوراً وهدى للناس . ثم أمره بالإجابة عنه
هنالك بقيله: ﴿قُلِ اللهُ يُفَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ مُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُون﴾
[سورة الأنعام: ٦٤]، كما أمره بالإجابة ههنا عن ذلك بقيله: الله أنزله على موسى، كما :-
١٣٥٤٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((قل من أنزل الكتاب الذى جاء به
موسى نوراً وهدى للناس))، قال: الله أنزله . (٤)
...
ولو قيل: معناه: ((قل: هو اللّه))، على وجه الأمر من اللّه له بالخبر عن
(١) هذه القراءة الأخرى التى اختارها أبو جعفر، فتركت تفسيره على حاله ، لئلا يختلط
الكلام على قارئه .
(٢) قوله ((بقيل الله)) متعلق بقوله ((أن يجيب ... )).
(٣) وتركت هذه الآية أيضاً على قراءة أبى جعفر التى اختارها ((لئن أنجيتنا))، كما سلف
ص: ٤١٤، وأما قراءتنا فى مصحفنا: ((لئن أنجانا)). وانظر ما مضى فى ترجيح أبى جعفر
أولى القراءتين على الأخرى .
(٤) الأثر: ١٣٥٤٩ - هذا مختصر الأثر السالف رقم : ١٣٥٤٠.

٥٢٩
تفسير سورة الأنعام : ٩١
ذلك = لا على وجه الجواب، إذ لم يكن قوله: ((قل من أنزل الكتاب)) مسألة
من المشركين لمحمد صلى الله عليه وسلم، فيكون قوله: ((قل اللّه))، جواباً لهم
عن مسألتهم، وإنما هو أمرٌ من اللّه لمحمد بمسألة القوم: (( من أنزل الكتاب))؟
فيجب أن يكون الجواب منهم غير الذى قاله ابن عباس من تأويله = كان
جائزاً، (١)من أجل أنه استفهام ، ولا يكون للاستفهام جوابٌ ، وهو الذى اخترنا
من القول فى ذلك لما بينا .
٠
وأما قوله: (( ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون))، فإنه يقول لنبيه محمد صلى الله
عليه وسلم: ثم ذَرْ هؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، (٢) بعد
احتجاجك عليهم فى قيلهم: (( ما أنزل الله على بشر من شىء)) بقولك: ((من
أنزل الكتاب الذى جاء به موسى نوراً وهدى للناس))، وإجابتك ذلك بأن الذى
أنزله: الله الذى أنزل عليك كتابه = ((فى خوضهم ))، يعنى : فيما يخوضون فيه من
باطلهم وكفرهم بالله وآياته (٣) = ((يلعبون))، يقول: يستهزئون ويسخرون. (٤)
#
وهذا من اللّه وعيد لهؤلاء المشركين وتهدّد لهم. يقول اللهجل ثناؤه: ثم دعهم ١٨٠/٧
لاعبين ، يا محمد ، فإنى من وراء ما هم فيه من استهزائهم بآياتى بالمرصاد، وأذيقهم
بأسى ، وأحلّ بهم إن تمادوا فى غَيِّهم سَخَطَى. (٥)
(١) قوله: ((كان جائزاً))، جواب قوله آنفاً: ((ولو قيل: معناه ... ))، وما بينهما فصل.
(٢) انظر تفسير ((ذر)) فيما سلف ص: ٤٤١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الخوض)) فيما سلف ٩: ١١/٣٢٠: ٤٣٦
(٤) انظر تفسير ((اللعب)) فيما سلف ص: ٤٤١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٥) فى المطبوعة: ((وتهديد لهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب محض، ولكن
الناشر غيره فى جميع المواضع السالفة، فجعله ((تهديد))، ولا أدرى لم ؟
ج ١١ (٣٤)

٥٣٠
تفسير سورة الأنعام : ٩٢
القول فى تأويل قوله ﴿ وَهَذَا كَتَبٌ أَنزَ لْنَهُ مُبَرَكُ مُصَدِّقُ
الَّذِىِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىُ وَمَنْ حَوْلَها)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: وهذا القرآن، يا محمد = ((كتاب)).
...
وهو اسم من أسماء القرآن ، قد بينته وبينت معناه فيما مضى قبلُ بما أغنى
عن إعادته، ومعناه مكتوب، فوضع ((الكتاب)) مكان ((المكتوب)).(١)
= ((أنزلناه))، يقول: أوحيناه إليك = ((مبارك))، وهو ((مفاعل)) من
((البركة))(٢) = ((مصدّق الذى بين يديه))، يقول: صدّق هذا الكتاب ما قبله
من كتب اللّه التى أنزلها على أنبيائه قبلك، لم يخالفها [دلالة ومعنى](٣) = ((نوراً وهدى
للناس))، يقول : هو الذى أنزل إليك، يا محمد ، هذا الكتاب مباركاً، مصدقاً
كتاب موسى وعيسى وغير ذلك من كتب اللّه . ولكنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عنه ،
إذا كان قد تقدم [من] الخبر عن ذلك ما يدل على أنه [له] مواصل، (٤) فقال:
((وهذا كتاب أنزلناه إليك مبارك ))،ومعناه: و کذلك أنزلت إليك کتابی هذامباركاً،
کالذى أنزلت من التوراة إلی موسی ھدی ونوراً .
وأما قوله: (( ولتنذر أم القرى ومن حولها ))، فإنه يقول : أنزلنا إليك، یامحمد ،
٠٠
(١) انظر تفسير ((كتاب)) فيما سلف ١ : ٩٧ ، ٩٩.
(٢) انظر تفسير ((مبارك)) فيما سلف ٧ : ٢٥.
(٣) فى المطبوعة: ((لم يخالفها ولا بنبأ وهو معنى نوراً وهدى))، وهو كلام لا يستقيم.
وفى المخطوطة: (( لم يخالفها ولا سا ومعنى نوراً وهدى)»، وهو غير منقوط، وهو أيضاً مضطرب ،
فرجحت ما كتبته بين القوسين استظهاراً لسياق المعنى .
(٤) فى المطبوعة: ((ما يدل على أنه به متصل))، وفى المخطوطة: ((ما يدل على أنه من
أصل))، فرجحت ما أثبت، وزدت ((من)) و((له)) بين القوسين، فإن هذا هو حق المعنى
إن شاء الله .

٥٣١
تفسير سورة الأنعام : ٩٢
هذا الكتاب مصدّقاً ما قبله من الكتب ، ولتنذر به عذابَ اللّه وبأسَه مَنْ فى أم
القرى، وهى مكة = ((ومن حولها))، شرقاً وغرباً ، من العادلين بربّهم غيره من
الآلهة والأنداد ، والجاحدين برسله ، وغيرهم من أصناف الكفار .
٥
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٥٥٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((ولتنذر أم القرى ومن
حولها))، يعنى: (( أم القرى))، مكة = ((ومن حولها))، من القرى إلى المشرق والمغرب.
١٣٥٥١ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((ولتنذر أم القرى ومن
حولها))، و((أم القرى))، مكة = ((ومن حولها))، الأرض كلها .
١٣٥٥٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال ،
حدثنا معمر، عن قتادة: (( ولتنذر أم القرى))، قال : هى مكة = وبه عن
معمر ، عن قتادة قال: بلغنى أن الأرض دُحِيَتْ من مكة .
١٣٥٥٣ - حدثنا بشرقال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: و(( لتنذر أم القرى ومن حولها))، كنا نُحَدَّث أن أم القرى، مكة = وكنا
نحدّث أن منها دُحيت الأرض .
١٣٥٥٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط عن السدى: ((ولتنذر أم القرى ومن حولها))، أما ((أم القرى))
فهى مكة ، وإنما سميت ((أم القرى))، لأنها أول بيت وضع بها .
٠

٥٣٢
تفسير سورة الأنعام : ٩٢، ٩٣
وقد بينا فيما مضى العلة التى من أجلها سميت مكة ((أم القرى))، بما أغنى عن
إعادته فى هذا الموضع . (١)
القولُ فى تأويل قوله ﴿وَالّذِينَ يُؤْمِنُون ◌ِلْآ خِرَةٍ يُؤْمِنُونَ بِهِ
وَهُمْ عَى صَلَاتِهِمْ يُحَفِظُونَ ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن كان يؤمن بقيام الساعة والمعاد فى
الآخرة إلى الله، ويصدّق بالثواب والعقاب ، فإنه يؤمن بهذا الكتاب الذى أنزلناه
إليك ، يا محمد ، ويصدق به ، ويقرّ بأن اللّه أنزله ، ويحافظ على الصلوات
المكتوبات التى أمرَه الله بإقامتها، (٢) لأنه منذرُ من بلغه وعيدَ اللّه على الكفر به
وعلى معاصيه، وإنما يححد به وبما فيه ويكذِّب، أهل التكذيب بالمعاد ، والجحود
لقيام الساعة ، لأنه لا يرجو من اللّه إن عمل بما فيه ثواباً، ولا يخاف إن لم يجتنب
ما يأمره باجتنابه عقاباً .
١٨١/٧
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ثِمِنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا
أَوْ قَلَ أُوحِىَ إِلَى وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ ومَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللهُ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ذكره بقوله: (( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً)) ،
ومن أخطأ قولاً وأجهل فعلاً = ((ممن افترى على الله كذباً))، يعنى: ممن اختلق
(١) انظر تفسير ((أم القرى)) فيما سلف ١: ١٠٨، وانظر أيضاً الأثر رقم: ٦٥٨٩.
(٢) انظر تفسير ((المحافظة على الصلوات)) فيما سلف ٥: ١٦٧، ١٦٨.

٥٣٣
تفسير سورة الأنعام : ٩٣
على الله كذباً، (١) فادعى عليه أنه بعثه نبيًا وأرسله نذيراً ، وهو فى دعواه مبطل ،
وفی قیله كاذب .
#
وهذا تسفيهٌ من اللّه لمشركى العرب، وتجهيلٌ منه لهم، فى معارضة عبد اللّه
ابن سعد بن أبى سرح، والحنفىِّ مسيلمة، لنبىّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، بدعوى
أحدهما النبوة، ودعوىالآخر أنه قد جاء بمثلما جاء به رسول الله صلى اللهعليه وسلم - .
ونفىٌ منه عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم اختلاقَ الكذب عليهودعوى الباطل.
۵
وقد اختلف أهل التأويل فى ذلك .
فقال بعضهم فيه نحو الذى قلنا فيه .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٥٥٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج، عن عكرمة قوله: (( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحى
إلىّ ولم يوح إليه شىء ))، قال : نزلت فى مسيلمة أخى بنى عدى بن حنيفة ،
فيما كان يسجع ويتكهن به = (( ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ))، نزلت فى
عبد الله بن سعد بن أبى سرح، أخى بنى عامر بن لؤى ، كان كتب للنبي صلى اللّه
عليه وسلم ، (٢) وكان فيما يملى (عزيز حكيم))، فيكتب (( غفور رحيم )) فيغيره ،
ثم يقرأ عليه ((كذا وكذا))، لما حوَّل، فيقول: ((نعم، سواءٌ)). فرجع عن الإسلام
ولحق بقريش وقال لهم: لقد كان ينزل عليه ((عزيز حكيم)) فأحوَّله، ثم أقرأ
ما كتبت ، (٣) فيقول: ((نعم سواء))! ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة ، إذ
(١) انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف ص: ٢٩٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((كان يكتب النبى ... ))، والصواب الجيد ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((ثم أقول لما أكتب))، وفى المخطوطة: ((ثم أقول أكتب))، وفوق
الكلام حرف (ط) من الناسخ، دلالة على الخطأ، وأنه خطأ قديم فى النسخة التى نقل عنها. ورجحت
قراءتها كما أثبت ، وهو سياق الكلام .

٥٣٤
تفسير سورة الأنعام : ٩٣
نزل النبى صلى الله عليه وسلم بمر" . (١)
وقال بعضهم: بل نزل ذلك فى عبد الله بن سعد خاصة .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٥٥٦ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحى
إلىّ ولم يوحَ إليه شىء)) إلى قوله: ((تجزون عذاب الهون)). قال : نزلت فى
عبد الله بن سعد بن أبى سرح ، أسلم ، وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم،
فكان إذا أملى عليه: ((سميعاً عليماً))، كتب هو: ((عليماً حكيماً))، وإذا
قال: ((عليماً حكيماً)) كتب: ((سميعاً عليماً))، فشكّ وكفر، وقال: إن كان
محمد يوحى إليه فقد أوحى إلىّ، وإن كان اللّه ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله !
قال محمد: ((سميعاً عليماً)) فقلت أنا: ((عليماً حكيماً))! فلحق بالمشركين ،
ووشى بعمار وجبير عند ابن الحضرمى ، أو لبنى عبد الدار . فأخذوهم فعُذُ بُوا حتى
كفروا ، وجُد عت أذن عمار يومئذ. (٢) فانطلق عمار إلى النبى صلى الله عليه وسلم
فأخبره بما لقى ، والذى أعطاهم من الكفر ، فأبى النبى صلى الله عليه وسلم أن يتولاه،
فأنزل الله فى شأن ابن أبى سرح وعمار وأصحابه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ
إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَيْنٌّ بِالإِيمَانِ وَلُكِنْ مَنْ شَرَحٌ بِالْكُفْرِصِدْرًا﴾
(١) ((مر))، هى ((مر الظهران)).
(٢) ((جدعت أذنه))، قطعت، وكان يقال له ((الأجدع))، انظر ابن سعد ٣: ١٨١.
وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((وجدع أذن عمار))، ذهب إلى تذكير ((الأذن))، والصواب
تأنيثها ، لم يذكروا فيها تذكيراً فيما أعلم .
وهذا خبر غريب وقد روى ابن سعد في الطبقات ٣: ١٨١ عن ابن عمر: ((رأيت عمار
ابن ياسر يوم اليمامة، على صخرة قد أشرف يصيح: يا معشر المسلمين! أمن الجنة تفرون ؟ أنا عمار
ابن ياسر، هلموا إلى ! = وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت، فهى تذبذب، وهو يقاتل أشد القتال)).
ثم قال: ((قال: شعبة: لم ندرأنها أصيبت باليمامة)).
فهذا خبر آخر ، والمشهور من خبره أنها أصيبت مع النبى صلى الله عليه وسلم . كأن ذلك
كان فى بعض الغزوات .

٥٣٥
تفسير سورة الأنعام : ٩٣
[سورة النحل: ١٠٦]، فالذى أكره: عمار وأصحابه = والذى شرح بالكفر صدراً ،
فهو ابن أبى سرح . (١)
وقال آخرون: بل القائل: ((أوحى إلى ولم يوح إليه شىء))، مسيلمة
الكذاب .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٥٥٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعید ، عن قتادة قوله : (( أو قال أوحی إلى ولم يوح إليه شیء ومن قال سأنزل
مثل ما أنزل اللّه))، ذكر لنا أن هذه الآية نزلت فى مسيلمة . ذكر لنا أن نى
اللّه صلى الله عليه وسلم قال: رأيت فيما يرى النائم كأنّ فى يدىّ سوارين من
ذهب، فكبرا علىّ وأهمّانى، (٢) فأوحى إلىّ : أن انفخهما ، فنفختهما فطارا ،
فأوَّلتهما فى منامى الكذّابين اللذين أنا بينهما، كذّاب اليمامةِ مُسيلمة، وكذّاب ١٨٢/٧
صنعاء العنسى. وكان يقال له: ((الأسود)). (٣)
١٣٥٥٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة قال: ((أوحى إلىّ ولم يوح إليه شىء))، قال : نزلت فى مسيلمة .
١٣٥٥٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة = وزاد فيه : وأخبرنى الزهرى : أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال: بينا أنا نائم رأيتُ فى يدىّ سوارين من ذهب، فكبر ذلك علىّ ، فأوحى إلى
(١) الأثر: ١٣٥٥٦ - كان حق هذا الخبر أن يذكر فى تفسير آية ((سورة النحل))،
لبيان أنها نزلت، أيضاً فى ((عبدالله بن سعد بن أبى سرح))، ولكن أبا جعفر لم يفعل، وذلك دلالة
أخرى قاطعة على اختصاره تفسيره .
(٢) فى المخطوطة: ((فأهمنى))، وعلى الكلمة حرف (ط) دلالة على الخطأ، والصواب
ما فى المطبوعة ، موافقاً لرواية البخارى ومسلم .
(٣) الأثر : ١٣٥٥٧ - خبر الرؤيا، رواه البخارى (الفتح ٨: ٦٩، ٧٠)، ومسلم
فى صيحه : ١٥ : ٣٤.

٥٣٦
تفسير سورة الأنعام : ٩٣
أن انفخهما ، فنفختهما فطارا ، فأوّلت ذلك كذاب اليمامة وكذاب صنعاء
العنسى .(١)
...
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصواب أن يقال: إن الله
قال: ((ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحى إلىّ ولم يوحإليه شىء))،
ولا تمانُع بين علماء الأمة أن ابن أبى سرح كان ممن قال: ((إنى قد قلت
مثل ماقال محمد))، وأنه ارتدّ عن إسلامه ولحق بالمشركين، فكان لا شك بذلك
من قيله مفترياً كذباً . وكذلك لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعنسىّ الكذابين،
ادّعيا على الله كذباً أنه بعثهما نبيين، وقال كل واحد منهما إنّ الله أوحى إليه ،
وهو كاذب فى قيله . فإذا كان ذلك كذلك ، فقد دخل فى هذه الآية كل من
كان مختلفاً على الله كذباً، وقائلاً فى ذلك الزمان وفى غيره: ((أوحى الله إلى))،
وهو فی قیلہ کاذب ، لم يوح اللّه إليه شيئاً . فأما التنزيل، فإنه جائز أن یکون نزل
بسبب بعضهم = وجائز أن يكون نزل بسبب جميعهم = وجائز أن يكون عنى به
جميعُ المشركين من العرب = إذا كان قائلو ذلك منهم، فلم يغيّرُوه . فعيّرهم اللّه
بذلك ، وتوعّدهم بالعقوبة على تركهم نكيرَ ذلك ، ومع تركهم نكيرَه هم بنبيه
محمد صلى الله عليه وسلم مكذبون، ولنبوّته جاحدون، ولآيات كتاب الله وتنزيله
دافعون، فقال لهم جل ثناؤه: ((ومن أظلم ممن ادّعى علىّ النبوّة كاذباً))،
وقال: ((أوحى إلى))، ولم يوح إليه شىء، ومع ذلك يقول: (( ما أنزل الله على
بشرمن شىء))، فينقض قولَه بقوله ، ويكذب بالذى تحققه ، وينفى ما يثبته .
وذلك إذا تدبره العاقلُ الأريب علم أن فاعله من عقله عديم .
٠٠
وقد روى عن ابن عباس أنه كان يقول فى قوله: (( ومن قال سأنزل مثل
ما أنزل الله))، ما : -
(١) الأثر: ١٣٥٥٩ - انظر التعليق على رقم : ١٣٥٥٧.

٥٣٧
تفسير سورة الأنعام : ٩٣
١٣٥٦٠ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( ومن قال سأنزل مثل
ما أنزل الله))، قال : زعم أنه لو شاء قال مثله = يعنى الشعر.
...
فكأنّ ابن عباس فى تأويله هذا على ما تأوّله، يوجُّه معنى قول قائل: (( سأنزل
مثل ما أنزل الله))، إلى: سأنزل مثل ما قال اللّه من الشعر. وكذلك تأوّله السدى.
وقد ذكرنا الرواية عنه قبل فيما مضى . (١)
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَوْ تَرَىَ إِذِ الَّلِمُونَ فِى غَمَرَّتِ
الْمَوْتِ وَالْمَلِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْأَنْفُتَكُمُ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولو ترى ،
يا محمد ، حين يغمر الموت بسكراته هؤلاء الظالمين العادلين بربهم الآلهة والأنداد ،
والقائلين: ((ما أنزل الله على بشر من شىء))، والمفترين على الله كذباً ، الزاعمين
أنّ الله أوحى إليه ولم يوحّ إليه شىء، والقائلين: ((سأنزل مثل ما أنزل الله))، (٢)
فتعاينهم وقد غشيتهم سكرات الموت ، ونزل بهم أمر اللّه ، وحان فناء آجالهم ،
والملائكة باسطو أيديهم يضربون وجوههم وأدبارهم ، كما قال جل ثناؤه :
﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَقَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهُهُم وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنْهُمُ
اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِ هُوا رِ ضْوَانَهُ﴾، [سورة محمد: ٢٧، ٢٨]. يقولون لهم:
أخرجوا أنفسكم .
(١) لم يذكر ((الشعر)) فى خبر السدى السالف رقم: ١٣٥٥٦، ولعل أبا جعفر
فسى أن يكتبه ، أو لعله أراد أن ذلك مروى فى خير السدى السالف وإن كان لم يذكره هناك .
(٢) هكذا جاء على الجمع فى المخطوطة أيضاً ((والمفترين ... الزاعمين ... والقائلين))،
والسياق يقتضى الإفراد ، ولكنى تركته على حاله، لظهور معناه، وإن كنت أرجح أن الصواب :
((والمفترى على الله كذباً الزاعم أن الله أوحى إليه ولم يوح إليه شىء، والقائل: سأنزل مثل ما أنزل الله)).

٥٣٨
تفسير سورة الأنعام : ٩٣
و((الغمرات)) جمع ((غمرة))، و((غمرة كل شىء))، كثرته ومعظمه، وأصله
الشىء الذى يغمر الأشياء فيغطيها ، ومنه قول الشاعر : (١)
وَهَلْ يُنْجِى مِنَ الْفَرَاتِ إِلاَّ بُرَاكَاءِ القِتَالِ أَوِ الْفِرَارُ؟(٢)
١٨٣/٧
وروى عن ابن عباس فى ذلك ، ما : -
١٣٥٦١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج، عن
ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله: ((ولو ترى إذ الظالمون فى غمرات الموت))،
قال : سكرات الموت .
١٣٥٦٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ،
حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((فى غمرات الموت))،
یعنی سكرات الموت .
وأما ((بسط الملائكة أيديها))، (٣) فإنه مدَّها. (٤)
*
ثم اختلف أهل التأويل فى سبب بسطها أيديها عند ذلك .
فقال بعضهم بنحو الذى قلنا فى ذلك .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٣٥٦٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
(١) هو بشر بن أبى حازم.
(٢) شرح المفضليات: ٦٧٧، النقائض: ٤٢٣، الأغانى ١٣: ١٣٧، ديوان الخنساء:
٢١٦، واللسان (برك)، وغيرها. وهذا البيت آخر قصيدة فى المفضليات، وروايته: ((ولا ينجى)).
و ((البراكاء)) (بفتح الباء وضمها): الثبات فى ساحة الحرب، والجد فى القتال، وهو من ((البروك))،
يبرك المقاتل فى مكانه، أى: يثبت. وكان فى المطبوعة: ((تراك للقتال))، وهو خطأ صرف.
وفى المخطوطة: ((براكا القتال))، وهو أيضاً خطأ.
(٣) فى المطبوعة: ((أيديهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب محض.
(٤) انظر تفسير ((بسط الأيدى)) فيما سلف ١٠: ١٠٠، ٢١٣.

٥٣٩
تفسير سورة الأنعام : ٩٣
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: (( ولو ترى إذ
الظالمون فى غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم))، قال : هذا عند الموت ،
(( والبسط))، الضرب، يضربون وجوههم وأدبارهم.
١٣٥٦٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( ولو ترى إذ الظالمون فى
غمرات الموت والملائكة باسطوأيديهم))، يقول: ((الملائكة باسطو أيديهم))،
يضربون وجوههم وأدبارهم = والظالمون فى غمرات الموت ، وملك الموت يتوفّاهم .
١٣٥٦٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((والملائكة باسطو أيديهم))، يضربونهم .
...
وقال آخرون : بل بسطها أيديها بالعذاب .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٥٦٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن جويبر ،
عن الضحاك: (( والملائكة باسطو أيديهم))، قال : بالعذاب .
١٣٥٦٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
الزبير، عن ابن عيينة، عن إسمعيل بن أبى خالد، عن أبى صالح: (( والملائكة
باسطو أيديهم)) ، بالعذاب .
...
وكان بعض نحوبى الكوفيين يتأوّل ذلك بمعنى : باسطو أيديهم بإخراج
أنفسهم .(١)
٠
فإن قال قائل: ما وجه قوله: ((أخرجوا أنفسكم ))، ونفوس بنى آدم إنما
يخرجها من أبدان أهلها رب العالمين ؟ فكيف خوطب هؤلاء الكفار ، وأمروا فى
(١) هو الفراء فى معانى القرآن ١: ٣٤٥.

٥٤٠
تفسير سورة الأنعام : ٩٣
حال الموت بإخراج أنفسهم ؟ فإن كان ذلك كذلك ، فقد وجب أن يكون بنو آدم
هم يقبضون أنفس أجسامهم !
قيل: إن معنى ذلك بخلاف الذى [إليه] ذهبت، (١) وإنما ذلك أمرٌ من
الله على ألسن رُسله الذين يقبضون أرواح هؤلاء القوم من أجسامهم، بأداء ما أسكنها
ربها من الأرواح إليه ، وتسليمها إلى رسله الذين يتوفّونها .
القول فى تأويل قوله ﴿الْيَوْمَ نُجْزَوْنَ عَذَابَ الُْونِ بِمَا كُنتُمْ
تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ،إِيَتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ))
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله جل ثناؤه عما تقولُ رسل الله التى تقبض أرواح
هؤلاء الكفار لها، (٢) يخبر عنها أنها تقول لأجسامها ولأصحابها: ((أخرجوا أنفسكم))،
إلى سخط الله ولعنته، فإنكم اليوم تُثابون على كفركم باللّه، (٣) وقيلكم عليه
الباطل ، وزعمكم أن الله أوحى إليكم ولم يوح إليكم شيئاً ، وإنكاركم أن يكون
الله أنزل على بشر شيئاً، (٤) واستكباركم عن الخضوع لأمر الله وأمر رسوله،
والانقياد لطاعته = ((عذابَ الهون))، وهو عذاب جهنم الذى يُهينُهم فيذلّهم حتى
يعرفوا صَغَار أنفسهم وذِلَّتَها ، كما : -
١٣٥٦٨ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: أما ((عذاب الهون))، فالذى يهيتهم.
(١) الزيادة بين القوسين يقتضيها السياق.
(٢) قوله: ((لها))، أى الكفار.
(٣) انظر تفسير ((الجزاء)) فيما سلف من فهارس اللغة (جزى).
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإنذاركم أن يكون الله أنزل على بشر شيئاً))، وهو لا معنى له،
وإنما هو تحريف من الناسخ ، والصواب ما أثبت .