Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١٠٠ تفسير سورة الأنعام : ٦٩، ٧٠ ١٣٤٠٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن ١٥٠/٧ السدى، عن أبى مالك: ((وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء ولكن ذكرى)»، قال: وما عليك أن يخوضوا فى آيات الله إذا فعلت ذلك. ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِيْنَهُمْ لَمَِا وَلَهْوَا وَغَرَّتْهُمُ الْيَوَةُ الدُّنْيَا وَذَ كَّرْبِهِ مِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَ مِن دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ذر هؤلاء الذين اتخذوا دين الله وطاعتهم إياه لعباً ولهواً، (١) فجعلوا حظوظهم من طاعتهم إياه اللعب بآياته ، (٢) واللهوَ والاستهزاء بها إذا سمعوها وتليت عليهم ، فأعرض عنهم ، فإنى لهم بالمرصاد ، وإنى لهم من وراء الانتقام منهم والعقوبة لهم على ما يفعلون ، وعلى اغترارهم بزينة الحياة الدنيا ، ونسيانهم المعادَ إلى اللّه تعالى ذكره والمصير" إليه بعد الممات ، كالذى : - ١٣٤٠١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: (( وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً))، قال: كقوله: ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾، [سورة المدثر: ١١]. ١٣٤٠٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله . ٠ ٠٠ (١) انظر تفسير ((ذر)) فيما سلف ٦: ٧/٢٢ : ٤٢٤. (٢) انظر تفسير ((اللعب)) فيما سلف ١٠ : ٤٢٩، ٤٣٢. ٤٤٢ تفسير سورة الأنعام ٧٠ : وقد نسخ اللّه تعالى ذكره هذه الآية بقوله: ﴿ أُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾، [سورة التوبة: ٥]. وكذلك قال عدد من أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك : ١٣٤٠٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال ، حدثنا همام ابن يحيى، عن قتادة: ((وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً))، ثم أنزل فى ((سورة براءة)) ، فأمر بقتالهم . ١٣٤٠٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبدة بن سليمان قال : قرأت على ابن أبى عروبة فقال: هكذا سمعته من قتادة: (( وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً))، ثم أنزل الله تعالى ذكره ((براءة))، وأمر بقتالهم فقال: ﴿أُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، [سورة التوبة: ٥]. # وأما قوله: ((وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت))، فإنه يعنى به : وذكّر، يا محمد، بهذا القرآن هؤلاء المؤلِّين عنك وعنه (١) = ((أن تبسل نفس))، بمعنى: أن لا تبسل، كما قال: ﴿ُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾، [سورة النساء: ١٧٩]، بمعنى : أن لا تضلوا (٢) = وإنما معنى الكلام: وذكر هم به ليؤمنوا ويتبعوا ما جاءهم من عند الله من الحق، (٣) فلا تُبْسل أنفسهم بما كسبت من الأوزار = ولكن حذفت ((لا))، لدلالة الكلام عليها. ٠ ٠ ٠ واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: (( أن تبسل نفس )). فقال بعضهم : معنى ذلك : أن تُسْلَّمَ . (١) انظر تفسير ((التذكير)) فيما سلف ٦: ٦٣، ٦٤، ٦٦، ١٠/٢١١: ٢٤٧:١١/١٣٠ ( ٢) انظر ما سلف ٩ : ٤٤٥، ٤٤٦ . (٣) فى المطبوعة: ((وذكر به))، وأثبت ما فى المخطوطة. ٤٤٣ تفسير سورة الأنعام : ٧٠ * ذكر من قال ذلك : ١٣٤٠۵ -حدثنا ابن حميد قال، حدثنا یحیی بن واضح قال ، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد النحوى ، عن عكرمة قوله: (( أن تبسل نفس بما کسبت ))، قال : تُسلم . ١٣٤٠٦ - حدثنا محمد بنعبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن: ((أن تبسل نفس))، قال : أن تُسلم . ١٣٤٠٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ، عن الحسن ، مثله . ١٣٤٠٨ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: ((أن تبسل))، قال : تسلم . ١٣٤٠٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((أن تبسل نفس )) ، قال : تسلم . ١٣٤١٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة ، عن ليث، عن مجاهد: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾، أسلموا . وقال آخرون : بل معنى ذلك : تُحْبس . « ذكر من قال ذلك : ١٣٤١١ - حدثنا محمد بنعبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : (( أن تبسل نفس ) ، قال : تؤخذ فتحبس ١٣٤١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . ١٣٤١٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى ٠٠ ٤٤٤ تفسير سورة الأنعام : ٧٠ ١٥١/٧ قوله: ((أن تبسل نفس بما كسبت))، أن تؤخذ نفس بما كسبت. وقال آخرون : معناه : تُفضّح . ذكر من قال ذلك : ٠ ١٣٤١٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت))، يقول : تفضح . وقال آخرون : معناه : أن تجزّى . * ذكر من قال ذلك : ١٣٤١٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا الحسين بن واقد قال، قال الكلبى: ((أن تبسل))، أن تجزَى . وأصل ((الإبسال)) التحريم، يقال منه: ((أبسلت المكان))، إذا حرّمته فلم يقرب، (١) ومنه قول الشاعر: (٢) بَكَرَتْ تَلُومُكَ بَعْدَ وَهْنِ فِ النَّدَى، بَسْلٌ عَلَيْكِ مَلَامَتِى وَعِتَبِى(٣) (١) فى المطبوعة: ((فلم تقربه))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) هو ضمرة بن ضمرة النهشلى. (٣) نوادر أبى زيد: ٢، الأمالى ٢: ٢٧٩، الشعر والشعراء: ٢٥٠، الوحشيات رقم: ٤٢٤، الأزمنة والأمكنة ١: ١٦٠، اللسان (بسل) وغيرها، وبعد هذا البيت من أبيات حسان : قالها لامرأته إذ عاتبته على حلب إبله ونحرها لضيفه وأهله ، وتحبب إليه الشح ، وقنهاه عن بذل المال ، فى القحط والجدب : فَكَفَكِ من إِبَةٍ عَلَیَّ وَعَابِ !. أَأَصُرُّهَا، وَبَنِىَّ ◌َّى سَاغِبٌ وَلَقَدْ عَلِمْتُ ، فَلَا تَظُنِى غَيْرَهُ أَنْ سَوْفَ يَخْلِجُنِى سَبِيلُ صِحَابِ وَخَرَجْتُ مِنْهَا عَارِبًا أَنْوَابِ أَرَأَيْتِ إِنْ صَرَغَتْ بِلَيْلٍ عَمَتِى هَلْ تَخْرِشَنْ إِيلِ عَلَىَّ وُجُوهَهَاَ أُمْ تَعْصِيَنَّ رُؤُوسَها بِسِلَابٍ !! ٤٤٥ تفسير سورة الأنعام : ٧٠ أى: حرام [عليك ملامتى وعتابى]. ومنه قولهم: ((أسد باسل))، (١) يراد به: لا یقربه شىء، فكأنه قد حرَّم نفسه ، ثم يجعل ذلك صفة لکل شدید یتحامی لشدته. ويقال: ((أعط الراقى بُسْلَتَه))، (٢) يراد بذلك: أجرته. ((وشراب بتسيل))، بمعنى متروك. وكذلك ((المبسَلُ بالجريرة))، وهو المرتهن بها، قيل له: ((مُبْسَل))، لأنه محرَّم من كل شىء إلا مما رُهن فيه وأُسلم به، ومنه قول عوف بن الأحوص الكلابى : وَإِبْسَالِ بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ بَعَوْنَهُ وَلَا بِدَمِ مُرَاقٍ(٣) ((بكرت))، عجلت فى أول السحر. ((بعد وهن))، أى بعد نومة من جوف الليل . أرقها ما يبذل لبنى عمه من ماله ، فلم تتأن به مطلع النهار حتى أخذت تلومه فى وجه الصبح . ثم أخذ يذكرها بالمروءة فيقول: ((أأصرها))، يعنى النوق، يشد عليها الصرار (وهو خيط يشد فوق الخلف)، لئلا تحلب، أو يرضعها ولدها، يقول: لا أفعل ذلك، وبنى عمى جياع حتى، أرويهم؛ و((السغب)) الجوع، فإن ذلك لؤم. و((الإبة)) الخزى يستحى منه، و((العاب))، العيب. يقول: كفاك بهذا الفعل لؤماً يخزى فاعله . ثم احتج عليها بما يجد بنو عمه وضيفانه من اللوعة عليه إذا مات، وأن الإبل لا تفعل ذلك . فقال لها : إن الموت سبيل كل حى ، وأنى سلك سبيل أصحابى الذين ذهبوا وخلفونى ، فإن هذه السبيل تخلجنى ( أى: تجذبنى وتنتزعنى) كما خلجتهم من قبل. وقوله: ((صرخت بليل هامتى ))، وهو من عقائد الجاهلية، أبطله الله بالإسلام، يزعمون أن روح القتيل تصير طائراً كالبومة يزقو عند قبره، يقول: اسقونى، اسقونى! وقوله: ((عارياً أثوابى)) أى: عارياً من أثوابى التى كنت أستمتع بلباسها فى الدنيا. ويروى: ((بالياً أثوابى)»، ويعنى عندئذ : أكفانه التى تبلى فى التراب. وقول ((هل تخمشن إبلى))، أى: هل تلطم الإبل على وجوهها فيخمشها اللطم ويؤثر فيها ويجرحها، كما يفعل بنو عمى وبنات عمى إذا مت. و ((السلاب)): عصائب للرأس سود، يلبسنها عند الحداد . يقول : هذا حزن بنات عمى على ، فهل تفعل الإبل فعلهن حتى آسى على نحرها وإهلاكها فى إطعامهم وإروائهم فى زمان الجدب وهم جياع ؟ (١) كانت هذه العبارة فى المطبوعة والمخطوطة: ((أى حرام. ومنه قولهم: وعتابى أسد آسد))، وهو خطأ صرف. استظهرت صوابه من سياق الشرح، ومن معانى القرآن للفراء ١ : ٣٣٩، وزدت ما بين القوسين استظهاراً أيضاً . . (٢) فى المطبوعة: ((بسيلته))، وهو خطأ صرف، صوابه فى المخطوطة، لم يحسن قراءتها. وانظر معانى القرآن للفراء ١ : ٣٣٩. (٣) نوادر أبى زيد: ١٥١، مجاز القرآن ١: ١٩٤، المعافى الكبير: ١١١٤، واللسان (بسل) ( بعا) ، يقول : فَلَوْلَا أَنَّنِ رَحُبَتْ ذِرَاعِى بِعْطَاءُ الْمَغَرِقِ وَالِقَقِ ٤٤٦ تفسير سورة الأنعام : ٧٠ وقال الشنفرى : (١) سَمِيرَ اللََّالِ مُبْسَلاً بِالْجَرَائِ (٢) هُنَلِكَ لاَ أَرْجُو حَيَاةٌ تَسُرُّنِى ٠٠٠ قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذاً: وذكّر بالقرآن هؤلاء الذين يخوضون فى آياتنا وغيرهم ممن سلك سبيلهم من المشركين ، کیلا تُبسل نفس بذنوبها وكفرها بربها، وترتهن فتغلق بما كسبت من أجرامها فى عذاب الله(٣) = ((ليس لها من دون الله))، يقول : ليس لها ، حين تسلم بذنوبها فترتهن بما كسبت من آثامها، أحدٌ ينصرها فينقذها من اللّه الذى جازاها بذنوبها جزاءها (٤) = ((ولا شفيع))، يشفع لها لوسيلة له عنده . (٥) بَعَوْنَهُ، وَلَا بِدَمِ مُرَاقٍ وَ إِنْسَالِ بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ لَقِيُمْ مِنْ تَدَرُّثِّكُمْ عَلَيْنَ وَقَتْلِ سَرَاتِنَاَ ذَاتَ العَرَاقِىِ ((المفارق)) جمع ((ناقة مفرق))، فارقها ولدها. و((الحقاق)) جمع ((حقة)) ( بكسر الحاء) ، وهى الناقة إذا استكملت السنة الثالثة ، ودخلت فى الرابعة . يقول : طابت نفسى ببذل ذلك من المال ، لكى أحقن الدماء، وأبقى على انوشائج. و((بعا الذنب يبعوه بعوا)): اجترمه واكتسبه. يقول لهم: وأسلمت إليكم بنى فى الفداء ، ولم نجرم جريمة ، ولم ترق دماً ، فنحمل الحمالة فى الذى اجترحناه . و((تدرأ على فلان)) أى: تطاول وتهجم، و((السراة)) أشراف القوم. و((ذات العراق))، أى : ذات الدواهى المنكرة ، يقول: لولا ما فعلت إبقاء ، لفعلنا بكم الأفاعيل . (١) وتروى لتأبط شراً. (٢) ديوانه (الطرائف): ٣٦، وفيه المراجع، ومجاز القرآن ١: ١٩٥، اللسان (بسل). وقبله ، وهى أبيات مشهورة : عَلْيْكُمْ ، وَلَكِنْ أَبْشِرِى أُمَّ عامِ لاَ تَقْبُرُونِ ، إِنَّ قَبْرِى مُحَرَّمٌ وَغُودِرَ عِنْدَ الْمُلْتَقَى ثُمَّ سَائِرِى إِذَااخْتَمَلُوارَأْسِى،وَفِىالرأسِأ كثَرِى، و((سمير الليالى)): أبد اليالى، ويروى ((سجيس الليالى))، وهو مثله . (٣) انظر تفسير ((كسب)) فيما سلف ص: ٢٦١، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٤) انظر تفسير ((من دون)) فيما سلف ١١: ٤٨٦، وفهارس اللغة (دون). (٥) انظر تفسير ((شفيع)) فيما سلف ص: ٣٧٣ تعليق: ٤، والمراجع هناك. ٤٤٧ تفسير سورة الأنعام : ٧٠ القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لِأَ يُؤْخَذْ مِنْهَآَ﴾ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإن تعدل النفس التى أبسلت بما كسبت، يعنى: (( وإن تعدل كل عدل))، يعنى : كل فداء . # يقال منه: ((عَدَل يعدل))، إذا فدى، ((عَدْلاً))، ومنه قول الله تعالى ذكره: ﴿أَوْ عَدْلُ ذْلِكَ صِيَماً﴾، [ سورة المائدة: ٩٥]، وهو ما عادله من غير نوعه. (١) # وبنحو الذى قلنا فى ذلك ، قال أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٣٤١٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة: ((وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها))، قال: لو جاءت بملء الأرض ذهباً لم يقبل منها . ١٣٤١٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط ، عن السدى فى قوله: ((وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها))، فما يعدلها لو جاءت بملء الأرض ذهباً لتفتدى به ما قُبل منها . ١٣٤١٨ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابنزيد فى قوله: ((وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها))، قال: ((وإن تعدل ))، وإنتفتد، يكون له الدنيا وما فيها يفتدى بها = ((لا يؤخذ منه))، عدلاً عن نفسه ، لا يقبل منه . وقد تأوّل ذلك بعض أهل العلم بالعربية بمعنى : وإن تُقسط كل قسط لا يقبل منها . وقال : إنها التوبة فى الحياة . (٢) (١) انظر تفسير ((العدل)) فيما سلف ٢: ٣٤، ٣٥، ١١/٥٧٤ : ٤٣، ٤٤. (٢) هو قول أبى عبيدة فى مجاز القرآن ١: ١٩٥. ٤٤٨ تفسير سورة الأنعام : ٧٠ وليس لما قال من ذلك معنى ، وذلك أن كل تائب فى الدنيا فإن اللّه تعالى ذكره يقبل توبته . ١٥٢/٧ القول فى تأويل قوله (أُوْ لَسَبِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنَْحِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وهؤلاء الذين إن فدوا أنفسهم من عذاب الله يوم القيامة كل فداء لم يؤخذ منهم، هم ((الذين أبسلوا بما كسبوا))، يقول : أسلموا لعذاب الله، فرهنوا به جزاءً بما كسبوا فى الدنيا من الآثام والأوزار، (١) = ((لهم شرابٌ من حميم)). ٠ و((الحميم)) هو الحارّ، فى كلام العرب، وإنما هو ((محموم)) صرف إلى ((فعيل))، ومنه قبل للحمّام، ((حمام)) لإسخانه الجسم، ومنه قول مرقش: .(٢) فِى كُلِّ كُمْتَى لَهَا مِقْطَرَةٌ فِيهَاَ كِبَاًا مُعَدٌّ وَحَمِيمْ يعنى بذلك : ماء حارًّا، ومنه قول أبى ذؤيب الهذلى فى صفة فرس : (١) انظر تفسير ((أبسل)) فيما سلف قريباً - وتفسير ((كسب)) ص: ٤٤٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك . (٢) المفضليات: ٥٠٥، واللسان (قطر) (حم)، وسيأتى فى التفسير ١١: ٦١ ( بولاق) . من قصيدته فى ابنة عجلان ، جارية صاحبته فاطمة بنت المنذر ، وكان لابنة عجلان قصر بكاظمة ، وكان لها حرس يجرون الثياب كل ليلة حول قصرها ، فلا يطؤه إلا بنت عجلان . وكانت تأخذ كل عشية رجلا من أهل الماء يبيت عندها ، فبات عندها المرقش ليلة ، وقال ذاك الشعر ، فوصفها بالنعمة والترف . و((المقطرة)): المجمرة، يكون فيها القطر (بضم فسكون)، وهو العود الذى يتبخر به. و ((الكباء)): ضرب من العود. يصف ما هى فيه من الترف، بين تبخر بالعود الطيب، وتنزه بالاستحمام بالماء الساخن ، من شدة عنايتها ببدنها . ٤٤٩ تفسير سورة الأنعام : ٧٠ تَى بِدِرَّيِهَا إِذَا مَا أُسْتُضْفِيَتْ إِلَّ الْحَمِمَ فَإنَّهُ يَتَبَضَّمُ(١) يعنى بالحميم : عرق الفرس . ٠ ٠ وإنما جعل تعالى ذكره لهؤلاء الذين وصف صفتهم فى هذه الآية شراباً من حميم ، لأن الحارّ من الماء لايروى من عطش . فأخبر أنهم إذا عطشوا فى جهنم لم يغاثوا بماء يرويهم ، ولكن بما يزيدون به عطشاً على ما بهم من العطش = ((وعذاب أليم))، يقول: ولهم أيضاً مع الشراب الحميم من اللّه العذابُ الأليم والهوان المقيم = ((بما كانوا يكفرون))، يقول: بما كان من كفرهم فى الدنيا باللّه ، وإنكارهم توحيده، وعبادتهم معه آلهة دونه . ٠٠ ١٣٤١٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا))، قال يقول : أسلموا . ١٣٤٢٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( أولئك الذين أبسلوا)) ، قال: فُضحوا. ١٣٤٢١ -حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: (( أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا))، قال : أخذوا بما كسبوا. ٥ (١) ديوانه ١٧؛ المفضليات: ٨٧٩، اللسان (حم) (بصع) (بضع)، وغيرها. وهذا من الأبيات التى أخذت على أبي ذؤيب، وأنه لا علم له بالخيل. وقد اختلف فى روايته. روى : (((إذا ما استغضبت)) و((إذاما استكرهت))، ورواية الطبرى مذكورة فى اللسان فى (بضع) وروى أيضاً ((يتبصح)) بالصاد. أى يسيل قليلا قليلا. و ((تبضع العرق)) بالضاد ، سال سيلا متقطعاً . وانظر شرح هذا البيت فى المراجع ؛ فإنه يطول ذكره هنا . وأما رواية: ((استضغبت))، وهى التى هنا، فقد فسرت بأنه: فزعت، لأن ((الضاغب»، هو الذى يختئ فى الخمر ليفزع بمثل صوت الأسد. و ((الضغاب)) و(( الضغيب)) صوت الأرنب والذئب إذا تضور . ج ١١ (٢٩) ٤٥٠ تفسير سورة الأنعام : ٧١ القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ أَنَدْعُواْ مِن دُونِ الْهِ مَا لَا إِنْقَمُنَ وَلَا يَضُرُّ نَ وَتُرَدُ عَلَىَ أَعْقَبِنَ بَعْدَ إِذْ هَدَ مَ اللهُ كَالَّذِى أَسْتَهْوَتْهُ الشَّيْطِنُ فِ اْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَبٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى أَثْنَ﴾ قال أبو جعفر : وهذا تنبيه من اللّه تعالى ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم على حجته على مشركى قومه من عبدة الأوثان . يقول له تعالى ذكره : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأنداد ، والآمرين لك باتباع دينهم وعبادة الأصنام معهم : أندعو من دون الله حجراً أو خشباً لا يقدر على نفعنا أو ضرنا ، فنخصه بالعبادة دون اللّه ، وندع عبادة الذى بيده الضر والنفع والحياة والموت ، إن كنتم تعقلون فتميزون بين الخير والشر ؟ فلا شك أنكم تعلمون أن خدمة ما يرتجى نفعه ويرهب ضره ، أحق وأولى من خدمة من لا يرجى نفعه ولا يخشى ضره ! ٠ ٠ = ((ونردّ على أعقابنا))، يقول: ونرد إلى أدبارنا، فيرجع القهقرى خلفنا، لم نظفر بحاجتنا . وقد بينا معنى: ((الرد على العقب))، وأن العرب تقول لكل طالب حاجة لم يظفر بها: ((رد على عقبيه))، فيما مضى، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (١) وإنما يراد به فى هذا الموضع: ورد من الإسلام إلى الكفر = ((بعد إذ هدانا الله))، فوفقنا له ، فيكون مثلنا فى ذلك مثل الرجل الذى استتبعه الشيطان ، يهوى فى الأرض حیران . ٥ ٠ وقوله: (( استهوته ))،(( استفعلته ))،من قول القائل: « هوی فلان إلی کذا یهوی (١) انظر تفسير ((الرد على الأعقاب)) فيما سلف ٣: ١٦٣، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١ : ١٩٦ ٠ ٤٥١ تفسير سورة الأنعام : ٧١ ١٥٣/٧ إليه))، ومن قول الله تعالى ذكره: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ◌َهْوِى إِلَيْهِمْ﴾، [سورة إبراهيم: ٣٧]، بمعنى: تنزع إليهم وتريدهم. ٠٠٠ وأما ((حيران))، فإنه ((فعلان)) من قول القائل: ((قد حار فلان فى الطريق، فهو يَحَار فيه حَيرة وحَيَرَاناً وَحيرُورة))، (١) وذلك إذ ضل فلم يهتد للمحجّة. ٠٠٠ = ((له أصحاب يدعونه إلى الهدى))، يقول: لهذا الحيران الذى قد استهوته الشياطين فى الأرض ، أصحابٌ على المحجة واستقامة السبيل ، يدعونه إلى المحجة لطريق الهدی الذی هم عليه ، يقولون له : ائتنا . ٠ ٠ ٠ وترك إجراء ((حيران))، لأنه ((فعلان))، وكل اسم كان على ((فعلان)) مما أنثاه ((فعلى))، فإنه لا يجرى فى كلام العرب فى معرفة ولا نكرة . ... قال أبو جعفر: وهذا مثل ضربه اللّه تعالى ذكره لمن كفر بالله بعد إيمانه ، فاتبع الشياطين ، من أهل الشرك بالله = وأصحابه الذين كانوا أصحابه فى حال إسلامه ، المقيمون على الدين الحق ، يدعونه إلى الهدى الذى هم عليه مقيمون ، والصواب الذى هم به متمسكون ، وهو له مفارق وعنه زائل، يقولون له: (( ائتنا فكن معنا على استقامة وهدى))! وهو يأبى ذلك ، ويتبع دواعى الشيطان ، ويعبد الآلهة والأوثان . ٠ ٥ وبمثل الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل ، وخالف فى ذلك جماعة . ذكر من قال فى ذلك مثل ما قلنا : # (١) ((حيرورة))، مصدر مثل ((صيرورة))، ولم تذكره كتب اللغة، فهذا مما يستفاد من أبى جعفر ، ويزاد على كتب اللغة . ٤٥٢ تفسير سورة الأنعام : ٧١ ١٣٤٢٢ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قاله ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله کالذی استهوته الشیاطین فی الأرض حیران له أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا ))، قال : قال المشركون للمؤمنين : اتبعوا سبيلنا ، واتركوا دين محمد = صلى الله عليه وسلم. فقال الله تعالى ذكره: ((قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا))، هذه الآلهة = ((وزرد" على أعقابنا بعد إذ هدانا الله))، فيكون مثلنا كمثل الذى استهوته الشياطين فى الأرض ، يقول : مثلكم إن كفرتم بعد الإيمان ، كمثل رجل كان مع قوم على الطريق، فضلّ الطريق، فحيرته الشياطين ، واستهوته فى الأرض ، وأصحابه على الطريق ، فجعلوا يدعونه إليهم يقولون: ((ائتنا، فإنا على الطريق))، فأبى أن يأتيهم . فذلك مثل من يتبعكم بعد المعرفة بمحمد، ومحمد الذى يدعو إلى الطريق ، والطريق هو الإسلام . ١٣٤٢٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((أندعو من دون اللّه ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا))، قال: هذا مثل ضربه اللّه للآلهة ومن يدعو إليها ، وللدعاة الذين يدعونَ إلى الله، كمثل رجل ضل عن الطريق تائهاً ضالاً، (١) إذ ناداه مناد: ((يا فلان بن فلان، هلمّ إلى الطريق))، وله أصحاب يدعونه : ((يا فلان، هلم إلى الطريق))! فإن اتبع الداعى الأول انطلق به حتى يلقيه فى الهلكة، وإن أجاب من يدعوه إلى الهدى اهتدى إلى الطريق . وهذه الداعية التى تدعو فى البرية من الغيلان . يقول: مثل من يعبد هؤلاء الآلهة من دون الله، فإنه يرى أنه فى شىء حتى يأتيه الموت، فيستقبل الهلكة والندامة. وقوله: (( كالذى استهوته الشياطين فى الأرض))، وهم ((الغيلان))، يدعونه باسمه واسم أبيه واسم جده ، فيتبعها ، فيرى أنه فى شىء ، فيصبح وقد ألقته فى الهلكة ، وربما أكلته = (١) قوله ((تائهاً ضالا))، ساقطة من المطبوعة، ثابتة فى المخطوطة. ٤٥٣ تفسير سورة الأنعام : ٧١ أو تلقيه فى مضلّة من الأرض يهلك فيها عطشاً . فهذا مثل من أجاب الآلهة التى تُعبد من دون الله عز وجل . ١٣٤٢٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال ، حدثنا معمر، عن قتادة: ((استهوته الشياطين فى الأرض))، قال : أضلته فى الأرض حيران . ١٣٤٢٥ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: (( ما لا ينفعنا ولا يضرنا))، قال : الأوثان . ١٣٤٢٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا ١٥٤/٧ عيسى = وحدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل = عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: ((استهوته الشياطين فى الأرض حيران))، قال : رجل حيران يدعوه أصحابه إلى الطريق ، فذلك مثل من يضلّ بعد إذ هدی . ١٣٤٢٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر قال، حدثنا رجل، عن مجاهد قال: ((حيران))، هذا مثل ضربه الله للكافر ، يقول : الكافر حيران ، يدعوه المسلم إلى الهدى فلا يجيب . ١٣٤٢٨ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((قل أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا))، حتى بلغ ((لنسلم لرب العالمين))، علمها اللّه محمداً وأصحابه ، يخاصمون بها أهلَ الضلالة . ... وقال آخرون فى تأويل ذلك ، بما : - ١٣٤٢٩ -حدثی به محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى (١) فى المطبوعة: ((كذلك مثل))، وفى المخطوطة: ((لذلك مثل ... ))، والصواب ما أثبت. ٤٥٤ تفسير سورة الأنعام : ٧١ قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((كالذى استهوته الشياطين فى الأرض حیران له أصحاب يدعونه إلى الهدى » ، فهو الرجل الذی لا یستجيب لهدى اللّه، وهو رجل أطاعَ الشيطان، وعمل فى الأرض بالمعصية ، وحار عن الحقّ وضل عنه ، وله أصحاب يدعونه إلى الهدى ، ويزعمون أن الذى يأمرونه هدى. يقول الله ذلك لأوليائهم من الإنس: إن الهدى هدى الله، والضلالة ما تدعو إليه الجنّ . ... فكأن ابن عباس = على هذه الرواية - يرى أن أصحاب هذا الحيران الذين يدعونه إنما يدعونه إلى الضلال، ويزعمون أنّ ذلك هدى، وأنّ اللّه أكذبهم بقوله: ((قل إنّ هدى الله هو الهدى))، لا ما يدعوه إليه أصحابه . وهذا تأويل له وجه ، لو لم يكن اللّه سمى الذى دعا الحيرانَ إليه أصحابه ((هدى))، وكان الخبر بذلك عن أصحابه الدعاة له إلى ما دعوه إليه: أنهم هم الذين سموه، ولكن الله سماه ((هدى))، وأخبر عن أصحاب الحيران أنهم يدعونه إليه . وغیر جائز أن یسمی الله (الضلال)) هدی، لأن ذلك كذب ، وغير جائز وصف اللّه بالكذب ، لأن ذلك وصفه بما ليس من صفته . وإنما كان يجوز توجيه ذلك إلى الصواب ، لو كان ذلك خبراً من اللّه عن الداعى الحيران أنهم قالوا له : ((تعال إلى الهدى))، فأما وهو قائل: ((يدعونه إلى الهدى))، فغير جائز أن یکون ذلك ، وهم كانوا يدعونه إلى الضلال . ... وأما قوله: ((ائتنا))، فإن معناه: يقولون: اثتنا ، هلم إلينا = فحذف (((القول))، لدلالة الكلام عليه. ٠ وذكر عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ذلك: ﴿ يَدْعُونَهُ إِلَى الُهُدَى بَيْنَا﴾. ١٣٤٣٠ - حدثنا بذلك ابن وكيع قال ، حدثنا غندر ، عن شعبة ، عن ٤٥٥ تفسير سورة الأنعام : ٧١ أبى إسحق قال: فى قراءة عبد اللّه: ﴿ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى بَّيْنَا﴾ . ١٣٤٣١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال ، أخبرنى عبد الله بن كثير : أنه سمع مجاهداً يقول : فى قراءة ابن مسعود: ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الهُدَى بَّنَا)، قال: ((الهدى)) الطريق، أنه بین . وإذا قرىء ذلك كذلك، كان ((البين)) من صفة ((الهدى ))، ويكون نصب ((البين)) على القطع من ((الهدى))، (١) كأنه قيل: يدعونه إلى الهدى البين، ثم نصب ((البين)) لما حذفت ((الألف واللام))، وصار نكرة من صفة المعرفة . # ٠ وهذه القراءة التى ذكرناها عن ابن مسعود تؤيد قول من قال : ((الهدى))، فى هذا الموضع ، هو الهدى على الحقيقة. القول فى تأويل قوله (قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ اَلْهُدَىُّ وَأُمِرْنَاَ لِمُسْلِمَ ◌ِرَبِّ الْعُلَمِينَ) (١) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد ، لهؤلاء العادلين بربهم الأوثان، القائلين لأصحابك: ((اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم ، فإنا على هدى)) =: ليس الأمر كما زعمتم = ((إن هدى الله هو الهدى))، يقول : إن طريق الله الذى بينه لنا وأوضحه ، وسبيله الذى أمرنا بلزومه، ودينه الذى شرعه لنا فبينه، هو الهدى والاستقامة التى لا شك فيها، لاعبادة الأوثان والأصنام (١) انظر تفسير ((القطع)) فيما سلف من نهارس المصطلحات، وهذا بيان صريح أن ((القطع)) هو النكرة إذا صار صفة لمعرفة. ١٥٥/٧ ٤٥٦ تفسير سورة الأنعام : ٧١، ٧٢ التى لا تضر ولا تنفع ، فلا نترك الحق ونتبع الباطل = ((وأمرنا لنسلم لرب العالمين))، يقول: وأمرَنا ربنا ورب كل شىء تعالى وجهه، (١) لنسلم له، لنخضع له بالذلة والطاعة والعبودية ، فنخلص ذلك له دون ما سواه من الأنداد والآلهة . ٠ ٠ وقد بينا معنى (( الإسلام)) بشواهده فيما مضى من كتابنا ، بما أغنى عن إعادته .(٢) ٠٠ وقيل: ((وأمرنا لنسلم ))، بمعنى: وأمرنا كى نسلم ، وأن نسلم لرب العالمين = لأن العرب تضع ((کی)) و((اللام)) التى بمعنى ((كى))، مكان ((أن)) و((أن)) مكانها . القول فى تأويل قوله ﴿وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: وأمرنا أنْ أقيموا الصلاة. ٠ ٠ ٠ وإنما قيل: ((وأن أقيموا الصلاة))، فعطف بـ((أن)) على ((اللام)) من ((لنسلم))، لأن قوله: ((لنسلم)) معناه: أن نسلم، فردّ قوله: ((وأن أقيموا)) على معنى: ((لنسلم))، إذ كانت ((اللام)) التى فى قوله: ((لنسلم))، لاماً لا تصحب إلا المستقبل من الأفعال، وكانت ((أن)) من الحروف التى تدل على الاستقبال دلالة ((اللام)) التى فى ((لنسلم))، فعطف بها عليها، لاتفاق معنيهما فيما ذكرت. (١) انظر تفسير ((العالمين)) فيما سلف من فهارس اللغة (على). (٢) انظر تفسير ((الإسلام)) فيما سلف من فهارس اللغة (سم). ٤٥٧ تفسير سورة الأنعام : ٧٢ ة ((أن)) فى موضع نصب بالردّ على ((اللام)).(١) وكان بعض نحويِّى البصرة يقول: إما أن يكون ذلك، ((أمرنا لنسلم لرب العالمين، وأن أقيموا الصلاة))، يقول: أمرنا كى نسلم، كما قال: ﴿وَأُمِرْتُ أنْ أَكونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(٢)، [سورة يونس: ١٠٤]، أى: إنما أمرت بذلك. (٣) ثم قال: ((وأن أقيموا الصلاة واتقوه))، أى: أمرنا أن أقيموا الصلاة = أو يكون أوصل الفعل باللام ، والمعنى : أمرت أن أكون ، كما أوصل الفعل باللام فى قوله: ﴿هم ◌ِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾، [سورة الأعراف: ١٥٤]. # فتأويل الكلام : وأمرنا بإقامة الصلاة ، وذلك أداؤها بحدودها التى فرضت علينا(٤) = ((واتقوه))، يقول: واتقوا رب العالمين الذى أمرنا أن نسلم له ، فخافوه واحذروا سَخطه ، بأداء الصلاة المفروضة عليكم، والإذعان له بالطاعة، وإخلاص العبادة له = ((وهو الذى إليه تحشرون))، يقول: وربكم رب العالمين ، هو الذى إليه تحشرون فتجمعون يوم القيامة ، (٥) فيجازى كلَّ عامل منكم بعمله ، وتوفى كل نفس ما كسبت . * (١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٣٩. (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وأمرت لأن أكون من المؤمنين))، وهذه ليست آية فى كتاب اللّه، بل الآية هى التى ذكرت، وهى حق الاستدلال فى هذا الموضع . (٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((إنما أمرت لذلك))، وهو خطأ، والصواب ما أثبت. (٤) انظر تفسير ((إقامة الصلاة)) فيما سلف من فهارس اللغة (قوم) (صلا). (٥) انظر تفسير (الحشر)) فيما سلف ص: ٣٧٣ تعليق: ٢، والمراجع هناك. ٤٠٨ تفسير سورة الأنعام : ٧٣ القول فى تأويل قوله ﴿ وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِأَتْقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يَنفَعُ فِى الصُّورِ عْلِمُ الْغَيْبِ وَلَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ اَلْبِرُ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ، يا محمد، لهؤلاء العادلين بربهم الأنداد، الداعيك إلى عبادة الأوثان: ((أمرنا لنسلم لرب العالمين ، الذى خلق السموات والأرض بالحق ، لا من لا ينفع ولا يضر ، ولا يسمع ولا يبصر)). ٠٠ ٠ # واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((بالحق)). فقال بعضهم : معنى ذلك ، وهو الذى خلق السموات والأرض حقًّا وصواباً ، لا باطلاً وخطأ، كما قال تعالى ذكره: ﴿ وَمَا خَلَقْنَ السَّمَاءَ وَالْأُرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَاَ بَاطِلاً﴾، [سورة ص: ٢٧]. قالوا: وأدخلت فيه ((الباء)) و((الألف واللام))، كما تفعل العرب فى نظائر ذلك فتقول: ((فلان يقول بالحق))، بمعنى: أنه يقول الحق. قالوا: ولا شىء فى (( قوله بالحق )) غير إصابته الصواب فيه = لا أنّ ((الحق)) معنى غير ((القول))، وإنما هو صفةٌ للقول، إذا كان بها القول، كان القائل موصوفاً بالقول بالحق، وبقول الحق . قالوا : فكذلك خلق السموات والأرض ، حكمة من حكم الله، فالله موصوف بالحكمة فى خلقهما وخلق ما سواهما من سائر خلقه = لا أنّ ذلك حقٌّ سوى خَلْقِهما خَلَقَهما به.(١) ٠ ٠ # (١) فى المطبوعة: ((سوى خلقهما به))، أساء وحذف وبدل وأفسد الكلام، ثم ضبط : ((سوى)) فعلا بتشديد الواو، وجعل ((خلقهما به)) مصدراً منصوباً بالفعل . وهو فساد وخطل. والصواب ما فى المخطوطة: ((سوى)) (بكسر السين) بمعنى ((غير))، و((خلقهما)) الأولى مصدر ٤٥٩ تفسير سورة الأنعام : ٧٣ وقال آخرون : معنى ذلك : خلق السموات والأرض بكلامه وقوله لهما : ١٥٦/٧ ﴿اثْنِيَا طَوْعَا أَوْ كَرْهَا﴾، [سورة فصلت: ١١]. قالوا: فالحق، فى هذا الموضع معنىّ به: كلامه. واستشهدوا لقيلهم ذلك بقوله: (( ويوم يقول كن فيكون قوله الحق))، (( الحق)) هو قوله وكلامه .(١) قالوا: والله خلق الأشياء بكلامه وقيله ، فما خلق به الأشياء فغير الأشياء المخلوقة . (٢) قالوا: فإذْ كان ذلك كذلك ، وجب أن يكون كلام الله الذى خلق به الخلق غير مخلوق . . .. وأما قوله: (( ويوم يقول كن فيكون))، فإن أهل العربية اختلفوا فى العامل فى «یوم یقول ))، وفى معنى ذلك . فقال بعض نحوبى البصرة: ((اليوم)) مضاف إلى ((يقول كن فيكون)). (٣) قال: وهو نصب ، وليس له خبر ظاهر ، والله أعلم ، وهو على ما فسرت لك = کأنه یعنی بذلك أننصبه على: واذکر یوم یقول کن فیکون . قال: وكذلك : « یوم ينفخ فى الصور))، قال: وقال بعضهم: يوم ينفخ فى الصور عالم الغيب والشهادة. (٤) ٠ ٠ ٠ وقال بعضهم: ((يقول كن فيكون)) للصور خاصة (٥) = فمعنى الكلام على تأويلهم: يوم يقول للصوركن فيكون، قوله الحق يوم ينفخ فيه عالم الغيب والشهادة = مضاف مجرور، و ((خلقهما به)) فعل ماض . وهذا حق المعنى وصوابه . وهذا من عبث الناشرين والمصححين ، يستعيذ المرء من مثله ، فإنه ناقض للأمانة أولا ، ولمعانى العقل والفقه بعد ذلك . (١) هذه العبارة فيها فى المخطوطة سقط وتكرار، والذى فى المطبوعة أشبه بالصواب. (٢) كانت هذه العبارة فى المطبوعة: ((كما خلق به الأشياء غير المخلوقة))، وهو كلام ساقط جداً، فاسد المعنى بل هو غاية فى فساد المعنى. والذى فى المخطوطة: (( مما خلق به الأشياء بعمر الأشياء المخلوقة))، وهى محرفة، صواب قراءتها ما أثبت، يدل على ذلك الجملة الآتية . ويعنى أن الذى خلق به الأشياء - هو غير الأشياء المخلوقة، وإذا كان غيرها، فهو غير مخلوق . (٣) فى المخطوطة: ((مضاف إلى كن فيكون))، والصواب ما فى المطبوعة. (٤) هذه الجملة الأخيرة لم أعرف لها هنا موقعاً، ولكنى تركتها على حالها . وهى منقطعة عما بعدها بلا شك ، فإن الذى يليها هو مقالة الفراء من الكوفيين . وأخشى أن يكون سقط من الكلام شىء. (٥) هذه مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٣٤٠. ٤٦٠ تفسير سورة الأنعام : ٧٣ فيكون ((القول)) حينئذ مرفوعاً : ((الحق)) و((الحق)) : ((القول))، وقوله: (( يوم يقول كن فيكون)) و((يوم ينفخ فى الصور))، صلة ((الحق)). وقال آخرون بل قوله: ((كن فيكون))، معنىَّ به كل ما كان اللّه مُعيده فى الآخرة بعد إفنائه ، ومنشئه بعد إعدامه = فالكلام على مذهب هؤلاء ، متناه عند قوله: ((كن فيكون))، وقوله: ((قوله الحق ))، خبر مبتدأ = وتأويله : وهو الذى خلق السموات والأرض بالحق ، ويوم يقول للأشياء كن فيكون خلقهما بالحق بعد فناتهما . ثم ابتدأ الخبر عن قوله ووعده خلقه أنه معیدهما بعد فنائهما عن أنه حق فقال : قوله هذا ، الحقّ الذى لا شك فيه. وأخبر أن له الملك يوم ينفخ فى الصور = ((يوم ينفخ فى الصور))، يكون على هذا التأويل من صلة ((الملك)). وقد يجوز على هذا التأويل أن يكون قوله: (( يوم ينفخ فى الصور)) من صلة ((الحق)). * وقال آخرون: بل معنى الكلام: ويوم يقول لما فى: ((كن ))، فيكون قوله الحق، فجعل ((القول)) مرفوعاً بقوله (( ويوم يقول كن فيكون ))، وجعل قوله: ((كن فيكون))، للقول محلاً، وقوله: (( يوم ينفخ فى الصور))، من صلة ((الحق)) = كأنه وجه تأويل ذلك إلى: ويومئذ قوله الحق يوم ينفخ فى الصور. وإن جعل على هذا التأويل (( يوم ينفخ فى الصور)) بياناً عن اليوم الأول، كان وجهاً صحيحاً. ولو جعل قوله: ((قواء الحق))، مرفوعاً بقوله: (( يوم ينفخ فى الصور »، وقوله: (( يوم ينفخ فى الصور)) محلاً، وقوله: (( ویوم يقول كن فيكون )) من صلته ، كان جائزاً .