Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
تفسير سورة الأنعام : ٥٨ ، ٥٩
قوله: (لقضى الأمر بينى وبينكم)) من ذلك فى شىء، وإنما هذا أمرٌ من الله
تعالى ذكره نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول لمن استعجله فصلَ القضاء
بينه وبينهم من قوله بآية يأتيهم بها : لو أن العذاب والآيات بيدى وعندى ،
لعاجلتكم بالذى تسألونى من ذلك، ولكنه بيد من هو أعلم بما يُصاح خلقه، منى
ومن جميع خلقه .
القول فى تأويل قوله ﴿وَعِنْدَهُومَفَتِحُ الْغَيْبِ لَاَ يْلَمُهَاَ
إِلَّ هُوَ وَلِعْلَمُ مَا فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾
قال أبو جعفر: يقول : وعند الله مفاتح الغيب. (١)
و((المفاتح)) جمع ((مِفْتَح))، يقال فيه: ((مِفْتْح)) و((مِفْتَاح)). فمن
قال: ((مِفْتَح))، جمعه ((مفاتح))، ومن قال: ((مفتاح))، جمعه ((مفاتيح)).
٠ ٠
ویعنی بقوله: (( وعنده مفاتح الغيب))، خزائن الغيب، كالذى : -
١٣٣٠٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وعنده مفاتح الغيب))، قال، يقول: خزائن الغيب .
١٣٣٠٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن مسعر ، عن عمرو
ابن مرة ، عن عبد الله بن سلمة، عن ابن مسعود قال: أعطى نبيكم كل شىء
إلاّ مفاتح الغيب . (٢)
يعرفونه ، فيقولون : لا ! فيقال: هذا الموت، ثم يؤخذ فيذبح، ثم ينادى : يا أهل النار ، خلود
فلا موت ، ويا أهل الجنة ، خلود فلا موت .
(١) فى المطبوعة: ((يقول: وعنده مفاتح الغيب))، والصواب ما فى المخطوطة.
(٢) الأثر: ١٣٣٠٦ - ((عبد الله بن سلمة المرادى))، تابعى ثقة، من فقهاء الكوفة
بعد الصحابة . مضى برقم : ١٢٣٩٨ .
ج ١١ ( ٢٦)

٤٠٢
تفسير سورة الأنعام : ٥٩
١٣٣٠٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريح ، عن عطاء الخراسانى، عن ابن عباس: (( وعنده مفاتح
الغيب))، قال: هن خمس: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَ يُنَزِّلُ الْغَيْثَ)
إلى ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، [سورة لقمان: ٣٤].
#
قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذاً : والله أعلم بالظالمين من خلقه ، وما هم
مستحقُّوه وما هو بهم صانع ، فإنّ عنده علم ما غاب علمه عن خلقه فلم يطلعوا
عليه ولم يدركوه، ولن يعلموه ولن يدركوه (١) = ((ويعلم ما فى البر والبحر))، يقول :
وعنده علم ما لم يغب أيضاً عنكم ، لأن ما فى البر والبحر مما هو ظاهر للعين ،
يعلمه العباد . فكأن معنى الكلام : وعند الله علم ما غابَ عنكم ، أيها الناس ،
مما لا تعلمونه ولن تعلموه مما استأثرَ بعلمه نفسَه ، ويعلم أيضاً مع ذلك جميع
ما يعلمه جميعُكم ، لا يخفى عليه شىء ، لأنه لا شىءَ إلا ما يخفى عن الناس
أو ما لا يخفى عليهم. فأخبر تعالى ذكره أن عنده علم كل شىء كان ويكون ، وما هو
كائن مما لم يكن بعد ، وذلك هو الغيب . (٢)
١٣٧/٧
#
وهذا خبر صحيح الإسناد ، رواه أحمد فى مسنده : ٣٦٥٩، انظر شرح أخى السيد أحمد
لهذا الخبر هناك .
(١) فى المطبوعة: ((ولم يعلموه، ولن يدركوه))، وفى المخطوطة: ((ولم يعلموه ولا يدركوه))،
والصواب الدال عليه السياق ، هو ما أثبته .
(٢) انظر تفسير ((الغيب)) فيما سلف ص: ٣٧١ تعليق: ١، والمراجع هناك.

٤٠٣
تفسير سورة الأنعام : ٥٩
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَفَةٍ إِلَّ يْعَمُها
وَلَا حَبَّةٍ فِ ظُلُمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّ فِى كِتَبٍ
شبينٍ ) ٥
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولا تسقط ورقةٌ فى الصحارى والبرارى،
ولا فى الأمصار والقرى، إلا اللّه يعلمها = ((ولا حبة فى ظلمات الأرض ولا رطب
ولا يابس إلا فى كتاب مبين))، يقول: ولا شىء أيضاً مما هو موجود ، أو ممّا
سيوجد ولم يوجد بعد ، إلا وهو مثبت فى اللوح المحفوظ ، مكتوبٌ ذلك فيه ،
ومرسوم عددُه ومبلغه، والوقت الذى يوجد فيه، والحالُ التى يفنى فيها .
ويعنى بقوله: ((مبين))، أنه يبين عن صحة ما هو فيه ، بوجود ما رُسم فيه
على ما رُسم.(١)
٠ ٥
فإن قال قائل : وما وجهُ إثباته فى اللوح المحفوظ والكتاب المبين ، ما لا يخفى
عليه ، وهو بجميعه عالم لا يُخَاف نسيانَه ؟
قيل له : لله تعالى ذكره فعل ما شاء . وجائز أن يكون كان ذلك منه امتحاناً
منه لحفظَته، واختباراً للمتوكلين بكتابة أعمالهم، فإنهم فيما ذكر مأمورون بكتابة
أعمال العباد ، ثم بعرضها على ما أثبته الله من ذلك فى اللوح المحفوظ، حتى أثبت
فيه ما أثبت كل يوم . وقيل إن ذلك معنى قوله: ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَاكُنْتُمْ
تْمَلُونَ﴾، [سورة الجاثية: ٢٩]. وجائز أن يكون ذلك لغير ذلك، مما هو أعلم
به ، إمّا بحجة يحتج بها على بعض ملائكته ، وإما على بنى آدم وغير
ذلك ، وقد : -
(١) انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين).

٤٠٤
تفسير سورة الأنعام : ٥٩ ،٦٠
١٣٣٠٨ - حدثنى زياد بن يحيى الحسّانى أبو الخطاب قال، حدثنا مالك بن
سعير قال ، حدثنا الأعمش ، عن يزيد بن أبى زياد ، عن عبد الله بن الحارث
قال : ما فى الأرض من شجرة ولا كمغرز إبرة ، إلاّ عليها ملك موكّل بها يأتى
الله بعلمها: ييسها إذا يبست، (١) ورطوبتها إذا رَطبت. (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَّقُكُ بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ
مَا جَرَهُم بِالنَّارِ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : وقل لهم،
يا محمد : والله أعلم بالظالمين، والله هو الذى يتوفى أرواحكم بالليل فيقبضها من
أجسادكم = ((ويعلم ما جرحتم بالنهار))، يقول: ويعلم ما كسيتم من الأعمال بالنهار.
#
(١) فى المطبوعة: ((يأتى الله يعلمه يبسها))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب، وهذا
عبث من الناشر .
(٢) الأثر: ١٣٣٠٨ - ((زياد بن يحيى بن زياد بن حسان الحسافى الذكرى))، أبو الخطاب،
ثقة، روى له الستة. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ١ /٥٤٩/٢ .
هذا، وقد جاء فى المخطوطة وتفسير ابن كثير ((زياد بن عبد الله الحسانى أبو الخطاب))،
وهو خطأ لاشك فيه، فإن الذى يروى عن ((مالك بن سعير)) هو ((زياد بن يحيى الحسافى،
أبو الخطاب))، فضلا عن أنه ليس فى الرواة من يسمى ((زياد بن عبد الله الحسانى أبو الخطاب)).
و ((مالك بن سعير بن الخمس التميمى))، قال أبو زرعة وأبو حاتم: ((صدوق))، وضعفه
أبو داود، وذكره ابن حبان فى الثقات، وهو مترجم فى التهذيب، والبخارى فى الكبير ٣١٥/١/٤،
ولم يذكر فيه جرحاً ، وابن أبى حاتم ٢٠٩/١/٤
و ((يزيد بن أبى زياد القرشى الهاشمى)) هو مولى ((عبد الله بن الحارث))، مضى مراراً،
آخرها رقم : ١٢٧٤٠ .
و ((عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم))، هو ((ببة))،
ثقة ، مضى برقم : ١٢٧٤٠.
وهذا الخبر، ذكره ابن كثير فى تفسيره من طريق ابن أبى حاتم ، عن عبد الله بن محمد
ابن عبد الرحمن بن المسور الزهرى ، عن مالك بن سعير ، بمثله .
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣: ١٥، وزاد نسبته إلى ابن أبى شيبة، وأبى الشيخ.

٤٠٥
تفسير سورة الأنعام : ٦٠
ومعنى ((التوفى))، فى كلام العرب استيفاء العدد، (١) كما قال الشاعر: (٢)
إِنَّ بِ الأَدْرَمَ لَيُْوا مِنْ أَحَدْ وَلَا تَوَنَّامُمْ قُرُّيْلٌ فِىِ العَدَهْ (٣)
بمعنى : لم تدخلهم قريش فى العدد .
٠ ٠
#
وأما ((الاجتراح)) عند العرب، فهو عمل الرجل بيده أو رجله أو فمه، وهى
((الجوارح)) عندهم، جوارح البدن فيما ذكر عنهم. ثم يقال لكل مكتسب عملاً
((جارح))، لاستعمال العرب ذلك فى هذه ((الجوارح))، ثم كثر ذلك فى الكلام
حتى قيل لكل مكتسب كسباً، بأىّ أعضاء جسمه اكتسب: ((مجترٍح)). (٤)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك :
١٣٣٠٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدی: « وهو الذی یتوفا کم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار))،
أما ((يتوفاكم بالليل)) ففى النوم = وأما ((يعلم ما جرحتم بالنهار))، فيقول :
ما اكتسبتم من الإثم .
١٣٣١٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحةٍ ، عن ابن عباس: ((وهو الذى يتوفاكم
بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار)) ، يعنى : ما اكتسبتم من الإثم .
(١) انظر تفسير (التوفى)) فيما سلف ٦: ٤٥٥، ٨/٤٥٦: ٩/٧٣: ١١/١٠٠ : ٢٣٩
(٢) هو منظور الوبرى .
(٣) اللسان (وفى)، وسيأتى فى التفسير ٢١: ٦١ (بولاق). وكان فى المطبوعة هنا:
((إن بنى الأدم))، وفى اللسان ((إن بنى الأدرد))، وهما خطأ، صوابه ما جاء فى التفسير بعد.
و ((بنو الأدرم)) هو بنو ((تيم بن غالب بن فهر بن مالك))، وهم من قريش الظواهر ،
لا قريش الأباطح .
وهذا الراجز يهجوهم بأن قريشاً أهل الأباطح، لا يجعلون بنى الأدرم ( وهم من قريش الظواهر)
تماماً لعددهم ، ولا يستوفون بهم عددهم إذا عدوا .
(٤) انظر تفسير ((الجوارح)) و((الاجتراح)) فيما سلف ٩ : ٥٤٣، ٥٤٤.

٤٠٦
تفسير سورة الأنعام : ٦٠
١٣٣١١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال ،
١٣٨/٧ حدثنا معمر، عن قتادة: ((ما جرحتم بالنهار))، قال : ما عملتم بالنهار .
١٣٣١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة ، مثله .
١٣٣١٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: ((وهو الذى يتوفاكم بالليل))، يعنى بذلك نومهم = ((ويعلم
ما جرحتم بالنهار)) ، أى : ما عملتم من ذنب فهو يعلمه ، لا يخفى عليه شىء
من ذلك .
١٣٣١٤ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح، عن مجاهد : « وهو الذی یتوفا کم باللیل ویعلم ما جرحتم بالنهار))،
قال: أمّا وفاته إياهم بالليل، فمنامهم = وأما ((ما جرحتم بالنهار))، فيقول : ما
اكتسیتم بالنهار .
قال أبو جعفر : وهذا الكلام وإن كان خبراً من الله تعالى ذكره عن قدرته
وعلمه ، فإنّ فيه احتجاجاً على المشركين به ، الذين كانوا ينكرون قدرته على
إحيائهم بعد مماتهم وبعثهم بعد فنائهم . فقال تعالى ذكره محتجاً عليهم: (( وهو
الذى يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى)) ،
يقول : فالذى يقبض أرواحكم بالليل ويبعثكم فى النهار لتبلغوا أجلاً مسمى،
وأنتم ترون ذلك وتعلمون صحّته ، غير منكر له القدرة على قبض أرواحكم وإفنائكم ،
ثم ردِّها إلى أجساد كم ، وإنشائكم بعد مماتكم، فإن ذلك نظير ما تعاينون وتشاهدون.
وغير منكر لمن قدر على ما تعاينون من ذلك ، القدرةُ على ما لم تعاينوه . وإن الذي
لم تروه ولم تعاينوه من ذلك ، شبيه ما رأيتم وعاينتم .
٠ ٠

٤٠٧
تفسير سورة الأنعام : ٦٠
القول فى تأويل قوله ( ثُمَّ ◌َبْتَتُكُمْ فِيهِ لِيُقْفَىّ أَجَلٌ
مُسَ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجُكُمْ ثُمَّ يَُبِئُكُمْ بِمَ كُنتُمْ تَعَلُونَ ﴾(١) (٤)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره: ((ثم يبعثكم))، يثيركم ويوقظكم من
منامكم (٢) = ((فيه)) يعنى: فى النهار، و((الهاء)) التى فى ((فيه)) راجعة على ((النهار))(٣) =
(( ليقضى أجلٌ مسمى))، يقول: ليقضى اللّه الأجل الذى سماه لحياتكم ، وذلك
الموت ، فيبلغ مدته ونهايته (٤) = ((ثم إليه مرجعكم))، يقول: ثم إلى اللّه معادكم
ومصيركم (٥) = ((ثم ينبئكم بما كنتم تعملون))، يقول: ثم يخبركم بما كنتم تعملون
فى حياتكم الدنيا، (٦) ثم يجازيكم بذلك، إن خيراً فخيراً وإن شرًّاً فشرًا .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل
ذكر من قال ذلك :
#
١٣٣١٥ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ثم يبعثكم فيه))، قال : فى النهار .
١٣٣١٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال ،
حدثنا معمر، عن قتادة: ((ثم يبعثكم فيه))، فى النهار، و ((البعث))، اليقظة .
١٣٣١٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر ، عن قتادة ، مثله .
(١) أسقط فى المطبوعة والمخطوطة: ((ثم يبعثكم فيه))، وهو نص التلاوة.
(٢) انظر تفسير ((البعث)) فيما سلف ٢: ٨٤، ٥/٨٥: ١٠/٤٥٧ : ٢٢٩.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((والهاء التى فيه راجعة))، بإسقاط ((فى))، والصواب إثباتها.
(٤) انظر تفسير ((أجل مسمى)) فيما سلف ٦: ١١/٤٣ : ٢٥٩
(٥) انظر تفسير (المرجع)) فيما سلف ٦: ١٠/٤٦٤: ١١/٣٩١ : ١٥٤
(٦) انظر تفسير ((النبأ)) فيما سلف ص: ٣٣٥ تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٤٠٨
تفسير سورة الأنعام : ٦٠ ، ٦١
١٣٣١٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن الفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدی : ((ثم يبعثکم فیه))، قال : بالنهار . (١)
١٣٣١٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: ((ثم يبعثكم فيه))، قال: يبعثكم فى المنام.
٠ ٠
= (( ليقضى أجل مسمى))، وذلك الموت .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٣٢٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( ليقضى أجل مسمى ))، وهو الموت .
١٣٣٢١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( ليقضى أجل مسمى))، قال : هو أجل الحياة
إلى الموت .
١٣٣٢٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن جريج قال، قال عبد الله بن كثير: ((ليقضى أجل مسمى))، قال: مدّتهم.
٥ ٥
القول فى تأويل قوله ﴿ وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ>
وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاءَ أَحَدَّكُمُ الْمَوْتُ تَوَقَتْهُ
رُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وهو القاهر))، والله الغالب خلقه ،
العالى عليهم بقدرته، (٢) لا المقهور من أوثانهم وأصنامهم، المذلَّل المعْلُوا عليه
١٣٩/٧
(١) فى المطبوعة: ((فى النهار))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((القاهر)) فيما سلف ص: ٢٨٨

٤٠٩
تفسير سورة الأنعام : ٦١
لذلته(١) = ((ويرسل عليكم حفظة))، وهى ملائكته الذين يتعاقبونكم ليلاً ونهاراً ،
يحفظون أعمالكم ويحصونها، ولا يفرطون فى حفظ ذلك وإحصائه ولا يُضيعون. (٢)
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٣٢٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((ويرسل عليكم حفظة))، قال : هى المعقبات
من الملائكة ، يحفظونه ويحفظون عمله .
١٣٣٢٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: ((وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا
جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون))، يقول : حفظة، يا ابن آدم ،
يحفظون عليك عملك ورزقك وأجلك، إذا توفيت ذلك قبضت إلى ربك= (( حتى
إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون)) ، يقول تعالى ذكره : إن ربكم
يحفظكم برسل يعقّب بينها، يرسلهم إليكم بحفظكم وبحفظ أعمالكم، إلى أن يحضركم
الموت ، وينزل بكم أمر الله، فإذا جاء ذلك أحدكم ، توفاه أملاكنا الموكَّلون
بقبض الأرواح، ورسلنا المرسلون به = ((وهم لا يفرطون))، فى ذلك فيضيعونه. (٣)
٠
فإن قال قائل: أوليس الذى يقبض الأرواح ملك الموت، فكيف قيل: (( توفته
رسلنا))، ((والرسل)) جملة وهو واحد؟ أو ليس قد قال: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ
(١) فى المطبوعة: ((المغلوب عليه لذلته))، وهو خطأ وسوء تصرف، والذى فى المخطوطة
هو الصواب .
(٢) انظر تفسير ((الحفظ)) بمعانيه فيما سلف ٥: ٨/١٦٧: ٢٩٦، ٢٩٧، ١٠/٥٦٢:
٣٤٣، ٠٥٦٢
(٣) انظر تفسير ((التوفى)) فيما سلف ص: ٤٠٥ تعليق: ١، والمراجع هناك.
.

٤١٠
تفسير سورة الأنعام : ٦١
الَوْتِ الَّذِى وُكْلَ بِكُمْ﴾، [سورة السجدة: ١١]؟
قيل : جائز أن يكون اللّه تعالى ذكره أعان ملك الموت بأعوان من عنده ،
فيتولون ذلك بأمر ملك الموت ،، فيكون (( التوفى )) مضافاً = وإن كان ذلك من فعل
أعوان ملك الموت = إلى ملك الموت ، (١) إذا كان فعلهم ما فعلوا من ذلك بأمره ،
كما يضاف قتلُ من قتل أعوانُ الساطان وجلدُ من جادوه بأمر الساطان ، إلى
السلطان ، وإن لم یکن السلطان باشر ذلك بنفسه، ولا ولیه بيده .
٠ ٠
وقد تأول ذلك كذلك جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٣٢٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا الحسن
ابن عبيد الله، عن إبراهيم فى قوله: (( حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا
وهم لا يفرطون))، قال : كان ابن عباس يقول: لملك الموت أعوانٌ من الملائكة.
١٣٣٢٦ - حدثنى أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس ، عن الحسن
ابن عبيد الله فى قوله: ((توفته رسلنا وهم لا يفرطون))، قال : سئل ابن عباس
عنها فقال : إن لملك الموت أعواناً من الملائكة .
١٣٣٢٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا
سفيان ، عن الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم فى قوله: ((توفته رسلنا وهم لا
يفرطون))، قال : أعوان ملك الموت .
١٣٣٢٨ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان ،
عن منصور، عن إبراهيم: (( توفته رسلنا وهم لا يفرطون ))، قال: الرسل توفّی
الأنفس ، ويذهب بها ملك الموت .
١٣٣٢٩ - حدثنا هناد قال ، حدثنا حفص، عن الحسن بن عبيد الله،
(١) السياق: ((فيكون التوفى مضافاً ... إلى ملك الموت))).

٤١١
تفسير سورة الأنعام : ٦١
عن إبراهيم، عن ابن عباس: ((توفته رسلنا وهم لا يفرطون))، أعوان ملك الموت
من الملائكة . (١)
١٣٣٣٠ - [ حدثنا هناد قال، حدثنا حفص، عن الحسن بن عبيدالله، عن
ابن عباس: ((توفته رسلنا وهم لا يفرطون)). قال: أعوان ملك الموت من الملائكة]. (٢)
١٣٣٣١ - حدثنا هناد قال، حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن الحسن
ابن عبيد الله، عن إبراهيم: ((توفته رسلنا))، قال: هم الملائكة أعوان ملك
الموت .
١٣٣٣٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور قال ،
حدثنا معمر، عن قتادة: ((توفته رسلنا ))، قال : إن ملك الموت له رسل ،
فيرسل ويرفع ذلك إليه = وقال الكلبى: إن ملك الموت هو يلى ذلك، فيدفعه ،
إن كان مؤمناً، إلى ملائكة الرحمة ، وإن كان كافراً إلى ملائكة العذاب .
١٤٠/٧
١٣٣٣٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة، ((توفته رسلنا))، قال: يلى قبضتها الرسل ، ثم يدفعونها إلى
ملك الموت .
١٣٣٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى، عن منصور، عن إبراهيم فى قوله: ((توفته رسلنا))، قال: تتوفاه
الرسل ، ثم يقبض منهم ملك الموت الأنفس = قال الثورى : وأخبرنى الحسن بن
عبيد الله، عن إبراهيم قال: هم أعوان لملك الموت = قال الثورى: وأخبرنى
(١) الأثر: ١٣٣٢٩ - كان تفسير هذه الآية فى هذا الخبر: ((قال: الرسل توفى الأنفس،
ويذهب بها ملك الموت))، وهذا مخالف كل المخالفة لما فى المخطوطة، فأثبت ما فيها ، وكأنه الصواب
إن شاء الله .
(٢) الأثر: ١٣٣٣٠ - هذا الأثر ليس فى المخطوطة، ولذلك وضعته بين قوسين، وظنى
أنه تكرار من تصرف ناسخ، فإن إسناده إسناد الذى قبله، إلا أنه ليس فيه ((عن إبراهيم)) بين
((الحسن بن عبيد الله)) و((ابن عباس)).

٤١٢
تفسير سورة الأنعام : ٦١
رجل ، عن مجاهد قال : جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول من حيث
شاء ، وجعلت له أعوان يتوقّون الأنفس ثم يقبضها منهم .
١٣٣٣٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن إدريس ، عن الحسن بن
عبيد الله، عن إبراهيم، عن ابن عباس فى قوله: ((توفته رسلنا))، قال: أعوان
- ملك الموت من الملائكة .
١٣٣٣٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن الحسن
ابن عبيد اللّه، عن إبراهيم قال: الملائكة، أعوان ملك الموت .
١٣٣٣٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن منصور،
عن إبراهيم: ((توفته رسلنا))، قال: يتوفونه، ثم يدفعونه إلى ملك الموت .
١٣٣٣٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن
أبى جعفر ، عن أبيه قال : سألت الربيع بن أنس عن ملك الموت ، أهو وحده
الذى يقبض الأرواح ، قال : هو الذى يلى أمرَ الأرواح ، وله أعوان على ذلك ،
ألا تسمع إلى قول الله تعالى ذكره: ﴿حَّى إذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ ؟
[سورة الأعراف: ٣٧]. وقال: ((توفته رسلنا وهم لا يفرطون))، غير أن ملك الموت
هو الذى يسير، كل خطوة منه من المشرق إلى المغرب. قلت: أين تكون أرواح
المؤمنين ؟ قال : عند السدرة فى الجنة .
١٣٣٣٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة ، عن مجاهد قال: ما من أهل بيت شعرٍ
ولا متدَرٍ إلا وملك الموت يُطيف بهم كل يوم مرتين .
٠٠ ٠
وقد بينا أن معنى (( التفريط))، التضييع، فيما مضى قبل . (١) وكذلك تأوله
المتأوّلون فى هذا الموضع .
(١) انظر تفسير ((التفريط)) فيما سلف ص: ٣٤٥، ٣٤٦.

٤١٣
تفسير سورة الأنعام : ٦٢،٦١
١٣٣٤٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( وهم لا يفرطون»،
يقول : لا يضيعون
١٣٣٤١ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وهم لا يفرطون))، قال : لا يضيعون.
القول فى تأويل قوله ( ثُمَّ رُدُّوَاْ إِلَى اللهِ مَوْلَهُمُ الْحَقِّ
أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَسِبِينَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ثم ردت الملائكة الذين توفّوهم فقبضوا
نفوسهم وأرواحهم، إلى اللّه سيدهم الحق، (١) ((ألا له الحكم))، يقول: ألا له
الحكم والقضاء دون من سواه من جميع خلقه (٢) = ((وهو أسرعُ الحاسبين))،
يقول : وهو أسرع من حسب عدد كم وأعمالكم وآجالكم وغير ذلك من أموركم ،
أيها الناس ، وأحصاها ، وعرف مقاديرها ومبالغها ، (٣) لأنه لا يحسب بعقد يد ،
ولكنه يعلم ذلك ولا يخفى عليه منه خافية، وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِنْقَالُ ذَرَّةٍ فِى
السَّمُوَاتِ وَلاَ فِى الْأَرْضِ وَلَا أَصْفَرُمِنْ ذُلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّ فِي كِتَبٍ مُبِينٍ . (٤)
(١) انظر تفسير ((المولى)) فيما سلف ٦: ٧/١٤١: ٢٧٨، وغيرها من فهارس اللغة
مادة ( ولى) .
(٢) انظر تفسير ((الحكم)) فيما سلف ٩: ١٧٥، ٣٢٤، ٤٦٢.
(٣) انظر تفسير ((الحساب)) فيما سلف: ٢٠٧، ٢٧٤، ٦/٢٧٥ : ٢٧٩.
(٤) هذا تضمين آية ((سورة سبأ)): ٣.

٤١٤
تفسير سورة الأنعام : ٦٣
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ مَن يُتَّكُم مِّن ظُلْمَتِ الْبَرّ
لبنْ أَنْجَنَا مِنْ هَذِهِىَ لَنَكُونَنَّ
وَأَلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ, تَضَرُّعَاً وَخُفْيَةً
مِنَ الشَّكِرِينَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل ، يا محمد ،
لهؤلاء العادلين بربهم ، الداعين إلى عبادة أوثانهم: من الذى ينجيكم = ((من
ظلمات البر))، إذا ضللتم فيه فتحيّرتم ، فأظلم عليكم الهدى والمحجة = ومن
ظلمات البحر إذا ركبتموه ، فأخطأتم فيه المحجة ، فأظلم عليكم فيه السبيل ،
فلا تهتدون له = غير الله الذى إليه مفزعكم حينئد بالدعاء (١) = ((تضرعاً))، منكم
إليه واستكانة جهراً (٢) = ((وخفية))، يقول: وإخفاء للدعاء أحياناً، وإعلاناً وإظهاراً
تقولون : لئن أنجيتنا من هذه يارب (٣) = أى من هذه الظلمات التى نحن فيها =
((لنكونن من الشاكرين)»، يقول: لنكونن ممن يوحدك بالشكر، ويخلص لك
العبادة، دون من كنا نشركه معك فى عبادتك .
١٤١/٧
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
(١) فى المطبوعة: ((الذى مفزعكم))، والصواب من المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((التضرع)) فيما سلف ص: ٣٥٥
(٣) فى المطبوعة والخطوطة، كان نص الآية ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَاَ مِنْ هُذِهِ﴾ وهى قراءة باقـ
السبعة، وقراءتنا المثبتة فى مصحفنا هى قراءة الكوفيين . وقد جرى أبو جعفر فى تفسيره على قراءة
عامة الناس ، ولم يشر إلى قراءتنا ، وجرى على ذلك فى تفسيره الآية . وقال القرطبى: قرأ الكوفيون
((لئن أنجانا))، واتساق المعنى بالتاء، كما قرأ أهل المدينة والشام.
وانظر معانى القرآن للفراء ١ : ٣٣٨. وظنى أن أبا جعفر قد اختصر التفسير فى هذا الموضع
اختصاراً شديداً ، فترك كثيراً كان يظن به أن يقوله .

٤١٥
تفسير سورة الأنعام : ٦٤،٦٣
ذكر من قال ذلك :
١٣٣٤٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((قل من ينجيكم من
ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعاً وخفية))، يقول : إذا أضل الرجل الطريق ،
دعا الله: ((لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)).(١)
١٣٣٤٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر)) ، يقول : من کرب
البر والبحر .
القول فى تأويل قوله ﴿ قُلِ اللهُ يُنَتِيَكُمْ مِنْهَ وَمِن كُلِّ
كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء
العادلين بربهم سواه من الآلهة ، إذا أنت استفهمتهم عمن به يستعينون عند نزول
الكرب بهم فى البر والبحر : اللّه القادرُ على فَرَجكم عند حلول الكرب بكم ،
ينجيكم من عظيم النازل بكم فى البر والبحر من همّ الضلال وخوف الهلاك ، ومن
كل كرب سوى ذلك وهمّ = لا آلهتكم التى تشركون بها فى عبادته ، ولا
أوثانكم التى تعبدونها من دونه ، التى لا تقدر لكم على نفع ولا ضرّ ، ثم أنتم بعد
تفضله عليكم بكشف النازل بكم من الكرب، ودفع الحالُّ بكم من جسيم الهم ،
تعدلون به آلهتكم وأصنامكم ، فتشركونها فى عبادتكم إياه . وذلك منكم جهل
(١) تركت الخبر على قراءة الناس لا قراءتنا فى مصحفنا.

٤١٦
تفسير سورة الأنعام : ٦٤ ، ٦٥
بواجب حقه عليكم ، وكفر لأياديه عندكم ، وتعرضٌ منكم لإنزال عقوبته
عاجلاً بكم .
#
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ هُوَ الْقَدِرُ عَلَى أَنْ يَبْمَثَ
عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل هؤلاء
العادلين بربهم غيره من الأصنام والأوثان ، يا محمد : إن الذى ينجيكم من ظلمات
البرّ والبحر ومن كل كرب ، ثم تعودون للإشراك به ، هو القادر على أن يرسل
عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم ، لشرككم به ، وادّعائكم معه إلهاً
آخر غيره ، وكفرانكم نعمه ، مع إسباغه عليكم آلاءه ومننه .
#
#
وقد اختلف أهل التأويل فى معنى (( العذاب)) الذى توعد الله به هؤلاء القوم
أن يبعثه عليهم من فوقهم أو من تحت أرجلهم .
فقال بعضهم : أما العذاب الذى توعدهم به أن يبعثه عليهم من فوقهم ،
فالرجم . وأما الذى توعدهم أن يبعثه عليهم من تحتهم ، فالخسف .
ذكر من قال ذلك :
#
١٣٣٤٤ - حدثنا محمد بن بشار وابن وكيع قالا، حدثنا عبد الرحمن قال ،
حدثنا سفيان ، عن السدى ، عن أبى مالك : عذاباً من فوقهم ، أو من تحت
أرجلهم ، قال : الخسف .(١)
١٣٣٤٥ - حدثنا سفيان قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن الأشجعى ،
(١) فى المطبوعة، كنص الآية، ولكنى رددت ما فى المخطوطة إلى حاله.

٤١٧
تفسير سورة الأنعام : ٦٥
عن سفيان ، عن السدی ، عن أبى مالك وسعيد بن جبير ، مثله .
١٣٣٤٦ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبو أسامة، عن شبل ، عن ابن
أبى نجيح ، عن مجاهد: ((قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم
أو من تحت أرجلكم )) ، قال : الخسف .
١٣٣٤٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط ، عن السدى: (( قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من
فوقكم))، فعذاب السماء = ((أو من تحت أرجلكم))، فيخسف بكم الأرض.
١٣٣٤٨ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهبقال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم » ١٤٢/٧
قال : كان ابن مسعود يصيح وهو فى المجلس أو على المنبر : ألا أيها الناس ، إنه
نزل بكم. إن الله يقول: ((قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم )»،
لو جاءكم عذاب من السماء لم يبق منكم أحد = ((أو من تحت أرجلكم))، لو
خسف بكم الأرض أهلككم، لم يبق منكم أحد = ((أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم
بأس بعض))، إلا إنه نزل بكم أسوأ الثلاث . (١)
...
وقال آخرون: عنى بالعذاب من فوقكم، أئمةَ السوء = ((أو من تحت
أرجلكم )) ، الخدم وسفلة الناس .
* ذكر من قال ذلك :
١٣٣٤٩ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، سمعت خلاداً
يقول : سمعت عامر بن عبد الرحمن يقول: إن ابن عباس كان يقول فى هذه :
(١) فى المطبوعة خلاف ما فى المخطوطة، وفى المخطوطة أخطاء. فى المخطوطة: (( ... عذاباً
من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو جاءكم عذاب من السماء))، وفيها أيضاً: ((أو من تحت أرجلكم
يخسف بكم الأرض))، وصواب هاتين فى ما فى المطبوعة، وكان فى المطبوعة نصب ((أحد)» فى الموضعين،
وكان فيها أيضاً: ((أهلككم ولم يبق)) بالواو ، وأثبت ما فى المخطوطة.
ج ١١ (٢٧)

٤١٨
تفسير سورة الأنعام : ٦٥
((قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم)) ،
فأما العذاب من فوقكم؛ فأئمة السوء = وأما العذاب من تحت أرجلكم ، فخدم
السوء . (١)
١٣٣٥٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: (( قل هو القادر
على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم))، يعنى من أمرائكم = ((أو من تحت
أرجلكم ))، يعنى : سفلتكم .
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين فى ذلك بالصواب عندى ، قولُ من قال :
عنى بالعذاب من فوقهم، الرجمَ أو الطوفان وما أشبه ذلك ممن ينزل عليهم من
فوق رؤوسهم - ومن تحت أرجلهم ، الخسفَ وما أشبهه . وذلك أن المعروف فى
كلام العرب من معنى ((فوق)) و(( تحت)) الأرجل، هو ذلك ، دون غيره . وإن
كان لما روى عن ابن عباس فى ذلك وجه صحيح، غير أن الكلام إذا تُنُوزع فى
تأويله ، فحمله على الأغلب الأشهر من معناه أحق وأولى من غيره ، ما لم تأت
حجة مانعة من ذلك يجب التسليم لها .
(١) الأثر ١٣٣٤٩ - ((خلاد))، هو ((خلاد بن سليمان الحضرى المصرى))، كان
خياطاً أمياً لا يكتب، وكان من الخائفين. روى عنه ابن وهب ثقة. مترجم فى التهذيب، والكبير
١٧٢/١/٢، وابن أبى حاتم ٣٦٥/٢/١.
وأما ((غافر بن عبد الرحمن))، فإن البخارى وابن أبى حاتم، ذكراه فى ترجمة خلاد، وذكر
أنه سمع منه . ولكنى لم أجد له ترجمة فيما بين يدى من المراجع وهذا عجيب

٤١٩
تفسير سورة الأنعام : ٦٥
القول فى تأويل قوله ﴿أَوْ يَلْبِسَّكُمْ شِيَمَاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ
بَأْسَ بْضٍ ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: أو يخلطكم = ((شيعاً))، فرقاً، واحدتها
(شيعة).
٠
وأما قوله: ((يلبسكم)) فهو من قولك: ((لبَسْت عليه الأمر))، إذا خلطت،
((فأنا ألبسه)). وإنما قلت إن ذلك كذلك ، لأنه لا خلاف بين القرأة فى ذلك
بكسر ((الباء))، ففى ذلك دليل بَيِّنٌ على أنه من: (( لبس يلبس))، وذلك هو معنى
الخلط . وإنما عنى بذلك: أو يخلطكم أهواء مختلفة وأحزاباً مفترقة. (١)
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
#
١٣٣٥١ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن شبل ، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد: ((أو يلبسكم شيعاً))، الأهواء المفترقة.
١٣٣٥٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: (( أو يلبسكم شيعاً ، قال : يفرق بينكم .
١٣٣٥٣ - حدثی محمد بن عمرو قال،حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((أويلبسكم شيعاً))، قال : ما كان
منكم من الفتن والاختلاف . (٢)
١٣٣٥٤ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فی
(١) انظر تفسير ((لبس)) فيما سلف ١: ٥٦٧، ٦/٥٦٨: ٥٠٣ - ١١/٢٠٥ : ٢٧٠
(٢) فى المطبوعة: ((من التفرق))، وفى المخطوطة: ((من العمر))، غير منقوطة، وصواب
قراءتها ما أثبت .

٤٢٠
تفسير سورة الأنعام : ٦٥
قوله: ((أو يلبسكم- شيعاً))، قال: الذى فيه الناس اليوم من الاختلاف،
والأهواء ، وسفك دماء بعضهم بعضاً .
١٣٣٥٥ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثی عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((أو يلبسكم شيعاً))،
قال : الأهواء والاختلاف .
١٣٣٥٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((أو يلبسكم شيعاً))،
يعنى بالشيع ، الأهواء المختلفة .
وأما قوله: ((ويذيق بعضكم بأس بعض))، فإنه يعنى: يقتل بعضكم
بيد بعض .
١٤٣/٧
٥ ٠
والعرب تقول للرجل ينال الرجل بسلاح فيقتله به: ((قدأذاق فلان فلاناً الموت))،
و ((أذاقه بأسه))، وأصل ذلك من: ((ذوق الطعام)) وهو يطعمه، ثم استعمل ذلك
فى كل ما وصل إلى الرجل من لذة وحلاوة، أو مرارة ومكروه وألم. (١)
...
وقد بينت معنى (( البأس )) فى كلام العرب فيما مضى بما أغنى عن إعادته
فى هذا الموضع . (٢)
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٣٣٥٧ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
(١) انظر تفسير ((الذوق)) فيما سلف ٧: ٩٦، ٤٤٦، ٨/٤٥٢: ١١/٤٨٧: ٤٧، ٣٢٤
ولكنه لم يبينه بياناً شافياً فى المواضع السالفة، وأبان عنه هنا إبانة تامة ، وهذا ضرب من ضروب
اختصاره فى تفسيره
(٢) انظر تفسير ((البأس)) فيما سلف ٨: ١١/٥٨٠ : ٣٥٧