Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
تفسير سورة الأنعام : ١٣،١٢
وقد بينا ذلك فى غير هذا الموضع ، بما أغنى عن إعادته . (١)
٠
وموضع ((الذين)) فى قوله: ((الذين خسروا أنفسهم))، نصبٌ، على الرد
على ((الكاف والميم)) فى قوله: ((ليجمعنكم))، على وجه البيان عنها. وذلك أنّ
الذين خسروا أنفسهم، هم الذين خوطبوا بقوله: ((ليجمعنكم)).
...
وقوله :: ((فهم لا يؤمنون))، يقول: ((فهم))، لإهلاكهم أنفسهم رغبتهم
إياها حظّها = ((لا يؤمنون)»، أى لا يوحدون الله، ولا يصدّقون بوعده ووعيده،
ولا يقرُّون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَهُ مَاسَكَنَ فِى الَّيْلِ وَلََّرِ وَهُوَ
السَِّيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٣)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : لا يؤمن هؤلاء العادلون باللّه الأوثانَ،
فيخلصوا له التوحيد، ويُفْرِدوا له الطاعة، ويقرّوا بالألوهية، جهلاً = (( وله
ما سكن فى الليل والنهار))، يقول: وله ملك كل شىء، لأنه لا شىء من خلق
اللّه إلا وهو ساكنٌ فى الليل والنهار. فمعلوم بذلك أن معناه ما وصفنا = ((وهو
السميع))، يقول : وهو السميع ما يقول هؤلاء المشركون فيه ، من ادّعائهم له
شريكاً ، وما يقول غيرهم من خلقه(٢) = ((العليم))، بما يضمرونه فى أنفسهم ،
وما یظهرونه بجوارحهم، لا يخفی علیهشىء من ذلك، فھو حصیہ علیهم، لیوفی کل
حَكَّمْتُونِ، فَتَّغَى بَيْنَكُمْ أَبْلَجُ مِثْلُ القَمَرِ الْبَاهِرِ
(١) انظر تفسير ((الخسار)) فيما سلف ١٠ : ٤٠٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((من خلاف ذلك))، غير ما فى المخطوطة بسوء رأيه.

: ٢٨٢
تفسير سورة الأنعام : ١٣ ، ١٤
إنسان ثوابَ ما اكتسبَ ، وجزاء ما عمل .
...
وبنحو الذى قلنا فى تأويل قوله: ((سكن))، قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٣١٠٩ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وله ما سكن فى الليل والنهار))، يقول: ما استقرَّ
فی اللیل والهار.
القول فى تأويل قوله (ُقُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَنَّخِذُ وَلِيًّا فَطِرِ السَّمَوَّتِ
وَأَلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل ))،
يا محمد، لهؤلاء المشركين العادلين بربهم الأوثان والأصنام، والمنكرين عليك
إخلاص التوحيد لربك ، الداعين إلى عبادة الآلهة والأوثان: أشيئاً غيرَ اللّه تعالى
ذكره: ((أتخذوا وليًّا))، أستنصره وأستعينه على النوائب والحوادث، (١) كما : -
١٣١١٠ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((قل أغير اللّه أتخذ وليًّا))، قال: أما ((الولى))،
فالذی یتولّونه ويقرّون له بالربوبية .
= ((فاطر السموات والأرض))، يقول: أشيئاً غير الله فاطر السموات أتخذ
وليًّا؟ فـ ((فاطر السموات والأرض))، من نعت ((اللّه)) وصفته، ولذلك خُقْضٍ. (٢)
(١) انظر تفسير ((الولى)) فيما سلف ١٠: ٤٢٤، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٢٨، ٣٢٩.
٠

٢٨٣
تفسير سورة الأنعام : ١٤
ويعنى بقوله: ((فاطر السموات والأرض))، مبتدعهما ومبتدئهما وخالقهما ،
كالذى : -
١٣١١١ - حدثنا به ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، عن
سفيان ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن مجاهد قال : سمعت ابن عباس يقول :
کنت لا أدری ما « فاطر السموات والأرض » ، حتی أتانی أعرابیان يختصمان فی
بئر، فقال أحدهما لصاحبه: ((أنا فَطَرتها))، يقول: أنا ابتدأتها.
١٣١١٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، ١٠٢/٧
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((فاطر السموات والأرض))، قال: خالق السموات
والأرض .
١٣١١٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((فاطر السموات والأرض))، قال : خالق
السموات والأرض .
٠ ٠
٥
يقال من ذلك: ((فطرها الله يَفطُرُها ويفطرها فَطرأو فطورًا)) (١) = ومنه قوله:
﴿هَلْ تَرَى مِنْ فَطُورٍ﴾ [سورة الملك: ٣]، يعنى: شقوقاً وصدوعاً. يقال :
((سيف فُطارٌ))، إذا كثر فيه التشقق ، وهو عيب فيه ، ومنه قول عنترة :
سِلَاحِى، لَا أَفَلَّ وَلَا فُطَرَا(٢)
وَسَيْفِى كَالْعَقِيقَيةِ فَهْوَ كِغِى،
(١) هذه العبارة عن معنى ((فطر))، فاسدة جداً، ولاشك عندى فى أن الكلام قد سقط
منه شىء ، فتركته على حاله ، مخافة أن يكون فى نص أبى جعفر شىء لم تقيده كتب اللغة . ومن
شاء أن يستوفى ذلك ، فليراجع كتب اللغة .
(٢) ديوانه، فى أشعار البتة الجاهلين: ٣٨٤، وأمالى ابن الشجرى ١: ١٩، واللسان
(فطر) (عقق) (كمع) (فلل)، من أبياته التى قالها وتهدد بها عمارة بن زياد العبسى، وكان يحسد
عنترة على شجاعته، ويظهر تحقيره، ويقول لقومه بنى عبس: ((إنكم قد أكثرتم من ذكره ،
ولوددت أنى لقيته خالياً حتى أويحكم منه، وحتى أعلمكم أنه عبد)) ! فقال عنترة :
أَحَوْلِ تَنْفُضُرُ أَسْتُكَ مِذْرَوَيهاَ لِتَقْتُلَّى؟ فَهَا أَنَا ذَا، ثُمَارًا!

٢٨٤
تفسير سورة الأنعام : ١٤
ومنه يقال: ((فَطَر ناب الجمل))، إذا تشقق اللحم فخرج، ومنه قوله :
(تَكّاهُ السَّمْوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [سورة الشورى: ٥]، أى: يتشققن،
ويتصدعن .
...
وأما قوله: ((وهو يطعم ولا يطعم))، فإنه يعنى: وهو يرزق خلقه ولا يرزق،
كما : -
١٣١١٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((وهو يطعم ولا يطعم))، قال: يَرْزق ولا يُرزق.
٠
وقد ذكر بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: (١) ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يَطْعَمُ)، أى: أنه
يُطعم خلقه ، ولا يأكل هو = ولا معنى لذلك ، لقلة القرأة به .
رَوَانِفُ أَلْيَتَيْكَ وُسْتَطَارَا
مَ ما تَلْغَیِ خِلْوَينِ ، تَرْجُفْ
أَشَاجِعُ لا تَرَى فِيهَا انْتِشَارَا
وَسَيْفِى صَارِمٌ قَبَضَتْ عَلَيْهِ
وَسَيْفِىِ كَالعَقِيقَةِ .
و((العقيقة)): شقة البرق، وهو ما انعق منه، أى: تشقق. و((الكم)) و((الكي))
الضجيع. و((الأفل)): الذى قد أصابه الفل، وهو الثلم فى حده .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أنه كان يقول ذلك))، وهو خلط شديد، صواب قراءته
ما أثبت . وهذه القراء التالية، ذكرها ابن خالويه فى شواذ القرآآت: ٣٦، ونسبها إلى الأعمش،
وذكرها أبو حيان فى تفسيره ٤: ٨٥، ٨٦، ونسبها أيضاً إلى مجاهد وابن جبير، وأبى حيوة ،
وعمرو بن عبيد ، وأبى عمرو ، فى رواية عنه .

٢٨٥
تفسير سورة الأنعام : ١٤ ، ١٥
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ إِنَى أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ
أَسْلِمَ وَلَا تَكُونَنْ مِنَ الْتَشْرِكِينَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (( قل))،
يا محمد، الذين يدعونك إلى اتخاذ الآلهة أولياء من دون الله، ويحثّونك على
عبادتها : أغير الله فاطر السموات والأرض ، وهو يرزقنى وغيرى ولا يرزقه أحد ،
أتخذ ولياً هو له عبد مملوك وخلق مخلوق؟ وقل لهم أيضاً: إنى أمرنى ربى: ((أن أكون
أول من أسلم )) يقول: أوّل من خضع له بالعبودية ، وتذلّل لأمره ونهيه ، وانقاد
له من أهل دهري وزمانى= ((ولا تكوننَّ من المشركين)»، يقول : وقل : وقيل
لى : لا تكونن من المشركين بالله ، الذين يجعلون الآلهة والأنداد شركاء .
= وجعل قوله: ((أمرت)) بدلاً من: ((قيل لى))، لأن قوله ((أمرت)) معناه:
(((قيل لى)). فكأنه قيل : قل إنى قيل لى: كن أول من أسلم ، ولا تكونن من
المشركين = فاجتزئ بذكر ((الأمر)) من ذكر ((القول))، إذ كان ((الأمر))،
معلوماً أنه ((قول)).
القول فى تأويل قوله ﴿ قُلْ إِىَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَّبِى
عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
١٥
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل
لهؤلاء المشركين العادلين باللّه، الذين يدعونك إلى عبادة أوثانهم : إنّ ربى
تهانىعن عبادة شیء سواه = ((وإنى أخاف إن عصيت ربى )) ، فعبدتها = ((عذاب
يوم عظيم))، يعنى: عذاب يوم القيامة. ووصفه تعالى: ((العظم)) لعظم هَوْله ،
وفظاعة شأنه .
٠

٢٨٦
تفسير سورة الأنعام : ١٦.
القول فى تأويل قوله ﴿مَّنِ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَيِذٍ فَقَدْرَجَهُ وَذْلِكَ
اُلْفَوْزُ الْمُبينُ ﴾
قال أبو جعفر : اختلف القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة والبصرة: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ﴾،
بضم ((الياء)) وفتح ((الراء))، بمعنى: من يُصرف عنه العذاب يومئذ.
٥
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ﴿مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ﴾، بفتح ((الياء)) وكسر
(((الراء))، بمعنى: من يصرف اللّه عنه العذاب يومئذ.
٠.٠٠
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين فى ذلك بالصواب عندى ، قراءة من قرأه :
﴿يَصْرِفْ عَنْهُ)،بفتح ((الياء)» وكسر (( الراء)»، لدلالة قوله: ((فقد رحمه» على
صحة ذلك، وأنّ القراءة فيه بتسمية فاعله. ولو كانت القراءة فى قوله: ((من
يصرف))، على وجه ما لم يسمّ فاعله ، كان الوجه فى قوله : (( فقد رحمه » أن
يقال: ((فقد رُحِيمٍ)) غير مسمى فاعله. وفى تسمية الفاعل فى قوله: (( فقد رحمه))،
دليل بيِّن على أن ذلك كذلك فى قوله: ((من يصرف عنه)).
٠٠ ٥
وإذا كان ذلك هو الوجه الأولى بالقراءة ، فتأويل الكلام : منْ يصرف
عنه من خلقه يومئذ عذابه فقد رحمه = ((وذلك هو الفوز المبين))، ويعنى بقوله :
((وذلك))، وصرفُ اللّه عنه العذاب يوم القيامة، ورحمته إياه = ((الفوز))،
أى: النجاة من الهلكة، والظفر بالطلبة (١) = ((المبين))، يعنى الذى بيَّن لمن رآه
أنه الظفر بالحاجة وإدراك الطَّلِبة. (٢)
٠ ٠
(١) انظر تفسير ((الفوز)) فيما سلف ص: ٢٤٥،، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف ص: ٢٦٥، تعليق ٣، والمراجع هناك.

٢٨٧
تفسير سورة الأنعام : ١٦، ١٧
وبنحو الذى قلنا فى قوله: ((من يصرف عنه يومئذ)) قال أهل التأويل:
• ذكر من قال ذلك :
١٣١١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه))، قال: من يصرف
عنه العذاب .
٠ ٠٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِنْ يَتْسَسْكَ اَللّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ - ١٠٣/٧
إِلَّهُوَ وَإِ يَسْتَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا محمد ،
إن يصبك الله(١) = ((بضر)»، يقول: بشدة فى دنياك، وشظف فى عيشك
وضيق فيه(٢) = فلن يكشف ذلك عنك إلاّ اللّه الذى أمرك أن تكون أوّل من
أسلم لأمره ونهيه ، وأذعن له من أهل زمانك ، دون ما يدعوك العادلون به إلى عبادته
من الأوثان والأصنام ، ودون كل شىء سواها من خلقه= (( وإن يمسسك بخیر))،
يقول: وإن يصبك بخير، أى: برخاء فى عيش، وسعة فى الرزق، وكثرة فى المال ،
فتقرّ أنه أصابك بذلك = ((فهو على كل شىء قدير))، يقول تعالى ذكره :
واللّه الذى أصابك بذلك، فهو على كل شىء قدير (٣)، هو القادر على نفعك
وضرِّك ، وهو على كل شى يريده قادر ، لا يعجزه شيء يريده ، ولا يمتنع منه
شىء طلبه ، ليس كالآلهة الذليلة المهينة التى لا تقدر على اجتلاب نفع على
أنفسها ولا غيرها ، ولا دفع ضر عنها ولا غيرها . يقول تعالى ذكره : فكيف
(١) انظر تفسير ((المس)) فيما سلف ١٠: ٤٨٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الضر)) فيما سلف ٧: ١٠/١٥٧: ٣٣٤.
(٣) انظر تفسير ((قدير)) فيما سلف من فهارس اللغة (قدر).

٢٨٨
تفسير سورة الأنعام : ١٧ ، ١٨
تعبد من كان هكذا ، أم كيف لا تخلص العبادة ، وتقرَّ لمن كان بيده الضر
والنفع ، والثواب والعقاب ، وله القدرة الكاملة ، والعزة الظاهرة ؟
القول فى تأويل قوله ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ
الْخَبِيرُ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وهو))، نفسَه، يقول: والله
الظاهر فوق عباده (١) = ويعنى بقوله: ((القاهر))، المذلِّل المستعبد خلقه،
العالى عليهم. وإنما قال: ((فوق عباده ))، لأنه وصف نفسه تعالى ذكره بقهره
إياهم . ومن صفة كلّ قاهر شيئاً ، أن يكون مستعلياً عليه .
فمعنى الكلام إذاً : والله الغالب عبادَه المذلّلهم، ، العالى عليهم بتذليله لهم،
وخلقه إياهم، فهو فوقهم بقهره إياهم، وهم دونه = ((وهو الحكيم))، يقول :
والله الحكيم فى علوه على عباده، وقهره إياهم بقدرته ، وفى سائر تدبيره (٢) =
((الخبير))، بمصالح الأشياء ومضارّها، الذى لا يخفى عليه عواقب الأمور
وبواديها، ولا يقع فى تدبيره خلل، ولا يدخل حكمه دَخَل . (٣)
(١) فى المطبوعة: ((واللّه القاهر))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب فى التفسير.
(٢) انظر تفسير ((الحكيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (حكم) .
(٣) انظر تفسير ((الخبير)) فيما سلف من فهارس اللغة (خبر).

٢٫٨٩
تفسير سورة الأنعام : ١٩
القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَ كْبَرُ شَهَادَةً قُلٍ اَللهُ
شَهِيدُ بَيْنِ وَيَبْنَكُمْ)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل ،
يا محمد، لهؤلاء المشركين الذين يكذّبون ويجحدون نبوّتك من قومك : أىُّ شىء
أعظم شهادة وأكبر؟ ثم أخبرهم بأن أكبر الأشياء شهادة: ((اللّه))، الذى لا يجوز
أن يقع فى شهادته ما يجوز أن يقع فى [شهادة] غيره من خلقه من السهو والخطأ ،
والغلط والكذب. (١) ثم قل لهم: إن الذى هو أكبر الأشياء شهادة ، شهيدٌ بینی
وبينكم ، بالمحقِّ منا من المبطل، والرشيد منا فى فعله وقوله من السفيه ، وقد رضينا
به حكماً بيننا .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة أهل التأويل :
· ذكر من قال ذلك :
١٣١١٦ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: (( أى شىء
أكبر شهادة))، قال: أمر محمد أن يسأل قريشاً، ثم أمر أن يخبرهم فيقول: ((الله ..
شهید بینی وبینكم )).
١٣١١٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجبح ، عن مجاهد ، نحوه .
(١) الزيادة بين القوسين لابد منها السياق.
ج ١١ (١٩)

٢٩٠
تفسير سورة الأنعام : ١٩
القول فى تأويل قوله ﴿ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُمْ
◌ِ، وَمَنْأَ بَغَ)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء
المشركين الذين يكذبونك: ((اللّه شهيد بينى وبينكم)) = ((وأوحى إلىّ هذا القرآن
لأنذركم به)» عقابه، وأُنذر به من بَلَغه من سائر الناس غيركم = إن لم ينته إلى
العمل بما فيه ، وتحليل حلاله وتحريم حرامه ، والإيمان بجميعه = نزولَ نقمة
الله به . (١)
#
وبنحو الذ قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٣١١٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((أىّ شىء أكبر شهادة قل اللّه شهيد بينى وبينكم وأوحى إلىّ هذا القرآن
لأنذركم به ومن بلغ)) ، ذكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :
يا أيها الناس، بلِّغْوا ولو آية من كتاب الله، فإنه من بَلَغه آيةٌ من كتاب اللّه،
فقد بلغه أمر الله ، أخذه أو تركه . (٢)
١٣١١٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((لأنذركم به ومن بلغ)) ، أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال : بلِّغوا عن اللّه، فمن بلغه آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله .
١٣١٢٠ -حدثنا هناد قال، حدثنا و کیع = وحدثنا ابن و کیع قال، حدثنا
١٠٤/٧
(١) قوله: ((نزول)) منصوب، مفعول به لقوله قبله: ((وأنذر به من بلغه)) . = وانظر
تفسير ((الوحى)) فيما سلف ص: ٢١٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) فى المخطوطة: ((أخذه أو تاركه))، وجائر أن تقرأ: ((آخذه أو تاركه)).

٢٩١
تفسير سورة الأنعام : ١٩
أبى =١، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن کعبالقرظی: ((لأنذركم به ومن
بلغ))، قال: من بلغه القرآن ، فكأنما رأى النبى صلى الله عليه وسلم. ثم قرأ:
(((ومن بلغ أثنكم لتشهدون )).
١٣١٢١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حميد بن عبد الرحمن ، عن
حسن بن صالح قال : سألت ليثاً : هل بقى أحدٌ لم تبلغه الدعوة ؟ قال : كان
مجاهد يقول: حيثما يأتى القرآنُ فهو داعٍ، وهو نذير. ثم قرأ: ((لأنذركم به
ومن بلغ أثنكم لتشهدون )) .
١٣١٢٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ومن بلغ))، من أسلم من العجم
وغيرهم .
١٣١٢٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ،
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٣١٢٤ -حدثی المثی قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا خالد بن یزید
قال ، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن کعب فى قوله : ((لأنذرکم به ومن بلغ)) ،
قال : من بلغه القرآن ، فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم.
١٣١٢٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((وأوحى إلىّ
هذا القرآن لأنذركم به))، يعنى أهل مكة = ((ومن بلغ))، يعنى: ومن بلغه هذا
القرآن ، فهو له نذير .
١٣١٢٦ -حدثنا یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال: سمعت سفيان الثورى
يحدّث، لا أعلمه إلاّ عن مجاهد: أنه قال فى قوله: ((وأوحى إلىّ هذا القرآن
لأنذركم به))، العرب = ((ومن بلغ )) ، العجم .
١٣١٢٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،

٢٩٢
تفسير سورة الأنعام : ١٩
حدثنا أسباط، عن السدی: ((لأنذركم به ومن بلغ ))، أما (( من بلغ ) ، فمن
بلغه القرآن فهو له نذير.
١٣١٢٨ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال :
. قال ابن زيد فى قوله: ((وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ)»، قال
يقول: من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره. وقرأ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ
جميعاً﴾، [سورة الأعراف: ١٥٨]. قال: فمن بلغه القرآن، فرسول الله صلى الله
عليه وسلم نذيره .
قال أبو جعفر: فمعنى هذا الكلام: لأنذركم بالقرآن، أيها المشركون، وأنذر من
بلغه القرآن من الناس كلهم .
فـ((من)) فى موضع نصب بوقوع ((أنذر) عليه، ((وبلغ)) فى صلته ،
وأسقطت ((الهاء)) العائدة على ((من)) فى قوله: ((بلغ،)) لاستعمال العرب ذلك فى
صلات ((مَن)) و((ما)) و((الذى)). (١)
القول فى تأويل قوله ﴿أَبَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ ، الِهَةً
أُخْرَى قُل لَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنََّهُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌوَ إِنِِّ بَىٍّ تَمَا تُشْرِ كُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء
المشركين، الجاحدين نبوَّتَّك، العادلين باللّه، ربًّاغيره: ((أتنكم))، أيها المشركون
= (( لتشهدون أن مع اللّه آلهة أخرى))، يقول: تشهدون أنّ معه معبودات غيره
من الأوثانَ والأصنام.
٠
*
وقال: ((أُخْرَى))، ولم يقل ((أخَر))، و((الآلهة)) جمع، لأن الجموع يلحقها،
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٣٢٩.

٢٩٣
تفسير سورة الأنعام : ١٩
التأنيث، (١) كما قال تعالى: ﴿فَا بَلُ القُرُونِ الأولَى﴾ [سورة له: ٥١]،
ولم يقل: ((الأُوَل)) ولا («الأوَّلين)).(٢)
. ..
ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل ))، یا محمد = ((لا أشهد)) ،
بما تشهدون: أن مع اللّه آلهة أخرى، بل أجحد ذلك وأنكره = ((قل إنما
هو إله واحد ))، يقول : إنما هو معبود واحد ، لا شريك له فيما يستوجب على
خلقه من العبادة = (( وإنی بریء مما تشرکون ))، يقول : قل : وإنی بریء من
کل شريك تدعونه لله ، وتضيفونه إلی شر کته ، وتعبدونه معه ، لا أعبد سوى الله
شيئاً ، ولا أدعو غيره إلهاً .
٥ ٠
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت فى قوم من اليهود بأعيانهم ، من وجه لم تثبت
صحته ، وذلك ما : -
١٣١٢٩ - حدثنا به هناد بن السرى وأبو كريب قالا، حدثنا يونس بن
بکیر قال ، حدثی محمد بن إسحق قال ، حدثی محمد بن أبى محمد مولی زید
ابن ثابت قال، حدثنى سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : جاء
النحَّام بن زيد ، وقردم بن كعب، وبحرىّ بن عمير فقالوا : يا محمد ، ما تعلم
مع اللّه إلهاً غيرَه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إله إلاّ اللّه، بذلك
بعثت، وإلى ذلك أدعو! فأنزل الله تعالى فيهم وفى قولهم: ((قل أى شىء أكبر
شهادة قل الله شهد بينى وبينكم)) إلى قوله: ((لا يؤمنون)). (٣)
(١) انظر تفسير (أخرى)) و((آخر)) فيما سلف ٣: ٦/٤٥٩: ١٧٣.
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٣٢٩.
(٣) الأثر: ١٣١٢٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١٧، وهو تابع الأثر السالف رقم :
١٢٢٨٤ ٠
هذا ، وقد مر هذا الإسناد مئات من المرات ، وهو إسناد أبى جعفر إلى ابن إسحق ، ثم
من ابن إسحق إلى ابن عباس ، وهذه أول مرة يذكر أبو جعفر أن هذا الإسناد لم تثبت صحته عنده ،
كما قدم قبل ذكره .

٢٩٤
تفسير سورة الأنعام : ٢٠
القول فى تأويل قوله ﴿الَّذِينَ ، أَتَيْنِهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفونهُ كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَاَءُ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: الذين ((آتيناهم الكتاب))، التوراة
١٠٥/٧ والإنجيل = يعرفون أنما هو إله واحد = ، لا جماعة الآلهة، وأن محمداً نيّ
مبعوث = (( كما يعرفون أبناءهم)).
وقوله: ((الذين خسروا أنفسهم)) من نعت ((الذين)) الأولى.
٥
ویعنی بقوله : ((خسروا أنفسهم)) ، أهلکوها وألقوها فی نار جهنم ، بانکارهم
محمداً أنه لله رسول مرسل، وهم بحقيقة ذلك عارفون(١)=(( فهم لا يؤمنون))، يقول:
فهم بخسارتهم بذلك أنفسهم لا يؤمنون .
وقد قيل: إنّ معنى ((خسارتهم أنفسهم))، أن كل عبد له منزل فى الجنة
ومنزل فى النار. فإذا كان يوم القيامة، جعل الله لأهل الجنة منازل" أهل النار فى
الجنة ، وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة فى النار ، فذلك خسران الخاسرين
منهم ، لبيعهم منازلهم من الجنة بمنازل أهل الجنة من النار ، بما فرط منهم فى الدنيا
من معصيتهم اللّه، وظلمهم أنفسهم ، وذلك معنى قول الله تعالى ذكره: ﴿الذَّينَ
يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَاَ خَالِدُونَ﴾، [سورة المؤمنون: ١١]. (٢)
(١) انظر تفسير (خسر)) فيما سلف قريباً ص: ٢٨١، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٣٢٩، ٣٣٠.

٢٩٥
تفسير سورة الأنعام : ٢٠
وبنحو ما قلنا فى معنى قوله: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون
أبناءهم )، قال أهل التأويل .(١)
• ذكر من قال ذلك :
١٣١٣٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم )) ، يعرفون
أنّ الإسلام دين الله، وأن محمداً رسول اللّه، يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة
والإنجيل .
١٣١٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم))، النصارى
واليهود ، يعرفون رسول الله فى كتابهم ، كما يعرفون أبناءهم.
١٣١٣٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفوهم أبناءهم))،
[يعنى: يعرفون النبى صلى الله عليه وسلم: (٢) = (كما يعرفون أبناءهم))، لأن نَعْته
معهم فى التوراة] .
١٣١٣٣ - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسین قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)) ، يعنى
النبى صلى اللّه عليه وسلم . قال : زعم أهل المدينة عن أهل الكتاب ممن أسلم ،
أنهم قالوا: والله لتحن أعرف به من أبنائنا، من أجل الصفة والنعت الذى نجده
(١) انظر تأويل نظيرة هذه الآية فيما سلف ٣: ١٨٧، ١٨٨، [ سورة: البقرة ١٤٦].
(٢) الأثر : ١٣١٣٢ - هذا الأثر مبتور فى المطبوعة والمخطوطة، والزيادة بين القوسين
من الدر المنثور ٣ : ٨، من تفسير السدى، من رواية أبى الشيخ ، والظاهر أن هذا النقص
قديم فى نسخ تفسير أبى جعفر ، وأن نسخة السيوطى ، كانت مبتورة هنا أيضاً ، ولذلك لم ينسب
هذا الأثر إلا إلى أبى الشيخ وحده ، دون ابن جرير .

٢٩٦
تفسير سورة الأنعام : ٢٠، ٢١
فى الكتاب ، وأما أبناؤنا فلا ندرى ما أحدث النساء! (١)
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ثِمْنِ أَفْتَرَىُ عَلَى اللهِ كَذِبًا
أَوْ كَذَّبَ بَّايَتِهِ ـَّ إِنَّهُ لَا يْلِحُ اُلْظُلِمُونَ ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ومن أشدُّ اعتداءً، وأخطأ فعلاً ،
وأخطل قولاً = (ممن افترى على الله كذباً))، يعنى: ممن اختلق على اللّه قيل"
باطل ، (٢) واخترق من نفسه عليه كذباً، (٣) فزعم أن له شريكاً من خلقه، وإلهاً
یعبد من دونه - كما قاله المشركون من عبدة الأوثان - أو ادعى له ولداً أو صاحبةً،
كما قالته النصارى = ((أو كذب بآياته))، يقول: أو كذب بحججه وأعلامه
وأدلته التى أعطاها رسله على حقيقة نبوتهم، كذّبت بها اليهود(٤) = ((إنه لا يفلح
الظالمون))، يقول: إنه لا يفلح القائلون على اللّه الباطل، ولا يدركون البقاء فى
الجنان ، والمفترون عليه الكذب ، والجاحدون بنبوة أنبيائه . (٥)
(١) يعنى: لا يدرون أسهم لهم أبناؤهم من أصلابهم، أم خالطهم سفاح من سفاحهن !
وانظر رواية ذلك فى خبر عمر بن الخطاب، وسؤاله عبد الله بن سلام، والله أعلم بصحيح ذلك
= فى معانى القرآن الفراء ١ : ٣٢٩.
(٢) انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف ص: ١٣٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك:
(٣) ((اخترق)) و((اختلق)) و((افترى)): ابتدع الكذب، وفى التنزيل: (('وخرقوا له
بنين وبنات بغير على سبحانه وتعالى عما يصفون)) (الأنعام : ١٠٠).
(٤) انظر تفسير ((الآية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أي).
(٥) انظر تفسير ((الفلاح)) فيما سلف ص: ٩٧، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٢٩٧
تفسير سورة الأنعام : ٢٣،٢٢
القول فى تأويل قوله ﴿وَيَوْمَ تَخْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ
أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَّكَاؤُ كُمُ الَّذِينَ كُنْ تَزْعُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن هؤلاء المفترين على الله كذباً،
والمكذبين بآياته ، لا يفلحون اليوم فى الدنيا ، ولا يوم نحشرهم جميعاً - يعنى:
ولا فى الآخرة .
ففى الكلام محذوف قد استغنى بذكر ما ظهر عما حذف .
٠ ٠ ٠
وتأويل الكلام : إنه لا يفلح الظالمون اليوم فى الدنيا ، (( ويوم نحشرهم
جمیعاً )) ، فقوله: (( ویوم نحشرهم )،مردود على المراد فی الکلام . لأنه وإن كان
محذوفاً منه، فكأنه فيه، لمعرفة السامعين بمعناه = (( ثم نقول للذين أشركوا
أين شركاؤكم))، يقول: ثم نقول، إذا حشرنا هؤلاء المفترين على الله الكذب،
باد عائهم له فى سلطانه شريكاً ، والمكذّبين بآياته ورسله، فجمعنا جميعهم يوم
القيامة(١) = ((أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون))، أنهم لكم آلهة من دون الله، افتراء
و کذباً ، وتدعوهم من دونه أرباباً ؟ فأتوا بهم إن كنتم صادقين !
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ( ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتَْتُهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللهِ
رَبَِّمَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ثم لم يكن قولهم إذ قلنا لهم: ((أين شركاؤكم
الذين كنتم تزعمون))؟= إجابة منهم لنا عن سؤالنا إياهم ذلك، إذ فتناهم فاختبرناهم، (٢)
٧/١٠٦
(١) انظر تفسير ((الحشر)) فيما سلف ص: ٨٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف ١٠: ٤٧٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٢٩٨
تفسير سورة الأنعام : ٢٣
((إلا" أن قالوا واللّه ربنا ماكنا مشركين))، كذباً منهم فى أيمانهم على قيلهم ذلك.
٠ ٥
ثم اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته جماعة من قرأة المدينة والبصرة وبعض الكوفيين: (ثُمَّ لمَّ تَكُنْ فِتْنَتَهُمْ﴾
بالتاء، بالنصب، (١) بمعنى: لم يكن اختبارَناهم إلا قيلُهم(٢): ((والله ربنا
ما كنا مشركين)) = غير أنهم يقرأون ((تكن)) بالتاء على التأنيث . وإن كانت
للقول لا للفتنة ، لمجاورته الفتنة ، وهى خبر. (٣) وذلك عند أهل العربية شاذّ غير
فصيح فى الكلام . وقد روى بيتٌ للبيد بنحو ذلك ، وهو قوله :
فَمَضَى وَقَدَّمَهَا، وكانت عادةً مِنْهُ إذا هَى عَرَّدَتْ إِقْدَامُهاَ (٤)
فقال: ((وكانت)) بتأنيث ((الإقدام))، لمجاورته قوله: ((عادة)).
...
وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفيين: (ثُمَّ لَمَّ ◌َكُنْ﴾ بالياء، ﴿ فِتْنَهُمْ﴾
بالنصب، (إلَّا أَنْ قَالُوا)، بنحو المعنى الذي قصده الآخرون الذين ذكرنا قراءتهم.
غير أنهم ذكَّروا ((يكون)) لتذكير ((أن)). (٥)
...
قال أبو جعفر: وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب، لأن ((أنْ)) أثبت
فى المعرفة من ((الفتنة)).(٦)
(١) فى المطبوعة، حذف قوله: ((بالتاء))، لغير طائل.
٠
(٢) فى المطبوعة: ((اختبارنا لهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو فصيح العربية.
(٣) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٨٨.
(٤) من معلقته الباهرة. وانظر ما قاله ابن الشجرى فى الآية والبيت فى أماليه ١: ١٣٠.
والضمير فى قوله: ((فضى)) إلى حار الوحش، وفى قوله: ((وقدمها)) إلى أتنه التى يسوقها إلى الماء.
و ((عردت)): فرت، وعدلت عن الطريق التى وجهها إليها. وشعر لبيد لا يفصل بعضه عن
بعض فى هذه القصيدة ، فلذلك لم أذكر ما قبله وما بعده ، فراجع معلقته .
(٥) انظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٨٨.
(٦) أغفل أبو جعفر قراءة الرفع فى ((فتنتهم))، وهى قراءتنا فى مصحفنا، قراءة حقص.
وأنا أرجح أن أبا جعفر أغفلها متعمداً ، وقد استوفى الكلام فى هذه الآية ونظائرها فيما سلف ٧ :
٢٧٣ - ٢٧٥. وانظر تفسير أبي حيان ٤ : ٩٥.

٢٩٩
تفسير سورة الأنعام : ٢٣
واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: (( ثم لم تكن فتنتهم)) .
فقال بعضهم : معناه ثم لم يكن قولهم .
. ذكر من قال ذلك :
١٣١٣٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنامعمر
قال، قال قتادة فى قوله: ((ثم لم تكن فتنتهم))، قال : مقالتهم = قال معمر :
وسمعت غير قتادة يقول : معذرتهم .
١٣١٣٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عطاء الخراسانى، عن ابن عباس قوله: (( ثم لم تكن فتنتهم)» ،
قال : قولهم .
١٣١٣٦ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن
قالوا)) الآية، فهو كلامهم = ((قالوا واللّه ربنا ما كنا مشركين)).
١٣١٣٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ الفضل
ابن خالد يقول، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك: ((ثم لم تكن
فتنتهم )» ، يعنى : كلامهم.
٠٠٠
وقال آخرون : معنى ذلك : معذرتهم .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٣١٣٨ - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا: حدثنا محمد بن جعفر قال ،
حدثنا شعبة،، عن قتادة: ((ثم لم تكن فتنتهم))، قال : معذرتهم.
١٣١٣٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: (( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا واللّه ربنا ماكنا مشركين))، يقول :
اعتذارهم بالباطل والكذب.
٠

٣٠٠
تفسير سورة الأنعام : ٢٣
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك أن يقال: معناه: ثم لم يكن قيلهم
عند فتنتنا إياهم، اعتذاراً مماسلف منهم من الشرك بالله = ((إلاّ أن قالوا واللّه ربناما كنا
مشركين))، فوضعت ((الفتنة)) موضع ((القول))، لمعرفة السامعين معنى الكلام.
= وإنما ((الفتنة))، الاختبار والابتلاء(١) = ولكن لما كان الجواب من القوم
غيرَ واقع هنالك إلا عند الاختبار، وضعت ((الفتنة)) التى هى الاختبار، موضع
الخبر عن جوابهم ومعذرتهم .
٠ ٠
واختلفت القرأة أيضاً فى قراءة قوله: ((والله ربنا ما كنا مشركين)).
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض الكوفيين والبصريين: ﴿وَاللهِ رَبَِّا﴾،
خفضاً، على أن ((الرب)) نعت لله .
٠ ١٥
وقرأ ذلك جماعة من التابعين: ﴿وَاُللهِ رَبَّنَا﴾، بالنصب، بمعنى: واللّه
يا ربنا. وهى قراءة عامة قرأة أهل الكوفة . (٢)
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين عندى بالصواب فى ذلك ، قراءةُ من قرأ :
﴿ وَأَلْهِ رَبَّنَا)، بنصب ((الرب))، بمعنى: يا ربَّنا. ذلك أن هذا جواب من
المسئولين المقول لهم: ((أين شركاء كم الذين كنتم تزعمون)»؟ وكان من جواب القوم
لربهم : والله يا ربنا ما كنا مشركين = فتفوا أن يكونوا قالوا ذلك فى الدنيا .
يقول الله تعالى ذكره لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى
أَنْفُسَهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾
٥٠٠
(١) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف قريباً ص ٢٩٧، رقم: ٢، والمراجع هناك
(٢) انظر معانى القرآن الفراء :
٣٣٠