Indexed OCR Text
Pages 141-160
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
الحديث ، فقال عبد الله بن عمر: لعلك ترى لا أبالك ، أنى سآمرك أن تذهب
أن تقتلهم !(١) عظهم وانههم ، فإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله تعالى يقول:
(((يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم
جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون)). (٢)
١٢٨٥٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الحسن: أن ابن مسعود سأله رجل عن قوله: ((عليكم أنفسكم
لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم))، قال : إن هذا ليس بزمانها ، إنها اليوم
مقبولة ، (٣) ولكنه قد أوشك أن يأتى زمانٌ تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا
وكذا = أو قال: فلا يقبل منكم = فحينئذ: ((عليكم أنفسكم لا يضركم من
ضلّ )).(٤)
١٢٨٥٦ -حدثنا الحسن بنیحی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة ، عن رجل قال : كنت فى خلافة عثمان بالمدينة ، فى حلقة فيهم أصحابُ
النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا فيهم شيخ يُسْنِدون إليه، (٥) فقرأ رجل: ((عليكم
(١) فى المطبوعة، وابن كثير: ((فتقتلهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب قديم.
(٢) الأثر: ١٢٨٥٤ - ((سوار بن شبيب السعدى الأعرجى))، و((بنو الأعرج))،
حى من بنى سعد. و((الأعرج)) هو «الحارث بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم))، قطعت
رجله يوم ((تياس))، فسمى ((الأعرج)). وهو ثقة ، کوف ، روى عن ابن عمر، روى عنه عوف،
وعكرمة بن عمار. مترجم فى الكبير ١٦٨/٢/٢، وابن أبى حاتم ٢٧٠/١/٢.
وهذا الخبر نقله ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٢٥٩، وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢: ٣٤١،
واقتصر على نسبته إلى ابن مردويه .
(٣) قوله: ((إنها اليوم مقبولة))، يعنى: كلمة الحق فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
(٤) الأثر: ١٢٨٥٥ - انظر التعليق على الآثار: ١٢٨٤٨ - ١٢٨٥٠.
وكان فى المطبوعة هنا: (( ... من ضل إذا اهتديتم))، بالزيادة، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٥) قوله: ((يستلون إليه)) أى: ينتهون إلى علمه ومعرفته وفقهه، ويلجأون إليه فى فهم
ما يشكل عليهم. ويقال: ((أسندت إليه أمرى))، أى: وكلته إليه، واعتمدت عليه. وقال
الفرزدق :
١٤٢
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم))، فقال الشيخ: إنما تأويلها آخرّ
الزمان .
١٢٨٥٧ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زربع قال، حدثنا
سعيد ، عن قتادة قال ، حدثنا أبو مازن ، رجل من صالحى الأزد من بنى
اُحدَّان، (١) قال: انطلقت فى حياة عثمان إلى المدينة، فقعدت إلى حلقة من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، (٢) فقرأ رجل من القوم هذه الآية: ((لا
يضركم من ضل إذا اهتديتم))، قال فقالَ رجلٌ من أسنُّ القوم: دَعْ هذه
الآية، فإنما تأويلها فى آخر الزمان. (٣)
١٢٨٥٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا ابن فضالة ،
عن معاوية بن صالح ، عن جبير بن نفير قال : كنت فى حلقة فيها أصحابُ
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنىّ لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف
والنهى عن المنكر، {فقلت أنا: أليس الله يقول فى كتابه: ((يا أيها الذين آمنوا
عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم )) ؟ فأقبلوا علىَّ بلسان واحد
وقالوا: أتنتزع آية من القرآن لا تعرفها ، (٤) ولا تدرى ما تأويلها !! حتى تمنيت
أنى لم أكن تكلمت. ثم أقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: ((إنك غلام
وَوَائِل
إِلَى الأَبْرَشِ الكَلْبِ أَسْنَدْتُ حَاجَةً تَوَاكَلَهَا حَيَّ تَسِـ
وهذا كله مما ينبغى تقييده فى كتب اللغة ، فهو فيها غير بين .
(١) فى المطبوعة: ((بنى الجدان)) بالجيم، وهو خطأ.
(٢) فى المطبوعة: ((فيها أصحاب رسول الله))، وفى المخطوطة: ((فيها من أصحاب رسول اللّه))،
فضرب بالقل على ((فيها)) فأثبتها على الصواب .
(٣) الأثران: ١٢٨٥٦، ١٢٨٥٧ - انظر التعليق على الأثرين السالفين رقم
١٢٨٥٢، ١٢٨٥٣
(٤) فى المطبوعة: ((تنزع بآية من القرآن))، غير ما فى المخطوطة، وما غيره صواب
ولكن يقال: ((انترع معنى جيداً، ونزعه))، أى: استخرجه واستنبطه ويقال: ((انتزع بالآية
والشعر))، أى: تمثل به .
١٤٣
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
حدّثُ السن، وإنك نزعت بآية لا تدرى ما هى، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، "
إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوَى متبعاً، وإعجاب كل ذى رأى برأيه ، فعليك
بنفسك ، لا يضرك من ضل إذا اهتديت . (١)
١٢٨٥٩ - حدثنا هناد قال ، حدثنا ليث بن هرون قال ، حدثنا
إسحق الرازى ، عن أبى جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبى العالية ،
عن عبد الله بن مسعود فى قوله: (( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم
لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون))،
قال : کانوا عند عبد الله بن مسعود جلوساً ، فکان بین رجلین ما یکون بین الناس،
حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه ، فقال رجل من جلساء عبد الله : ألا أقوم
فَآمرُهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر ؟ فقال آخر إلى جنبه : عليك بنفسك ،
فإن الله تعالى يقول: ((عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم))! قال :
فسمعها ابن مسعود فقال: مَهْ، (٢) لَمَّا يجىء تأويل هذه بعد! (٣) إن القرآن أنزل
حيث أنزل ، ومنه آيِّ قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ، ومنه ما وقع تأويلهن
(١) الأثر: ١٢٨٥٨ - ((ابن فضالة)) هو: ((مبارك بن فضالة بن أبى أمية))،
أبو فضالة البصرى. وفى تفسير ابن كثير: ((حدثنا أبو فضالة))، ومضى برقم : ١٥٤ ، ٥٩٧ ،
٠١٩٠١،٦١١
و ((معاوية بن صالح بن حدير الحضرى))، أحد الأعلام، مضى مراراً منها : ١٨٦،
١٨٧، ٢٠٧٢، ٨٤٧٢ ، ١١٢٥٥، ولم تذكر لمعاوية بن صالح ، رواية عن جبير بن نفير ،
بل روى عن ابنه عبد الرحمن بن جبير .
و((جبير بن نفير)) إسلامى جاهل، مضى برقم : ٦٦٥٦، ٧٠٠٩.
وهذا الخبر منقطع الإسناد، وفقله ابن كثير فى تفسيره ٣ : ٢٦٠، والسيوطى فى الدر المنثور
٢: ٣٤٠، ولم ينسبه لغير ابن جرير .
(٢) ((٠٠))، هكذا فى المطبوعة، وابن كثير، والدر المنثور و((مه)) كلمة زجر
بمعنى: كف عن هذا. وفى المخطوطة مكانها: ((مهل))، وأخشى أن تكون خطأ من الناسخ،
ولو كتب ((مهلا))، لكان صواباً، يقال: ((مهلا يا فلان)) أى: رفقاً وسكوفاً، لا تعجل .
(٣) فى المطبوعة: (لم يجئ"))، ومثلها فى ابن كثير والدر المنثور، وأثبت ما فى المخطوطة.
١٤٤
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
على عهد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، ومنه آىٌّ وَقع تأويلهن بعد النبيّ صلى اللّه
عليه وسلم بيسير ، (١) ومنه آى يقع تأويلهن بعد اليوم ، ومنه آى يقع تأويلهن
عند الساعة على ما ذكر من الساعة ، (٢) ومنه آى يقع تأويلهن يوم الحساب على
ما ذكر من الحساب والجنة والنار ، (٣) فما دامت قلوبكم واحدة ، وأهواؤكم
واحدة، لم تُلبّسوا شيعاً، ولم يَذُق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا. فإذا
اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شيعاً ، وذاق بعضكم بأس بعض ، فامر ؤ
ونفسه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية . (٤)
٦٣/٧
١٢٨٦٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
أبى جعفر الرازى ، عن الربيع بن أنس ، عن أبى العالية ، عن ابن مسعود :
أنه كان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس ، حتى قام كل واحد منهما إلى
صاحبه ، ثم ذكر نحوه . (٥)
قال :
١٢٨٦١ - حدثنى أحمد بن المقدام قال ، حدثنا حرمى.
سمعت الحسن يقول : تأوّل بعضُ أصحاب النبى صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية:
(((يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم»، فقال بعض
(١) فى المطبوعة: ((آى قد وقع)) بالزيادة، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((على ما ذكر من أمر الساعة))، بزيادة ((أمر))، وفى المخطوطة
أسقط الناسخ ((على))، وإثباتها هو الصواب.
(٣) فى المطبوعة: ((من أمر الحساب)) بالزيادة، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) الأثر: ١٢٨٥٩ - ((ليث بن هرون))، لم أجد له ترجمة ولا ذكراً.
و ((إسحق الرازى))، هو: ((إسحق بن سليمان الرازى))، مضى رقم: ٦٤٥٦، ١٠٢٣٨،
١١٢٤٠. وانظر الإسناد الآتى رقم: ١٢٨٦٦.
وهذا الخبر نقله ابن كثير فى تفسيره ٣: ٢٥٨، ٢٥٩، والسيوطى فى الدر المنثور ٢ :
٣٣٩، ٣٤٠، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، ونعيم بن حماد فى الفتن، وابن أبى حاتم ، وأبى الشيخ ،
وابن مردوبه ، والبيهقى فى الشعب .
حياتى بإسناد آخر فى الذى يليه .
(٥) الأثر : ١٢٨٦٠ - انظر الأثر السالف.
١٤٥
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
أصحابه: دعوا هذه الآية ، فليست لكم . (١)
١٢٨٦٢ - حدثنى إسماعيل بن إسرائيل اللّل الرّملى قال ، حدثنا أيوب
ابن سويد قال، حدثنا عتبة بن أبى حكيم ، عن عمرو بن جارية اللخمى ، عن
أبى أمية الشعبانى قال: سألت أبا ثعلبة الخشنى عن هذه الآية: (( يا أيها الذين
آمنوا عليكم أنفسكم))، فقال: لقد سألت عنها خبيراً ، سألتُ عنها رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقال: أبا ثعلبة ، ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ،
فإذا رأيتُ دنيا مؤثّرة، وشحًّا مطاعاً، وإعجاب كل ذى رأى برأيه ، فعايك
نفسك! إنّ من بعدكم أيام الصبر، (٢) للمتمسك يومئذ بمثل الذى أنتم عليه
كأجر خمسين عاملاً ! قالوا : يا رسول اللّه، كأجر خمسين عاملاً منهم ؟
قال : لا، كأجر خمسين عاملاً منكم . (٣)
(١) الأثر: ١٢٨٦١ - هذا إسناد ناقص لاشك فى ذلك.
((أحمد بن المقدام بن سليمان العجل))، أبو الأشعث. روى عنه البخارى والترمذى والنسائى،
وغيرهم . صالح الحديث . ولد فى نحو سنة ١٥٦، وتوفى سنة ٢٥٣.
و ((حرمى بن عمارة بن أبى حفصة العتكى))، مضى برقم: ٨٥١٣. ومات سنة ٢٠١،
ومحال أن يكون أدرك الحسن وسمع منه. فإن ((الحسن البصرى)) مات فى نحو سنة ١١٠ فالإسناد
مختل ، ولذلك وضعت بينه وبين الحسن نقطاً ، دلالة على نقص الإسناد .
(٢) فى المطبوعة: ((أرى من بعدكم))، والصواب من المخطوطة. وفى المخطوطة: ((المتمسك))
بغير لام الجر ، وكأن الصواب ما فى المطبوعة .
(٣) الأثر: ١٢٨٦٢ - سيأتى بإسناد آخر فى الذى يليه .
((إسماعيل بن إسرائيل اللآل الرملى))، مضى برقم: ١٠٢٣٦، ١٢٢١٣، وذكرنا هناك
أنه فى ابن أبى حاتم ((السلال))، ومضى هناك: ١٠٢٣٦ ((الدلال))، وجاء هنا ((اللآل))،
صانع اللؤلؤ وبائعه . ولا نجد ما يرجيح واحدة من الثلاث .
و ((أيوب بن سويد الرملى))، ثقة متكلم فيه. مضى برقم : ١٢٢١٣.
و ((عتبة بن أبى حكيم الشعبانى الهمدانى، ثم الأردنى))، ثقة ، ضعفه ابن معين . مضى
برقم : ١٢٢١٣ .
و((عمرو بن جارية اللخمى))، ثقة، مترجم فى التهذيب. وكان فى المطبوعة ((عمرو بن خالد))
وهو خطأ محض. وفى المخطوطة كتب ((خالد)) ثم جعلها ((جارية))، وهو الصواب.
و ((أبو أمية الشعبانى)) اسمه (محمد)) (بضم الياء وكسر الميم) وقيل: اسمه ((عبد الله بن أخامر)).
ثقة . مترجم فى التهذيب .
ج ١١ (١٠)
١٤٦
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
١٢٨٦٣ - حدثنا على بن سهل قال، أخبرنا الوليد بن مسلم، عن ابن المبارك
وغيره، عن عتبة بن أبى حكيم ، [ عن عمرو بن جارية اللخمى]، عن أبى أمية
الشعبانى قال: سألت أبا ثعلبة الخشنى: كيف نصنع بهذه الآية: ((يا أيها الذين
آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم ))؟ فقال أبو ثعلبة: سألت
عنها خبيراً ، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائتمروا بالمعروف
وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحًا مطاعاً، وهوّى متبعاً، وإعجاب كل ذى
رأى برأيه ، فعليك بِخُوَيَصة نفسك، (١) وذَرْ عوامَّهم، فإن وراء كم أياماً أجر
العامل فيها كأجر خمسين منكم . (٢)
٠
وقال آخرون : معنى ذلك أنّ العبد إذا عمل بطاعة الله لم يضره من ضَلَّ
بعده وهلك .
و((أبو ثعلبة الخشنى)) اختلف فى اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً . صحابى.
وسيأتى تخريجه فى الذى يليه .
(١) ((خويصة)) تصغير ((خاصة)).
(٢) الأثر: ١٢٨٦٣ - ((عتبة بن أبى حكيم))، فى المخطوطة: ((عبدة بن أبى حكيم))،
وهو خطأ ظاهر .
وفى المخطوطة والمطبوعة، أسقط: [ عن عمرو بن جارية اللخمى]، فوضعتها بين قوسين.
وهذا هو نفسه إسناد الترمذى .
وهذا الخبر، رواه الترمذى فى كتاب التفسير من طريق سعيد بن يعقوب الطالقانى، عن عبد الله
ابن المبارك، عن عقبة بن أبى حكيم، بنحو لفظه هنا. ثم قال الترمذى: ((قال عبد الله بن المبارك:
وزادنى غير عتبة = قيل: يا رسول الله، أجر خمين رجلا منا أو منهم ؟ قال : لا ، بل أجر
خمسين رجلا منكم)). ثم قال الترمذى: ((هذا حديث حسن غريب)).
وأخرجه ابن ماجة فى سننه رقم : ٤٠١٤ من طريق هشام بن عمار ، عن صدقة بن خالد ،
عن عتبة بن أبى حكيم ، بنحو لفظه .
ورواه أبو داود فى سننه ٤ : ١٧٤، رقم: ٤٣٤١، من طريق أبى الربيع سليمان بن داود
العتكى ، عن ابن المبارك ، بمثله .
وخرجه ابن كثير فى تفسيره ٣: ٢٥٨، والسيوطى فى الدر المنثور ٢: ٣٣٩، وزاد
نسبته إلى البغوى فى معجمه ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والطبرانى ، وأبى الشيخ ، وابن مردويه ،
والبيهقى فى الشعب، والحاكم فى المستدرك ومصحه .
١٤٧
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
• ذكر من قال ذلك :
١٢٨٦٤ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( يا أيها الذين آمنوا عليكم
أنفسكم لا يضركم من ضلّ))، يقول : إذا ما العبد أطاعنى فيما أمرته من الحلال
والحرام ، فلا يضرُّه من ضل بعدُ، إذا عمل بما أمرته به .
١٢٨٦٥ - حدثنى المثنى قال، حدثناعبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية
ابن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((عليكم أنفسكم
لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم))، يقول: أطيعوا أمرى، واحفظوا وصيَّى.
١٢٨٦٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا ليث بن هرون قال ، حدثنا إسحق
الرازى ، عن أبى جعفر الرازى ، عن صفوان بن الجون قال : دخل عليه شاب
من أصحاب الأهواء ، فذكر شيئاً من أمره ، فقال صفوان : ألا أدلك على خاصة.
اللّه التى خصَّ بها أولياءه؟: ((يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من
ضل))، الآية . (١)
١٢٨٦٧ - حدثنا عبد الكريم بن أبى عمير قال، حدثنا أبو المطرف المخزومى
قال، حدثنا جويبر ، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: ((عليكم أنفسكم
لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم))، ما لم يكن سيف أو سوط. (٢)
(١) الأثر: ١٢٨٦٦ - ((ليث بن هرون))، لم أجده، وانظر الإسناد السالف رقم
٠١٢٨٥٩
و ((إسحق))، هو: ((إسحق بن سليمان الرازى))، وانظر رقم: ١٢٨٥٩.
وأما ((صفوان بن الجون))، فهو هكذا فى المخطوطة أيضاً، ولم أجد له ترجمة . وفى الدر المنثور
٢: ٣٤١، ((عن صفوان بن محرز))، ونسبه لابن جرير وابن أبى حاتم.
و((صفوان بن محرز بن زياد المازنى، أو الباهلى)). روى عن ابن عمر، وابن مسعود ،
وأبى موسى الأشعرى . روى عنه جامع بن شداد ، وعاصم الأحول ، وقتادة . كان من العباد ،
اتخذ لنفسه سرباً يبكى فيه . مات سنة ٧٤، مترجم فى التهذيب . ومضى برقم : ٦٤٩٦ .
(٢) الأثر: ١٢٨٦٧ - ((عبد الكريم بن أبي عمير))، مضى برقم : ٧٥٧٨، ١١٣٦٨
و((أبو المطرف المخزومى))، لم أجد له ذكراً .
١٤٨
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
١٢٨٦٨ - حدثنا على بن سهل قال، حدثنا ضمرة بن ربيعة قال، تلا الحسن
هذه الآية: (( ياأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم )»،
فقال الحسن : الحمد لله بها ، والحمد لله عليها، ما كان مؤمن فيما مضى، ولا
مؤمن فيما بقی ، إلا وإلى جانبه منافق یکره عمله .(١)
٠ ٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك: (( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ))،
فاعملوا بطاعة الله = ((لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم))، فأمرتم بالمعروف ،
ونهيتم عن المنكر .
· ذكر من قال ذلك :
١٢٨٦٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام بن سلم ، عن عنبسة ،
عن سعد البقال، عن سعيد بن المسيب: ((لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم))،
قال : إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرك من ضل إذا اهتديت .
١٢٨٧٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن يمان ، عن سفيان ،
عن أبى العميس، عن أبى البخترى، عن حذيفة: ((عليكم أنفسكم لا يضركم
من ضل إذا اهتديتم )) ، قال : إذا أمرتم ونهيتم .
١٢٨٧١ -حدثنا هناد قال، حدثنا و کیع = وحدثنا ابن و کیع قال، حدثنا
أبی = عن ابن أبى خالد ، عن قيس بن أبى حازم قال ، قال أبو بكر : تقرأون
هذه الآية: (( لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم))، وإن الناس إذا رأوا الظالم = قال
ابن وكيع = فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمّهم الله بعقابه. (٢)
٦٤/٧
(١) الأثر: ١٢٨٦٨ - ((ضمرة بن ربيعة الفلسطينى الرملى))، ثقة، مضى برقم:
٧١٣٤. وكان فى المطبوعة: ((مرة بن ربيعة))، لم يحسن قراءة المخطوطة.
وهذه الكلمة التى قالها الحسن ، لو خفيت على الناس قديماً ، فإن مصداقها فى زماننا هذا يراه
المؤمن عياناً فى حيث يغدو ويروح .
(٢) الأثر : ١٢٨٧١ - خبر قيس بن أبى حازم، عن أبى بكر ، رواه أبو جعفر
:
١٤٩
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
١٢٨٧٢ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير وابن فضيل، عن بيان ،
عن قيس قال ، قال أبو بكر: إنكم تقرأون هذه الآية: (( يا أيها الذين آمنوا
عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم))، وإن القوم إذا رأوا الظالم فلم
يأخذوا على يديه ، يعمُّهم الله بعقابه. (١)
١٢٨٧٣ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير، عن إسمعيل ، عن قيس ،
عن أبى بكر ، عن النبى صلى الله عليه وسلم ، فذكر نحوه .
١٢٨٧٤ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قوله: (( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم
من ضلّ إذا اهتديتم ))، يقول: مُرُوا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، قال أبو بكر
ابن أبى قحافة: يا أيها الناس لا تغترُّوا بقول الله: ((عليكم أنفسكم))، فيقول
أحدكم: علىَّ نفسى، واللّه لتأمرن بالمعروف وتنهوُنَّ عن المنكر، أو ليستعملن
عليكم شراركم، فليسومنكم سوء العذاب، ثم ليدعوا الله خياركم ، فلا يستجيب لهم.
بأسانيد ، من رقم: ١٢٨٧١ - ١٢٨٧٨، موقوفاً على أبى بكر، إلا رقم : ١٢٨٧٦ ، ١٢٨٧٨،
فرواها متصلين مرفوعين ، وإلا رقم : ١٢٨٧٤، فهو مرسل . وأكثر طرق أبى جعفر طرق ضعاف.
ورواه من طريق ((إسماعيل بن أبى خالد))، عن قيس بن أبى حازم برقم: ١٢٨٧١ ،
١٢٨٧٣. فمن هذه الطريق رواه أحمد فى مسنده رقم: ١، ١٦، ٢٩، ٣٠، ٥٣، متصلا
مرفوعاً. وقال ابن كثير فى تفسيره ٣: ٢٥٨: ((وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة ،
وابن حبان فى صحيحه ، وغيرهم ، من طرق كثيرة ، عن جماعة كثيرة ، عن إسماعيل بن أبى خالد ،
به متصلا مرفوعاً. ومنهم من رواه عنه به موقوفاً على الصديق. وقد رجح رفعه الدارقطنى وغيره )).
و ((إسماعيل بن أبى خالد الأحمى))، ثقة. مضى برقم : ٥٦٩٤ ، ٥٧٧٧ .
و((قيس بن أبى حازم الأحمسى))، ثقة، روى له الستة، روى عن جماعة من الصحابة ،
وهو متقن الرواية . مترجم فى التهذيب .
وهذا إسناد صحيح .
(١) الأثر: ١٢٨٧٢ - ((ابن فضيل)) هو: ((محمد بن فضيل بن غزوان الضبى))،
مضى مراراً كثيرة .
و((بيان)) هو: ((بيان بن بشر الأحمسى))، ثقة، مضى برقم ٦٥٠١.
وقد مضى تخريج الخبر فى الذى قبله ، وسيأتى من هذه الطريق أيضاً برقم : ١٢٨٧٥ .
وهو إسناد صحيح .
١٥٠
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
١٢٨٧٥ -حدثنا أبو هشام الرفاعی قال،حدثنا ابن فضیل قال، حدثنا
بيان ، عن قيس بن أبى حازم قال، قال أبو بكر وهو على المنبر : يا أيها الناس ،
إنكم تقرأون هذه الآية على غير موضعها: ((لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم))،
وإن الناس إذا رأوا الظلم فلم يأخذوا على يديه ، عَمَّهم الله بعقابه .
١٢٨٧٦ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنى عيسى
ابن المسيب البجلى ، حدثنا قيس بن أبى حازم قال : سمعت أبا بكر الصديق
رضى الله عنه يقرأ هذه الآية: (( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من
ضل إذا اهتديتم ))، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رأى
الناسُ المنكر فلم يغيِّروه، والظالم فلم يأخذوا على يديه ، فيوشك أن يعمهم اللّه
منه بعقاب .(١)
١٢٨٧٧ - حدثنا الربيع قال، حدثنا أسد بن موسى قال ، حدثنا سعيد
ابن سالم قال، حدثنا منصور بن دينار، عن عبد الملك بن ميسرة، عن قيس بن
أبى حازم قال: صَعَد أبو بكر المنبرَ منبرَ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فحمد
الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ، إنكم لتتلون آية من كتاب الله وتعدُّونها
رُخصة، والله ما أنزل الله فى كتابه أشدَّ منها: ((يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم
لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم))، واللّه لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ،
(١) الأثر: ١٢٨٧٦ - ((الحارث)) هو: ((الحارث بن محمد بن أبى أسامة))، مضى
مراراً ، آخرها رقم : ١٠٥٥٣، وترجمته فى رقم : ١٠٢٩٥ .
و((عبد العزيز))، هو: ((عبد العزيز بن أبان الأموى))، مضت ترجمته برقم : ١٠٢٩٥،
قال ابن معين: ((كذاب خبيث، يضع الأحاديث)).
و ((عيسى بن المسيب البجل))، قاضى الكوفة. وكان شاباً ولاه خالد بن عبد الله القسرى.
ضعيف متكلم فيه، حتى قال ابن حبان: ((كان قاضى خراسان ، يقلب الأخبار ، ولا يفهم ،
ويخطىء، حتى خرج عن حد الاحتجاج به)). مترجم فى ابن أبى حاتم ٢٨٨/١/٣، وميزان
الاعتدال ٢ : ٣١٧، وتعجيل المنفعة: ٣٢٨، ولسان الميزان ٤ : ٤٠٥.
نهذا إسناد هالك، مع روايته من طرق صحاح عن قيس ، عن أبى بكر .
١٥١
۔
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
أو لیعمنكم الله منه بعقاب(١) .
١٢٨٧٨ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا إسحق بن إدريس قال ،
حدثنا سعيد بن زيد قال ، حدثنا مجالد بن سعيد ، عن قيس بن أبى حازم قال :
سمعت أبا بكر يقول وهو يخطب الناس : يا أيها الناس ، إنكم تقرأون هذه الآية
ولا تدرون ما هى ؟: (( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا
اهتديتم ))، وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا
منكراً فلم يغيِّروه ، عمّهم اللّه بعقاب . (٢)
#
#
#
وقال آخرون : بل معنى هذه الآية : لا يضركم من حاد عن قصد السبيل
وكفر بالله من أهل الكتاب .
(١) الأثر: ١٢٨٧٧ - ((أسد بن موسى المردانى))، ((أسد السنة))، مضى برقم:
٢٣، ٢٥٣٠ ٠
و ((سعيد بن سالم القداح))، متكلم فيه، وثقه ابن معين، غير أن ابن حبان قال: ((يهم
فى الأخبار حتى يجىء بها مقلوبة، حتى خرج عن حد الاحتجاج به)). مترجم فى التهذيب.
و (منصور بن دينار التميمى الضبى))، ضعفوه. مترجم فى الكبير ٣٤٧/١/٤، وابن أبى حاتم
٤ / ١/ ١٧١، وميزان الاعتدال ٣: ٢٠١، وتعجيل المنفعة: ٤١٢، ولسان الميزان ٩٥:٦.
و ((عبد الملك بن ميسرة الهلالى الزراد)»، ثقة، من صغار التابعين مضى برقم: ٥٠٣، ٥٠٤
فهذا خبر ضعيف الإسناد ، مع روايته من طرق صحاح عن قيس ، عن أبى بكر .
(٢) الأثر: ١٢٨٧٨ - ((محمد بن بشار))، هو ((بندار))، مضى مئات من المرات.
وكان فى المطبوعة هنا ((محمد بن سيار))، أساء قراءة المخطوطة.
((إسحق بن إدريس الأسوارى البصرى))، منكر الحديث، تركه الناس، قال ابن معين:
((كذاب، يضع الحديث)). وقال ابن حبان: ((كان يسرق الحديث)). مترجم فى الكبير
٣٨٢/١/١، وابن أبى حاتم ٢١٣/١/١، وميزان الاعتدال ١: ٨٦، ولسان الميزان
١ : ٠٣٥٢
و ((سعيد بن زيد بن درهم الجهضمى))، ثقة، متكلم فيه، حتى ضعفوا حديثه . مضى
برقم : ١١٨٠١ .
و ((مجالد بن سعيد بن عمير الهمدانى))، قال أحمد: ((يرفع حديثاً لا يرفعه الناس))،
وهو ثقة، متكلم فيه. ومضى برقم: ١٦١٤، ٢٩٨٧، ٢٩٨٨ ، ١١١٥٦.
وهذا أيضاً إسناد ضعيف .
١٥٢
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
· ذكر من قال ذلك :
١٢٨٧٩ -حدثی یعقوب قال، حدثنا هشيم ، عن أبى بشر ، عن سعيد
ابن جبير فى قوله: ((لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم )»، قال : یعنی من ضلّ
من أهل الكتاب .
١٢٨٨٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير فى هذه الآية: (( لا يضركم من ضل
إذا اهتديتم)) ، قال : أنزلت فى أهل الكتاب .
٠
وقال آخرون : عنى بذلك كل من ضل عن دين الله الحق .
• ذكر من قال ذلك :
١٢٨٨١ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال،
قال ابن زيد فى قوله: (( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَل
إذا اهتديتم)) ، قال : كان الرجل إذا أسلم قالوا له : سفَّهت آباءك وضللتهم ،
وفعلت وفعلت، وجعلت آباءك كذا وكذا! كان ينبغى لك أن تنصرهم، وتفعل ! فقال
الله تعالى: ((يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضلّ إذا اهتديتم)).
٠ ٥
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال وأصحّ التأويلات عندنا بتأويل هذه
الآية، ما روى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه فيها، وهو: (( يا أيها الذين
آمنوا عليكم أنفسكم))، الزموا العملَ بطاعة الله وبما أمركم به، وانتهوا عما نها كم
الله عنه = (( لا يضركم من ضل إذا اهتديتم))، يقول: فإنه لا يضركم ضلال
من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، (١) وأدَّيتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم
٦٥/٧
(١) فى المطبوعة: ((إذا أنتم رمتم العمل بطاعة الله))، وهو لا معنى له، أساء قراءة ما فى
المخطوطة ، لسوء كتابتها .
١٥٣
تفسير سورة المائدة : ١٠٥
اللّه به فيه، من فرض الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر الذى يركبه أو يحاول
ركوبه ، والأخذ على يديه إذا رام ظلماً لمسلم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع
عن ذلك ، ولا ضير عليكم فى تماديه فى غيِّه وضلاله، إذا أنتم اهتديتم وأديتم
حق الله تعالى ذكره فيه .
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات فى ذلك بالصواب ، لأن الله تعالى ذكره أمر
المؤمنين أن يقوموا بالقسط ، ويتعاونوا على البر والتقوى . ومن القيام بالقسط، الأخذ
على يدى الظالم . ومن التعاون على البر والتقوى ، الأمر بالمعروف . وهذا مع ما
تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمره بالأمر بالمعروف
والنهى عن المنكر . ولو كان للناس تركُ ذلك، لم يكن للأمر به معنىً، إلا فى
الحال التى رخَّص فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تركَ ذلك، وهى حال العجز
عن القيام به بالجوارح الظاهرة، فیکون مرخصاً له تركه ، إذا قام حينئذ بأداء فرض
الله عليه فى ذلك بقلبه .
وإذا كان ما وصفنا من التأويل بالآية أولى، فبيِّنّ أنه قد دخل فى معنى قوله: ((إذا
اهتديتم ))، ما قاله حذيفة وسعيد بن المسيب من أن ذلك : ((إذا أمرتم بالمعروف
ونهيتم عن المنكر))، ومعنى ما رواه أبو ثعلبة الخشنى عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
٠ ٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جِيعاً فَيُنَبِثُكُم بِمَآَ
كُنْتَمْ تَعْمَلُونَ ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به من عباده : اعملوا، أيها المؤمنون ،
بما أمرتكم به ، وانتهوا عما نهيتكم عنه ، ومروا أهل الزَّيغ والضلال ومن حاد عن
١٠٤
تفسير سورة المائدة : ١٠٦،١٠٥
سبيلى بالمعروف، وانهوهم عن المنكر. فإن قبلوا، فلهم ولكم ، وإن تمادَوْا فى غيهم
وضلالهم، فإن إلىّ مرجع جميعكم ومصيركم فى الآخرة ومصيرهم، (١) وأنا العالم بما
يعمل جميعكم من خير وشر، فأخبر هناك كلّ فريق منكم بما كان يعمله فى
الدنيا، (٢) ثم أجازيه على عمله الذى قدم به علىّ جزاءه حسب استحقاقه، فإنه
لا يخفى علىَّ عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى.
#
القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيُّهَاَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهْدَةُ يَيْنِكُمْ
إِذَا حَضَرَ أَحَدَ كُمُ الْمَوْتُ حِيْنَ اَلْوَصِيّةِ أَثْنَنِ ذَوَاعَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: ((يا أيها الذين آمنوا شهادةُ
بينكم))، يقول: ليشهد بينكم = ((إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية))، يقول:
وقت الوصية = ((اثنان ذوا عدل منكم))، يقول: ذوا رشد وعقل وحجى من
المسلمين ، (٣) كما : -
١٢٨٨٢ -حدثنا محمد بنبشار وعبيد الله بن یوسف الجبیری قالا ، حدثنا
مؤمل بن إسمعيل قال ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب فى قوله :
﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْلِ مِنْكُمْ﴾، [سورة الطلاق: ٢]، قال: ذَوَى عقل. (٤)
٠٠٥ ٠
واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((ذوا عدل منكم)).
فقال بعضهم : عنى به : من أهل ملتكم .
(١) انظر تفسير ((المرجع)) فيما سلف ٦: ٤٦٤ / ١٠ : ٣٩١، تعليق: ٢.
(٢) انظر تفسير ((أنبأ)) فيما سلف من فهارس اللغة (نبأ).
(٣) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.
(٤) الأثر: ١٢٨٨٢ - ((عبيد الله بن يوسف الجبيرى))، ((أبو حفص البصرى))،
١٥٥
تفسير سورة المائدة : ١٠٦
ذكر من قال ذلك :
١٢٨٨٣ -حدثنا حمید بنمسعدة قال، حدثنا یزید بن زريع ، عن سعيد،
عن قتادة، عن سعيد بن المسيب قال: شاهدان ((ذواعدل منكم))، من المسلمين.
١٢٨٨٤ - حدثنا عمران بن موسى القزاز قال، حدثنا عبد الوارث بن سعيد
قال، حدثنا إسحق بن سويد، عن يحيى بن يعمر فى قوله: (( اثنان ذوا عدل
منكم)) ، من المسلمين .
١٢٨٨٥ - حدثنا ابن بشار وابن المثنى قالا ، حدثنا ابن أبى عدى ، عن
:.
سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب فى قوله: ((اثنان ذوا عدل منكم))، قال:
اثنان من أهل دينكم .
١٢٨٨٦ -حدثنا أبو كريبقال، حدثنا ابن إدريس ، عن أشعث ، عن
ابن سيرين ، عن عبيدة قال: سألته عن قول الله تعالى ذكره: ((اثنان ذوا عدل
منكم)) ، قال : من الملة .
١٢٨٨٧ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن هشام ، عن
ابن سيرين ، عن عبيدة ، بمثله = إلا أنه قال فيه : من أهل الملة .
١٢٨٨٨ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية ، عن هشام ، عن ابن
سيرين قال: سألت عبيدة عن هذه الآية: ((اثنان ذوا عدل منكم))، قال : من
أهل الملة .
١٢٨٨٩ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى ، عن ابن عون ، عن ابن
سيرين ، عن عبيدة ، مثله .
شيخ الطبرى، ثقة. روى له ابن ماجة. مترجم فى التهذيب. وفى المخطوطة: ((عبد الله بن يوسف))،
وهو خطأ. ومضى فى رقم: ١٠٩، ولم يترجم هناك.
وهذا الخبر فى تفسير الآية الثانية من ((سورة الطلاق))، ولم يذكره أبو جعفر هناك فى تفسير
الآية . فهذا من ضروب اختصاره تفسيره .
١٥٦
تفسير سورة المائدة : ١٠٦
١٢٨٩٠ -حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حسين ، عن زائدة ، عن هشام ،
عن ابن سيرين قال : سألت عبيدة ، فذكر مثله .
١٢٨٩١ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا ابن مهدی، عن حماد ، عن ابن
أبی نجیح= وقال ، حدثنا مالك بن إسمعیل ، عن حماد بن زيد ، عن ابن أبى
نجیح = عن مجاهد ، مثله .
٦٦/٧
١٢٨٩٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى قال ،
حدثی أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((ذوا عدل منكم))، قال : ذوا عدل
من أهل الإسلام .
١٢٨٩٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهبقال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((ذوا عدل منكم))، قال: من المسلمين.
١٢٨٩٤ -حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قال: كان سعيد بن المسيب يقول: ((اثنان ذوا عدل منكم))، أى: من
أهل الإسلام .
٠
٠
وقال آخرون : عنى بذلك : ذوا عدل من حىّ الموصى . وذلك قول روی عن
حكومة وعبيدة وعدّة غيرهما .
٠
واختلفوا فى صفة ((الاثنين)) اللذين ذكرهما الله فى هذه الآية، ما هى،
وما هما ؟
فقال بعضهم : هما شاهدان يشهدان على وصية الموصى .
وقال آخرون : هما وصيان
وتأويل الذین زعموا أنهما شاهدان. قوله : « شهادة بینکم ))، ليشهد شاهدان
١٠٧
تفسير سورة المائدة : ١٠٦
ذوا عدل منكم. على وصيتكم.
وتأويل الذين قالوا: ((هما وصیان لا شاهدان)) قوله: (( شهادة بينكم ))، بمعنى
الحضور والشهود لما يوصيهما به المريضُ، من قولك: ((شهدت وصية فلان))،
بمعنی حضرته . (١)
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بقوله: ((اثنان ذوا عدل منكم))، تأويلُ
من تأوّله بمعنى أنهما من أهل الملة ، دون من تأوّله أنهما من حىّ الموصى
وإنماقلنا ذلك أولى التأويلين بالآية، لأن الله تعالى ذكره، هم المؤمنين بخطابهم بذلك
فى قوله: ((يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية
اثنان ذوا عدل منكم ، فغير جائز أن یصرفما عمّه الله تعالی ذکره إلى الخصوص
إلا بحجة يجب التسليم لها . وإذا كان ذلك كذلك ، فالواجب أن يكون العائدُ من
ذكره على العموم ، (٢) كما كان ذكرهم ابتداءً على العموم.
٠
وأولى المعنيين بقوله: ((شهادة بينكم)) اليمين، لا «الشهادة )» التى يقوم بها
مَنْ عنده شهادة لغيره، لمن هى عنده، على مَن هى عليه عند الحكام. (٣) لأنا
لا نعلم لله تعالى ذكره حكماً يجب فيه على الشاهد اليمين ، فيكون جائزاً صرف
(الشهادة)) فى هذا الموضع، إلى (الشهادة)) التى يقوم بها بعض الناس عند
الحكام والأئمة .
(١) انظر تفسير ((شهد)) فيما سلف من فهارس اللغة، واختلاف معانيها .
(٢) فى المطبوعة: ((من ذكرهم))، وما فى المخطوطة صواب محض.
(٣) كان صدر هذه العبارة فى المخطوطة: ((شهادة بينكم، لأن الشهادة ... ))، أسقط
لفظ ((اليمين))، وجعل ((لا الشهادة))، ((لأن الشهادة)»، وهو فاسد، والذى فى المطبوعة هو
الصواب المحض إن شاء الله، وهو مطابق لما رواه القرطبى فى تفسيره ٦: ٣٤٨، عن أبى جعفر
الطبرى .
١٥٨
تفسير سورة المائدة : ١٠٦
وفى حكم الآية فى هذه ، اليمينَ على ذوى العدل = وعلى من قام مقامهم ،
باليمين بقوله (١): ((تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله )) = أوضحُ الدليل على
صحة ما قلنا فى ذلك، من أن ((الشهادة)) فيه: الأيمان ، دون الشهادة التى يقضى
بها للمشهود له على المشهود عليه = وفساد ما خالفه .
...
فإن قال قائل : فهل وجدت فى حكم الله تعالى ذكره يميناً تجب على المدَّعى ،
فتوجه قولك فى الشهادة فى هذا الموضع إلى الصحة ؟
فإن قلتَ: (( لا))، تبين فساد تأويلك ذلك على ما تأوّلت، لأنه يجب على هذا
التأويل أن يكون المقسمان فى قوله: ((فإن عثر على أنهما استحقا إثماً فآخران يقومان
مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان باللّه لشهادتنا أحق من شهادتهما))،
هما المدعيين .
وإن قلت: ((بلى))، قيل لك: وفى أىّ حكم للّه تعالى ذكره وجدتَ ذلك؟
قيل: وجدنا ذلك فى أكثر المعانى. وذلك فى حكم الرجل يدّعى قِبَل رجل
مالاً فيقرّ به المدّعَى عليه قِبّله ذلك ، ويدّعى قضاءه. فيكون القول قول رب
الدين = (٢) والرجل يعرّف فى يد الرجل السلعة، فيزعم المعرّف فى يده أنه اشتراها
من المدّعِى، أو أنّ المدعى وهبها له، وما أشبه ذلك مما يكثر إحصاؤه . وعلى هذا
الوجه أوجبَ اللّه تعالى ذكره فى هذا الموضع ليمين على المدعيين اللذين عثرا على
الخائنين فيما خانا فيه .(٣)
٠
٠
(١) فى المطبوعة هنا ((فى اليمين بقوله)) غير ما فى المخطوطة، وأفسد الكلام. والسياق ((وفى
حكم الآية ... باليمين ... أوضح الدليل ... ))
(٢) قوله: ((والرجل يعرف))، معطوف على قوله: ((فى حكم الرجل ... )). وكان فى
المطبوعة هنا (( والرجل يعترف ... فيزعم المعترفة))، وهو خطأ، وصوابه ما أثبت كما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: (( ... على الجانبين فيما جنيا فيه))، وهو لا معنى له هنا. وفى المخطوطة:
((على الجاسن فيما صاهما فيه))، وصواب قراءتها ما أثبت.
١٥٩
تفسير سورة المائدة : ١٠٦
قال أبو جعفر: واختلف أهل العربية فى الرافع قوله. ((شهادة بينكم))،
وقوله: (( اثنان ذوا عدل منكم)).
فقال بعض نحوبى البصرة: معنى قوله: ((شهادة بينكم))، شهاده اثنين
ذوى عدل، ثم ألقيت ((الشهادة))، وأقيم ((الاثنان)) مقامها، فارتفعا بما كانت
(( الشهادة ) به مرتفعة لو جعات فى الكلام . (١) قال: وذلك -فى حذفما حذف
منه ، وإقامة ما أقيم مقام المحذوف = نظيرُ قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾
[سورة يوسف: ٨٢]، وإنما يريد: واسأل أهل القرية، وانتصبت ((القرية))
بانتصاب ((الأهل))، وقامت مقامه، ثم عطف قوله: ((أو آخران)) على
((الاثنين)).
...
وقال بعض نحوبي الكوفة: رفع ((الاثنين)) ؛ ((الشهادة))، أى: ليشهد کم
اثنان من المسلمين ، أو آخران من غيركم .
٠ ٠
وقال آخر منهم: رفعت ((الشهادة))، ! ((إذا حضر)). وقال : إنما
رفعت بذلك، لأنه قال: ((إذا حضر)) فجعلها ((شهادة)) محذوفة مستأنفة، ٦٧/٧
ليست بالشهادة التى قد رفعت لكل الخلق، لأنه قال تعالى ذكره: ((أو آخران
من غيركم))، وهذه شهادة لا تقع إلا فى هذا الحال، وليست مما يثبت . (٢)
٠
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال فى ذلك عندى بالصواب ، قولُ من
قال: ((الشهادة)) مرفوعة بقوله: ((إذا حضر))، لأن قوله: ((إذا حضر))،
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((بما كانت الشاهدة به مرتفعة))، وهو خطأ لا شك فيه،
صوابه ما أثبت .
(٢) فى المطبوعة: ((ما ثبت))، وأثبت ما فى المخطوطة.
١٦٠
تفسير سورة المائدة : ١٠٦
بمعنى: عند حضور أحدكم الموت، و((الاثنان)) مرفوع بالمعنى المتوفّم، وهو: أن
يشهد اثنان = فاكتفى من قيل: ((أن يشهد))، بما قد جرى من ذكر ((الشهادة))
فى قوله: ((شهادة بينكم)).
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن ((الشهادة)) مصدر فى هذا الموضع ،
(الاثنان) اسم، والاسم لا يكون مصدراً. غير أن العرب قد تضع الأسماء مواضع
الأفعال. (١) فالأمر وإن كان كذلك ، فصرّفُ كل ذلك إلى أصح وُجُوهه
ما وجدنا إليه سبيلاً، أولى بنا من صرفه إلى أضعفها .
القول فى تأويل قوله ﴿أَوْ اخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره المؤمنين: ليشهد بينكم إذا حضر أحدكم
الموت ، عدلان من المسلمين ، أو آخران من غير المسلمين .
وقد اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((أو آخران من غيركم)).
فقال بعضهم : معناه : أو آخران من غير أهل ملتكم ، نحو الذى قلنا فيه .
• ذكر من قال ذلك :
١٢٨٩٥ - حدثنا حميد بن مسعدة وبشر بن معاذ قالا، (٢) حدثنا يزيد
ابن زريع، عن سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب: ((أو آخران من غيركم))،
من أهل الكتاب .
(١) (الأفعال)): المصادر. وانظر فهارس المصطلحات فيما سلف.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يونس بن معاذ))، وهو خطأ محض. و((بشر بن معاذ))
عن يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة)) إسناد دائر فى أكثر صفحات هذا التفسير.