Indexed OCR Text
Pages 121-140
١٢١
تفسير سورة المائدة : ١٢
وكان الفراء يقول: ((العَزْر))، الردُّ. ((عَزّرته))، رددته، إذا رأيته يظلم فقلت:
(اتق الله))، أو نهيته، فذلك ((العزر))
...
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندى فى ذلك بالصواب ، قول من
قال: ((معنى ذلك: نصرنموهم)). وذلك أن الله جل ثناؤه قال فى ((سورة الفتح)):
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ، لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتَعَزَّرُوهُ
وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [سورة الفتح: ٨، ٩]، فـ(التوقير)) هو التعظيم. وإذْ كان ذلك كذلك
کان القول فىذلك إنما هو بعضُ ما ذ کرنا من الأقوال التی حکیناها عمن حكينا
عنه . وإذا فسد أن يكون معناه : التعظيم = وكان النصر قد يكون باليد واللسان،
فأما باليد فالذبُّ بها عنه بالسيف وغيرِه ، وأما باللسان فحُسْن الثناء والذبّ عن
العرض = صحَّ أنه النصر، إذ كان النصر يحوی معنى كلّ قائلٍ قال فيه قولاً مما
حكينا عنه .
وأما قوله: ((وأقرضتم الله قرضاً حسناً))، فإنه يقول: وأنفقتم فى سبيل الله ،
وذلك فى جهاد عدوه وعدوكم = ((قرضاً حسناً))، يقول: وأنفقتم ما أنفقتم فى
سبيله ، فأصبتم الحق فى إنفاقكم ما أنفقتم فى ذلك، ولم تتعدوا فيه حدودَ اللّه
وما ندیکم إلیه وحثّكم علیه، إلى غيره .(١)
٠ ٠٠
فإن قال لنا قائل: وكيف قال: ((وأفرضتم اللّه قرضاً حسناً))، ولم يقل :
((إقراضاً حسناً))، وقد علمت أن مصدر ((أقرضت)) ((الإقراض))؟
قيل: لو قيل ذلك كان صواباً، ولكن قوله: ((قرضاً حسناً))، أخرج
ومن العجب العاجب شرح من شرح هذا البيت فقال! ((والهم ، بكسر اللام وسكون الهاء ،
الثور المسن ... ولعل الكلمة محرفة عن كلمة شهم». وهذا خلط لا يعلى عليه ، فتجنب مثله.
(١) انظر تفسير ((القرض))، و((القرض الحسن)) فيما سلفه: ٢٨٢، ٢٨٣،
/
- وقوله: ((إلى غيره)) متعلق بقوله ((ولم تتعدوا فيه .... )).
١٢٢
السير سورة المائدة : ١٢
مصدراً من معناه لامن لفظه . وذلك أن فى قوله: (( أقرض ))، معنى (( قرض ))،
كما فى معنى ((أعطى)) ((أخذ)). فكان معنى الكلام: وقَرَ ضْتم اللّه قرضاً حسناً.
ونظير ذلك: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَتَا﴾ [ سورة نوح: ١٧]، إذ كان
فى ((أنبتكم)) معنى: ((فنبتم))، وكما قال امرؤ القيس:
• وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَيَّ إِذْلال. (١)
إذْ كان فى ((رضت)) معنى ((أذللت))، فخرج ((الإذلال)) مصدراً من معناه
لا من لفظه . (٢)
...
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿لَأُ كَفِرَنْ عَنكُمْ سَبَِّّاتِكُمْ
وَلَأُدْخِلَنْكُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَاَ الْأَنْهُ﴾
قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بذلك بنى إسرائيل ، يقول لهم جل ثناؤه :
لأن أقمتم الصلاة ، أيها القوم الذين أعطونى ميثاقتهم بالوفاء بطاعتى واتباع أمرى ،
وآتيتم الزكاة، وفعلتم سائرَ ما وعدتكم عليه جنّتى = ((لأكفرن عنكم سيآتكم))،
(١) ديوانه: ١٤١، وغيره، وقبل البيت، يقول لصاحبته بعد ما سما إليها سمو حباب
الماء :
لَنَامُوا، فَمَا إِنْ من حَدِيثٍ ولا صَالِى
حَلَفْتُ لَهَا بِاللّهِ حَلْفَةً فَاجِرٍ
هَصَرَتْ بِغُصْنِ ذِى تَمَارِيخَ مِّيَّالِ
فَلَّا تَنَزَعْنَا الْحَدِيثَ وَأَسْمَحَتْ،
ورُضْتُ، فَذَلَّتْ صَعْبَةً أَّ إِذْلاَلِ !!
وَصِرْنَا إِلَى الحُسْنَى، وَرَقَّ كَلاَمُنَا
و ((راض الدابة أو غيرها يزوضها)): وطأها وذللها وعلمها السير.
(٢) انظر ما سلف ٥: ٥٣٣، ٥٣٤. هذا وقد سلف فى ٥: ٢٨٢، ٢٨٣»
((يقرض الله قرضاً حسناً))، فلم يستوف الكلام هناك. وهذا باب من أبواب اختصار أبى جعفر
تفسيره .
١٢٣
تفسير سورة المائدة : ١٢
يقول: لأغطين بعضوى عنكم - وصفحى عن عقوبتكم ، على سالف أجرامكم
التى أجرمتموها فيما بينى وبينكم (١) - على ذنوبكم التى سلفت منكم من عبادة
العجل وغيرها من موبقات ذنوبكم (٢)= ((ولأدخلنكم)) مع تغطيتى على ذلك منكم
بفضلى يوم القيامة = ((جنات تجرى من تحتها الأنهار )).
#
٥
فـ ((الجنات))، البساتين.(٣)
٥ ٠
۵
وإنما قلت معنى قوله: ((لأكفرّن))، لأغطين، لأن ((الكفر))، معناه
الجحود ، والتغطية ، والستر، كما قال لبيد :
• فِى لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَمُهاَ . (٤)
يعنى: غطاها، فـ((التكفير)) ((التفعيل)) من ((الكَفْر)).
واختلف أهل العربية فى معنى ((اللام)) التى فى قوله: ((لأكفرن)).
فقال بعض نحوبى البصرة: ((اللام)) الأولى على معنى القسم = يعنى ((اللام))
التى فى قوله: ((لئن أقمتم الصلاة)). قال : والثانية معنى قسمٍ آخر .
٩٩/٦
. ..
وقال بعض نحوبى الكوفة: بل ((اللام)) الأولى وقعت موقع اليمين ، فاكتفى
بها عن اليمين = يعنى بـ((اللام الأولى)): ((لْن أقمتم الصلاة)). قال: و((اللام))
الثانية = يعنى قوله: ((لأكفرن" عنكم سيآتكم)) = جواب لها، يعنى ((اللام)) التى
فى قوله: ((لئن أقمتم الصلاة))، واعتلّ لقيله ذلك بأن قوله: ((لئن أقمتم الصلاة))
(١) سياق الجملة: ((لأغطين بعفوى عنكم ... على ذنوبكم ... ))
(٢) انظر تفسير ((التكفير)) و((السيئات)) فيما سلف من فهارس اللغة، مادة (كفر)
و (سوا) .
(٣) انظر تفسير ((الجنات)) فيما سلف من فهارس اللغة (جنن).
(٤) سلف البيت وتمامه وتخريجه فى ١: ٢٥٥.
١٢٤
تفسير سورة المائدة : ١٢
غير تام، ولا مستغنٍ عن قوله: ((لأكفرن عنكم سيآتكم)). وإذ كان ذلك كذلك،
فغير جائز أن يكون قوله: ((لأكفرن" عنكم سيآتكم)) قسماً مبتدأ ، بل الواجب أن
یکون جواباً لليمين ، إذْ كانت غير مستغنية عنه .
٠٠٠
وقوله: (( تجرى من تحتها الأنهار)) ، يقول : تجرى من تحت أشجار هذه
البيهاتين التى أدخلكموها ، الأنهارُ .
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ
فَقَدْ صَلَّ سَوَآءَ السَّبيل )
قال أبو جعفر : يقول عز ذكره : فمن جحد منكم، يا معشر بنى إسرائيل ،
شيئاً مما أمرته به فتركه ، أو ركب ما نهيته عنه فعمله ، بعد أخذى الميثاق عايه
بالوفاء لى بطاعتى واجتناب معصيتى = ((فقد ضلَّ سواء السبيل))، يقول : فقد
أخطأ قصدَ الطريق الواضح، وزلَّ عن منهج السبيل القاصد .
((والضلال))، الركوب على غير هدى، وقد بينا ذلك بشواهده فى غير هذا الموضع. (١)
وقوله ((سواء)) يعنى به: وسط =: و((السبيل))، الطريق.
٥٠٠
وقد بينًّاتأويل ذلك كله فى غير هذا الموضع، فأغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٢)
٠ ٠
(١) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف ٢: ٤٩٥، ٦/٤٩٦: ٦٦، ٥٨٤ ،
ومواضع غيرها ، التمسها فى فهارس اللغة .
(٢) انظر تفسير ((سواء السبيل)) فيما سلف ٢ : ٤٩٦، ٤٩٧، وفهارس اللغة فى
(سوى) و (سبل).
تفسير سورة المائدة : ١٣
القول فى تأويل قوله عز ذكره (فَِمَا نَقْضِهِمٍ مِّثْقُهُمْ لَّهُمْ﴾
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد ،
لا تعجبن من هؤلاء اليهود الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليك وإلى أصحابك ،
ونكثوا العهد الذى بينك وبينهم ، غدراً منهم بك وبأصحابك ، فإن ذلك من عاداتهم
وعادات سَلّفهم ، ومن ذلك أنَّى أخذت ميثاق سلفهم على عهد موسى صلى اللّه
عليه وسلم على طاعتى، وبعثت منهم اثنى عشر نقيباً قد تُخُّرُوا من جميعهم ليتحسّسُوا
أخبار الجبابرة، ووعدتهم النصر عليهم، وأن أوربهم أرضَهم وديارهم وأموالهم، بعد ما
أريتهم من العبر والآيات. بإهلاك فرعون وقومه فى البحر، وفلق البحر لهم ، وسائر
العبر - ما أريتهم ، (١) فنقضوا ميثاقهم الذى واثقونى ، ونکثوا عهدى، فلعنهم
بنقضهم ميثاقهم . فإذْ كان ذلك من فعل خيارهم ، مع أيادىَّ عندهم ، فلا
تستنكروا مثله من فعل أراذلهم .
...
= وفى الكلام محذوف، اكتُفِى بدلالة الظاهر عليه. وذلك أن معنى الكلام:
((فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل )) - فنقضوا الميثاق ، فلعنهم =
((فيما نقضْهم ميثاقهم لعناهم))، فاكتفى بقوله: ((فيما نقضهم ميثاقهم )) من ذكر
(((فنقضوا)).(٢)
. ..
ويعنى بقوله جل ثناؤه: ((فيما نقضهم ميثاقهم ))، فبنقضهم ميثاقهم ، كما
قال قتادة .
١١٥٨٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة:
(١) السياق: ((بعد ما أريتهم من العبر والآيات ... ما أريتهم))، وما بين الخطين
فصل مفسر .
(٢) انظر تفسير ((النقص)) فيما سلف ٩ : ٣٦٣
١٢٦
تفسير سورة المائدة : ١٣
((فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم))، يقول: فينقضهم ميثاقهم لعناهم.(١)
١١٥٨٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال ، قال ابن عباس: ((فيما نقضهم ميثاقهم))، قال: هو ميثاق
أخذه الله على أهل التوراة فنقضوه .
٠ ٠
وقد ذكرنا معنى ((اللعن)) فى غير هذا الموضع. (٢)
٠ ٠
و(( الهاء والميم )) من قوله: (( فما نقضهم))، عائدتان علی ذ کر بنى إسرائيل قبل.
٠
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ وَجَعَلْاَ قُلُوبُهُمْ قْسِيَةً﴾
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة وبعض أهل مكة والبصرة والكوفة: ﴿قَاسِيَةً﴾
بالألف=
٠
٠
= على تقدير (( فاعلة)) من ((قسوة القلب))، من قول القائل: (( قَسَا قلبه، فهو
بقسُو، وهو قاسٍ ))، وذلك إذا غلظ واشتدّ وصار يابساً صلباً، (٣) كما قال الراجز:
* وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَتْ لِدَاتِى. (٤)
٥
. .
= فتأويل الكلام على هذه القراءة : فلعنَّا الذين نقضوا عهدى ولم يقُوا بميثاقى
من بنى إسرائيل، بنقضهم ميثاقهم الذى واثقونى = ((وجعلنا قلوبهم قاسية ))،
(١) الأثر: ١١٥٨٤ - فى المطبوعة والخطوطة: ((حدثنا كثير، قال حدثنا يزيد))،
وهو خطأ، وهو إسناد دائر فى التفسير.
(٢) انظر تفسير ((العن)) فيما سلف ٩: ٢١٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((القسوة)) فيما سلف ٢ : ٢٣٣.
(٤) مر تخريجه فيما سلف ٢: ٢٣٣، وانظر مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٥٨.
١٢٧
تفسير سورة المائدة : ١٣
غليظة يابسةً عن الإيمان بى ، والتوفيق لطاعتى ، منزوعةً منها الرأفةُ والرحمة .
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين: ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَّةً ﴾
٥
ثم اختلف الذين قرأوا ذلك كذلك فى تأويله .
فقال بعضهم: معنى ذلك معنى ((القسوة))، لأن ((فعيلة))، فى الذم أبلغ
من ((فاعلة))، فاخترنا قراءتها ((قسية)) على ((قاسية))، لذلك.
٠
٥
وقال آخرون منهم: بل معنى ((قسِيَّة)) غير معنى ((القسوة))، وإنما ((القسية))
فى هذا الموضع: القلوبُ التى لم يخلص إيمانها بالله، ولكن يخالط إيمانها كُفْر،
كالدراهم ((القَسِيَّة))، وهى التى يخالط فضّتها غشٌّ من نحاس أو رَصاص وغير
ذلك، كما قال أبو زُبَيْد الطائى :
لَهَا صَوَاهِلُ فِى مُمِّ الِسِّلَامِ، كَمَا صَاحَ الْقَسِيَّتُ فِى أَيْدِىِ الصَّارِيفِ (١) ١٠٠/٦
(١) المعانى الكبير: ١٠٢٤، ١٠٢٥، وأمالى القالى ١: ٢٨، وسمط اللآلى:
١٢٨، ٩٣١، واللسان (أمر) ( صهل) من قصيدته فى رثاء أمير المؤمنين المقتول ظلماً ، ذى
النورين عثمان بن عفان ، يقول فيها :
حَقًّا ، وَمَذَا يَرُدُّ الْيَومَ تْهِفِى !!
يَلَهْفَ نَفْسِى إِنْ كَانَ الَّذِى زَعُوا
كَرَاقِبِ الُونِ فَوْقَ القُّنَّةِ المُوفِى
إِنْ كَانَ عُثْمَانُ أَمْسَى فَوْقَهُ أَمَرُ
((الأمر)) (بفتحتين): الحجارة. و((العون)) جمع ((عانة))، وهى حمر الوحش. ((وراقب
العون)) : الفحل الذى يحوطها ويحرسها على مربأة عالية ، ينتظر مغيب الشمس فيرد بها الماء .
ثم يقول بعد ذلك :
مِنْ حُكْ عَدْلٍ وَجُودِغَيْرٍ مَكْفُوفٍ !!
يَا بُؤْسَ لْأَرْضِ، مَا غَلَتْ غَوَائِلُهَاَ
تَوَرَتْها مَسَلَحٍ كَالْمَنَسِيفِ
على جَنَبَيْهِ مِنْْ مَظَلُومَةٍ قِيمٌ*
صَاحَ القَسِيَّتُ فِ أَيْدِى الصَّرِيفِ
لَهَاَ صَوَاهِلُ فِى صُمِّ السَّلَامِ، كَمَا
طَيْرٌ تَكَشِفُ عَنْ جُونِ مَزَاحِيفٍ
كَأنَّهُنَّ بِأَيْدِى الْقَوْمِ فِ كَبَّدٍ
١٢٨
تفسير سورة المائدة : ١٣
يصف بذلك وقع مَسّاحى الذين حفروا قبر عثمان على الصخور ، وهى
(( السُّلام)).
قال أبو جعفر: وأعجبُ القرءتين إلىّ فى ذلك، قراءة من قرأ: (وَجَعَلْناً
قُلُوبِهُمْ قَسِيَّةً) على ((فعيلة))، لأنها أبلغ فى ذم القوم من(( قاسية)). وأولى التأويلين
فى ذلك بالصواب، تأويل من تأوله: ((فعيلة)) من ((القسوة))، كما قيل:
((نفس زکیة)) و ((زا کیة ))، و ((امرأة شاهدة))، و ((شهيدة ))،لأن الله جلثناؤه وصف
القوم بنقضهم ميثاقهم وكفرهم به، ولم يصفهم بشىء من الإيمان، فتكون قلوبهم
موصوفة بأنّ إيمانها يخالطه كفر، كالدراهم القَسِيَّة التى يخالط فضَّتها غشّ .
القول فى تأويل قوله عز ذكره ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ
مَواضِهِ،)
قال أبو جعفر : يقول عز ذكره : وجعلنا قلوب هؤلاء الذين نقضوا عهود نا
من بنى إسرائيل قَسِيَّة، منزوعاً منها الخير، مرفوعاً منها التوفيق ، فلا يؤمنون ولا
يهتدون، فهم لنزعِ اللّه عز وجل التوفيقَ من قلوبهم والإيمانَ، يحرّفون كلام
قوله: ((جنايه)) أى: جانبيه. ((مظلومة)): حفرت ولم تكن حفرت من قبل، يعنى أرض
لحده. (قيم)) جمع ((قامة)): يعنى ما ارتفع من ركام قراب القبر. و((المساحى)) جمع ((مسحاة)):
وهى المجرفة من الحديد. و((المناسيف)) جمع ((منسفة))، وهى آلة يقلع بها البناء وينسف، أصلب
وأشد من المسحاة. و ((الصواهل)) جمع ((صالة)) مصدر على ((فاعلة))، بمعنى ((الصبيل)):
وهو صوت الخيل الشديد، وكل صوت يشبهه. و((الصم)) جمع «أصم))، يعنى أنها حجارة صلبة
تصهل منها المساحى. و((السلام)) (بكسر الين) الصخور. و((الصياريف)) هم ((الصيارف))،
وزاد الياء للإشباع. و((الكبد)): الشدة. و((الجون)): السود. و((مزاحيف))، تزحف من
الإعياء، يعنى إيلا قد هلكت من الإعياء. شبه المساحى بأيدى القوم وهم يحفرون قبره ، بنسور
تقع على الإبل المعيبة ، ثم تنهض ، ثم تعود فتسقط عليها . وكان قبر عثمان فى حرة المدينة ذات الحجارة
السود، فلذلك قال: ((عن جون مزاحيف)).
١٢٩
تفسير سورة المائدة : ١٣
ربُّهم الذى أنزله على نبيهم موسى صلى الله عليه وسلم ، وهو التوراة، فيبدّلونه ،
ويكتبون بأيديهم غير الذى أنزله الله جل وعز على نبيهم، ثم يقولون الجهال الناس : (١)
((هذا هو كلام الله الذى أنزله على نبيه موسى صلى الله عليه وسلم، والتوراة التى
أوحاها إليه)). (٢) وهذا من صفة القرون التى كانت بعد موسى من اليهود ، ممن
أدرك بعضُهم عصرَ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن اللّه عزّ ذكره أدخلهم فى
عِدَاد الذين ابتدأ الخبر عنهم ممن أدرَك موسى منهم، إذ كانوا من أبنائهم ، وعلى
منهاجهم فى الكذب على الله، والفرية عليه ، ونقض المواثيق التى أخذها عليهم
فى التوراة ، كما : -
١١٥٨٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن
على، عن ابن عباس قوله: ((يحرّفون الكلم عن مواضعه))، يعنى: حدود الله فى
التوراة ، ويقولون : إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه، وإن خالفكم فاحذروا.
القول فى تأويل قوله عز ذكره (وَنَسُواْ حَظًّاً يِمَّاذُ كِرُواْ بِهِ>)
يعنى تعالى ذكره بقوله: (( ونسوا حظًّاً))، وتركوا نصيباً، وهو كقوله:
﴿فَهُوا اللهَ فَفَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة: ٦٧]، أى: تركوا أمر الله فتركهم اللّه. (٣)
٠٠
وقد مضى بيان ذلك بشواهده فى غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته. (٤)
٠٠٠
وبالذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
(١) فى المطبوعة: ((ويقولون))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((تحريف الكلم عن مواضعه)) فيما سلف ٢: ٨/٢٤٨: ٤٣٠ - ٤٣٢.
(٣) انظر تفسير ((النسيان)) فيما سلف ٢: ٩، ٥/٤٧٦ : ٦/١٦٤ : ١٣٣ - ١٣٥.
(٤) انظر التعليق السالف، وتفسير ((حظ)) فيما سلف من فهارس اللغة.
ج ١٠ (٩)
١٣٫٠
تفسير سورة المائدة : ١٣
• ذكر من قال ذلك :
١١٥٨٧- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((ونسوا حظًّا مما ذكروا به))، يقول: تركوا نصيباً .
١١٥٨٨ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا مبارك
ابن فضالة، عن الحسن فى قوله: ((ونسوا حظًّاً مما ذكروا به))، قال: تركوا عُرَى
دينهم، ووظائفَ الله جل ثناؤه التى لا تُقْبل الأعمال إلا بها.(١)
(٢
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَآَيَةِ
مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾
قال أبو جعفر : يقول تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولا تزال
يا محمد ، تَطَّلِيع من اليهود = الذين أنبأتك نبأهم، من نقضهم ميثاقى، ونكثهم
(١) ((الوظائف)) جمع ((وظيفة))، وهى من كل شىء، ما يقدر له فى كل يوم من رزق أو
طعام أو علف أو شراب. ثم قالوا: ((وظف الشىء على نفسه توظيفاً))، أى: ألزمها إياه، وقالوا:
((عليه كل يوم وظيفة من عمل))، أى: ما ألزم عمله فى يومه هذا. وعنى الحسن بقوله ((وظائف اللّه))،
فروضه التى ألزمها عباده فى الإيمان به، وطاعته ، وإخلاص النية له سبحانه . وهذا حرف ينبغى
تقييده فى كتب اللغة ، من كلام الحسن رضى الله عنه .
(٢) وضعت هذه النقط دلالة على سقط أو خرم فى نسخ ناسخ المخطوطة. وذلك أنه كتب
فى أول تفسير هذا الجزء من الآية: ((ونوا حظاً))، ثم ساق كلام أبى جعفر إلى آخر الخبر رقم:
١١٥٨٨
ثم بدأ بعد ذلك هكذا: ((القول فى تأويل قوله عز ذكره؛ ((ما ذكروا به)) - ثم ساق تفسير
الجزء التالى من الآية، وهو: ((ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم)). ولم يكتب هذا
الجزء من الآية، والتفسير تفسيرها. فاتضح من ذلك أن الناسخ نسى تفسير « مما ذكروا)) فسقط
منه. ولم يذكر الآية التى يفسرها كلام أبى جعفر .
هذا، وانظر معنى ((التذكير)) فيما سلف ٥: ٦/٥٨٠: ٦٢ - ٦٥، ٢١١ .
١٣١٠
تفسير سورة المائدة : ١٣
عهدى ، مع أيادئَّ عندهم ، ونعمت عليهم = على مثل ذلك من الغدر والخيانة=
((إلا قليلاً منهم))، إلا قليلاً منهم [ لم يخونوا].(١)
...
و ((الخائنة)) فى هذا الموضع: الخيانة، وُضع ـ وهو اسمٌ - موضع المصدر،
كما قيل: ((خاطئة))، للخطيئة، (٢) و((قائلة))، للقيلولة .
وقوله: ((إلا قليلامنهم))، استثناء من ((الهاء والميم)) اللتين فى قوله:
((على خائنة منهم)).
٠ ٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١١٥٨٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((ولا تزال تطلع على خائنة منهم))، قال: على خيانة
وكذب وفجور .
١١٥٩٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله جل وعزّ: ((ولا تزال تطلع
على خائنة منهم ))، قال : هم يهودُ، مِثْلُ الذى هموا به من النبى صلى اللّه عليه
وسلم يوم دخل حائطهم .
(١) فى المطبوعة، وقف عند قوله: ((إلا قليلا منهم))، وأسقط: ((إلا قليلا منهم لم يخونوا)).
وفى المخطوطة سقط من الناسخ ((لم يخونوا)) فكتب ((إلا قليلا منهم، إلا قليلا منهم)). واستظهرت
((لم يخونوا)) ووضعتها بين قوسين، من قوله بعد: إنه استثناء من الهاء والميم فى ((خائنة منهم)).
(٢) فى المطبوعة: ((خاطئة، الخطأة))، كأنه استنكرها، وسيأتى فى تفسير أبى جعفر
٢٩: ٣٣ (بولاق) فى تفسير قوله تعالى: ((والموتفكات بالخاطئة))، قال: ((بالخاطئة، يعنى
بالخطيئة)). وهكذا كتب أبو جعفر كما ترى، وإن كان لا يعجبنى هذا التمثيل ، بل كنت أوثر أن
يقول إنه مصدر جاء على فاعلة، مثل ((العافية)). إلا أن يكون أبو جعفر أراد أن ((الخطيئة))
مصدر على ((فعيلة)) كالشبيبة والفضيحة، وأشباهها، وهى قليلة.
١٣٢
تفسير سورة المائدة : ١٣
١١٥٩١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أب نجیح ، عن مجاهد ، بنحوه .
١١٥٩٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
١٠١/٦ قال ابن جريج، قال مجاهد وعكرمة قوله: ((ولاتزال تطلع على خائنة منهم))، من
يهود ، مثلُ الذى همُّوا بالنبى صلى اللّه عليه وسلم يوم دخل عليهم .
٠٠٠
وقال بعض القائلين: (١) معنى ذلك : ولا تزال تطلع على خائن منهم. قال :
والعرب تزيد ((الهاء)) فى آخر المذكر، كقولهم: ((هو راوية للشعر))، و« رجل
علامة))، وأنشد : (٢)
لِغَدْرِ خَائِنَةَ مُغِلَّ الإِصْبَعِ(٣)
حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالوَفَاءِ، ولمَ تَكُنْ
(١) ما أشد استنكار أبى جعفر لمقالات أبى عبيدة معمر بن المثنى، حتى يذكره مجهلا
بأساليب مختلفة !! وهذا الآتى هو نص كلام أبى عبيدة فى مجاز القرآن ١ : ١٥٨.
(٢) هو رجل من السواقط، من بنى أبى بكر بن كلاب. و((السواقط)) هم الذين يردون
اليمامة لامتيار التمر .
(٣٠) الكامل للمبرد ١: ٢١١، مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٥٨، وإصلاح المنطق:
٢٩٥، واللسان (صبع) (غلل) (خون). وهذا من شعر له خبر . وذلك أن هذا الشاعر لما ورد
اليمامة كان معه أخ له جميل ، فنزل جاراً لعمير بن سلمى ، فقال قرين أخو عمير الكلابى :
((لا تردن أبياتنا بأخيك هذا))، مخافة جماله، فرآه قرين بين أبياتهم بعد، وأخوه عمير غائب ،
فقتله . فجاء الكلابى قبر سلمى ( أبى عمير ، وقرين) فاستجار به وقال :
زَيْدَ بنِ يَرْبُوعِ وَآلَ مُجَمِّعِ
وَإِذَا أُسْتَجَرْتَ مِنَ الْيَمَامَةِ فَأُسْتَجِرْ
وَأَخُو الزَّمَانَةِ عَائِذٌ بِالْأَمْنَعِ
وَأَتَيْتُ سُلْمِيًّا فَعُذْتُ بِقَبْرِهِ
بِعَمَايَتَيْنِ إِلَى جَوَانِ ضَلْفَعِ
أَقَرِينُ إِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ فَوَّارِسِى
حَدَّثْتَ نَفْسَك
فلبأ قرين إلى وجود بنى حنيفة (وهم زيد بن يربوع، وآل مجمع)، فحملوا إلى الكلاب
ديات مضاعفة، فأبى أن يقبلها. فلما قدم عمير، فقالت له أمه: ((لا تقتل أخاك، وسق إلى
الكلاب جميع ماله))، فأبى الكلابى أن يقبل. فأخذ عمير أخاه قريناً فقتله ، وقال :
١٣٣
تفسير سورة المائدة : ١٣
فقال: ((خائنة))، وهو يخاطب رجلاً .
٠ ٥
قال أبو جعفر : والصواب من التأويل فى ذلك، القولُ الذى رويناه عن أهل
التأويل. لأنّ اللّه عنى بهذه الآية ، القوم من يهود بنى النضير الذين همُّوا بقتل
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إذ أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعينهم
فى دية العامريّين، فأطلعه الله عز ذكره على ما قد همُّوا به . ثم قال جل ثناؤه بعد
تعريفه أخبار أوائلهم، وإعلامه منهج أسلافهم، وأنّ آخرَهم على منهاج أولهم فى الغدر
والخيانة، لئلاً يكبُر فعلُهم ذلك على نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال جل ثناؤه:
ولا تزال تطَّع من اليهود على خيانة وغدرٍ ونقضٍ عهد = ولم يرد أنّه لا يزال يطلع
على رجل منهم خائنٍ . وذلك أن الخبر ابتدئ به عن جماعتهم فقيل: (( يا أيها الذين
آمنوا اذكرُوا نعمة الله عليكم إذ همّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم)»، ثم قيل :
(( ولا تزال تطلع على خائنة منهم))، فإذ كان الابتداء عن الجماعة، فالختْمُ بالجماعة
أولى .
٥
٥
وَكَانَ أَبُونَا قَدْ تُجِيرُ مَقَابِرُهْ
بِجَارِنَا
قَتَلْنَا أَخَانَا لِلْوَفَاءِ
وقالت أم عمير لعمير :
وَمَنْ يَقْتُلْ أَخَاهُ فَقَدْ أَلاَمَا
تَعُدُّ مَعَاذِراً لا عُذْرَ فِيهَا
وقوله: ((أخو الزمانة))، هى العاهة، يريد ضعفه عن درك ثأره. و((عمايتان)) و((ضلفع))
مواضع من بلاد هذا الكلابى. وقوله ((مغل الإصبع))، كناية عن الخيانة والسرقة. ((أغل يغل)):
خان الأمانة خلسة . ويقول بعضهم: ((مغل الإصبع))، منصوب على النداء .
(١) فى المطبوعة: ((فلتختم بالجماعة أولى))، ولست أدرى فيم يغير الصواب المستقيم!
١٣٤
تفسير سورة المائدة : ١٣
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ إِنَّ اللهَ
يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) )
قال أبو جعفر: وهذا أمر من الله عز ذكره نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم
بالعفوعن هؤلاء القوم الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود . يقول اللّه
جل وعز له : اعف، يا محمد، عن هؤلاء اليهود الذين همُّوا بما هموا به من بسط
أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جُرْمهم بترك التعرُّض لمكروههم،
فإنى أحب من أحسنَ العفو والصَّفح إلى من أساء إليه.(١)
٠٠ ٠
قاتلوا الذين
18
وكان قتادة يقول: هذه منسوخة. ويقول: نسختها آية ((براءة)):
لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾، الآية [سورة التوبة: ٢٩].
١١٥٩٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((فاعف عنهم واصفح))، قال: نسختها :
{ فَتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآ خِرٍ وَلاَ يُحْرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ
وَرَسُولُهُ﴾.
١١٥٩٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا حجاج بن المنهال قال ، حدثنا همام،
عن قتادة: ((فاعف عنهم واصفح إنّ الله يحب المحسنين))، ولم يؤمر يومئذٍ بقتالهم،
فأمره الله عز ذكره أن يعفو عنهم ويصفح. ثم نسخ ذلك فى ((براءة)) فقال:
﴿فَتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ
وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ
عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [سورة التوبة: ٢٩]، وهم أهل الكتاب، فأمر الله
(١) انظر تفسير ((العفو)) فيما سلف من فهارس اللغة = وتفسير ((الصفح)) فيما سلف
٢: ٥٠٣ = وتفسير ((المحسنين))، فيما سلف من فهارس اللغة.
١٣٥
تفسير سورة المائدة : ١٣ ، ١٤
جل ثناؤه نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم أن يقاتلهم حتى يسلموا أو يقرُّوا بالجزية .
١١٥٩٥ - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا عبدة بن سليمان قال ، قرأت
على ابن أبى عروبة ، عن قتادة، نحوه .
٠٠٠
قال أبو جعفر: والذى قاله قتادة غير مدفوع إمكانهُ، غير أن الناسخ الذى
لا شك فيه من الأمر ، هو ما كان نافياً كلَّ معانى خلافه الذى كان قبله ،
فأمَّا ما كان غير نافٍ جميعَه ، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلاّ بخبر من الله جل
وعز أو من رسوله صلى الله عليه وسلم. وليس فى قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ
بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾، دلالةٌ على الأمر بنفى معانى الصَّفْح والعفو عن اليهود .
وإذا كان ذلك كذلك = وكان جائزاً ، مع إقرارهم بالصَّغار وأدائهم الجزية
بعد القتال، الأمرُ بالعفو عنهم فى غَدْرة همُّوا بها، أو نكثةٍ عزموا عليها، ما لم
يَنْصِبُوا حرباً دون أداء الجزية، (١) ويمتنعوا من الأحكام اللاّزمَتِهم(٢) = لم يكن
واجباً أن يحكم لقوله: ﴿فَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾
الآية، بأنه ناسخ قوله: ((فاعف عنهم واصفح إنّ اللّه يحب المحسنين)).
٠
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَلُواْ إِنَّا ١٠٢/٦
نَصَرَىَّ أَخَذْنَ مِثْقُهُمْ فَسُواْ حَظًّا تِمَاذْ كُرُواْ بِهِ﴾﴾
قال أبو جعفر : يقول عز ذكره : وأخذنا من النصارى الميثاقَ على طاعتى
وأداء فرائضی ، واتباع رسلی والتصدیق بهم ، فسلکوا فی میثاقىالذى أخذتُه عليهم
(١) فى المطبوعة: ((ما لم يصيبوا حرباً))، والصواب المحض من المخطوطة. يقال: ((نصب
له الحرب نصباً)): وضعها وأظهرها، وأعلنها. و((ناصبه الحرب والعداوة)): أى أظهرها ولج
فى إظهارها .
(٢) فى المطبوعة: ((اللازمة منهم))، غير صواب المخطوطة، إلى ما درج عليه كلام أمثاله.
وقد مضى مثل ذلك مراراً ، ومضى مثل ذلك من فعل الناشر .
١٣٦
تفسير سورة المائدة : ١٤
منهاج الأمة الضالة من اليهود ، فبدلوا كذلك دينهم، ونقضوه نقضهم، (١) وتر کوا
حظّهم من ميثاقى الذى أخذته عليهم بالوفاء بعهدى ، وضيَّعوا أمرى، (٢) كما :-
١١٥٩٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((ومن الذين قالوا إنّا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظًّاً مما ذكروا به))، نسوا كتاب
اللّه بين أظهرهم، وعهدَ الله الذى عهده إليهم، وأمرَ اللّه الذى أمرهم به.
١١٥٩٧ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى قال : قالت النصارى مثل ما قالت اليهود ، ونسوا
حظًا مما ذكروا به .
٠ ٥
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ فَأَغْرَيْنَاَ ◌َيْنَهُمُ الْمَدَاوَةَ
وَاَلْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيْمَةِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فأغرينا بينهم ))، حرّشنا بينهم
وألقينا ، كما تغرى الشىء بالشىء.
يقول جل ثناؤه: لما ترك هؤلاء النصارى، الذين أخذتُ ميثاقهم بالوفاء بعهدى،
حظّهم مما عهدتُ إليهم من أمرى ونهى ، أغريتُ بينهم العداوة والبغضاء .
٠٠ ٠
ثم اختلف أهل التأويل فى صفة ((إغراء الله عز ذكره بينهم العداوة ،
والبغضاء)). (٣)
(١) فى المطبوعة: ((ونقضوا))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((أخذ الميثاق)) فيما سلف ص: ١١٠، تعليق: ١، والمراجع هناك =.
وتفسير ((النسيان)) و((الحظ)) فيما سلف ص: ١٢٩، تعليق: ٣، ٤، والمراجع هناك =
وتفسير (التذكير)) فيما سلف ص: ١٣٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((البغضاء)» فيما سلف ٧ : ١٤٦.
١٣٧
تفسير سورة المائدة : ١٤
فقال بعضهم : كان إغراؤه بينهم بالأهواء التى حدثت بينهم .
• ذكر من قال ذلك :
١١٥٩٨ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال : أخبرنا العوام
ابن حوشب، عن إبراهيم النخعى فى قوله: ((فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء))،
قال : هذه الأهواء المختلفة والتباغض، فهو الإغراء.
١١٥٩٩ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هرون ، عن العوام
ابن حوشب قال: سمعت النخعى يقول: ((فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء))،
قال : أغرى بعضهم ببعض بخصُومات بالجدال فى الدين .
١١٦٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى هشيم قال ،
أخبرنا العوام بن حوشب، عن إبراهيم النخعى والتّيمى قوله: ((فأغرينا بينهم العداوة
والبغضاء))، قال: ما أرى ((الإغراء)) فى هذه الآية إلاّ الأهواء المختلفة = وقال
معاوية بن قرة : الخصومات فى الدين تُحْبِط الأعمال .
#
#
وقال آخرون : بل ذلك هو العداوة التى بينهم والبغضاء .
• ذكر من قال ذلك :
١١٦٠١ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد .
عن قتادة: ((فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة)) الآية، إنّ القوم لما
تركوا كتابَ الله، وعصَوْا رسله، وضَيّعوا فرائضه، وعطّلوا حدُوده ، ألقى بينهم
العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، بأعمالهم أعمال السوء، ولو أخذ القوم كتاب
الله وأمرَه، ما افترقوا ولا تباغَضُوا .
٠
قال أبو جعفر : وأولى التأولين فى ذلك عندنا بالحق، تأويلُ من قال: ((أغرى
بينهم بالأهواء التى حدثت بينهم))، كما قال إبراهيم النخعى ، لأن عداوة النصارى
١٣٨
تفسير سورة المائدة : ١٤
بينّهم ، إنما هى باختلافهم فى قولهم فى المسيح، وذلك أهواءٌ ، لا وحىٌ من الله.
...
واختلف أهل التأويل فى المعنىّ؛ ((الهاء والميم)) اللتين فى قوله: ((فأغرينا بينهم)).
فقال بعضهم: عنى بذلك اليهود والنصارى . فمعنى الكلام على قوليهم وتأويلهم:
فأغرينا بين اليهود والنصارى، لنسيانهم حظًّاً مما ذكروا به .
• ذكر من قال ذلك :
١١٦٠٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدى: وقال فى النصارى أيضاً: ((فنسوا حظًّا مما ذكروا به))،
فلما فعلوا ذلك، أغرى اللّه عز وجل بينهم وبين اليهود العداوة والبغضاءَ إلى يوم
القيامة .
١١٦٠٣ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة))، قال: هم اليهود والنصارى.
قال ابن زيد : كما تُغْرى بين اثنين من البهائم .
١١٦٠٤ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((فأغرينا بينهم العداوة
والبغضاء))، قال : اليهود والنصارى .
١١٦٠٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد، مثله .
١٠٣/٦
١١٦٠٦ - حدثنى القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان،
عن معمر ، عن قتادة قال : هم اليهود والنصارى، أغرى اللّه بينهم العداوة والبغضاء
إلى يوم القيامة .
۵
٥
وقال آخرون: بل عنى اللّه بذلك النصارَى وحدَها . وقالوا : معنى ذلك:
فأغرينا بين النصارى، عقوبةً لها بنسيانها حظًا مما ذكرت به . قالوا: وعليها عادت
١٣٩
تفسير سورة المائدة : ١٤
((الهاء والميم)) فى ((بينهم))، دون اليهود.
• ذكر من قال ذلك :
١١٦٠٧ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله
ابن أبى جعفر، (١) عن أبيه ، عن الربيع، قال: إن الله عز ذكره تقدَّم إلى
بنى إسرائيل: أن لا تشتروا بآيات الله ثمنا قليلاً، وعلموا الحكمة ولا تأخذوا عليها
أجراً ، فلم يفعل ذلك إلا قليل منهم، فأخذُوا الرّشوة فى الحكم، وجاوزوا الحدود ،
فقال فى اليهود حيث حكموا بغير ما أمر الله: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [ سورة المائدة: ٦٤]، وقال فى النصارى: ((فنسوا حظًّاً مما ذكروا
به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة )).
...
قال أبو جعفر : وأولى التأولين بالآية عندى ما قاله الربيع بن أنس، وهو
أنّ المعنىّ بالأغراء بينهم ، النصارى، فى هذه الآية خاصة = وأنّ ((الهاء والميم))
عائدتان على النصارى دون اليهود، لأن ذكر ((الإغراء)) فى خبر الله عن النصارى،
بعد تقضَّى خبره عن اليهود، وبعد ابتدائه خبرَه عن النصارى، فلأَنْ يكون
ذلك معنيًّاً به النصارى خاصّةً، (٢) أولى من أن يكون معنيًّا به الخزبان جميعاً، لما
ذ کرنا .
. . .
فإن قال قائل : وما العداوة التى بين النصارى، فتكون مخصوصة بمعنى ذلك ؟
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((عبيد الله بن أبى جعفر))، والصواب ((عبد الله)) كما أثبته،
وهو «عبد اللّه بن أبى جعفر الرازى))، مضى مئات من المرات فى الأسانيد السالفة.
(٢) فى المطبوعة: ((فأن لا يكون ذلك معنياً به إلا النصارى خاصة))، وهو كلام برىء
من العربية. وفى المخطوطة: ((فلا يكون ذلك معنياً به إلا النصارى خاصة))، وهو مثله، ولكنه
سهو من الناسخ وغفلة، أخطأ فكتب ((فلأن يكون)) ((فلا يكون))، ثم زاد ((إلا)). وهذا كله
فساد ، صوابه ما أثبت .
.
١٤
تفسير سورة المائدة : ١٤، ١٥
قيل : ذلك عداوة النسطورية واليعقوبية، الملكية = والملكية، النسطورية"
واليعقوبية". (١) وليس الذى قاله من قال: ((معنىّ بذلك: إغراء اللّه بين اليهود
بامصارى)) ببعيد، غير أن هذا أقرب عندى، وأشبهُ بتأويل الآية ، لما ذكرنا .
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ وَسَوْفَ يُنَدِّئُهُمُ اللهُ بِمَ
كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾ ( !! )
قال أبو جعفر : يقول جل ثناؤه لنبيه محمَّد صلى الله عليه وسلم: اعفُ عن
هؤلاء الذين همُّوا ببسط أيديهم إليك وإلى أصحابك واصفح ، فإن الله عز وجل
من وراء الانتقام منهم ، وسينبتهم اللّه عند ورودهم عليه فى معادهم ، بما كانوا فى
الدنیا يصنعون ، من نقضهم میثاقه ، ونکهم عهده ، وتبدیلهم کتابه ، وتحريفهم
أمره ونهيه ، فيعاقبهم على ذلك حسب استحقاقهم .
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَ كُمْ
رَسُولُنَاَ يُبَِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا ◌ِمَا كُنتُمْ تُغْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيْفُوا
مَن كَثِيرٍ )
قال أبو جعفر : يقول عز ذكره لجماعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى
الذين كانوا فى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أهل الكتاب )) من اليهود
والنصارى = ((قد جاءكم رسولنا))، يعنى محمّداً صلى الله عليه وسلم، كما : -
(١) فى المطبوعة: ((ذلك عداوة النسطورية واليعقوبية والملكية النسطورية واليعقوبية)).
وهو كلام خال من المعنى، صوابه من المخطوطة. يعنى عداوة هؤلاء لهؤلاء = وعداوة هؤلاء لهؤلاء.