Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ تفسير سورة النساء : ١٦٣ وقال آخرون : بل قالوا = لما أنزل الله الآيات التى قبل هذه فى ذكرهم = : (ما أنزل الله على بشر من شىء، ولا على موسى، ولا على عيسى))! فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿وَمَ قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ الله عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَىْءٍ﴾، [سورة الأنعام: ٩١]، ولا على موسى ولا على عيسى. • ذكر من قال ذلك : ١٠٨٤١ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظى قال: أنزل الله: (( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء)) إلى قوله : « وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً ))، فلما تلاها عليهم = يعنى : على اليهود = وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة، جحدوا كل ما أنزل الله، وقالوا: (( ما أنزل اللّه على بشر من شىء، ولا على موسى ولا على عيسى !! وما أنزل الله على نبى من شىء ))! قال: فحلَّ حُبْوَتَه وقال: (١) ولا على أحد !! فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقِّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَىْءٍ﴾ [ سورة الأنعام: ٩١ ] ٥ وأما قوله: ((وآتينا داود زبوراً))، فإن القرأة اختلفت فى قراءته . فقرأته عامة قرأة أمصار الإسلام، غير نفر من قرأة الكوفة: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُدَ . زَبُوراً)، بفتح ((الزاى)) على التوحيد، بمعنى: وآتينا داود الكتاب المسمى ((زبوراً). ... وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفيين: ﴿وَآتَيْنَاَ دَاوُدَ زُبُوراً﴾، بضم ((الزاى)) جمع ((زَبْرٍ)). كأنهم وجهوا تأويله : وآتينا داود كتباً وصحفاً مَزْبورة . ... (١) ((الحبوة)) (بضم الحاء وفتحها، وسكون الباء): الثوب الذى يحتبى به. و((الاحتباء)): أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشده عليها. وقد يكون ((الاحتباء)) باليدين عوض الثوب . ج ٩ (٢٦) ٤٠٢ تفسير سورة النساء : ١٦٣، ١٦٤ من قولهم: (زَبَرَت الكتاب أزْبُرُه زَبْرًا)) و((ذَبُرته أُذْ بُرهذَبْراً))، إذا كتبته.(١) ٠٠٠ قال أبو جعفر : وأولى القراءتين فى ذلك بالصواب عندنا ، قراءة من قرأ: (وآتينا داوُد ز بوراً) ،بفتح (( الزاى))، على أنه اسم الكتاب الذى أوتيه داود ، كما سمى الكتاب الذى أوتيه موسى ((التوراة))، والذى أوتيه عيسى ((الإنجيل))، والذى أوتیه محمد (( الفرقان))،لأن ذلك هو الاسم المعروف به ما أوتی داود . وإنما تقول العرب: ((زَبُور داود))، بذلك تعرف كتابَه سائرُ الأمم . ٥٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَرُسُلَا قَدْ قَصَصْتُهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ تَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلًِا) ( ٢١/٦ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: إنا أوحينا إليك ، كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل قد قصصناهم عليك ، ورسل لم نقصصهم عليك . ٠٠٠ فلعل قائلا يقول : فإذا كان ذلك معناه، فما بال قوله: (( ورسلاً )» منصوباً غير مخفوض ؟ قيل: نصب ذلك إذ لم تعد عليه ((إلى)) التى خفضت الأسماء قبله ، وكانت الأسماء قبلها ، وإن كانت مخفوضة ، فإنها فى معنى النصب . لأن معنى الكلام : إنا أرسلناك رسولاً كما أرسلنا نوحاً والنبيين من بعده، فعُطفت (الرسل)) على معنى الأسماء قبلها فى الإعراب، لانقطاعها عنها دون ألفاظها،إذ لم يعد عليها ما خفضها، كما قال الشاعر . (٢) (١) انظر تفسير ((الزبور)) فيما سلف ٧: ٤٥٠، ٤٥١، وبين هنا ما أجمله هناك، وهذا من ضروب اختصاره التفسير . (٢) لم أعرف قائله. ٤٠٣ تفسير سورة النساء : ١٦٤ لَوْ جِئْتَ بِالْخُبْزِ لَهُ مُنَشْرَا وَالْبَيْضَ مَطْبُوخاَ مَعَ والشّكَّرًا لمَ يُرْضِهِ ذُلِكَ حَتّى يَشْكَرًا (١) . . . وقد يحتمل أن يكون نصب ((الرسل))، لتعلق ((الواو)) بالفعل ، بمعنى: وقصصنا رسلاً عليك من قبل ، كما قال جل ثناؤه: ﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاء فِرَتِهِ وَالظَّالِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيماً﴾ [سورة الإنسان: ٣١].(٣) ٠ # وقد ذكر أن ذلك فى قراءة أبىّ ﴿وَرُسُلٌ قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلٌ كَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾، فرفعُ ذلك، إذ قرئ كذلك، بعائد الذكر فى قوله : ((قصصناهم عليك)). (٣) وأما قوله: ((وكلم الله موسى تكليماً))، فإنه يعنى بذلك جل ثناؤه: وخاطب الله بکلامه موسی خطاباً ، وقد :- ١٠٨٤٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا نوح ابن أبى مريم، وسئل : كيف كلم الله موسى تكليماً ؟ فقال: مشافهة . (٤) ٠ ٠ (١) فى المخطوطة: ((لو جيت لنا بالخير مبشراً))، وهو فاسد جداً، والصواب ما فى المطبوعة. وقوله: ((منشراً)) أى مبسوطاً بسطاً، كما يبسط الثوب، كأنه يعنى الرقاق بعضه على بعض. (٢) قد بين أبو جعفر ذلك فى تفسير ((سورة الإنسان)) ٢٩: ١٤٠ (بولاق) فقال : و«نصب (الظالمين) لأن الواو ظرف (((أعد)). والمعنى: وأعد الظالمين عذاباً أيماً)). (٣) انظر معانى القرآن الفراء !: ٢٩٥. (٤) الأثر: ١٠٨٤٢ - ((فرح بن أبي مريم))، أبو عصمة القرشى، قاضى مرو. كان أبوه مجوسیاً ویقال له: ((فوح الجامع ))، وممی (( الجامع ))، لأنه أخذ الفقه عن أبى حنيفة وابن أبى ليل ، والحديث عن حجاج بن أرطاة وطبقته، والتفسير عن الكلبى ومقاتل، والمغازى عن ابن إسحق ، وكان مع ذلك عالماً بأمور الدنيا . وكان شديداً على الجهمية والرد عليهم ، تعلم منه نعيم بن حماد الرد على الجهمية . ولكنه كان مع ذلك كله ذاهب الحديث ، ليس بثقة ، لا يجوز الاحتجاج به . وقال ابن حبان: ((نوح الجامع: جمع كل شىء إلا الصدق)) !! مترجم فى التهذيب، والكبير ١١١/٢/٤، وابن أبى حاتم ٤ /٤٨٤/١. وفى المخطوطة إشكال، وذلك أن فيها: ((نوح بن أبى هند))، واضحة الكتابة جداً ، ولكنى ٤, تفسير سورة النساء : ١٦٤ وقد :- ١٠٨٤٣ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن ابن مبارك، عن معمر ويونس ، عن الزهرى ، عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال ، أخبرنى جزى بن جابر الخثعمى قال: سمعت كعباً يقول : إن الله جل ثناؤه لما كلم موسى، كلمه بالألسنة كلها قبل كلامه = يعنى : كلام موسى - فجعل يقول : يا رب، لا أفهم !حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة ، فقال: يا رب هكذا كلامك؟ قال: لا، ولو سمعت كلامى = أى: على وجهه = لم تك شيئاً! = قال ابن وكيع : قال أبو أسامة( !! ): وزادنى أبو بكر الصغانى فى هذا الحديث أن موسى قال : يارب ، هل فى خلقك شىء يشبه كلامك ؟ قال : لا ، وأقرب خلقى شبهاً بكلامى، أشدُّ ما تسمع الناسُ من الصواعق.(١) لم أجد ((نوح بن أبى هند))، ولم أستطع أن أجد له تصحيفاً أو تحريفاً. فأبقيت ما فى المطبوعة على حاله ، وأثبت هذا الذى فى المخطوطة ، عسى أن أوفق بعد إلى الصواب فى هذا الإسناد . (١) الأثر: ١٠٨٤٣ - ((أبو أسامة))، هو: حماد بن زيد بن أسامة)) مضى برقم: ٢٢٦٥، والاختلاف فى اسمه. و((أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام))، مضت ترجمته رقم : ٢٣٥١، ٧٨٢٠ . و « جزی بن جابر الخثعمی»، ترجم له البخاری فی الکبیر ٢٥٤/٢/١، ٢٥٥، باسم ((جرز بن جابر الخثعمى)) وقال: ((قاله أبو اليمان، عن شعيب، عن أبى بكر بن عبد الرحمن)). ثم قال: ((وقال عبد الرزاق، عن معمر: جريز بن جابر الخثعمى)) [قلت: الصواب ((جزى))، كما فى مخطوطة الطبرى، وكما نص عليه ابن أبى حاتم كما سيأتى]. ثم قال البخارى: ((وقال يونس وابن أخى الزهرى والزبيدى: جزء)». ثم قال أيضاً: (( وقال إسماعيل ، عن أخيه سليمان عن ابن أبى عتيق: جرو بن جابر)) [قلت: وهو الإسناد الآتى رقم: ١٠٨٤٦]. أما ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٥٤٦/١/١، ٥٤٧، فقد ترجم له باسم: ((جزء ابن جابر الخثعمى))، وقال: ((فى رواية شعيب بن أبى حمزة، عن الزهرى))، فدل هذا على أن ترجمة البخارى له، جائز أن تكون باسم ((جزء بن جابر))، بل أرجح أن ذلك هو الصواب إن شاء الله. ثم قال ابن أبى حاتم: ((وفى رواية معمر: جزى بن جابر، وهو وهم تابعه عليه الزبيدى)»، فوافق البخارى فى رواية معمر، وخالفه فى متابعة الزبيدى، فإن البخارى قال عنه فى روايته (جزء)). ثم قال أيضاً: ((ويقال: حزن بن جابر)) سمعت أبى يقول ذلك))، وأخشى أن يكون فى نسخة ابن أبى حاتم تحريف، وأن يكون صوابها كما فى البخارى: ((جرو)) بالراء، أو ((جزو)» بالزاى. وكل هذا مشكل لا يهتدى فيه إلى اليقين، إنما هو النقل. ثم انظر الآثار من رقم : ١٠٨٤٥ - ١٠٨٤٧ ٠ ٤٠٥ تفسير سورة النساء : ١٦٤ ١٠٨٤٤ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن عمر بن حمزة ابن عبد الله بن عمر قال، سمعت محمد بن كعب القرى يقول : مثل موسى: ما شبهت كلام ربك مما خلق ؟ فقال موسى: الرعد الساكب.(١) ١٠٨٤٥ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، حدثنا عبد الله بن وهب وكان فى المطبوعة: ((جزء بن جابر))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب الذى يدل عليه كلام البخارى وابن أبي حاتم ، لأن هذه هى رواية معمر . ثم يأتى إشكال آخر، ففى المخطوطة: «قال ابن كعب، قال أبو أسامة، وزادفى أبو بكر المغافى . .. ) . أما ((ابن كعب))، فضلاً ظاهر لا شك فيه، إنما هو كما فى المطبوعة: ((ابن وكيع))، وسها التاسيخ، لذكر((كعب الأحبار)) فى الخبر، فضلته الكافات فى ((وكيع)) و((كعب)) حتى نى فكتب ((ابن كب)). وأما الإشكال، فإن ((أبا بكر الصغافى))، هو ((محمد بن إمحق بن جعفر)) الحافظ الرحلة، وهو شيخ الطبرى، مضمت روايته عنه فى مواضع ، انظر رقم : ٤٠٧٤، وفيها ترجمته ، ورقم : ٤٣٣٠. وروى عنه فى المنتخب من ذيل المذيل (الملحق بتاريخ) ص: ١٠٤، كما أشرت إليه. ولا شك فى أن ((أبا أسامة حماد بن زيد))، لم يرو عنه قط. فواضح أن القائل: ((وزادنى أبو بكر الصغافى)) هو أبو جعفر محمد بن جرير نفسه . وإذن، فما قوله: ((قال ابن وكيع، قال أبو أسامة))؟ لا أدرى على التحقيق، فإما أن يكون سقط من الناسخ شىء. وإما أن يكون المملى (أبو جعفر، أو غيره)، أراد أن ينتقل إلى الإسناد التالى رقم: ١٠٨٤٤، فأعلى صدر الإسناد، ثم عاد لما فاته من تتمة كلام أبى جعفر فى الخير ١٠٨٤٣، وهو قوله: ((وزادفى أبو بكر الصغافى)»، ولم يتبه الكاتب عنه لما وقع فيه المعلى من التردد. هذا غاية ما أجد من تفسير ذلك. هذا، والمخطوطة لا يعتمد عليها فى هذا الموضع كل الاعتماد ، لأن فيها خرماً أو حلفاً كما سترى فى الأسانيد: ١٠٨٤٥ - ١٠٨٤٧، وقد وحده العلم. وكتبه : محمود محمد شاكر . وقد كان فى المطبوعة: ((أشد ما تسمع))، وأثبت ما فى الخطوطة. (١) الأثر: ١٠٨٤٤ - ((عمر بن حمزة بن عبد الله بن عمر بن الخطاب))، مضى برقم: ٧٨١٩. وقد كان فى المخطوطة: (( ... عبد الله بن عمرو))، وهو خطأ بين. وقوله: ((الرعد الساكب))، هكذا قرأتها، وفى المخطوطة والمطبوعة: ((الرعد الساكن)) بالنون فى آخره، ولست أجد لها معنى يعقل. أما ((الماكب))، فإنه الوصف المعقول فى صفة شدة صوت الرعد، وذلك تتابعه وانسياحه. وفى الحديث: «فإذا سكب المؤذن بالأولى من صلاة الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين»، وذلك صفة المؤذن إذا أذن، فأطال فى أذانه وردده ورجعه، وأصله من ((سكب الماء))، ثم استمير ((السكب)) للإفاضة فى الكلام أو غيره من الأصوات، كما يقال: ((أفرغ فى أنف حديثاً))، أى: أتى وصب. ٤٠٦ تفسير سورة النساء : ١٦٤ قال ، أخبرنى يونس ، عن ابن شهاب قال ، أخبرنى أبو بكر بن عبد الرحمن : أنه أخبره عن جزء بن جابر الخثعمی قال: لما کلّم الله موسی بالألسنة کلها قبل لسانه، فطفق يقول: والله يا رب، ما أفقه هذا !! حتى كلمه بلسانه آخر الألسنة بمثل صوته ، فقال موسى: يا ربُّ هذا كلامك؟ قال : لا . قال : هل فى خلقك شىء يشبه كلامك ؟ قال : لا ، وأقرب خلفى شبهاً بكلامى ، أشد ما يسمع الناس من الصواعق .(١) ١٠٨٤٦ - حدثنى أبو يونس المكى قال، حدثنا ابن أبى أويس قال ، أخبرنی أخى، عن سلیمان، عن محمد بن أبی عتیق ، عن ابن شهاب، عن أبى بكر ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أنه أخبره جزء بن جابر الخثعمى : أنه سمع [ كعب ] الأحبار يقول: لما كلم الله موسى بالألسنة كلها قبل لسانه، فطفق موسى يقول: أى رب، والله ما أفقه هذا !! حتى كلمه آخر الألسنة بلسانه بمثل صوته ، فقال موسى : أى رب ، أهكذا كلامك ؟ فقال : لو كلمتك بكلامى لم تكن شيئاً ! قال : أى رب، هل فى خلقك شىء يشبه كلامك ؟ فقال : لا ، وأقرب خلقى شبهاً بكلامى ، أشدّ ما يسمع من الصواعق . (٢) (١) الأثر: ١٠٨٤٥ - ((جزء بن جابر الخثعمى))، هذا هو الصواب، لأنه رواية يونس عن ابن شهاب الزهرى ، التى أشار إليها البخارى ، كما أثبته فى التعليق على الأثر رقم : ١٠٨٤٣. (٢) الأثر: ١٠٨٤٦ - ((أبو يونس المكى)) شيخ الطبرى، لم أعرفه، ولم أجده، ولم تمر بى قبل ذلك له رواية عنه . و ((ابن أبى أويس)) هو: ((إسماعيل عبد الله بن أويس بن مالك الأصبحى)) مضت ترجمته برقم : ٠٤٥ و((أخوه)) هو: ((أبو بكر: عبد الرحمن بن عبد الله بن أويس))، مضى أيضاً برقم: ٤٥. و((سليمان))، هو: ((سليمان بن بلال التيمى القرشى)). مضى برقم: ٤٣٣٣، ٤٩٢٣. و ((ابن أبى عتيق)) أو ((محمد بن أبى عتيق))، هو: ((محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبى بكر الصديق))، مضت ترجمته برقم: ٤٩٢٣، ١٠٣١٧. وهذا هو الإسناد الذى أشار إليه البخارى، كما ذكرت فى التعليق على الأثر رقم : ١٠٨٤٣ ، وأن روايته فيه ((جرو بن جابر))، وذكره ابن أبى حاتم أيضاً، فانظر ما قلت فيه هناك. ١٠٠ ٤٠٧ تفسير سورة النساء : ١٦٤، ١٦٥ ١٠٨٤٧ - حدثنا ابن عبد الرحيم قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا زهير ، عن يحيى ، عن الزهرى ، عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، عن جزء بن جابر : أنه سمع كعبً يقول : لما كلم الله موسى بالألسنة قبل لسانه ، طفق موسى يقول : أى رب، إنى لا أفقه هذا !! حتى كلمه اللّه آخر الألسنة بمثل لسانه ، فقال موسى: أى رب، هذا كلامك؟ قال الله: لو كلمتك بكلامى لم تكن شيئاً! قال ، يا رب، فهل من خلقك شىء يشبه كلامك ؟ قال : لا ، وأقرب خلفى شبهاً بكلامى، أشدُّ ما يسمع من الصواعق .(١) القول فى تأويل قوله ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِثْلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) (٢٠) ٢٢/٦ قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بذلك : إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، ومن ذكر من الرسل (٢)= ((رسلاً))، فنصب ((الرسل)) على القطع من أسماء الأنبياء الذين ذكر أسماءهم (٣) = ((مبشرين))، يقول: أرسلتهم رسلاً إلی خلقی وعبادی ،مبشرین بثوابی من أطاعی واتبع أمری وصدّق رسلى، ومنذرين وكان فى المطبوعة هنا: ((أنه سمع الأحبار تقول))، ولكن تدل الروايات السالفة والآتية، وما أشار إليه البخارى وابن أبى حاتم، أن صواب ذلك ((كعب الأحبار))، فزدت ((كعب)) بين القوسين ، وهو الصواب المحض إن شاء الله . (١) الأثر: ١٠٨٤٧ - هذا إسناد لم يشر إليه البخارى ، ولا ابن أبى حاتم . هذا، والأخبار الثلاثة الأخيرة من رقم : ١٠٨٤٥ - ١٠٨٤٧، ليست فى المخطوطة . فكأن الناسخ قد اختصر فى كتابه . ومهما يكن من أمر هذا الخبر ، فإن صفة ربنا تعالى ذكره وتقدست أسماؤه ، مما لا يؤخذ عن كعب الأحبار وأشباهه ، بل الأمر فيها لله وحده، هو كما يثنى على نفسه ، وكما بلغ عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، لا كعب الأحبار ومن لف لفه . (٢) فى المخطوطة: ((ومن ذكر الرسل))، باسقاط ((من))، والصواب ما فى المطبوعة. (٣) فى المطبوعة والخطوطة: ((فنصب به الرسل))، بزيادة ((به))، والصواب حذفها. انظر معنى ((القطع)) فيما سلف من. فهارس المصطلحات. ٤٠٨ تفسير سورة النساء : ١٦٥ عقابى من عصانى وخالف أمرى وكذب رسلى = ((لئلا" يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ))، يقول: أرسلت رسلى إلى عبادى مبشرين ومنذرين، لئلا يحتجٌ من كفر بى وعبد الأنداد من دونى ، أو ضل عن سبيلى بأن يقول إن أردتُ عقابه: ﴿لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْاَ رَسُولاً فَتَتَّبِعَ آيَتِكَ مِنْ قَبْلٍ أَنْ نَذِلَّ وَتَخْزَى﴾ [سورة طه: ١٣٤]. فقطع حجة كلّ مبطل ألحدَ فى توحيده وخالف أمره، بجميع معانى الحجج القاطعة عذرّه ، إعذاراً منه بذلك إليهم ، لتكون لله الحجة البالغة عليهم وعلى جميع خلقه . وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٠٨٤٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ؛ حدثنا أسباط، عن السدى: ((لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل))، فيقولوا : ما أرسلت إلينا رسلاً . = ((وكان الله عزيزاً حكيماً))، يقول: ولم يزل الله ذا عزة فى انتقامه ممن انتقم [منه] من خلقه، (١)علی کفره به،ومعصیته إياه، بعد تثبيته حجته عليه برسله وأدلَّتَه = ((حكيماً))، فى تدبيره فيهم ما دبّره.(٢) ٠ ٠ (١) الزيادة بين القوسين لابد منها لسياق الكلام. (٢) انظر تفسير (عزيز)) فيما سلف: ص ٤٠٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك = وتفسير ((حكيم)» فيما سلف من فهارس اللغة. ٤٠٩ تفسير سورة النساء : ١٦٦ القول فى تأويل قوله ﴿َلكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْيِهِ وَالْتَلَّكَةُ يَشْهَدُونَ وَكْفُ بِأَقِ شَهِدًا﴾ (٦) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : إن يكفر بالذى أوحينا إليك ، يا محمد ، اليهود الذين سألوك أن تنزل عليهم كتاباً من السماء ، وقالوا لك: ((ما أنزل اللّه على بشر من شىء)) فكذبوك، فقد كذبوا. ما الأمر كما قالوا: لكن الله يشهد بتنزيله إليك ما أنزل من كتابه ووحيه، أنزى ذلك إليك بعلم منه بأنك خيرته من خلقه، وصفیُه من عباده ، ویشهد لك بذلك ملائكته، فلا يحزنك تكذیبُ من كذَّبك، وخلافُ من خالفك = ((وكفى بالله شهيداً))، يقول: وحسبك بالله شاهداً على صدقك دون ما سواه من خلقه، فإنه إذا شهد لك بالصدق ربك، لم يَضِرْك تكذيب من كذّبك. ... وقد قيل: إن هذه الآية نزلت فى قوم من اليهود، دعاهم النبى صلى الله عليه وسلم إلى اتباعه، وأخبرهم أنهم يعلمون حقيقة نبوته، فجحدوا نبوَّته وأنكروا معرفته . . ذكر الخبر بذلك : ١٠٨٥٠ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس ، عن محمد بن إسحق قال ، حدثی محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت قال ، حدثی سعید بن جبير = أو عكرمة = عن ابن عباس قال : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من يهود، فقال لهم: إنى والله أعلم إنكم لتعلمون أنّى رسول الله! فقالوا: ما نعلم ذلك! فأنزل الله: ((لكن اللهيشهد بما أنزلإليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدونوكفى باللهشهيداً)). ١٠٨٥١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق قال، حدثنى محمد بن أبی محمد، عن عكرمة وسعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم عصابة من اليهود، ثم ذكر نحوه.(١) (١) الأثران: ١٠٨٥٠، ١٠٨٥١ - سيرة ابن هشام ٢: ٢١١ مع اختلاف فى لفظه، وهو تابع الأثر السالف رقم : ١٠٨٤٠ . ٤١٠ تفسير سورة النساء : ١٦٦ ، ١٦٧ ١٠٨٥٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : « لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون و کفی بالله شهيداً))، شهودٌ واللّه غير مُنَّهمة. ٠ ٥ القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَّلاً بَعِيِدًا﴾ (١) قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين جحدوا، يا محمد، نبوتك بعد علمهم بها، من أهل الكتاب الذين اقتصصت عليك قصتهم ، وأنكروا أن يكون الله جل ثناؤه أوحى إليك كتابه = ((وصدوا عن سبيل الله))، يعنى: عن الدين الذى بعثَك اللّه به إلى خلقه، وهو الإسلام . وكان صدهم عنه ، قِيلُهم للناس الذين يسألونهم عن محمد من أهل الشرك: « ما نجد صفة محمد فی کتابنا ! !، وادعاؤهم أنهم عُهِد إليهم أن النبوّة لا تكون إلا فى ولد هرون ومن ذرية داود ، وما أشبه ذلك من الأمور التى كانوا يثبُطُون الناس بها عن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتصديق به وبما جاء به من عند الله . وقوله: ((قد ضلُّوا ضلالاً بعيداً))، يعنى: قد جاروا عن قصد الطريق جوراً شديداً ، وزالوا عن المحجة .(١) وإنما يعنى جل ثناؤه بجورهم عن المحجة وضلالهم عنها ، إخطاء هم دين الله ٢٣/٦ الذى ارتضاه لعباده، وابتعث به رسله. يقول: من جحد رسالة محمد صلى الله (١) انظر تفسير ((الصد)) فيما سلف ص: ٣٩١، تعليق: ٣، والمراجع هناك. وانظر تفسير «سبيل اللّه)) فى فهارس اللغة . ٤١١ تفسير سورة النساء : ١٦٧ ، ١٦٨ ، ١٦٩ عليه وسلم، وصدَّعما بُعث به من الملة من قبل منه، فقد ضلّ مذهب عن الدين الذى هو دين الله الذى ابتعث به أنبياءه، ضلالاً بعيداً. (١) القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللهُ ◌ِْفِرَلَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقً (١٠) إِلَّ طَرِيقَ جَّمَ خْلِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : إن الذين جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا بالله بجحود ذلك ، وظلموا بمُقامهم على الكفر على علم منهم ، بظلمهم عبادَ الله ، وحسداً للعرب، وبغياً على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم = ((لم يكن اللّه ليغفرلهم))، يعنى: لم يكن اللّه ليعفو عن ذنوبهم بتركه عقوبتهم عليها، ولكنه يفضحهم بها بعقوبته إياهم عليها (٢) = ((ولا ليهديهم طريقاً))، يقول : ولم يكن اللّه تعالى ذكره ليهدى هؤلاء الذين كفروا وظلموا ، الذين وصفنا صفتهم ، فيوفقهم لطريق من الطرق التى ينالون بها ثوابَ اللّه ، ويصلون بلزومهم إياه إلى الجنة ، ولكنه يخذلهم عن ذلك ، حتى يسلكوا طريق جهنم . وإنما كنى بذكر ((الطريق)) عن الدين . وإنما معنى الكلام: لم يكن اللّه لیوفقهم للإسلام، ولکنه یخذطے عنه إلى «طريق جهنم))، وهو الكفر، یعنی : حتی یكفروا بالله ورسله ، فيدخلوا جهنم = ((خالدين فيها أبداً))، يقول: مقيمين فيها أبداً = ((وكان ذلك على اللّه يسيراً))، يقول : وكان تخليدُ هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم فى جهنم ، (١) انظر تفسير ((ضل ضلالا بعيداً) فيما سلف ص: ٣١٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٢) فى المطبوعة: ((إياهم عليهم))، والصواب من المخطوطة. ٤١٢ تفسير سورة النساء: ١٦٩، ١٧٠ على اله يسيراً ، لأنه لا يقدر من أراد ذلك به على الامتناع منه، ولا له أحد يمنعه منه ، ولا يستصعب عليه ما أراد فعله به من ذلك ، وكان ذلك على الله يسيراً ، لأن الخلق خلقُهُ، والأمرَ أمرُه. القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيَُّ النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُمُ الرَّسُولُ بِأَلْقٍ مِن رَّبْكُمْ فَلمِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ◌ِهِ مَا فِ السَُّوَّتِ وَأَلْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ ١٧ قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((يا أيها الناس))، مشركى العرب ، سائر أصنافالكفر = (( قد جاء کم الرسول )) ، یعنی: محمداً صلی الله عليه وسلم، قد جاءكم= (( بالحق من ربكم )) ، يقول: بالإسلام الذى ارتضاه الله لعباده دیناً، یقول := ((من ربکم )، یعنی: من عند ربكم(١)= ((فآمنوا خیراً لکما، يقول: فصدًّقوه وصد قوا بما جاءكم به من عند ربکم من الدین ، فإن الإيمان بذلك خير لكم من الكفر به= ((وإن تكفروا))، يقول : وإن تجحدوا رسالته وتگذّبوا به وبما جاءكم به من عند ربكم ، فإن جحودكم ذلك وتكذيبكم به ، لن يضرّ غيركم ، وإنما مکررهُ ذلك عائدٌ علیکم، دون الذی أمركم بالذیبعث به إليكم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، (أ) وذلك أن لله ما فى السموات والأرض، ملكاً وخلقاً ، لا ینقص کفرکم بما کفرتم به من أمره ، وعصیانكم إياه فيما عصيتموه فيه ، من ملكه وسلطانه شيئاً (٣) = ((وكان الله علیماً حكيماً))، يقول: (( وكان الله علیماً ))، بما (١) انظر تفسير ((من ربكم)) بمثله، فيما سلف ٦ : ٤٤٠. (٢) فى المطبوعة: ((دون الله الذى أمركم ... ))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٣) السياق: لا ينقص كفركم ... من ملكه وسلطانه شيئاً)). ٤١٣ تفسير سورة النساء : ١٧٠ أنتم صائرون إليه من طاعته فيما أمركم به وفيما نهاكم عنه ، ومعصيته فى ذلك ، على علم منه بذلك منكم، أمركم ونهاكم (١) = ((حكيماً)) يعنى: حكيماً فى أمره إیا کم بما أمرکم به ، وفی نهیه إیا کم عما نها كم عنه ، وفى غير ذلك من تدبيره فیکم وفی غیر کم من خلقه . (٢) ٠ ٥ واختلف أهل العربية فى المعنى الذى من أجله نصب قوله: ((خيراً لكم)). فقال بعض نحوبى الكوفة: نصب ((خيراً)) على الخروج مما قبله من الكلام، (٣) لأن ما قبله من الكلام قد تمّ، وذلك قوله: ((فآمنوا)). وقال: قد سمعت العرب تفعل ذلك فى كل خبر كان تامًا ، ثم اتصل به كلام بعد تمامه ، على نحو اتصال ((خير)) بما قبله. فتقول: ((لتقومن خيراً لك)) و((لو فعلت ذلك خيراً لك))، و((اتق الله خيراً لك)). قال: وأما إذا كان الكلام ناقصً، فلا يكون إلاّ بالرفع، كقولك: ((إن تق الله خير لك))، و﴿وَأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) [سورة النساء: ٢٥° ٥ وقال آخر منهم: جاء النصب فى ((خير)) ، لأن أصل الكلام : فآمنوا هو خيرٌ لكم، فلما سقط ((هو))، الذى [هو كناية] ومصدرٌ ، (٤) اتّصل الكلام بما قبله ، والذى قبله معرفة، و((خير)) نكرة، فانتصب لاتصاله بالمعرفة .... لأن الإضمار من الفعل ((قم فالقيام خير لك))، (٥) و((لا تقم فترك القيام خير لك)). فلما سقط اتصل (١) فى المطبوعة: ((وعلى علم ... ) بزيادة الواو، وأثبت ما فى المخطوطة (٢) انظر تفسير ((عليم)) و((حكيم)) فيما سلف من نهارس اللغة. (٣) انظر ((الخروج)) فيما سلف من فهارس المصطلحات. (٤) فى المطبوعة: ((الذى هو مصدر))، وفى المخطوطة ((الذى مصدر))، ورجحت أن الصواب ما أثبت، لأن تأويل الكلام ، على مذهبه هذا: فالإيمان خير لكم، فالضمير ((هو)) كناية عن ((الإيمان)»، وهو مصدر . (٥) أخشى أن يكون سقط قبل قوله: ((لأن الإضمار من الفعل: ((قم فالقيام خير لك ... )) إلى آخر الكلام، ما يصلح أن يكون هذا تابعاً له، كأنه ضرب مثلين هما: ((قم خير لك)) و((لا تقم خير لك)). ومع ذلك فقد تركت الكلام على حاله، ووضعت بينه نقطاً للدلالة على ذلك ... ٤١٤ تفسير سورة النساء : ١٧٠ بالأول . وقال : ألا ترى أنك ترى الكناية عن الأمر تصلح قبل الخبر ، فتقول للرجل: ((اتق الله هو خير لك))، أى: الاتقاء خير لك. وقال : ليس نصبه على إضمار (( يكن))، لأن ذلك يأتى بقياس يُبْطل هذا. ألا ترى أنك تقول: ((اتق الله ٢٤/٦ تكن محسناً))، ولا يجوز أن تقول: ((اتق الله محسناً))، وأنت تضمر ((كان))، ولا يصلح أن تقول: ((انصرنا أخانا))، وأنت تريد: ((تكن أخانا)) ؟(١) وزعم قائل هذا القول أنه لا يجيز ذلك إلا فى ((أفعل)) خاصة، (٢) فتقول: ((افعل هذا خيراً لك))، و(لا تفعل هذا خيراً لك))، و((أفضل لك)).، ولا تقول: ((صلاحاً لك)). وزعم أنه إنما قيل مع ((أفعل))، لأن ((أفعل)) يدل على أن هذا أصلح من ذلك. . . . وقال بعض نحوبى البصرة: نصب ((خيراً))، لأنه حين قال لهم: ((آمنوا))، أمرهم بما هو خيرٌ لهم، فكأنه قال: اعملوا خيراً لكم، وكذلك: ﴿انْتَهُوا خَيْراً لَكَمْ﴾ [سورة النساء: ١٧١]. قال: وهذا إنما يكون فى الأمر والنهى خاصة ، ولا يكون فى الخبر = لا تقول: ((أن أنتهى خيراً لى))؟(٣) ولكن يرفع على كلامين، لأن الأمر والنهى يضمر فيهما = فكأنك أخرجته من شىء إلى شىء ، لأنك حين قلت له: (( انته))، (٤) كأنك قلت له: (( اخرج من ذا، وادخل فى آخر»، (٥) واستشهد بقول الشاعر عمر بن أبى ربيعة : (١) من أول قوله: ((ألا ترى أنك ترى الكناية ... )) إلى هذا الموضع، هو نص كلام الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٩٥، ٢٩٦. فظاهر إذن أن هذه مقالة الفراء، ما قبل هذا، وما بعده. إلا أنى لم أجده فى هذا الموضع من معانى القرآن ، فلعل أبا جعفر جمعه من كتابه فى مواضع أخر ، على أن أهتدى إليها فأشير إليها بعد . (٢) فى المخطوطة: ((أفعال خاصة))، وهو خطأ ظاهر. (٣) فى المطبوعة: ((أنا أنتهى)) والصواب من المخطوطة. (٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((اتقه)) بالقاف، والصواب ((انته))، لأن المثال قبله : ((أن أنتهى خيراً لى)). (٥) فى المخطوطة ((وأخرج فى آخر))، خطأ ظاهر. وهذا القول الذى ذكره هو قول سيبويه فى الكتاب ١ : ١٤٣، وبسط القول فيه ، واختصره أبو جعفر . : ٤١٥ تفسير سورة النساء : ١٧٠ ، ١٧١ فَوَاعِدِيهِ مَرْحَتَى مَالِكٍ أَوِ الرَّبِى بَيْنَهُمَاَ أَسْهَلاَ(١) كما تقول: ((واعديه خيراً لك)). قال: وقد سمعت نصب هذا فى الخبر ، تقول العرب: ((آتى البيت خيراً لى، وأتركه خيراً لى))، وهو على ما فسرت لك فى الأمر والنهى. (٢) ٠ ٠ وقال آخر منهم: نصب ((خيراً))، بفعل مضمر، واكتفى من ذلك المضمر بقوله: (٣)(لا تفعل هذا)) أو ((افعل الخير))، وأجازه فى غير ((أفعل))، فقال: ((لاتفعل ذاك صلاحاً لك)). وقال آخر منهم: نصب (خيراً)) على ضمير جواب ((يكن خيراً لكم)). (٤) وقال : كذلك كل أمر ونهى . (٥) القول فى تأويل قوله ﴿ يَأَهْلَ الْكِتَّبِ لَا تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اللهِ إِلَّ الْقَّ) قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( يا أهل الكتاب ))، يا أهل الإنجيل من النصارى = ((لا تغلوا في دينكم))، يقول : لا تجاوزوا الحق فى دينكم فتفرطوا فيه ، ولا تقولوا فى عيسى غير الحق ، فإن قيلكم فى عيسى إنه ابن اللّه ، قول منكم (١) ديوانه: ١٣١، سيبويه ١: ١٤٣، الخزانة ١: ٢٨٠ وغيرها كثير، وبعد البيت: وَلْيَأْتِ إِنْ جَاءَ عَلَى بَغْلَةٍ إِنَّ أَغَفُ الْمُهْرَ أَنْ يَضْهَلاَ! وقوله: ((أسهلا))، أى: انت أسهل الأمرين عليك. هذا تفسيره على مقالة سيبويه . (٢) هذا تمام كلام سيبويه، ولكن أعيانى أن أجد مكانه فى الكتاب . (٣) فى المطبوعة: ((كقوله: لا تفعل هذا))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٤) قوله: ((ضمير)) هو، الإضمار، مصدر - لا بمعنى مضمر فى اصطلاح سائر النحاة. وانظر ما سلف ١: ٤٢٧، تعليق: ٢/١: ١٠٧، تعليق: ٨/١: ٢٧٣، تعليق: ١. (٥) هذه مقالة أبى عبيدة فى مجاز القرآن ١ : ١٤٣. ٠ ٤١٦ تفسير سورة النساء : ١٧١ على اللّه غير الحق . لأن الله لم يتخذ ولداً فيكون عيسى أو غيره من خلقه له ابناً = ((( ولا تقولوا على الله إلاّ الحق)). ٠ وأصل(«الغلو»، فى كل شىء مجاوزة حده الذى هو حدّه . يقال منه فى الدين: (وقد غلا فهو يغلو غلوًّا))، و((غَلاَ بالجارية عظمها ولحمها))، إذا أسرعت الشباب فجاوزت لِدَاتها = ((يغلوبها غُلُوًّا، وغَلاَءَ))، ومن ذلك قول الحارث بن خالد المخزومى : رُؤُدُ الشّبَبِ غَلَا بِهِاَ عَظٍ (١) خُبْصَانَةٌ قَلِقٌ مُؤَشِّحُها وقد : - ٥ ١٠٨٥٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، (١) الأغانى ٩: ٢٢٦، مجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٤٣، اللسان (غلا) . وفى الأغانى ((علا)) بالعين المهملة، وهو خطأ يصحح. وقد مضى بيت من هذه القصيدة فى ١ : ١١٦، تعليق : ٣، وذكرت خبرها هناك، وهو من أبيات يذكر فيها صاحبته وما مضى من أيامه وأيامها : غُنْمُ أُمْنِيّةٌ، وَكَلاَمُهَاَ إِذْ وُدُّهَا صَفٍ، وَرُؤُيَتُهَاَ حَجْمُ عَجْزَاهِ لَيْسَ لِعَظْمِهَاَ لَفَّهِ عَمْلُوٌ مُخْدَخَلُهَا ◌ُمْصَانَةٌ . تَحْتَ الثِّيَابِ، إِذَا صَغَا النَّجْمُ وَكَأَنَّ غَلِيَةً تُبَاشِرُها وهو شعر جيد، وصفة حسنة للمرأة. ((لفاء))، ملتفة الفخذين، مكتنز لحمها ، وهو حسن فى النساء، قبيح فى الرجال. ((مملوء مخلخلها))، موضع خلخالها، خفيت عظامها تحت اللحم ، وهو صفة حسنة، لم تظهر عظامها كأنها دقت بالمسامير. ((عجزاء)): حسنة العجيزة. ((خصانة)) (بفتح الخاء وضمها): ضامرة البطن. ((قلق موشحها)»، قد استوى خلقها ، فالوشاح يجول عليها من ضمورها، لم يمتلىء لحماً يجعلها لحمة واحدة !! ((رؤد الشباب)): شابة حسنة تهتز من النعمة وإشراق اللون. و((الغالية)): ضرب من الطيب. ((صغا النجم)): مال المغيب، وذلك فى مطلع الفجر ، حين تعمير أفواه البشر وأبدانهم، وتظهر لها رائحة لا تستحب . وقل فى الناس من يكون بهذه الصفة !! ٠٠ ٤١٧ تفسير سورة النساء : ١٧١ عن أبيه ، عن الربيع قال : صاروا فريقين: فريق غلّوا فى الدين ، فكان غلوم فيه الشك فيه والرغبة عنه ، وفريق منهم قصَّروا عنه ، ففسقوا عن أمر ربهم . القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّمَا اُلْسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ ◌ٍ أَلْقُهَا إِلَى مَرْتَ وَرُوحٌ مِّنْهُ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((إنما المسيح عيسى بن مريم)) ، ما المسيح، أيها الغالون فى دينهم من أهل الكتاب، بابن اللّه، كما تزعمون، ولكنه عيسى بن مريم ، دون غيرها من الخلق ، لا نسب له غير ذلك . ثم نعته الله جل ثناؤه بنعته ووصفه بصفته فقال: هو رسول اللّه أرسله الله بالحق إلى من أرسله إليه من خلقه . ٠٠ ٠ وأصل ((المسيح))، ((الممسوح))، صرف من ((مفعول)) إلى ((فعيل)). وسماه الله بذلك لتطهيره إياه من الذنوب. وقيل: مُسيح من الذنوب والأدناس التى تكون فى الآدميين ، كما يمسح الشىء من الأذى الذى يكون فيه ، فيطهر منه . ولذلك قال مجاهد ومن قال مثل قوله: ((المسيح ))، الصدّيق.(١) ٠ وقد زعم بعض الناس أنّ أصل هذه الكلمة عبرانية أو سريانية ((مشيحا))، فعربت فقيل: ((المسيح))، كما عرب سائر أسماء الأنبياء التى فى القرآن مثل : (١) انظر ما سلف ٦: ٤١٤، فهناك تجد قول مجاهد هذا. وقد علقت هناك، وأثرت إلى اختصار أبى جعفر، ورجحت ما فى الكلام نقص . وهذا الموضع من كلامه يدل على أن أبا جعفر نفسه هو الذى اختصر الكلام اختصاراً هناك، من النسيان فيما أرجح ، أو لأنه ألف تفسيره على فترات تباعدت عليه . ولولا ذلك لأشار هنا - كعادته - إلى الموضع السالف الذى فسر فيه معنى ((المسيح)). ج ٩ (٢٧) ٤١٨ تفسير سورة النساء : ١٧١ (((إسمعیل )) و ((إحق)) و (( موسى) و (عيسى). ٠٠٠ قال أبو جعفر: وليس ما مثّل به من ذلك ( ((المسيح)) بنظير. وذلك أن (إسماعيل)) و((إسحق)) وما أشبه ذلك، أسماء لا صفات، و((المسيح)) صفة. وغير جائز أن تخاطب العرب ، وغيرها من أجناس الخلق، فى صفة شىء إلا بمثل ما تفهم معمَّن خاطبها. ولو كان ((المسيح)) من غير كلام العرب، ولم تكن العرب تعقل معناه ، ما خوطبت به . وقد أتينا من البيان عن نظائر ذلك فيما مضى بما فیه الکفایة عن إعادته .(١) ٠ وأما (المسيح الدجال))، فإنه أيضاً بمعنى: الممسوح العين، صرف من ((مفعول)) إلى ((فعيل)). فمعنى: ((المسيح)) فى عيسى صلى الله عليه وسلم: الممسوح البدن من الأدناس والآثام = ومعنى: ((المسيح)) فى الدجال: الممسوح العين اليمنى أو اليسرى، ٢٥/٦ كالذى روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك. (٢) ٠ ٠٠ وأما قوله: ((وكلمته ألقاها إلى مريم))، فإنه يعنى: بـ ((الكلمة))، الرسالة التى (١) انظر ما سلف ١ : ١٣ - ٢٤. (٢) هو ما جاء فى الأحاديث الصحاح عن جماعة من الصحابة فى صفة المسيح الدجال ، أعاذنا الله من فتنته. من ذلك حديث حذيفة (مسلم ١٨ : ٦٠) قال : ﴿ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدَّجَّلُ أعورُ العَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَال الشَّعَرَ، معهُ جِئَّةٌ ونارٌ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ، وَجَنَّتُهُ نارٌ﴾ . وحديث ابن عمر : ﴿أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر الدجّال بين ظَهْرَانَى الناس فقال: إِنّ الله ليسَ بأَعْور، أَلاَ وإنَّ المسيحَ الدَّجَّالَ أعْوَرُ العين اليُمنى، كأن عينه عِنْبَةٌ طَافِيةٌ﴾. وأحاديث الدجال كثيرة ، مختلفة الألفاظ ، مختصرة ومطولة . فالهم إنى أعوذ بك من عذاب جهنم ، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ، ومن فتنة المسيح الدجال . ٤١٩ تفسير سورة النساء : ١٧١ أمرَ الله ملائكته أن تأتى مريم بها ، بشارةً من اللّه لها، التى ذكر الله جل ثناؤه فى قوله: ﴿إِذْ قَلَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [سورة آل عمران: ٤٥]، يعنى: برسالة منه، وبشارة من عنده. ٠٠٠ وقد قال قتادة فى ذلك ما : - ١٠٨٥٤ - حدثنا به الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة: ((وكلمته ألقاها إلى مريم))، قال: هو قوله: (( کن ))، فكان . وقد بينا اختلاف المختلفين من أهل الإسلام فى ذلك فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (١) وقوله: ((ألقاها إلى مريم))، يعنى : أعلمها بها وأخبرها، كما يقال: ((ألقيت إليك كلمة حسنة))، بمعنى: أخبرتك بها وكلّمتك بها. (٢) وأما قوله: ((وروح منه))، فإن أهل العلم اختلفوا فى تأويله . فقال بعضهم : معنى قوله: (( وروح منه )) ، ونفخة منه ، لأنه حدث عن نفخة جبريل عليه السلام فى دِرْعٍ مريم بأمر الله إياه بذلك، (٣) فنسب إلى أنه ((روح من الله))، لأنه بأمره كان. قال: وإنما سمى النفخ ((روحاً))، لأنها ربح تخرج من الرُّوح، واستشهدوا على ذلك من قولهم بقول ذى الرمة فى صفة نار نعتها : (١) انظر تفسير ((الكلمة)) فيما سلف ٦ : ٤١١، ٤١٢. (٢) هذا معنى يقيد فى كتب اللغة، فإنك قلما تصيبه فيها ، وهو بيان واضح جداً . (٣) ((درع المرأة)): قميصها الذى يحميها أعين الفساق، كما تحمى الدرع لابسها، وبعيد أن يسمى شىء من لباس المرأة اليوم ((درعاً))، فإنها لا تدرع من شىء، والرجل لا يتورع عن شىء !! والله المستعان . .: ٤٢٠ تفسير سورة النساء : ١٧١ فَلّمَا بَدَتْ كَفَّفْتُهَا، وَهْىَ ◌ِْلَةٌ، بِطَلْسَاءَ لَمَّ تَكْمُلْ ذِرَاءً وَلاَ شِرًا(١) (١) ديوانه: ١٧٦، واللسان (روح)، والمزهر ١: ٥٥٦، وغيرها. هذا، وليس فى المخطوطة غير الأبيات الثلاثة الأولى، وزادت المطبوعة ، بيتاً رابعاً ، لكن قبله فى شعر ذى الرمة بيت ، فزدته من ديوانه ، ووضعته بين قوسين ، لأنه من تمام معنى الأبيات . وقبل هذه الأبيات ، أبيات فى صفة استخراج سقط النار من الزند بالقدح ، فلما اقتدحها كفنها كما ذكر فى سائر الشعر. فقوله: ((فلما بدت))، أى بدا سقط النار من الزند الأعلى عند القدح، ((كفنها)) ضمنها خرقة وسفة، لم تبلغ ذراعاً ولا شبراً، وهى التى سماها ((طلساء))، لسوادها من وسخها. وكانت ((طفلة)) لأنها سقطت من أمها لوقتها فتلقاها فى الخرقة التى جعلها لها كفئاً. وإنما جعلها ((كفناً)): لها، لأن السقط يسقط من الزند يزهر ويضىء حياً، فإذا وقع فى قلب القطنة، لم تر له ضوءاً ، فكأنه السقط قد مات . ولكنه عاد يتابع السقط حتى يحييه مرة أخرى. فقال لصاحبه: ((ارفعها إليك))، أى خذها بيدك، وارفعها إلى فك، ثم ((أحيها بروحك))، أى انفخ لها نفخاً يسيراً، ((واقتته لها قيتة قدراً))، يأمره بالرفق والنفح القليل شيئاً فشيئاً، كأنه جعل النفخ قوتاً لهذا الوليد ، يقدر له تقديراً ، شيئاً بعد شىء حتى يكتمل . ثم لما فرغ من ذلك، ونمت النار بعض النمو، قال له: ((ظاهر لها من يابس الشخت)»، أى اجعل دقيق الحطب اليابس بعضه على بعض، وأطعم هذا الوليد = و((الشخت)): الدقيق من كل شىء ، = وذلك لتكون النار فيه أسرع . ثم يقول له: استقبل بها ربح الصبا ليكون ذلك لها نماء، ((واجعل يديك لها ستراً))، أى: ليسترها من النواحى الأخرى حتى تضربها الصبا، فلا تموت مرة أخرى . ثم عاد فوصف نموها يقول: ((ولما تنمت)) وارتفعت، ((تأكل الرم))، تأكل ما يبس من أعواد الشجر ، لم تدع بعد ذلك يابساً ولا أخضر مما ظلوا يجمعونه لها، وذلك حين استوت وبلغت أشدها. فلما رأوا النار تجرى بعد ذلك فى ((الجزل)) - وهو ما غلظ من الحطب ويبس - كأن ضوءها سنا البرق ، رفعوا أيديهم شكراً الذى خلقهم وخلق النار . وهذا شعر جيد مستقيم على النهج . ومما يقيد هنا ؛ ما رواه السيوطى فى المزهر، عن أبى عبيد فى الغريب المصنف أن الأصمعى قال: أخبرنى عيسى بن عمر ، قال : أنشدفى ذو الرمة : • وَظَاهِرْ لَهَاَ من يَابِسِ الشَّخْتِ. ثم أنشد بعد هذا : مِنْ بَائِسِ الشّخْتِ. قال أبو عبيد: فقلت له: إنك أنشدتى ((من يابس الشخت))؟ فقال : اليبس من البؤس. قال السيوطى: وذلك إسناد متصل صحيح ، فإن أبا عبيد سمعه من الأصمعى . وكان فى المطبوعة: ((جرت الجزل)) و((لخالقها))، وأثبت رواية الديوان.