Indexed OCR Text

Pages 341-360

٢٤١
تفسير سورة النساء : ١٤٦
وقد دللنا فيما مضى قبل على أن ((الاعتصام)) التمسك والتعلق. (١) فالاعتصام
بالله: التمسك بعهده وميثاقه الذى عهد فى كتابه إلى خلقه، من طاعته وترك معصيته .
= ((وأخلصوا دينهم اللّه))، يقول: وأخلصوا طاعتَهم وأعمالهم التى يعملونها اللّه،
فأرادبه بها ، ولم يعملوها رئاءَ الناس ، ولا على شك منهم فى دينهم ، وامتراءٍ منهم
فى أن الله محص عليهم ماعملوا ، فمجازى المحسن بإحسانه ، (٢) والمسىء بإساءته =
ولكنهم عملوها على يقين منهم فى ثواب المحسن على إحسانه ، وجزاء المسىء على
إساءته ، أو يتفضَّل عليه ربه فيعفو = متقرَّبين بها إلى الله، مريدين بها وجه الله.
فذلك معنی: «إخلاصهم الله دينهم)) .
- ثم قال جل ثناؤه: ((فأولئك مع المؤمنين )» ، يقول : فهؤلاء الذين وصف
صفتهم من المنافقين بعد توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دیهم =
أى : مع المؤمنين فى الجنة، (٣) لا مع المنافقين الذين ماتوا على نفاقهم ، الذين
أوعدهم الدرك الأسفل من النار .
= ثم قال: ((وسوف يؤتى الله المؤمنين أجراً عظيماً))، يقول: وسوف يُعطى اللّه
هؤلاء الذين هذه صفتهم، (٤) على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم
دينهم له ، وعلى إيمانهم ، (٥) ثواباً عظيماً(٦) = وذلك: درجات فى الجنة، كما
أعطى الذين ماتوا على النَّفاق منازل فى النار ، وهى السفلى منها . لأن الله جل
ثناؤه وعد عباده المؤمنين أن يؤتيهم على إيمانهم ذلك ، كما أوعد المنافقين على نفاقهم
(١) انظر تفسير ((الاعتصام)) فيما سلف ٨: ٦٢، ٦٣، ٧٠.
(٢) فى المطبوعة: ((فيجازى)) وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة: ((وإخلاصهم له مع المؤمنين ... ))، وأثبت الصواب من المخطوطة،
ولا معنى لتبديله .
(٤) انظر تفسير ((آتى)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٥) فى المطبوعة والمخطوطة: ((على أيمانهم)) بغير واو، والصواب إثباتها.
(٦) انظر تفسير ((الأجر)) فيما سلف ص: ٢٠٢، تعليقى: ٢، والمراجع هناك.

٣٤٢
تفسير سورة النساء : ١٤٦ ، ١٤٧
ما ذكر فى كتابه .
٠ ٠
٠
وهذا القول هو معنى قول حذيفة بن اليمان ، الذى :-
١٠٧٤٧ - حدثنا به ابن حميد وابن وكيع قالا، حدثنا جرير ، عن مغيرة ،
عن إبراهيم قال ، قال حذيفة : ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين !. فقال عبد الله:
وما علمك بذلك ؟ فغضب حذيفة ، ثم قام فتنحَى. فلما تفرّقوا، مرَّ به علقمة
فدعاه فقال: أمَا إنّ صاحبك يعلم الذى قلت! ثم قرأ: ((إلا الذين تابوا وأصلحوا
واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم الله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤتى اللّه المؤمنين أجراً
عظيماً )).
٠ ٠
القول فى تأويل قوله ﴿مَّا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَا بِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ
وَءَامَنْتُمْ وَ كَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيماً﴾ (٤٧)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: (( ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم
وآمنتم))، ما يصنع اللّه، أيها المنافقون، بعذابكم، إن أنتم تُبتم إلى اللّه ورجعتم
إلى الحق الواجب الله عليكم ، فشكرتموه على ما أنعم عليكم من نعمه فى أنفسكم
وأهاليكم وأولاد كم، بالإنابة إلى توحيده، والاعتصام به ، وإخلاصكم أعمالكم
لوجهه، وترك رياء الناس بها ، وآمنتم برسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدَّ قتموه ،
وأقررتم بما جاءكم به من عنده فعملتم به ؟
يقول: لا حاجة بالله أن يجعلكم فى الدَّرك الأسفل من النار، إن أنتم أنتم إلى
طاعته ، وراجعتم العمل بما أمركم به، وترك ما نها كم عنه . لأنه لا يجتلب بعذابكم
مو
إلى نفسه نفعاً، ولا يدفع عنها ضُرًّا، وإنما عقوبته من عاقب من خلقه ، جزاء
منه له على جراءته عليه ، وعلى خلافه أمره ونهيه، وكفرانه شكر نعمه عليه . فإن

٣٤٣
تفسير سورة النساء : ١٤٧، ١٤٨
أنتم شكرتم له على نعمه ، وأطعتموه فى أمره ونهيه ، فلا حاجة به إلى تعذيبكم ،
بل يشكر لكم ما يكون منكم من طاعةٍ له وشكر، بمجازاتكم على ذلك بما تقصر
عنه أمانيكم، ولم تبلغه آمالكم(١) = ((وكان اللّه شاكراً)) لكم ولعباده على طاعتهم
إياه، بإجزاله لهم الثوابَ عليها، وإعظامه لهم العِوّض منها = ((عليماً)) بما تعملون،
أيها المنافقون ، وغيركم من خير وشر، وصالح وطالح، محمصٍ ذلك كله عليكم ،
محيط بجميعه ، حتى يجازيكم جزاء كم يوم القيامة ، المحسنَ بإحسانه، والمسىء
بإساءته . وقد : -
٢١٩/٥
١٠٧٤٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة: (( ما يفعل اللّه بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان اللّه شاكراً عليماً))،
قال : إن الله جل ثناؤه لا يعذِّب شاكراً ولا مؤمناً.
٠
٠
القول فى تأويل قوله ﴿لَّا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ ٢/٦
الْقَوْلِ إِلَّ مَن ◌ُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ (١)
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة الأمصار بضم ((الظاء)).
٠٠٠
وقرأه بعضهم: ﴿إِلاَّ مَنْ ظَلَّمَ)، بفتح ((الظاء)).
٥
ثم اختلف الذين قرأوا ذلك بضم ((الظاء)) فى تأويله .
فقال بعضهم: معنى ذلك: لا يحب اللّه تعالى ذكره أن يجهر أحدُنا بالدعاء
على أحد، وذلك عندهم هو (( الجهر بالسوء إلا من ظلم))، يقول : إلا من ظلم
فیدعو علی ظامه، فإن الله جل ثناؤه لا يكره له ذلك ، لأنه قد رخص له فى ذلك.
(١) فى المطبوعة: ((فلم تبلغه)) بالفاء، والصواب ما فى المخطوطة.

٣٤٤
تفسير سورة النساء : ١٤٨
ذكر من قال ذلك :
٠
١٠٧٤٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( لا يحب الله
الجهر بالسوء من القول))، يقول: لا يحب اللّه أن يدعوَ أحدٌ على أحد، إلا أن
يكون مظلوماً ، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ((إلا من
ظلم ))، وإن صبر فهو خير له .
١٠٧٥٠ - حدثی المثنى قال، حدثنا عبد الله قال، حدثنى معاوية، عن على،
عن ابن عباس قوله: ((لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظلم))، فإنه
يحب الجهر بالسوء من القول .
١٠٧٥١ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: (( لا يحب اللّه الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان اللّه سميعاً
عليماً))، عذر الله المظلوم كما تسمعون : أن يدْعو .
١٠٧٥٢ - حدثنى الحارث قال، حدثنا أبو عبيد قال ، حدثنا هشيم، عن
يونس، عن الحسن قال : هو الرجل يظلم الرجل فلا يدْعُ عليه ، ولكن ليقل :
((اللهم أعنّى عليه، اللهم استخرج لى حقى، اللهم حُلْ بينه وبين ما يريد))،(١)
ونحوه من الدعاء .
٥
= فـ ((مَنْ)، على قول ابن عباس هذا، فى موضع رفع. لأنه وجَّهه إلى أن
الجهر بالسوء فى معنى الدعاء ، واستثنى المظلوم منه . فكان معنى الكلام على
قوله : لا يحب الله أن يُجْهر بالسوء من القول، إلا المظلوم، فلا حرج عليه فى
الجهر به .
وهذا مذهب يراه أهل العربية خطأ فى العربية . وذلك أن ((من )) لا يجوز
(١) فى المخطوطة: ((اللهم حل بينى وبين ما يريد))، وما فى المطبوعة أشبه بالصواب.

٣٤٥
تفسير سورة النساء : ١٤٨
أن يكون رفعاً عندهم بـ ((الجهر))، لأنها فى صلة ((أن)) ولم ينله الجحد، فلا يجوز ٣/٦
العطف عليه. (١) من خطأ عندهم أن يقال: (٢) ((لا يعجبنى أن يقوم إلاّ زيد)).
وقد يحتمل أن تكون (( من )) نصباً، على تأويل قول ابن عباس، ويكون قوله :
(( لا يحب اللّه الجهر بالسوء من القول))، كلاماً تاماً، ثم قيل: (( إلا من ظلم فلا
حرج عليه))، فيكون من استثناء من الفعل، وإن لم يكن قبل الاستثناء شىء ظاهر
يستثنى منه، كما قال جل ثناؤه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ . إِلَّ مَنْ تَوَلَّ وَكَفَرَ)،
[سورة الناشية: ٢٢، ٢٣]، وكقولهم: ((إنى لأكره الخصومة والمراء، اللهم إلا
رجلاً يريد الله بذلك))، ولم يذكر قبله شىء من الأسماء . (٣)
١
٠٠٠
و((مَن))، على قول الحسن هذا، نصبٌ، على أنه مستثنى من معنى
الكلام ، لا من الاسم، كما ذكرنا قبل فى تأويل قول ابن عباس، إذا وُجُّه ((مَن))،
إلى النصب، وكقول القائل: ((كان من الأمر كذا وكذا ، اللهم إلا أن فلاناً
جزاه الله خيراً فَعَل كذا وكذا)) .
٠٠ ٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك : لا يحب اللّه الجهرَ بالسوء من القول ، إلا
من ظُلم فيخبر بما نِيلَ منه .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧٥٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية ، عن محمد بن إسحق،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته ،
فیخرج من عنده فيقول : أساءَ ضیافی ولم يُحسن !
١٠٧٥٤ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
(١) فى المطبوعة: ((لأنها فى صلة ((أن))، و((أن)) لم ينله الجحد))، بزيادة ((أن))،
وما فى المخطوطة صواب محض .
(٢) فى المطبوعة: ((من الخطأ عندم))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٩٣، ٢٩٤.

٣٤٦
تفسير سورة النساء : ١٤٨
ابن جريج، عن مجاهد: ((إلامن ظلم))، قال: إلا من أثَر ما قيل له. (١)
١٠٧٥٥ - حدثی المثی قال، حدثنا الحجاج بن المهال قال، حدثنا حماد،
عن محمد بن إسحق، عن عبد الله بن أبى نجيح، عن مجاهد: ((لا يحب اللّه
الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم»، قال: هو الضيف المحوَّل رحلُه، فإنه يجهر
لصاحبه بالسوء من القول .
٠ ٠٠
وقال آخرون : عنى بذلك، الرجلَ ينزل بالرجل فلا يقربه ، فينالُ من الذى
لم يقرِه.
ذكر من قال ذلك :
١٠٧٥٦ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((إلاّ من ظلم))، قال: إلا
من ظلم فانتصر ، يجهر بالسوء .
١٠٧٥٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، مثله .
١٠٧٥٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن ابن أبى
نجيح ، عن إبراهيم بن أبى بكر ، عن مجاهد = وعن حميد الأعرج ، عن
مجاهد: ((لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلاّ من ظلم))، قال: هو الرجل
ينزل بالرجل فلايحسن إليه، فقد رخص الله له أن يقول فيه. (٢)
(١) فى المطبوعة: ((آثر)) بمد الهمزة، وهو خطأ. ((أثر الحديث يأثره)): حكاه ورواه
وتحدث به . ومنه: ((قول مأثور))، أى: يخبر الناس به بعضهم بعضاً، وينقله خلف عن سلف .
(٢) الأثر: ١٠٧٥٨ - ((إبراهيم بن أبى بكر المكى الأخنسى))، سمع طاوسا ومجاهداً.
وروى عنه ابن أبى نجيح وابن جريح . مترجم فى التهذيب .
وكان فى المخطوطة: ((إبراهيم عن أبى بكير))، وفى الإسناد الذى يليه: ١٠٧٥٩: ((إبراهيم
ابن أبى بكير )) . وهذا اختلاف مشكل .
فى الإسناد الأول كما فى المخطوطة، لم أعرف من يكون ((إبراهيم)).

٣٤٧
تفسير سورة النساء : ١٤٨
٠٫٠٠
١٠٧٥٩ - وحدثنى أحمد بن حماد الدولابى قال، حدثنا سفيان ، عن ابن
أبى نجيح ، عن إبراهيم بن أبى بكر، عن مجاهد، (( لا يحب الله الجهر بالسوء
من القول إلا من ظلم)) ، قال : هو فى الضيافة ، يأتى الرجل القوم ، فينزل
عليهم ، فلا يضيفونه . رخَّص اللّه له أن يقول فيهم . (١)
١٠٧٦٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
المثنى بن الصباح، عن مجاهد فى قوله: ((لا يحب اللّه الجهر بالسوء من القول))
الآية ، قال: ضاف رجل رجلاً فلم يؤدّ إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس،
فقال: ((ضفتُ فلاناً فلم يؤدّ حق ضيافتى))! فذلك جهرٌ بالسوء إلاّ من ظلم ،
حين لم يؤدّ إليه ضيافته .
١٠٧٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج ، قال مجاهد : إلاّ من ظلم فانتصر ، يجهر بسوء . قال مجاهد :
نزلت فى رجل ضاف رجلاً بفلاةٍ من الأرض فلم يضفه، فنزلت: (( إلا من ظلم))،
ذكر أنه لم يضفه، لا يزيد على ذلك .
وقال آخرون: معنى ذلك: إلاّ من ظلم فانتصر من ظالمه، فإن الله قد
أذن له فى ذلك .
أما ((أبو بكير))، ففيهم ((أبو بكير مرزوق التيمى الكوفى))، يروى عن مجاهد ، مضى برقم :
٤٣٠٥، وليس هذا فيما أرجح .
وأما ((إبراهيم بن أبى بكير)) فى الإسناد الثانى، فمنهم: ((إبراهيم بن أبى بكير)) ذكره البخارى
فى الكبير ٢٧٧/١/١ فى ترجمة ((إبراهيم أبو بكير))، وكأنه خطأ من ناسخ حذف ((بن)) =
و((إبراهيم بن أبى بكير بن إبراهيم)) مترجم فى ابن أبى حاتم ٩٠/١/١، وكلاهما لم يذكر لأحد
منها رواية عن مجاهد .
فن أجل هذا صح عندى أنه الذى فى المطبوعة هو الصواب إن شاء الله؛ لرواية ((إبراهيم بن
أبى بكر)) عن مجاهد ، ورواية ابن نجيح عنه .
(١) الأثر: ١٠٧٥٩ - كان فى المخطوطة: ((إبراهيم بن أبى بكير)). وانظر التعليق على
الأثر السالف .

٣٤٨
تفسير سورة النساء : ١٤٨
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧٦٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم)) ،
يقول: إن الله لا يحب الجهر بالسوء من أحد من الخلق، ولكن من ظلم فانتصر
بمثل ما ظُلم، فليس عليه جناح .
٠
= ( ((من )، علىهذه الأقوال التی ذ کرناها ،سوی قول ابن عباس، فى موضع
نصب على انقطاعه من الأول. والعرب من شأنها أن تنصب ما بعد ((إلاّ)) فى
الاستثناء المنقطع .
٠
٠٠
فكان معنى الكلام على هذه الأقوال، سوى قول ابن عباس : لا يحب اللّه
الجهر بالسوء من القول ، ولكن من ظلم فلا حرج عليه أن يخبر بما نيل منه، أو
ينتصر ممن ظلمه .
. ..
وقرأ ذلك آخرون بفتح ((الظاء)): ﴿إِلاَّ مَنْ ظَم)، وتأولوه: لا يحب اللّه
٤/٦
الجهرَ بالسوء من القول، إلا من ظلم فلا بأس أن يُجْهر له بالسوء من القول.
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧٦٣ -حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
كان أبى يقرأ: ﴿لاَ يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَولِ إِلََّ مَنْ ظَرَ) ، قال ابن
زيد: يقول: إلا من أقام على ذلك النفاق، فيُجهر له بالسوء حتى ينزع. قال :
وهذه مثل: ﴿وَلاَ تَتَبَزُ وا بِالأَلْقَبِ بِشْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ﴾، أن تسميه بالفسق=
﴿بَعْدَ الْإِيمَانِ)، بعدإذ كان مؤمناً- ﴿وَمَنْ لَمَّ يَقُبْ)، من ذلك العمل الذى قيل لهـ
[فَأُولَئِكَ مُ الظَّالِمُونَ﴾، [سورة الحجرات: ١١]، قال: هوشرٌّ من قال ذلك.(١)
(١) فى المطبوعة: ((هو أثر من قال ذلك له))، والذى فى المخطوطة صواب محضى.

٢٤٩
تفسير سورة النساء : ١٤٨
١٠٧٦٤ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( لا يحب اللّه الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم))، فقرأ: ﴿إِنَّالْمُنَافِقِينَ
فى الدَّرْكِ الأسْفَل مِنَ النَّار) حتى بلغ ﴿وَسَوْفَ يُؤْنِى اللهُ المُؤمِنِينَ أَجْراً
عَظِيماً﴾. ثم قال بعد ما قال: هم فى الدرك الأسفل من النار = ﴿مَا يَفْعَلُ اللهُ
بَعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرُمْ وَآمَنُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾، ﴿لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ
بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلَّا مَنْ ظَم)، قال: لا يحب الله أن يقول لهذا: ((ألست
نافقت ؟ ألست المنافق الذى ظلمتَ وفعلت وفعلت؟))، من بعد ما تاب = ((إلاّ
من ظلم))، إلا من أقام على النفاق . قال : وكأن أبى يقول ذلك له، ويقرأها :
﴿إِلَّ مْنْ ظَمَ﴾ ..
٥
= ( ((مَنْ)) على هذا التأويل نَصْبٌّ لتعلقه: ((الجهر)).
وتأويل الكلام ، على قول قائل هذا القول : لا يحب اللّه أن يجهر أحد لأحد
من المنافقين بالسوء من القول ، إلا من ظلم منهم فأقام على نفاقه ، فإنه لا بأس
بالجهر له بالسوء من القول .
قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب فى ذلك قراءة من قرأ: ﴿إِلاَّ مَنْ ظُلِمٍ﴾
بضم ((الظاء))، لإجماع الحجة من القرأة وأهل التأويل على صحتها، وشذوذ
قراءة من قرأ ذلك بالفتح .
. . .
فإذا كان ذلك أولى القراءتين بالصواب، فالصواب فى تأويل ذلك : لا يحب
الله، أيها الناس، أن يجهر أحدٌ لأحد بالسوء من القول = ((إلا من ظلم))، بمعنى:
إلا من ظلم ، فلا حرج عليه أن يخبر بما أسىء عليه.(١) .
وإذا كان ذلك معناه، دخل فيه إخبار من لم يُْقَرَ، أو أسىء قراه، أو نيل بظلم
(١) فى المطبوعة: ((أسىء إليه))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب لأنه أراد أن يضمن
(((يسىء))، معنى ((يبغى عليه))، فألحق بها حرف الثانية، كأنه قال: بما أسىء إليه بغياً عليه.

٣٥٠
تفسير سورة النساء : ١٤٨، ١٤٩
فى نفسه أو ماله = غيرَه من سائر الناس.(١) وكذلك دعاؤه على من ناله بظلم:
أن ينصره الله عليه ، لأن فى دعائه عليه إعلاماً منه لمن سمع دعاءه عليه بالسوء له .
٠٠٠
وإذْ كان ذلك كذلك، فـ ((مَن)) فى موضع نصب، لأنه منقطع عما قبله، وأنه
لا أسماء قبله يستثنى منها، فهو نظير قوله: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ* إِلَّا مَنْ تَوَّلَّى
وَكَفَرَ ﴾ [سورة الغاشية: ٢٢، ٢٣].
وأما قوله: ((وكان اللّه سميعاً عليماً))، فإنه يعنى: ((وكان اللّه سميعاً))،
لما تجهرون به من سوء القول لمن تجهرون له به ، وغير ذلك من أصواتكم وكلامكم
= ((علیماً ))، بما تخفون من سوء قولكم وكلامكم لمن تخفون له به فلا تجهر ون
له به، محص كل ذلك عليكم، حتى يجازيكم على ذلك كله جزاء كم ، المسىء
بإساءته، والمحسن بإحسانه. (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿ إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُغْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ
عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفْوًّا قَدِيرًا) (٤)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه(٣): ((إن تبدوا)) أيها الناس = ((خيراً))،
یقول: إن تقولوا جميلاً من القول لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك شكراً منكم له على
ما كان منه من حسن إلیكم (٤)= ، ((أو تخفوه))، يقول : أو تتركوا إظهار ذلك
(١) فى المطبوعة: ((عنوة من سائر الناس))، وهو لا معنى له. والصواب ما فى المخطوطة.
وقوله: ((غيره)) منصوب مفعول به المصدر ((إخبار))، وسياق الكلام: دخل فيه إخبار من لم
يقر ... غيره من سائر الناس))، أى يخبر غيره من سائر الناس بما أصابه وفيل منه.
(٢) انظر تفسير ((سميع)) و((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٣) فى المطبوعة والخطوطة: ((يعنى بذلك))، والسياق يقتضى ما أثبت.
(٤) انظر تفسير ((الإبداء) فيا سلف ٥ : ٥٨٢.

٣٥١
تفسير سورة النساء : ١٤٩
فلا تبدوه (١) = ((أو تعفوا عن سوء))، يقول: أو تصفحوا لمن أساءَ إليكم عن
إساءته ، فلاتجهروا له بالسوء من القول الذى قد أذنت لكم أن تجهروا له به =
(((فإن الله كان عفوًّا))، يقول: لم يزل ذا عفوٍ عن خلقه، يصفح عمن عصاه
وخالف أمره (٢) = ((قديراً))، يقول: ذا قدرة على الانتقام منهم. (٣)
وإنما يعنى بذلك : أن الله لم يزل ذا عفو عن عباده ، مع قدرته على عقابهم
على معصيتهم إيّاه .
يقول : فاعفوا ، أنتم أيضاً، أيها الناس، عمن أتى إليكم ظلماً ، ولا تجهروا له
بالسوء من القول ، وإن قدرتم على الإساءة إليه ، كما يعفو عنكم ربكم مع
قدرته على عقابكم ، وأنتم تعصونه وتخالفون أمره .
٠
وفى قوله جل ثناؤه: ((إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن اللّه كان
عفواً قديراً))، الدلالةُ الواضحةُ على أن تأويل قوله: ((لا يحب اللّه الجهر بالسوء
من القول إلا من ظلم))، بخلاف التأويل الذى تأوله زيد بن أسلم ، (٤) فى زعمه
أن معناه : لا يجب اللّه الجهر بالسوء من القول لأهل النفاق ، إلا من أقام على
نفاقه ، فإنه لا بأس بالجهر له بالسوء من القول . وذلك أنه جل ثناؤه قال عَقِيب
ذلك: ((إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء))، ومعقولٌ أن الله جل ثناؤه لم يأمر
المؤمنين بالعفو عن المنافقين على نفاقهم، ولا نهاهم أن يسمُّوا من كان منهم معلنَ
النفاق (منافقاً)). بل العفو عن ذلك، مما لا وجه له معقول. لأن ((العفو)) المفهوم،
٠/٦
(١) انظر تفسير ((الإخفاء)) فيما سلف ٥ : ٥٨٢.
(٢) انظر تفسير ((عفا)) و(عفو)) فيما سلف ٢: ٣/٥٠٣: ٧/٣٧١: ٢١٥،
٨/٣٢٧: ٤٢٦ / ٩: ١٠٢. وفى المطبوعة والمخطوطة: ((يصفح لهم عمن عصاه))، والصواب
حذف ((لهم))، إذ لا مكان لها .
(٣) انظر تفسير ((قدير)) فيما سلف ص: ٢٩٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٤) انظر الأثران رقم: ١٠٧٦٣، ١٠٧٦٤.

٣٥٢
تفسير سورة النساء : ١٤٩، ١٥٠، ١٥١
إنما هو صفح المرء عما له قبل غيره من حق . وتسمية المنافق باسمه لیس بحق لأحد
قِبَله ، فيؤمر بعفوه عنه، وإنما هو اسم له . وغير مفهوم الأمرُ بالعفو عن تسمية
الشىء بما هو اسمه .
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِللهِ وَرُسُلِهِ
وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ
بِيَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتْخِذُواْ بَيْنَ ذُلِكَ سَيِلًا ﴿ أُوْلَكَ مُمْ
اُلْكُفْرُونَ حَمَّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكُفِرِينَ عَذَابًا شُِّيناً) (٥)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((إن الذين يكفرون بالله ورسله ))، من
اليهود والنصارى= ((ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله))، بأن يكذبوا رسل الله الذين
أرسلهم إلى خلقه بوحيه، ويزعموا أنهم افتروا على ربهم. (١) وذلك هو معنى
إرادتهم التفريق بين الله ورسله، بنحْلتهم إياهم الكذب والفرية على الله، وادِّعائهم
عليهم الأباطيل- (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض))، يعنى (٢): أنهم يقولون:
((نصدِّق بهذا ونكذِّب بهذا)، كما فعلت اليهود من تكذيبهم عيسى ومحمداً صلى الله
عليهما وسلم ، وتصديقهم بموسى وسائر الأنبياء قبله بزعمهم . وكما فعلت النصارى
من تكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، وتصديقهم بعيسى وسائر الأنبياء قبله
بزعمهم = ((ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً))، يقول: ويريد المفرِّقون بين
الله ورسله ، الزاعمون أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، أن يتخذوا بين أضعاف
(١) فى المطبوعة: ((ويزعمون أنهم ... )) والصواب من المخطوطة.
(٢) ((ونكفر ببعض)) تمام الآية، لم يكن فى المخطوطة ولا المطبوعة، ولكن سياقه يقتضى
إثباتها .

٢٥٣
تفسير سورة النساء : ١٥١،١٥٠
قولهم: ((نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعض)) = ((سبيلاً))، يعنى: طريقاً إلى
الضلالة التى أحدثوها ، والبدعة التى ابتدعوها ، يدعون أهل الجهل من الناس
إليه . (١)
فقال جل ثناؤه لعباده، منبهاً لهم على ضلالتهم وكفرهم: ((أولئك هم الكافرون
حقًّاً))، يقول: أيها الناس ، هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم ، هم أهل الكفر
بى، المستحقون عذابى والخلود فى نارى حقًّا. فاستيقنوا ذلك، ولا يشككنَّكم فى
أمرهم انتحالهم الكذب، ودعواهم أنهم یقرُّون بما زعموا أنهم به مقرُّون من الكتب
والرسل، فإنهم فى دعواهم ما ادعوا من ذلك كَذَبَةٌ. وذلك أن المؤمن بالكتب
والرسل ، هو المصدّق بجميع ما فى الكتاب الذى يزعم أنه به مصدق ، وبما جاء
به الرسول الذى يزعم أنه به مؤمن، فأما من صدّق ببعض ذلك وكذَّب ببعض ،
فهو لنبوة من کذب ببعض ما جاء به جاحد ، ومن جحد نبوة فی فهو به مكذب.
وهؤلاء الذين جحدوا نبوة بعض الأنبياء ، وزعموا أنهم مصدقون ببعض، مكذبون
من زعموا أنهم به مؤمنون ، لتكذيبهم ببعض ما جاءهم به من عند ربهم ، فهم بالله
وبرسله = الذين يزعمون أنهم بهم مصدقون ، والذين يزعمون أنهم بهم مكذبون =
كافرون، (٢) فهم الجاحدون وحدانية الله ونبوّة أنبيائه حق الجحود، المكذبون بذلك
حق التكذيب . فاحذروا أن تغتروا بهم وببدعتهم، فإنا قد أعتدنا لهم عذاباً مهيناً.
وأما قوله: ((وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيئاً))، فإنه يعنى: ((وأعتدنا)) لمن
جحد بالله ورسوله جحودَ هؤلاء الذين وصفت لكم، أيها الناس، أمرَهم من أهل
الكتاب، ولغيرهم من سائر أجناس الكفار (٣) = ((عذاباً))، فى الآخرة = ((مهيناً))،
(١) انظر تفسير ((السبيل)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٢) سياق هذه الجملة: ((فهم بالله وبرسله ... كافرون))، وما بينها فصل فى صفة
هؤلاء الرسل .
(٣) انظر تفسير ((أعتد)) فيما سلف ٨: ١٠٣، ٣٠٥.
ج ٩ (٢٣)

٣٥٤
تفسير سورة النساء : ١٥٠، ١٥١
یعنی : یهین من عُلِّب به بخلوده فيه . (١)
٠٠٠
وبنحو الذى قلنا فى تأويل ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧٦٥ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: ((إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرِّقوا بين الله ورسله
ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً . أولئك
هم الكافرون حقًّاً وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً))، أولئك أعداء الله اليهود والنصارى.
آمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى. وآمنت النصارى بالإنجيل
وعيسى، وكفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم. فاتخذوا اليهودية والنصرانية،
٦/٦ وهما بدعتان ليستا من الله، وتركوا الإسلام وهودين الله الذى بعث به رُسله .
١٠٧٦٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ،
حدثنا أسباط ، عن السدی: (( إن الذين يكفرون بالله ورسله ویریدون أن يفرقوا
بینالله ورسله ))، يقولون: محمد لیس برسول لله! وتقول اليهود: عیسی لیس برسول
لله !(٢) فقد فرَّقوا بین الله وبینرسله = (( ویقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض »،
فهؤلاء یؤمنون ببعض ويكفرون ببعض .
١٠٧٦٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج قوله: ((إن الذين يكفرون بالله ورسله)) إلى قوله: ((بين ذلك
سبيلاً))، قال: اليهود والنصارى. آمنت اليهود بعُزّير وكفرت بعيسى، وآمنت
النصارىبعیسی و کفرتبعز یز. و كانوا يؤمنون بالنبى ويكفرونبالآخر=( ویریدون
أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً))، قال : ديناً يدينون به اللّه.
٠ ٠
٠
(١) انظر تفسير ((مهين)) فيما سلف: ص ١٦٣، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٢) فى الموضعين، فى المخطوطة والمطبوعة: ((برسول الله))، والسياق يقتضى ما أثبت.

٣٥٥
تفسير سورة النساء : ١٥٢
القول فى تأويل قوله ﴿وَالَِّنَ امَنُواْ بِأَلْهِ وَرُسُلِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ
بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا
رَّحِيماً﴾ ٥)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: والذين صدقوا بوحدانية الله، وأقرّوا
بنبوة رسله أجمعين، وصدّقوهم فيما جاؤوهم به من عند الله من شرائع دينه = ((ولم
يفرقوا بین أحد منهم » ، يقول: ولم يكذ ◌ّبوا بعضهم ويصدقوا بعضهم ، ولكنهم
أقرُوا أن كل ما جاؤوا به من عند ربهم حق ((أولئك))، يقول: هؤلاء الذين هذه
صفتهم من المؤمنين بالله ورسله = ((سوف يؤتيهم))، يقول: سوف يعطيهم(١) =
((أجورهم))، يعنى: جزاءهم وثوابهم على تصديقهم الرسل فى توحيد الله وشرائع
دينه"، وما جاءت به من عند الله (٢) = ((وكان الله غفوراً))، يقول: ويغفر لمن
فعل ذلك من خلقه ما سلف له من آثامه ، فيستر عليه بعفوه له عنه ، وتركه
العقوبة عليه، فإنه لم يزل لذنوب المنيبين إليه من خلقه غفوراً = ((رحيمًا))، يعنى
ولم يزل بهم رحيمًا ، بتفضله عليهم بالهداية إلى سبيل الحق ، وتوفيقه إياهم لما فيه
خلاص رقابهم من النار. (٣)
(١) انظر تفسير ((الإيتاء)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٢) انظر تفسير ((الأجر)) فيما سلف ص: ٣٤١، تعليق: ٦، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((غفور)) و((رحيم)) فيما سلف من فهارس اللغة.

٣٥٦
تفسير سورة النساء : ١٥٣
القول فى تأويل قوله ﴿يَسْلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ
كِتَبَا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أر نا اللهَ
جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُ الصَِّقَةُ بِظُلِْمْ ثُمَّ أَنَّخَذُواْ الْمِجْلَ مِن بَعْدِ مَا بِجََّتْهُمُ
اَلْبَيّنَّتُ فَمَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَىُ سُلَطَنَا مُّبِينًا)
١٥٣
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((يسألك)) يا محمد - ( أهل الكتاب))،
يعنى بذلك : أهل التوراة من اليهود = ((أن تنزِّل عليهم كتاباً من السماء)).
...
واختلف أهل التأويل فى ((الكتاب)) الذى سألَ اليهودُ محمداً صلى الله عليه
وسلم أن ينزّل عليهم من السماء .
فقال بعضهم : سألوه أن ينزل عليهم كتاباً من السماء مكتوباً ، كما جاء
موسى بنى إسرائيل بالتوراة مكتوبةً من عند الله .
* ذكر من قال ذلك :
١٠٧٦٨ - حدثنا محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال،
حدثنا أسباط ، عن السدى: ((يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من
السماء))، قالت اليهود: إن كنت صادقاً أنك رسول اللّه، فآتنا كتاباً مكتوباً من
السماء ، كما جاء به موسى .
١٠٧٦٩ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر،
عن محمد بن كعب القرظى قال : جاء أناس من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقالوا : إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله
حتى نصدقك! فأنزل الله: (( يسألك أهل الكتاب أن تنزلعليهم كتاباً من السماء))،
إلى قوله: ((وقولهم على مريم بهتاناً عظيماً)).
٠

٣٥٧
تفسير سورة النساء : ١٥٣
وقال آخرون : بل سألوه أن ينزل عليهم كتاباً ، خاصَّة لهم .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧٧٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ،
عن قتادة قوله: (( يسألك أهل الكتاب أن تنزّل عليهم كتاباً من السماء)»، أى
كتاباً، خاصةً = ((فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة)).
٠٠
وقال آخرون : بل سألوه أن ينزّل على رجال منهم بأعيانهم كتباً بالأمر
بتصديقه واتباعه .
• ذكر من قال ذلك :
١٠٧٧١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج قوله: (( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء )) ،
وذلك أن اليهود والنصارى أتوا النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: ((لن نتابعك على
ما تدعونا إليه ، حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان (١): أنك رسول الله ،
وإلى فلان بكتاب أنك رسول اللّه))!قال الله جل ثناؤه: (( يسألك أهل الكتاب أن
تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة)).
.. ..
٧/٦
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : إن أهل التوراة
سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه أن ينزّل عليهم كتاباً من السماء ،
آيَةٌ معجزةً جميعَ الخلق عن أن يأتوا بمثلها، شاهدةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم
بالصدق ، آمرة لهم باتباعه .
وجائز أن يكون الذى سألوه من ذلك كتاباً مكتوباً ينزّل عليهم من السماء إلى
جماعتهم = وجائز أن يكون ذلك كتباً إلى أشخاص بأعينهم . بل الذى هو أولى
(١) فى المخطوطة: ((من عبد اللّه، من اللّه إلى فلان))، والذى فى المطبوعة هو الصواب،
إلا أن يكون الناسخ كتب ((من عند الله)) ثم، غيرها ((من الله))، ثم لم يضرب على أولاهما.

POA
تفسير سورة النساء : ١٥٣
بظاهر التلاوة ، أن تكون مسألتهم إياه ذلك كانت مسألة لتنزيل الكتاب الواحد
إلى جماعتهم، (١) لذكر الله تعالى فى خبره عنهم (( الكتاب)) بلفظ الواحد بقوله:
((يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء))، (٢) ولم يقل ((كتباً)).
٠
٠
وأما قوله: (( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك))، فإنه توبيخ من الله جل
" ثناؤه سائلى الكتاب الذى سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزله عليهم من
السماء ، فى مسألتهم إياه ذلك = وتقريعٌ منه لهم. يقول الله لنبيه صلى الله عليه
وسلم: يا محمد، لا يعظُمَنَّ عليك مسألتهم ذلك، فإنهم من جهلهم بالله وجراء بهم
عليه واغترارهم بحلمه ، لو أنزلت عليهم الكتاب الذى سألوك أن تنزّله عليهم ،
لخالفوا أمر الله كما خالفوه بعد إحياء اللّه أوائلهم من صعقتهم، فعبدوا العجل
واتخذوه إلهاً يعبدونه من دون خالقهم وبارئهم الذى أراهم من قدرته وعظيم سلطانه
ما أراهم ، لأنهم لن يعدُوا أن يكونوا كأوائلهم وأسلافهم .
٥
ثم قص" الله من قصتهم وقصة موسى ما قصَّ، يقول الله: ((فقد سألوا موسى
أكبرَ من ذلك )) ، يعنى : فقد سأل أسلافُ هؤلاء اليهود وأوائلهم موسى عليه
السلام ، أعظم مما سألوك من تنزيل كتاب عليهم من السماء ، فقالوا له: (( أرنا
الله جهرة )) ، أى : عياناً نعاينه وننظر إليه .
٠٠٠
وقد أتينا على معنى (( الجهرة))، بما فى ذلك من الرواية والشواهد على صحة
ما قلنا فى معناه فيما مضى ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٣)
٠٠٠
وقد ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول فى ذلك ، بما :-
(١) فى المطبوعة: ((لينزل الكتاب))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((يقول: يسألك ... )، والصواب من المخطوطة.
(٣) أنظر تفسير ((جهرة)) فيما سلف ٢ : ٨٠ - ٨٢.
١٠٫٠

٣٥٩
تفسير سورة النساء : ١٥٣
١٠٧٧٢ - حدثنى به الحارث قال ، حدثنا أبو عبيد قال ، حدثنا حجاج ،
عن هرون بن موسى ، عن عبد الرحمن بن إسحق ، عن عبد الرحمن بن معاوية ،
عن ابن عباس فى هذه الآية قال: إنهم إذا رأوه فقد رأوه، إنما قالوا جهرةً: ((أرنا
الله )). قال : هو مقدّم ومؤخر .
٠
وكان ابن عباس يتأول ذلك: أن سؤالهم موسى كان جهرة . (١)
٠٠٠
وأما قوله: ((فأخذتهم الصاعقة))، فإنه يقول: ((فصُعقوا)) = ((بظلمهم))
أنفسهم . وظلمهم أنفسهم ، كان مسألتهم موسى أن يريهم ربهم جهرة ، لأن
ذلك مما لم يكن لهم مسألته .
٠٠٠
وقد بينا معنى: ((الصاعقة))، فيما مضى باختلاف المختلفين فى تأويلها،
والدليل على أولى ما قيل فيها بالصواب . (٢).
٠
وأما قوله: ((ثم اتخذوا العجل))، فإنه يعنى: ثم اتخذتهؤلاء الذين سألوا موسى
ما سألوه من رؤية ربهم جهرةَ ، بعد ما أحياهم اللّه فبعثهم من صعقتهم = العجل
الذى كان السامرىُّ نبذ فيه ما نبذ من القبْضة التى قبضها من أثر فرس جبريل
علیه السلام = إلهاً يعبدونه من دون الله . (٣)
٠٠٠
وقد أتينا على ذكر السبب الذى من أجله اتخذوا العجل ، وكيف كان
أمرهم وأمره ، فيما مضى بما فيه الكفاية . (٤)
(١) هذا القول الذى نسب إلى ابن عباس، لم يمض مثله فى تفسير آية سورة البقرة ٢ :
٨٠ - ٨٢، وهذا أحد الأدلة على اختصار هذا التفسير.
(٢) انظر تفسير ((الصاعقة)) فيما سلف ٢ : ٨٢ - ٨٤.
(٣) سياق هذه الفقرة: ثم اتخذ هؤلاء ... العجل ... إلها ... )).
(٤) انظر ما سلف ٢ : ٦٣ - ٦٨ .

٣٦٠
تفسير سورة النساء : ١٥٣
وقوله: ((من بعد ما جاءتهم البينات))، يعنى : من بعد ما جاءت هؤلاء
الذين سألوا موسى ما سألوا، البينات من اللّه، والدلالاتُ الواضحات بأنهم لن يروا
اللّه عياناً جهاراً .
وإنما عنى؛ ((البينات)): أنها آيات تبين عن أنهم لن يروا الله فى أيام حياتهم فى
الدنيا جهرة. (١) وكانت تلك الآيات البينات لهم على أن ذلك كذلك: إصعاقُ
اللّه إياهم عند مسألتهم موسى أن يريهم ربه جهرة، ثم إحياءه إياهم بعد مماتهم،
مع سائر الآيات التى أراهم الله دلالةً على ذلك.
...
=يقول الله، مقبِّحاً إليهم فعلهم ذلك، وموضحاً لعباده جهلهم ونقص عقولهم
وأحلامهم : ثم أقرُّوا للعجل بأنه لهم إله ، وهم يرونه عياناً، وينظرون إليه جهاراً،
بعد ما أراهم ربهم من الآيات البينات ما أراهم : أنهم لا يرون ربهم جهرة وعِياناً
٨/٦ فى حياتهم الدنيا ، فعكفوا على عبادته مصدّقين بألوهته ! !
٠ ٠
وقوله: ((فعفونا عن ذلك))، يقول: فعفونا لعبدة العجل عن عبادتهم إياه، (٢)
وللمصدقين منهم بأنه إلههم بعد الذى أراهم الله أنهم لا يرون ربهم فى حياتهم من
الآيات ما أراهم = عن تصديقهم بذلك، (٣) بالتوبة التى تابوها إلى ربهم بقتلهم
أنفسهم، وصبرهم فى ذلك على أمر ربهم = ((وآتينا موسى سلطاناً مبيناً))، يقول :
وآتينا موسى حجة تبين عن صدقه، وحقيقة نبوته، (٤) وتلك الحجة هى: الآيات
البينات التى آتاه الله إياها. (٥)
(١) انظر تفسير ((البينات)) فيما سلف ٧ ٤٥٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((العفو)) فيما سلف ص: ٣٥١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) السياق: ((فمفونا لعبدة العجل ... عن تصديقهم بذلك)).
(٤) فى المطبوعة: ((وحقية نبوته))، غير ما فى المخطوطة عن وجهه، ظناً منه أنه خطأ،
وقد أشرنا إلى مثل ذلك من فعله فيما سلف ص : ٣٣٦، تعليق: ٤، وما سيأتى بعد قليل
ص : ٣٦٢، تعليق ٢.
(٥) انظر تفسير ((الإيتاء)) فيما سلف من فهارس اللغة.