Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
تفسير سورة النساء : ٤٧
٩٧١٤ - حدثنى أبو العالية إسمعيل بن الهيثم العبْدى قال، حدثنا أبو قتيبة ،
عن فضيل بن مرزوق ، عن عطية العوفى فى قوله : (( من قبل أن نطمس وجوها
فتردها على أدبارها )،، قال: نجعلها فى أقفائها، فتمشى على أعقابها القهقرى. (١)
٧٨/٥
٩٧١٥ - حدثنى محمد بن عمارة الأسدى قال، حدثنا عبيد الله بن موسى
قال ، حدثنا فضيل بن مرزوق ، عن عطية ، بنحوه = إلا أنه قال : طمْسُها :
أن يردَّها على أقفائها .
٩٧١٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة: ((فردها على أدبارها))، قال: نحوِّل وجوهها قِبَل ظهورها .
٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك (٢) : من قبل أن نعمى قوماً عن الحق =
((فتردها على أدبارها)»، فى الضلالة والكفر.
• ذكر من قال ذلك :
٩٧١٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها))،
فتردها عن الصراط، عن الحق (٣) = ((فتردها على أدبارها))، قال: فى الضلالة.
٩٧١٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((أن نطمس وجوهاً)) عن صراط الحق = ((فتردها
على أدبارها)) ، فى الضلالة .
٩٧١٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك قراءة،
عن ابن جريج ، عن مجاهد مثله .
(١) الأثر: ٩٧١٤ - ((أبو العالية، إسماعيل بن الهيثم العبدى))، لم نجده، وانظر
ما سلف رقم : ٩٣٦٥، ٩٣٦٦.
و((أبو قتيبة)) هو: سلم بن قتيبة، مضت ترجمته برقم : ١٨٩٩، ١٩٢٤، ٩٣٦٥.
(٢) فى المطبوعة، أسقط: ((بل)).
(٣) فى المطبوعة: ((عن الصراط الحق)) ، أسقط ((من)) الثانية.

٤٤٢
تفسير سورة النساء : ٤٧
٩٧٢٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر
قال، الحسن: ((نطمس وجوهاً))، يقول: نطمسها عن الحق = ((فتردها على
أدبارها )»، على ضلالتها .
٩٧٢١ -حدثنا محمد بن الحسین قال ،حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: (( يا أيها الذين أوتوا الكتاب)) إلى قوله: ((كما لعنًا أصحاب
السبت))، قال: نزلت فى مالك بن الصَّيِّف، ورفاعة بن زيد بن التابوت ،
من بنى قينقاع. أما (( أن نطمس وجوها فيردها على أدبارها))، يقول: فنعميها
عن الحق ونُرجعها كفاراً .
٩٧٢٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا
عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: (( من قبل أن نطمس وجوهاً
فتردها على أدبارها ))، يعنى: أن نردهم عن الهدى والبصيرة ، فقد ردّهم على
أدبارهم ، فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به .
٠
وقال آخرون : معنى ذلك : من قبل أن نمحو آثارهم من وجوههم التى
هم بها، وناحيتهم التى هم بها = (( فتردها على أدبارها))، من حيث جائروا منه
بَدَيًّا من الشام. (١)
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٢٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((من قبل أن نطمس وجوهاً فيردها على أدبارها))، قال : كان أبى يقول: إلى
الشأم .
٠
وقال آخرون: معنى ذلك: (( من قبل أن نطمس وجوهاً)) ، فنمحو آثارها
(١) فى المطبوعة: ((بدءاً من الشام))، وأثبت فى المخطوطة، وكلاهما صواب. و((بدياً))،
فى بدء أمرهم. وتفسير ((الوجوه)) هنا : النواحى.

٤٤٣
تفسير سورة النساء : ٤٧
ونسوِيها = ((فتردها على أدبارها))، بأن نجعل الوجوه منابتَ الشِّعر، كما وجوه
القردة منابت للشعر، لأن شعور بنى آدم فى أدبار وجوههم . فقالوا: إذا أنبت الشعر
فى وجوههم ، فقد ردّها على أدبارها، بتصييره إياها كالأقفاء وأدبار الوجوه. (١)
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب، قولُ من قال : معنى
قوله: ((من قبل أن نطمس وجوها )) ، من قبل أن نطمس أبصارها ونمحو آثارها
فنسوّيها كالأفقاء = ((فتردها على أدبارها))، فنجعل أبصارها فى أدبارها، يعنى
بذلك: فنجعل الوجوه فى أدبار الوجوه، فيكون معناه: فنحوّل الوجوه أقْفاء والأقفَاء
وجوهاً ، فيمشون القهقرى ، كما قال ابن عباس وعطية ومن قال ذلك .
وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب: لأن الله جل ثناؤه خاطب بهذه الآية اليهود
الذين وصف صفتهم بقوله: ((ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون
الضلالة ))، ثم حذرهم جل ثناؤه بقوله: (( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا
مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فيردها على أدبارها)) الآية، بأسَه وسطوته
وتعجيلَ عقابه لهم، (٢) إن هم لم يؤمنوا بما أمرهم بالإيمان به . ولا شك أنهم كانوا لما
أمرهم بالإيمان به يومئذ كفاراً .
٠٠
٠
وإذْ كان ذلك كذلك، فبيّنّ فساد قول من قال : تأويل ذلك : أن نعمِيها
عن الحق فتردها فى الضلالة . فما وجْه ردٌّ من هو فى الضلالة فيها ؟! وإنما يرد
فى الشىء من كان خارجاً منه. فأما من هو فيه، فلا وجه لأن يقال: ((فرده فيه)).
٠٠٠
وإذْ كان ذلك كذلك، وكان صحيحاً أنّ الله قد تهدّد للذين ذكرهم فى هذه
(١) هو الفراء فى معانى القرآن ١ : ٢٧٢.
(٢) السياق : ثم حذرهم
بأسه وسطوله ...

٤٤٤
تفسير سورة النساء : ٤٧
الآية بردّه وجوههم على أدبارهم = كان بيّناً فساد تأويل من قال : معنى ذلك:
يهددهم بردُ هم فى ضلالتهم .
٧٩/٥
وأما الذين قالوا : معنى ذلك : من قبل أن نجعل الوجوه منابتَ الشعر كهيئة
وجوه القردة ، فقولٌ لقول أهل التأويل مخالف. وكفى بخروجه عن قول أهل العلم
من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من الخالفين ، على خطئه شاهداً .
٠ ٠
وأما قول من قال: معناه : من قبل أن نطمس وجوههم التى هم فيها، فردّ هم
إلى الشأم من مساکهم بالحجاز ونجد ، فإنه = وإن كان قولاً له وجه = مما يدل
عليه ظاهر التنزيل بعيد. (١) وذلك أن المعروف من (( الوجوه)) فى كلام العرب ،
التى هى خلاف ((الأقفاء))، وكتاب اللّه يُوَجَّه تأويله إلى الأغلب فى كلام
مَن نزل بلسانه ، حتى يدلّ على أنه معنىٌّ به غير ذلك من الوجوه، الذى يجب
التسليم له . (٢)
#
وأما ((الطمس))، فهو العُفُوّ والدثور فى استواء. منه يقال: ((طمست
أعلام الطريق تطمِسُ طُموساً))، إذا دثرت وتعفَّت، فاندفنت واستوت
بالأرض ، كماقال كعب بن زهير :
مِنْ كُلِّ نَضَّاحَةِ الدِّغْرَى إِذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَاَ طَامِسُ الأَعْلَامِ تَجْهُلُ(٣)
يعنى: ((طامس الأعلام))، دائر الأعلام مندفنها. ومن ذلك قيل للأعمى الذى
(١) فى المطبوعة: ((كما يدل عليه))، وفيه خطأ، وفى المخطوطة: (( كما يدل على)) وفيه
خطآن . والصواب ما أثبت .
(٢) فى المطبوعة: ((من الوجوه التى ذكرت، دليل يجب التسليم له))، زاد فيما كان فى
المخطوطة لتستقيم الجملة، وكان فيها: ((من الوجوه التى يجب التسليم له))، والأمر أهون من ذلك،
أخطأ فكتب ((التى)) مكان ((الذى))، وهو حق السياق .
(٣) سلف البيت وتخريجه فى ٤: ٤٢٤، تعليق : ٤ .

٤٤٥
تفسير سورة النساء : ٤٧
قد تعفى غَرُّ ما بين جفى عينيه فدثر (١): ((أعمى مطموس، وطميْس))، كما قال
الله جل ثناؤه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [سورة يس: ٦٦].
= قال أبو جعفر: ((الغَرُّ))، الشقّ الذى بين الجفنين. (٢)
٥
فإن قال قائل : فإن كان الأمر كما وصفت من تأويل الآية ، فهل كان
ما توعَّدهم به؟ (٣)
قيل : لم يكن ، لأنه آمن منهم جماعة ، منهم : عبد الله بن سلام ، وثعلبة
ابن سعية، وأسد بن سعية، (٤) وأسد بن عبيد، ومُخَيْرِقٍ، (٥) وجماعة غيرهم،
فدفع عنهم بإيمانهم.
ومما يبين عن أن هذه الآية نزلت فى اليهود الذين ذكرنا صفتهم ، ما : -
٩٧٢٤ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير = وحدثنا ابن
حميد قال ، حدثنا سلمة = جميعاً ، عن ابن إسحق قال ، حدثنى محمد بن أبى محمد
(١) فى المطبوعة: ((الذى قد تعنى ما بين جفنى ... )) حذف ((غر))، لأنه لم يحسن قراءتها،
وهى فى المخطوطة غير منقوطة، وانظر شرح أبى جعفر لكلمة ((غر))، والتعليق عليه بعد .
(٢) فى المطبوعة: (العراسق الذى بين الخفين)، واستدرك عليه الناشر الأول، وكتب فيه
خلطاً شديداً، نقله عنه آخرون !! وأما المخطوطة التى لم يحسن الناشر قراءتها فكان فيها : العر السق
الذى بين الخمس)) كله غير منقوط، وصوابه قراءته ما أثبت، وأصل ذلك أن ((الغر)) (بفتح الغين
وتشديد الراء) هو الشق فى الأرض. و((الغر)) أيضاً: الكسر يكون فى الثوب، والغضون فى الجلد ،
وهو مكاسر الجلد، ومنه قيل: ((اطو الثوب على غره)) أى على كسره. وقد جاءت هذه الكلمة فى
تفسير أبى جعفر ٢٣: ١٧، ١٨ مصحفة بالزاى: (( والطمس على العين هو أن لا يكون بين
جفنى العين (غز )، وذلك هو الشق الذى بين الجفنين)). وانظر شرح ابن إسحق فى سيرته ، ٢ :
٢١٠: ((المطموس العين: الذى ليس بين جفنيه شق)).
فتبين من هذا صحة قراءتنا وصوابها ، وخلط من لا يحسن أن يخلط ، فضلا عن أن يصيب !!
(٣) ((كان)) هنا تامة، بمعنى: وقع وحدث.
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وأسد بن سعية))، وعند ابن إسحق: ((أسيد بن سعية))
( يفتح الألف وكسر السين) . والاختلاف فى اسمه واسم أبيه كثير.
(٥) لم أجد ((مخيرق)) فى غير هذا الموضع، وهو فى سائر الكتب وفى ترجمته ((مخيريق))،
والاختلاف فى أسماء بنى إسرائيل كثير . فتركته على حاله هنا ، لأنه هكذا ثبت فى المخطوطة .

٤٤٦
تفسير سورة النساء : ٤٧
مولى زيد بن ثابت قال ، حدثنى سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال :
کلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود: منهم عبد الله بن صوريا،
وكعب بن أسد فقال لهم: يا معشر يهود ، اتقوا الله وأسلموا، فوالله إنكم لتعلمون
أن الذى جئتكم به لحق"!(١) فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد! وجحدوا ما عرفوا،
وأصرّوا على الكفر، فأنزل الله فيهم: (( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا
مصدقاً لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فتردها على أدبارها))، الآية . (٢)
٩٧٢٥ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا جابر بن نوح ، عن عيسى بن
المغيرة قال : تذاكرنا عند إبراهيم إسلام" كعبٍ ، (٣) فقال: أسلم کعب فى زمان
عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس ، فمرّ على المدينة ، فخرج إليه عمر فقال :
يا كعب، أسلم! قال: ألستم تقرأون فى كتابكم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ مُّلُوا الثَّوْرَاةَ
ثُمَّ مَّ تَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ تَحْيِلُ أَسْفَارًا﴾ [سورة الجمعة: ٥]؟ وأنا قدحملت
التوراة !قال : فتركه . ثم خرج حتى انتهى إلى حمص ، قال : فسمع رجلا من
أهلهاحزيناً وهو يقول: (( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم من
قبل أن نطمس وجوها فيردها على أدبارها))، الآية . فقال كعب : يارب
آمنت، يا رب أسلمت! مخافة أن تصيبه الآية ، ثم رجع فأتى أهله باليمن ، ثم
جاء بهم مسلمين .
(١) فى المخطوطة: ((الذى حكم به لحق))، وفى هامش النسخة بخط عتيق: ((الصواب:
بعثت ))، وأخطأ من كتب، فالصواب ما فى المطبوعة ، وهو نص سيرة ابن هشام .
(٢) الأثر ٩٧٢٤ - سيرة ابن هشام ٢ : ٢٠٩، وهو تابع الأثر السالف : ٩٦٨٩،
٠٩٦٩٠
(٣) يعنى ((كعب الأحبار)).

٤٤٧
تفسير سورة النساء : ٤٧
القول فى تأويل قوله ﴿أَوْ نَلَنَّهُمْ كَمَا لَمَنَّا أَصْحَبَ السَّبْتِ
وَكَانَ أَمْرُ أَللهِ مَقْعُولًا ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((أو نلعنهم ))، أو نلعنكم فنخزيكم
ونجعلكم قردة = (كما لعنا أصحاب السبت))، يقول: كما أخزينا الذين اعتدوا فى
السبت من أسلافكم. (١) قيل ذلك على وجه الخطاب فى قوله: (( آمنوا بما نزلنا
مصدقاً لما معكم))، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِ الْقُلْكِ وَجَرَيْنَ بِمْ بِرِيحِ.
حَطَيِّبَةٍ وَفَرِ حُوابِهاَ﴾ [سورة يونس: ٢٢].(٢)
٠
وقد يحتمل أن يكون معناه: ((من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها »،
أو نلعن أصحاب الوجوه - فجعل ((الهاء والميم)) فى قوله: ((أو نلعنهم))، من ذكر
أصحاب الوجوه ، إذا كان فى الكلام دلالة على ذلك :
٠٠
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٢٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((يا أيها الذين أوتوا الكتاب)) إلى قوله: ((أو نلعنهم كما لعنّا أصحاب ٨٠/٥
السبت »، أى : نحوّلهم قردة .
٩٧٢٧ -حدثنا الحسن بن یھی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن الحسن: ((أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت)) ، يقول : أو نجعلهم قردة .
٩٧٢٨ -حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
(١) انظر تفسير ((اللعنة)) فيما سلف قريباً ص: ٤٣٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر ما سلف ١ : ٣/١٥٤: ٣٠٤، ٦/٣٠٥: ٢٣٨، ٤٦٤، ومواضع
أخرى كثيرة فيما سلف .

٤٤٨
تفسير سورة النساء : ٤٧ ، ٤٨
أسباط، عن السدى: (( أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت))، أو نجعلهم قردة.
٩٧٢٩ -حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت))، قال: هم يهود جميعاً، نلعن هؤلاء كما
لعنّا الذين لعنًا منهم من أصحاب السبت .(١)
٠
وأما قوله: ((وكان أمر الله مفعولا))، فإنه يعنى: وكان جميع ما أمر الله أن.
يكون ، كائناً مخلوقاً موجوداً ، لا يمتنع عليه خلق شىء شاء خلقه .
و ((الأمر)) فى هذا الموضع: المأمور =سمى ((أمر الله))، لأنه عن أمره كان ويأمره.
والمعنى: وكان ما أمر الله مفعولاً .
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ
مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآء)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: (( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا
بما نزلنا مصدقاً لما معكم)) = وإن الله لا يغفر أن يشرك به، فإن الله لا يغفر الشرك
به والكفر ، ويغفر ما دون ذلك الشرك لمن يشاء من أهل الذنوب والآثام .
٠٠٠
وإذ كان ذلك معنى الكلام ، فإن قوله : « أن يشرك به )» ، فى موضع نصب
بوقوع ((يغفر)) عليها (٢) = وإن شئت بفقد الخافض الذى كان يخفضها لو كان
ظاهراً . وذلك أن يوجَّه معناه إلى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ، على تأويل الجزاء،
(١) انظر خبر ((أصحاب السبت)) فيما سلف ٢ : ١٦٦ - ١٧٥.
(٢) ((الوقوع)) تعدى الفعل إلى مفعول، كما سلف مراراً كثيرة.

٤٤٩
تفسير سورة النساء : ٤٨
كأنه قيل: إن الله لا يغفر ذنباً مع شرك، أو عن شرك.(١)
وعلى هذا التأويل يتوجه أن تكون ((أن )) فى موضع خفض فى قول بعض أهل
العربية . (٢)
٠
وذكر أن هذه الآية نزلت فى أقوام ارتابوا فى أمر المشركين حين نزلت :
﴿يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر: ٥٣].
ذكر الخبر بذلك :
٠
٩٧٣٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع قال ، حدثنى مُجَبَّر، عن عبد الله بن عمر: أنه قال :
لما نزلت: ﴿يَا عِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، قام رجل فقال: والشرك،
يا نبيَّ اللّه. فكره ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ((إنّ الله لا يغفر أن يشرك
به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما)). (٣)
(١) فى معانى القرآن للفراء ١: ٢٧٢: ((مع شرك، ولا عن شرك))، والصواب فى التفسير.
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٢٧٢، فهذه مقالته .
(٣) الحديث : ٩٧٣٠ - ابن أبى جعفر: هو عبد الله بن أبى جعفر الرازى: مضت
ترجمته وترجمة أبيه فى : ٧٠٣٠.
الربيع: هو ابن أنس البكرى . مضت ترجمته فى : ٥٤٨٠ .
بجبر - بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة المفتوحة، بوزن ((محمد)) - : هو ابن
أخى عبد الله بن عمر. و((مجبر)) لقبه، واسمه: ((عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأصغر بن عمر
ابن الخطاب)). ذكره المصعب فى نسب قريش، ص: ٣٥٦، وابن حزم فى جمهرة الأنساب،
ص: ١٤٦، والمشتبه للذهبى، ص: ٤٦٢. مترجم فى التعجيل، ص: ٣٩٢ - ٣٩٣،
وله ذكر فيه أيضاً فى ترجمة ابنه ((عبد الرحمن))، ص : ٢٥٦ - ٢٥٧.
وله رواية فى المسند : ١٤٠٢، عن عثمان وطلحة . وأظنها رواية منقطعة ، فإن طبقته أصغر
من أن يدركهما .
وله ذكر فى الموطأ، ص: ٣٩٧: (( مالك، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر: أنه لتى رجلا
ج ٨ (٢٩)

٤٥٠
تفسير سورة النساء : ٤٨
٩٧٣١ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع فى قوله: ((إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )) ،
قال: أخبرنى مُجَبِّر، عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ يَا عِبَادِىّ
الَّذِينَ أُسْرَفُوا عَلَى أُنْفُسِهِمْ) الآية، قام رجل فقال: والشرك يانبي الله. فكره ذلك
النبى، فقال: (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفرما دون ذلك لمن يشاء)).
٩٧٣٢ -حدثی محمد بن خلف العسقلانى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا
الهيثم بن جَمّاز قال، حدثنا بكر بن عبد الله المزنى، عن ابن عمر قال: كنا معشر
أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم لا نتَشُك فى قاتلِ النفس، وآ كل مال اليتيم ،
وشاهد الزور، وقاطع الرَّحم، حتى نزلت هذه الآية: ((إن الله لا يغفر أن يشرك
به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء))، فأمسكنا عن الشهادة . (١)
٠
٥
:
وقد أبانت هذه الآية أنّ كل صاحب كبيرة ففى مشيئة الله، إن شاء عفا
عنه ، وإن شاء عاقبه عليه ، ما لم تكن كبيرته شركاً بالله .
٠٠
من أهله يقال له المجبر ، قد أفاض ولم يحلق ولم يقصر، جهل ذلك ، فأمره عبد الله أن يرجع،
فيحلق أو يقصر، ثم يرجع إلى البيت فيفيض)).
ولم أجد له ترجمة غير ذلك . فهذا تابعى عرف شخصه، ولم يذكر بجرح ، فأقل حالاته أن يكون
حديثه حسناً .
والحديث نقله ابن كثير ٢ : ٤٨١، عن هذا الموضع. ثم قال: ((وقد رواه ابن مردويه
من طرق عن ابن عمر)) .
وذكره السيوطى ١: ١٦٩، ونسبه أيضاً لابن أبى حاتم .
وسيأتى عقب هذا بإسناد ضعيف ، لإبهام شيخ الطبرى .
(١) الحديث : ٩٧٣٢ - آدم: هو ابن أبي إياس العسقلانى. مضت ترجمته فى : ١٨٧،
الهيثم بن جماز البكاء ، الحنفى البصرى القاضى : ضعيف ، ضعفه أحد ، وابن معين ،
والنسائى، وغيرهم. مترجم فى لسان الميزان ٦ : ٢٠٤ - ٢٠٥، والكبير للبخارى ٤ /٢١٦/٢.
وابن أبى حاتم ٤/ ٢/ ٨١، والضعفاء للنسائى، ص: ٣٠.
و ((جماز)): بفتح الجيم وتشديد الميم وآخره زاى. ووقع فى المخطوطة والمطبوعة ((حماد))،
وهو تصحيف. وكذلك وقع مصحفاً فى التهذيب ١١: ١٠٠، عند ذكره بترجمة ((الهيثم بن أبى
الهيثم )).

٤٥١
تفسير سورة النساء : ٤٨
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِأَلِ فَقَدِ أَفْتَرَىَّ إِثْمَا
عَظِيماً ﴾ (١٨)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((ومن يشرك بالله)) فى عبادته غيره
من خلقه = ((فقد افترى إثما عظيما))، يقول: فقد اختلق إثما عظيماً. (١) وإنما جعله
الله تعالى ذكره ((مفترياً))، لأنه قال زوراً وإفكاً بجحوده وحدانية الله، وإقراره
بأن للّه شریکاً من خلقه وصاحبة أو ولداً . فقائل ذلك مفترٍ . و کذلك کل كاذب،
فهو مفترٍ فی کذبه مختلقٌ له .
بكر بن عبد الله المزفى : تابعى ثقة معروف ، أخرج له الجماعة .
والحديث ذكره السيوطى ٢ : ١٦٩، ونسبه أيضاً لابن أبى حاتم ، والبزار .
ومعناه ثابت عن ابن عمر من روايات أخر :
ففى الدر المنثور ٢: ١٦٩ (( أخرج ابن الضريس، وأبو يعلى ، وابن المنذر ، وابن عدى -
بسند صحيح، عن ابن عمر، قال : كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر، حتى سمعنا من نبينا
صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)، وقال: إنى
ادخرت دعوتى ، شفاءتى لأهل الكبائر من أمتى ، فأمسكنا عن كثير مما كان فى أنفسنا ، ثم نطقنا
بعد ورجونا)). وذكره الهيشى فى مجمع الزوائد ٧: ٥، وقال: ((رواه أبو يعلى، ورجاله
رجال الصحيح، غير حرب بن سريج، وهو ثقة)) .
وفى مجمع الزوائد ١٠ : ٢١٠ - ٢١١ ((عن ابن عمر، قال: كنا نمسك عن الاستغفار
لأهل الكبائر ، حتى سمعنا نبينا صلى الله عليه وسلم يقول ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر
ما دون ذلك لمن يشاء)، وقال: اخرت شفاعتى لأهل الكبائر يوم القيامة. رواه البزار، وإسناده
جيد)) . وهو نحو الذى قبله .
وفيه أيضاً روايات بهذا المعنى عن ابن عمر ١٠ : ١٩٣.
المؤمن، وآكل مال اليتيم)): بينهما بياض
هذا، وكان فى المخطوطة: ((لا نشك فى
وقبل ((المؤمن)) فى أعلاه حرف ((ط))، وهذا دال على أن النسخة التى نقل عنها كانت غير واضحة
فأثبتنا ما جاء فى الروايات الأخر .
(١) انظر تفسير ((افترى)) فيما سلف ٦ : ٢٩٢.

٠٤٥٢
تفسير سورة النساء : ٤٩
القول فى تأويل قوله ﴿أَلَمْ ثَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَ كُونَ أَضُتَهُم
بَلِ اللهُ يُزَ كِى مَن يَشَآءِ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: ألم تر، يا محمد بقلبك، (١) الذين
يزكون أنفسهم من اليهود فيبرِّئونها من الذنوب ويطهرونها . (٢)
واختلف أهل التأويل ، فى المعنى الذى كانت اليهود تُزكى به أنفسها .
فقال بعضهم: كانت تزكيتهم أنفسَهم، قولهم: ((نحن أبناء اللّه وأحباؤه)).
* ذكر من قال ذلك :
٩٧٣٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: (( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل اللّه يزكى من يشاء ولا يُظلمون
٨١/٥ فتيلا))، وهم أعداء الله اليهود، زكوا أنفسهم بأمر لم يبلغوه، فقالوا: ((نحن أبناء
اللّه وأحباؤه)). وقالوا: ((لا ذنوب لنا)).
٩٧٣٤ - حدثنا الحسن ابن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن الحسن فى قوله: ((ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم))، قال : هم
اليهود والنصارى، قالوا: ((نحن أبناء الله وأحباؤه)). وقالوا: ((لن يدخل الجنة
إلاّ من كان هوداً أو نصارى)).
٩٧٣٥ - وحدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة ، عن
عبيد بن سليمان، عن الضحاك قال: قالت يهود: ((ليست لنا ذنوب إلاّ
كذنوب أولادنا يوم يولدون ! فإن كانت لهم ذنوب فإنّ لنا ذنوباً ! فإنما نحن
(١) انظر تفسير ((ألم تر)) فيما سلف قريباً: ٤٢٦، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((التزكية)) فيما سلف: ٣٦٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٤٠٣
تفسير سورة النساء : ٤٩
مثلهم))! قال الله تعالى ذكره: ﴿أَنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ
وَكَفَى بِهِ إِثْمَا مُبِينًا ﴾ .
٩٧٣٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:
(((ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم))، قال: قال أهل الكتاب: ((لن يدخل الجنة إلاّ
من كان هوداً أو نصارى))، وقالوا: (( نحن أبناء اللّه وأحباؤه))، وقالوا: ((نحن على
الذى يحب الله)). فقال تبارك وتعالى: ((ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى
من يشاء))، حين زعموا أنهم يدخلون الجنة ، وأنهم أبناء اللّه وأحباؤه وأهل طاعته.
٩٧٣٧ -حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
أسباط، عن السدى: (( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا
يظلمون فتيلا))، نزلت فى اليهود، قالوا: ((إنا نعلم أبناءنا التوراة صغاراً ، فلا
تكون لهم ذنوب ، وذنوبنا مثل ذنوب أبنائنا ، ما عملنا بالنهار كُفُّر عنا بالليل ».
٥
وقال آخرون : بل كانت تزكيتهم أنفسهم ، تقديمهم أطفالهم لإمامتهم فى
صلاتهم ، زعماً منهم أنهم لا ذنوب لهم .
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٣٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: (( يزكون أنفسهم)) ، قال : يهود ، كانوا
يقدمون صبيانهم فى الصلاة فيؤمُّونهم، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم . فتلك التزكية .
٩٧٣٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد مثله .
٩٧٤٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن الأعرج ، عن مجاهد قال : كانوا يقدمون الصبيان أمامهم فى

٤٥٤
تفسير سورة النساء : ٤٩
الدعاء والصلاة يؤمّونهم ، ويزعمون أنهم لا ذنوب لهم ، فتلك تزكية = قال ابن
جريج : هم اليهود والنصارى .
٩٧٤١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن حصين ،
عن أبى مالك فى قوله: (( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ))، قال: نزلت فى اليهود،
كانوا يقدمون صبيانهم يقولون: ((ليست لهم ذنوب)).
٩٧٤٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن أبى مكين ، عن عكرمة
فى قوله: (( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ))، قال : كان أهل الكتاب يقدمون
الغلمان الذين لم يبلغوا الحنْث يصلُّون بهم، يقولون: ((ليس لهم ذنوب))! فأنزل
اللّه: ((ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم))، الآية.(١)
وقال آخرون: بل تزكينهم أنفسهم ، كانت قولهم: ((إن أبناءنا سيشفعون
لنا ويزكوننا)).
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٤٣ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم))،
وذلك أن اليهود قالوا: ((إن أبناءنا قد تُؤُفُّوا، وهم لنا قربة عند الله، وسيشفعون
ويزكوننا))! فقال الله لمحمد: ((ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم)) إلى ((ولا يظلمون
فتيلا )) .
وقال آخرون : بل ذلك كان منهم ، تزكية من بعضهم لبعض .
· ذكر من قال ذلك :
٩٧٤٤ - حدثنى يحيى بن إبراهيم المسعودى قال، حدثنا أبى ، عن أبيه ،
(١) الأثر: ٩٧٤٢ - ((أبو مكين)) هو: نوح بن ربيعة الأنصارى، مولاهم. مترجم
فى التهديب .

٤٠٠
تفسير سورة النساء : ٤٩
عن الأعمش ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : قال عبد الله:
إن الرجل ليغدو بدينه ، ثم يرجع وما معه منه شىء ! يلقى الرجل ليس يملك له
نفعاً ولا ضرًّا، فيقول: ((والله إنك لذَيَسْتَ وذَيْتَ))، ولعله أن يرجع ولم يَحْلَ من حاجته
بشىء، (١) وقد أسخط الله عليه. ثم قرأ: ((ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم)) الآية. (٢)
٠٠ ٠
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب، قول من قال: معنى ((تزكية
القوم )) ، الذين وصفهم الله بأنهم يزكون أنفسهم، وصفهم إياها بأنها لا ذنوب
لها ولا خطايا، وأنهم اللّ أبناء وأحبّاء، كما أخبر الله عنهم أنهم كانوا يقولونه.
لأن ذلك هو أظهر معانيه ، لإخبار اللّه عنهم أنهم إنما كانوا يزكون أنفسهم
دون غيرها .
٠
وأما الذين قالوا: معنى ذلك: ((تقديمهم أطفالهم للصلاة))، فتأويل لا تدرك
صحته إلا بخبر حجة يوجب العلم .
٠
وأما قوله جل ثناؤه: (( بل الله یز کیمن یشاء )) ، فإنه تگذیب من الله المزکین
أنفسهم من اليهود والنصارى، المبرّثيها من الذنوب. يقول الله لهم: ما الأمر كما
٨٢/٥
(١) فى المطبوعة: ((ويجعله أن يرجع»، وهو خطأ لاشك فيه، والصواب فى المخطوطة.
وقوله: (( لم يحل من حاجة بشىء))، أى لم يظفر منها بشىء، ولم يصب شيئاً مما ابتغى، وهو لا يستعمل
إلا مع النفى والجحد بهذا المعنى .
وقوله: ((ذيت وذيت))، من ألفاظ الكنايات، بمعنى: ((كيت وكيت)).
(٢) الأثر: ٩٧٤٤ - ((يحيى بن إبراهيم بن أبى عبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله
ابن مسعود المسعودى )) سلفت ترجمته برقم : ٠٥٣٧٩
و ((قيس بن مسلم الجدلى العدوانى))، روى عن طارق بن شهاب، وروى عنه الأعمش، وسفيان
الثورى وآخرون. قال أحمد ((ثقة فى الحديث، كان مرجئاً)) وقال أحمد عن سفيان: ((يقولون:
ما رفع رأسه إلى السماء منذ كذا وكذا تعظيما لله)).
و ((طارق بن شهاب الأحمسى))، روى عنه الأربعة. ورأى طارق النبى صلى الله عليه وسلم،
وروى عنه مرسلا ، وروى عن الخلفاء الأربعة ، وبلال ، وحذيفة ، وخالد بن الوليد .

٤٥٦
تفسير سورة النساء : ٤٩
زعمتم أنه لا ذنوب لكم ولا خطايا، وأنكم برآء مما يكرهه اللّه، ولكنكم أهل فِرْية
وكذب على الله ، وليس المزكَى من زكى نفسه، ولكنه الذى يزكيه اللّه، والله
يزكى من يشاء من خلقه فيطهره ويبرَّته من الذنوب ، بتوفيقه لاجتناب ما يكرهه
من معاصيه ، إلى ما يرضاه من طاعته .
وإنما قلنا إنّ ذلك كذلك، لقوله جل ثناؤه: ((انظر كيف يفترون على الله
الكذب))، وأخبر أنهم يفترون على الله الكذب بدعواهم أنهم أبناء اللّه وأحباؤه،
وأن الله قد طهرهم من الذنوب .
٠
٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾
٤٩
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: ولا يظلم اللّه هؤلاء الذين أخبر
عنهم أنهم يزكون أنفسهم ولا غيرهم من خلقه ، فيبخسهم فى تركه تزكيتهم ،
وتزكية من ترك تزكيته ، وفى تزكية من زكى من خلقه = شيئاً من حقوقهم ،
ولا يضع شيئاً فى غير موضعه ، ولكنه يزكى من يشاء من خلقه ، فيوفَّقه ، ويخذل
من يشاء من أهل معاصيه . كل ذلك إليه وبيده ، وهو فى كل ذلك غير ظالم
أحداً = ممن زكاه أو لم يزكه = فتيلاً .
٠
واختلف أهل التأويل فى معنى ((الفتيل)).
فقال بعضهم : هو ما خرج من بين الإصبعين والكفين من الوسخ ، إذا فتلتَ
إحداهما بالأخرى .
· ذكر من قال ذلك :
٩٧٤٥ - حدثنى سليمان بن عبد الجبار [ قال، حدثنا محمد بن الصلت ]

٤٥٧
تفسير سورة النساء : ٤٩
قال ، حدثنا أبو كدينة ، عن قابوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : الفتيل
ما خرج من بين إصبعيك . (١)
٩٧٤٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبى إسحق
الهمدانى، عن التيمى قال: سألت ابن عباس عن قوله: ((ولا يظلمون فتيلا))،
قال : ما فتلت بين إصبعيك .
٩٧٤٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن يزيد بن درهم أبى العلاء
قال، سمعت أبا العالية، عن ابن عباس: ((ولا يظلمون فتيلا))، قال : الفتيل ،
هو الذى يخرج من بين إصبعى الرجل . (٢)
٩٧٤٨ -حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: (( ولا يظلمون فتيلا))، والفتيل ، هو أن
تدلُك إصبعيك ، (٣) فما خرج بينهما فهو ذلك .
٩٧٤٩ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين ،
(١) الأثر: ٩٧٤٥ - ((سليمان بن عبد الجبار بن زريق الخياط)) مضى برقم : ٥٩٩٤ =
وكذلك مضت ترجمة: ((محمد بن الصلت))، وترجمة ((أبى كدينة: يحيى بن المهلب)). هذا وقد كان
الإسناد مخروماً فيما رجحت، سقط منه ذكر (( محمد بن الصلت)) كما مضى فى ٥٩٩٤، ٧٩٦٤،
وكا سيأتى الإسناد نفسه برقم: ٩٧٩٩، ولأن سليمان بن عبد الجبار، لم يلحق ((أبا كدينة)).
و ((قابوس)) هو: قابوس بن أبى لبيان الجنبى، روى عن أبيه حصين بن جندب ، وهو
ضعيف، لا يحتج به، كما قال ابن سعد. قال ابن حبان: ((كان ردىء الحفظ، ينفرد عن أبيه
بما لا أصل له)) .
وأبوه: ((حصين بن جندب الجنبى، أبو ظبيان. روى عن عمر ، وعلى ، وابن مسعود ،
وابن عباس ، وابن عمر وغيرهم من الصحابة والتابعين، وهو ثقة . مترجم فى التهذيب .
(٢) الأثر: ٩٧٤٧ - (( يزيد بن درهم، أبى العلاء العجمى))، أخو: محمد بن درهم،
روى عن أنس بن مالك ، والحسن ، وهذا هو يروى أيضاً عن أبى العالية ، ولم يذكروه. روى عنه
وكيع، وعبد الصمد بن عبد الوارث. قال الفلاس: ((ثقة))، وقال ابن معين: ((ليس بشىء)).
وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: ((يخطىء كثيراً)). مترجم فى ابن أبى حاتم ٤ /٢٦٠/٢، ولسان
الميزان ٦ : ٢٨٦. وانظر الأثر التالى: ٩٨١١، والتعليق عليه.
هذا، وكان فى المطبوعة: ((زيد بن درهم :... ))، والصواب من المخطوطة.
(٣) فى المطبوعة ((تدلك بين إصبعيك))، زاد ((بين))، وليست فى المخطوطة.

٤٥٨
تفسير سورة النساء : ٤٩
عن أبى مالك فى قوله: ((ولا يظلمون فتيلا))، قال: الفتيل، الوَسخ الذى يخرج
من بين الكفين .
٩٧٥٠ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
أسباط ، عن السدى ، قال : الفتيل ، ما فتلت به يديك ، فخرج وَسّخ .
٩٧٥١ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن منصور ، عن مجاهد ،
عن ابن عباس فى قوله: ((ولا يظلمون فتيلا))، قال : ما ندلكه فى يديك
فيخرج بينهما .
وأناس يقولون : الذى يكون فى بطن النواة .
• ذكر من قال ذلك :
٩٧٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: (( فتيلا))،
قال : الذى فى بطن النواة .
٩٧٥٣ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبي، عن طلحة بن عمرو، عن
عطاء قال : الفتيل ، الذى فى بطن النواة .
٩٧٥٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنى طلحة بن
عمرو : أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول ، فذكر مثله .
٩٧٥٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج ، أخبرنى عبد الله بن كثير : أنه سمع مجاهداً يقول : الفتيل ،
الذى فى شِقّ النواة .
٩٧٥٦ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن سعيد قال ، حدثنا
سفيان بن سعيد ، عن منصور، عن مجاهد قال : الفتيل ، فى النَّوى .
٩٧٥٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا

٤٥٩
تفسير سورة النساء : ٤٩
معمر، عن قتادة فى قوله: ((ولا يظلمون فتيلا))، قال : الفتيل الذى فى شِقّ
النواة .
٩٧٥٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول، حدثنا
عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول : الفتيل ، شق النواة .
٩٧٥٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : الفتيل،
الذى فى بطن النواة .
٩٧٦٠ - حدثنی یحیی بن أبى طالبقال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر ،
عن الضحاك قال : الفتيل ، الذى يكون فى شيقّ النواة .
٩٧٦١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (( ولا يظلمون فتيلا))، فتيل النواة .
٩٧٦٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا قرة، عن ٨٣/٥
عطية قال : الفتيل ، الذى فى بطن النواة . (١)
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأصل ((الفتيل))، المفتول، صرف من ((مفعول)) إلى ((فعيل))
كما قيل: ((صريع)) و((دهين)) من ((مصروع)) و((مدهون)).
٠٠٠
وإذا كان ذلك كذلك = وكان الله جل ثناؤه إنما قصد بقوله: ((ولا يظلمون
قتيلا))، الخبرّ عن أنه لا يظلم عبادَه أقلّ الأشياء التى لاخطر لها ، فكيف بما له
خطر؟ = وكان الوسخ الذى يخرج من بين إصبعى الرجل أو من بين كفيه إذا فتل
إحداهما على الأخرى ، كالذى هو فى شق النواة وبطنها ، وما أشبه ذلك من
(١) الأثر: ٩٧٦٢ - ((أبو عامر)) هز أبو عامر العقدى، عبد الملك بن عمرو، مضت
ترجمته برقم : ٤١٤٣
و ((قرة)) هو قرة بن خالد السدوسى، روى عن أبي رجاء العطاردى، وابن سيرين، والحسن.
وروى عنه شعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وأبو داود الطيالسى ، وغيرهم . مترجم فى التبديب
و((عملية)) هو: عطية بن سعد بن جنادة العوفى. مترجم فى رقم: ٣٠٥.

٤٦٠
تفسير سورة النساء : ٤٩ ، ٥٠
الأشياء التى هى مفتولة ، مما لا خطر له ، ولا قيمة = فواجبٌ أن يكون كل ذلك
داخلاً فى معنى (( الفتيل))، إلا أن يخرج شيئاً من ذلك ما يجب التسليم له ، مما
دل عليه ظاهر التنزيل .
٠
٠
القول فى تأويل قوله ﴿ أَنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ
الكذب وگن بِه إنمامنا﴾(@)
قال أبو جعفر : یعنی بذلك جل ثناؤه : انظر، یا محمد، کیف یفترى هؤلاء
الذين يزكون أنفسهم من أهل الكتاب = القائلون: (( نحن أبناء اللّه وأحباؤه))،
وأنه لن يدخل الجنة إلاّ من كان هوداً أو نصارى ، الزاعمون أنه لا ذنوب لهم =
الكذب والزور من القول، فيختلقونه على اللّه = ((وكفى به))، يقول: وحسبهم
بقيلهم ذلك الكذبَ والزورَ على اللّه = ((إنماً مبيناً))، يعنى أنه يبين كذبهم
لسامعيه، ويوضح لهم أنهم أفكّةٌ فجرة، (١) كما : -
٩٧٦٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم )) ، قال : هم اليهود والنصارى =
((انظر كيف يفترون على الله الكذب)). (٢)
(١) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة .
(٢) انظر تفسير ((ألم تر))، فيما سلف قريباً: ٤٥٢، تعليق: ١، والمراجع هناك =
وتفسير ((النصيب)) فيما سلف: ٤٢٧، تعليق: ٣، والمراجع هناك.