Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
تفسير سورة النساء : ٣٤
عن يونس ، عن الحسن قال : إذا نشرت المرأة على زوجها فليعظها بلسانه . يقول:
يأمرها بتقوى الله وطاعته .
٩٣٤٢ - حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا أبى ، عن موسى بن عبيدة ، عن
محمد بن كعب القرظى قال: إذا رأى الرجل خِفّةً فى بصرها، (١) ومدخلها
ومخرجتها. قال يقول لها بلسانه: ((قد رأيت منك كذا وكذا، فانتَهِى))! فإن
أُعْتَبت ، فلا سبيل له عليها. وإن أبت ، هجر مضجعها. (٢)
٩٣٤٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال ، حدثنا ابن المبارك
قال، أخبرنا شبل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((فعظوهن))،
قال: إذا تشزت المرأة عن فراش زوجها، فإنه يقول لها: ((اتقى الله وارجعى)).
٩٣٤٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن إسرائيل ، عن جابر ،
عن عطاء: ((فعظوهن ))، قال : بالكلام .
٩٣٤٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن
جريج قوله: ((فعظوهن))، قال : بالألسنة .
٩٣٤٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبى قيس، ٤١/٥
عن عطاء، عن سعيد بن جبير: ((فعظوهن))، قال: عظُوهن باللسان. (٣)
(١) فى المطبوعة: ((إذا رأى الرجل تقصيرها فى حقه))، وعلق عليه بقوله: ((فى بعض
النسخ: إذا رأى الرجل خفة فى بصرها، وفى مدخلها ومخرجها))، والذى فى بعض النسخ ، هو الذى
فى مخطوطتنا، مع حذف ((فى)) قبل ((وفى مدخلها))، وهذا هو الصواب المحض ، والذى فى المطبوعة
لاشك فى أنه تصرف قبيح من ناسخ ، وذلك أن أبا جعفر ذكر هذا آنفاً ص : ٢٩٩ س : ٥ :
((إذا رأيتم منهن ماتخافون أن ينشزن، من نظر إلى ما لا ينبغى لهن أن ينظرن إليه))، ونسبه إلى محمد
ابن كعب القرظى، وهذا هو معنى ((وخفة فى بصرها)»، أى: أنها تطمح ببصرها إلى غيره من الرجال .
(٢) الأثر: ٩٣٤٢ - سيأتى آخره برقم: ٩٣٦٤. وقوله: ((ومدخلها ونخرجها))
بالنصب فيهما عطفاً على قوله: ((خفة))، وهى مفعول ((رأى)). وقوله: ((أعتبت)»، من قولك:
(((أعتبنى فلان))، إذا ترك ما كنت تجد عليه من أجله، ورجع إلى ما أرضاك عنه، بعد إسخاطه
إياك عليه .
(٣) الأثر: ٩٣٤٦ - ((عمرو بن أبى قيس الرازى))، مضت ترجمته برقم: ٨٦١١.
٣٠٢
تفسير سورة النساء : ٣٤
القول فى تأويل قوله ﴿وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِى الْمَضَاجِعِ ﴾
م
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم : معنى ذلك : فعظوهن فى نشوزهن عليكم ، أيها الأزواج ،
فإن أبينَ مراجعة الحقّ فى ذلك والواجب عليهن لكم ، فاهجروهن بترك جماعهنّ
فى مضاجعتكم إياهن .
• ذكر من قال ذلك :
٩٣٤٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية
ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس قوله: ((فعظوهن واهجروهن
فى المضاجع))، يعنى: عظوهن، فإن أطعنكم، وإلاّ فاهجروهنّ .
٩٣٤٨ -حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((واهجروهن فى المضاجع »، يعنى
بالهجران : أن يكون الرجل وامرأته على فراش واحد لا يجامعها .
٩٣٤٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب ، عن
سعيد بن جبير قال : الهجر هجرُ الجماع .
٩٣٥٠ - حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
أسباط، عن السدى: أما ((تخافون نشوزهن))، فإن على زوجها أن يعظها ،
فإن لم تقبل فليهجرها فى المضجع. يقول : يرقدُ عندها ويولّيها ظهره ويطؤُها
ولا يكلمها = هكذا فى كتابى: ((ويطؤها ولا يكلِّمها)).(١)
(١) قوله: ((هكذا فى كتابى)) من كلام أبى جعفر الطبرى، وهذه دقة متناهية، وأمانة بالغة ،
مع مخافة فساد المعنى من وجوه ، ولكنه أثبته كما وجده فى كتابه ، مخافة أن يكون عنى أن الهجر هجر
الكلام وحده ، لا هجر الوطء وإن كان الراجح خلاف ذلك ، وإلا لضمه إلى القول التالى ، وذكره
مع الآثار التى فى معناه هناك .
٣٠٣
تفسير سورة النساء : ٣٤
٩٣٥١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم ،
عن جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((واهجروهن فى المضاجع))، قال :
يضاجعها ، ويهجر كلامها ، ويولّيها ظهره .
٩٣٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، حدثنا ابن المبارك
قال ، أخبرنا شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس: ((واهجروهن فى المضاجع))، قال : لا يجامعها .
وقال آخرون : بل معنى ذلك: واهجروا كلامتهن فى تركهن مضاجعتكم، (١)
حتى يرجعن إلى مضاجعتكم.
• ذكر من قال ذلك :
٩٣٥٣ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا، حدثنا ابن إدريس، عن
الحسن بن عبيد الله، عن أبى الضحى، عن ابن عباس فى قوله: ((واهجروهن
فى المضاجع))، أنها لا تترك فى الكلام ، ولكن الهجران فى أمر المضجع .
٩٣٥٤ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا أبو
حمزة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير: ((واهجر وهن فى المضاجع)) ،
يقول : حتى يأتين مضاجعكم. (٢)
٩٣٥٥ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ،
عن سعيد بن جبير: ((واهجروهن فى المضاجع»، فى الجماع .
٩٣٥٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس (( واهجروهن فى
المضاجع))، قال: يعظها ، فإن هى قبلت، وإلاّ هجرها فى المضجع، ولا يكلمها،
(١) فى المطبوعة: ((واهجروهن واهجروا))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) الأثر ٩٣٥٤ - هذا الأثر مكرر فى المخطوطة بنصه مرة أخرى.
٣٠٤
تفسير سورة النساء : ٣٤
من غير أن يَذَرَ نكاحها، وذلك عليها شديدٌ .(١)
٩٣٥٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك
قال، أخبرنا شريك، عن خصيف، عن عكرمة: ((واهجروهن فى المضاجع»،
الكلامَ والحديثَ .
[وقال آخرون: بل معنى ذلك : ولا تقربوهن فى فرشهن، حتى يرجعن
إلى ما تحبّون] . (٢)
* ذكر من قال ذلك :
٩٣٥٨ - حدثنی الحسنبن زُریق الطهوی قال، حدثنا أبو بكر بن عياش،
عن منصور، عن مجاهد فى قوله: ((واهجروهن فى المضاجع))، قال :
لا تضاجعوهن . (٣)
٩٣٥٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة، عن الشعبى
قال : الهجران أن لا يضاجعها .
:
٩٣٦٠ - وبه قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن عامر وإبراهيم قالا :
الهجران فى المضجع ، أن لا يضاجعها على فراش .
٩٣٦١ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة
عن إبراهيم والشعبى أنهما قالا فى قوله: ((واهجروهن فى المضاجع))، قالا :
يهجر مضاجعتها حتى ترجع إلى ما يحبّ .
٩٣٦٢ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
(١) الأثر : ٩٣٥٧ - هذا تتمة الأثر السالف رقم : ٩٣٣٧، فانظر التعليق عليه هناك.
(٢) ما بين القوسين، ساقط من المخطوطة والمطبوعة، واستظهرته من معانى الآثار التالية،
وهو القول الثالث من الأقوال الأربعة فى تفسير الآية .
(٣) الأثر: ٣٥٨، - ((الحسن بن زريق الطهوى الكوفى)). روى عن سفيان بن عيينة،
وأبى بكر بن عياش، وجماعة . قال العقيلى: ((يحدث عن ابن عيينة بحديث ليس له أصل من حديث
ابن عيينة)) يعنى حديث أنس: (( يا أبا عمير، ما فعل النغير)). فاعتدل له ابن عدى فقال :
(( لم أر له أنكر منه، فما أدرى: وهم فيه، أو أخطأ، أو تعمد، وبقية أحاديثه مستقيمة)).
مترجم فى لسان الميزان ٢: ٢٠٧، ٢٠٨، وابن أبى حاتم ١٥/٢/١.
٣٠٥
تفسير سورة النساء : ٣٤
شعبة، عن مغيرة. عن إبراهيم والشعبى أنهما كانا يقولان ((واهجروهن فى
المضاجع ))، قالا يهجرُها فى المضجع
٩٣٦٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان قال ، حدثنا ابن المبارك قال ،
حدثنا شريك ، عن خصيف، عن مقسم: ((واهجروهن فى المضاجع))، قال :
هجرها فى مضجعها : أن لا يقرب فراشها .
٩٣٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أنى ، عن موسى بنعبيدة ، عن
محمد بن كعب القرظى قال: ((واهجروهن فى المضاجع))، قال : يعظها بلسانه ،
فإن أعتبت فلا سبيل له عليها ، وإن أبتْ هجر مضجعها.(١)
٩٣٦٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، ٥/ ٤٢
عن الحسن وقتادة فى قوله: ((فعظوهن واهجروهن))، قالا: إذا خاف نشوزَها
وعظها . فإن قبلتْ ، وإلا هجر مضجعها .
٩٣٦٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((واهجروهن فى المضاجع))، قال : تبدأ يا ابن آدم ، فتعظها ، فإن
أبت عليك فاهجرها = يعنى به : فراشها .
٠٠
وقال آخرون: معنى قوله: ((واهجروهن فى المضاجع))، قولوا لهن من القول
◌ُهُجْزاً فى تركهنّ مضاجعتكم.
• ذكر من قال ذلك :
٩٣٦٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
الثورى ، عن رجل ، عن أبى صالح ، عن ابن عباس فى قوله: ((واهجروهن فى
المضاجع))، قال: يهجرها بلسانه ، ويُخْلظ لها بالقول، ولا يدع جماعها.
٩٣٦٨ - وبه قال ، أخبرنا الثورى ، عن خصيف ، عن عكرمة قال : إنما
(١) الأثر: ٩٣٦٤ - هو بعض الأثر السالف رقم : ٩٣٤٢
ج ٨ (٢٠)
٣٠٦
تفسير سورة النساء : ٣٤
الهجران بالمنطق : أنْ يغلظ لها ، وليس بالجماع .
٩٣٦٩ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة ،
عن أبى الضحى فى قوله: ((واهجروهن فى المضاجع))، قال: يهجر بالقول ،
ولا يهجر مضاجعتها حتى ترجع إلى ما يريد .
٩٣٧٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك
قال ، حدثنا عبد الوارث بن سعيد ، عن رجل ، عن الحسن قال: لا يهجرها إلاّ
فى المبيت ، فى المضجع . ليس له أن يهجر فى كلام ولا شىء إلاّ فى الفراش.
٩٣٧١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنى يعلى ، عن سفيان
فى قوله: ((واهجروهن فى المضاجع))، قال: فى مجامعتها، ولكن يقول لها: ((تعالى،
وافعلى)»، كلاماً فيه غلظة . فإذا فعلتْ ذلك، فلا يكلَّفْها أن تحبه، فإن قلبها
لیس فی یدیها .
قال أبو جعفر: ولا معنى ( ((الهجر)) فى كلام العرب إلاّ على أحد ثلاثة
أوجه .
#
أحدها: ((هجر الرجل كلام الرجل وحديثه))، وذلك رفضه وتركه ، يقال
منه: (("هجر فلان أهله يهجرُما هجراً وهجراناً)).
والآخر : الإكثار من الكلام بترديد كهيئة كلام الهازئ ، يقال منه :
((هجرفلانٌ فى كلامه يَهْجُر مَجْراً))، إذا هذى ومدّد الكلمة(١) = ((ومازالت
تلك هِجِيراه ، وإهْجِيراه))، ومنه قول ذى الرمة :
رَمَى فَأَخْطَأَ، وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ فَأَنْصَعْنَ وَالْوَيْلُ مِجِِّرَاءُ وَالْحَرَبُ(٣)
(١) هذا التفسير لمعنى ((الهجر))، وهذه الصفة قلما تصيبها فى كتب اللغة، فأثبتها هناك.
(٢) ديوانه: ١٦، والبيت من قصيدته الناصعة، وهو من الأبيات التى وصف فيها حمر
الوحش ، وصائدها من قبيلة جلال ، جاءت الحمر ظماء إلى الماء ، وتخى لها الصائد قد أعد سهامه ،
فلما وردت الحمر حين دعاها خرير الماء المنسكب ، ولم تكد تشرب منه فغباً تكسر ما تلقى من حرارة
٣٠٧
تفسير سورة النساء : ٣٤
والثالث: ((هَجَر البعير))، إذا ربطه صاحبه ؛ ((الهِجَار))، وهو حبل
يُربط فى حَقْويها ورُسغها، (١) ومنه قول امرئ القيس:
رَأَتْ هَلَكّاً بِنِجَافِ الْغَبِيطِ فَكَادَتْ نَجُدُّ لِذَاكَ الْهِجَارَا(٣).
فأما القول الذى فيه الغلظة والأذى، فإنما هو ((الإهجار))، ويقال منه :
((أهجر فلان فى منطقه)) - إذا قال ((الهُجْر))، (٣) وهو الفحش من الكلام =
(ُيُهْجر إهجاراً وهُجراً)).
٠ ٥
فإذا كان لاوجه ! ((الهَجْر)) فى الكلام إلا أحد المعانى الثلاثة (٤) = وكانت
المرأة الخوف نشوزُها ، إنما أمر زوجها بوعظها لتنيب إلى طاعته فيما يجب عليها له
من موافاته عند دعائه إياها إلى فراشه = فغير جائز أن تكون عظته لذلك حتى
تنىء المرأة إلى أمر الله وطاعة زوجها فى ذلك ، (٥) ثم يكون الزوج مأموراً
العطش، حتى رماها الصائد فأخطأها، على مهارته وحذقه ، فإن قدر الله غالب كل مقتدر =
((فانصعن)) أى: تفرقن هاربات، وبقى الصائد دائباً يدعو على نفسه بالويل والحرب. و((هجيراه ))
دأبه، ألح إلحاحاً على ذلك لما أخفق. و ((الحرب)) نهب مال الإنسان وتركه لا شىء له ، يدعو
على نفسه بذلك من الغيظ .
(١) الحقوان، واحدهما حقو (بفتح فسكون) : الخامرتان.
(٢) ديوانه: ٩٣، معجم ما استعجم: ٩٩١، واللسان (ملك) ثانى بيتين ، قالهما فى
ناقته ، والأول :
أَرَى نَقَةَ الْقَيْسِ قَدْ أَصْبَحَتْ عَلَى الْأَيْنِ ذَاتَ عِبَابٍ نَوَارًا
((القيس)) يعنى نفه. و((الأين)) شدة التعب. و((الهباب)): النشاط: و((النوار))،
النفور من شدة بأسها وقوتها. و((الهلك)) (بفتحتين): ما بين أعلى الجبل وأسفله ، أو المهواة
بين الجبلين، أو الشق الذاهب فى الأرض. و((الغبيط)) صحراء متسعة لبنى يربوع، وسطها منخفض
وطرفها مرتفع ، كهيئة الغبيط = وهو الرحل اللطيف = وذكره امرؤ القيس فى كثير من شعره .
و ((النجاف)) جمع ((نجف)) جمع «نجفة)): وهى أرض مستطيلة مرتفعة لا يعلوها الماء ، تكون
فى بطن الوادى شبه جدار ليس بالعريض. وقوله ((تجد)) أى: تقطع حبل الهجار = وهو حبل
يشد فى رسفها - وذلك نفوراً من المهواة التى أفزعتها .
(٣) ((الحجر)) هنا بضم الهاء وسكون الجيم.
(٤) ينى ((الهجر)) بفتح الهاء وسكون الجيم.
(٥) فى المطبوعة: ((ثم تصير))، وفى المخطوطة مثله، إلا أنه كتب ((تصير)) بقلم مضطرب،
٣٠٨
تفسير سورة النساء : ٣٤
بهجرها فى الأمر الذى كانت عظته إياها عليه .
وإذا كان ذلك كذلك، بطلَ قولُ من قال: ((معنى قوله : واهجروهن
فى المضاجع ، واهجروا جماعهن)).
= أو يكون - إذ بطل هذا المعنى - بمعنى (١): واهجروا كلامهن بسبب هجرهنّ"
مضاجعكم . وذلك أيضاً لاوجه له مفهوم" . لأن الله تعالی ذ کره قد أخبر على لسان
نبيه صلى الله عليه وسلم: أنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوقَ ثلاث. (٢) على أن
ذلك لو كان حلالاً لم يكن لهجرها فى الكلام معنّ مفهوم . لأنها إذا كانت
عنه منصرفةً وعليه ناشزاً ، فمن سرورها أن لا يكلمها ولا يَرَاها ولا تراه ، فكيف
يُؤْمر الرجل = فى حال ◌ُبُغض امرأته إياه، وانصرافها عنه = بترك ما فى تركه
سُرُورها، من ترك جماعها ومحادثتها وتكليمها؟(٣) وهو يؤمر بضربها لترتدع عما
هى عليه من ترك طاعته، إذا دعاها إلى فراشه، وغير ذلك مما يلزمها طاعته فيه. (٤)
والظاهر أن الناسخ لم يستطع قراءة الكلمة على وجهها فاضطرب قلمه. والصواب المحض ((تنوء)) أى
ترجع، وأما ((ثم)) فهو سهو منه، بلى هى (حتى)) كما أثبتها ، وهى حق السياق.
(١) فى المطبوعة: ((فمعنى: واهجروا ... ))، والقاء هنا خطأ لاشك فيه، ولكن ناسخ
المخطوطة كتب (( لمعنى)) باء ، ثم وضع نقطة النون على الباء ، فأساء الناشر قراءتها .
(٢) هو من حديث أنس بن مالك، رواه البخارى (الفتح ١٠: ٤١٣): ((عن أنس
ابن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لاَ تَبَغَضُوا، ولاَ تَحَاسِدُوا،
ولا تَدَابَرُوا، وكونوا عِبَادِ اللهِ إخواناً، ولا يحلُّ لامرى« مُسْلٍ أنْ يهجُرَ أَخاهُ
فوق ثلاثٍ )) .
وحديث أبي أيوب الأنصارى: ((لا يحِلُّ لرجُل أن يهجُرَ أخاهُ فَوقَ ثلاثٍ ،
يلتقيانِ، فيُعْرض هذا ويُعرِض هذا، وخيرُما الذى يبدأ بالَّلام))، (الفتح ١٠: ٤١٣).
(٣) فى المطبوعة: ((بجاذبتها))، واخترت قراءتها كما أثبتها، وهى فى المخطوطة غير منقوطة.
(٤) هذه الحجة جيدة جداً، إذا اقتصر المرء على صورة واحدة من صور النشوز، وعلة
واحدة هى التى ذكرها أبو جعفر. ولكن النشوز صور عديدة، وعلله مختلفات ، وهذه الآية
٣٠٩
تفسير سورة النساء : ٣٤
= أو يكون - إذا فسد هذان الوجهان - يكون معناه(١): واهجروا فى قولكم
لهنّ، بمعنى : ردّدوا عليهن كلامكم إذا كلمتموهن، بالتغليظ لهن . فإن كان
ذلك معناه، فلا وجه لإعمال ((الهجر)) فى كناية أسماء النساء الناشزات = أعنى فى ٤٢/٥
(الهاء والنون)) من قوله: ((واهجروهن)). لأنه إذا أريد به ذلك المعنى، كان الفعل
غير واقع. (٢) إنما يقال: (("هَجَر فلان فى كلامه)) ولا يقال: ((هجرفلان فلانً)).
فإذا كان فى كلّ هذه المعانى ما ذكرنا من الخلل اللاحق ، فأولى الأقوال
بالصواب فى ذلك أن يكون قوله: ((واهجروهن))، موجَّهاً معناه إلى معنى الرّبط
بالهجار ، على ما ذكرنا من قيل العرب للبعير إذا ربطه صاحبه بجبل على ما وصفنا :
((هَجَرَه فهو يهجره هجْراً)).
وإذا كان ذلك معناه كان تأويل الكلام : واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن
فى نشوزهن عليكم. فإن اتعظن فلا سبيل لكم عليهنّ ، وإن أبين الأوْبة من
نشوزهن فاستوثقوا منهنّ رباطاً فى مضاجعهن = يعنى: فى منازلهن وُبيوتهن التى
يضطجعن فيها وُيُضاجعن فيها أزواجهنّ، كما : -
٩٣٧٢ - حدثنى عباس بن أبى طالب قال ، حدثنا يحيى بن أبى بكير ،
عن شبل قال ، سمعت أبا قزعة يحدث ، عن عمرو بن دينار، عن حكيم بن معاوية،
عن أبيه: أنه جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: ما حق زوجة أحدنا عليه ؟
قال: يطعمها، ويكسوها، ولا يضرب الوجه، ولا يقبِّح، ولا يهجر إلا فى البيت. (٣)
أدب عام يعمل به المرء المسلم عند حاجته إليه عند مخافة النشوز أو معرفته ومعرفة أسبابه . وسترى أن
أبا جعفر قد أسقط جميع الأقوال ، ليفضى إلى تأويله الذى ذهب إليه ، وسنذكر رد أبى بكر بن العربى
عليه فى تعليق يأتى فى آخر مقالة أبى جعفر .
(١) تكرار ((يكون)) هنا فى هذا السياق عربى جيد .
(٢) ((الفعل الواقع)) هو الفعل المتعدى، وانظر فهرس المصطلحات فيما سلف.
(٣) الحديث: ٩٣٧٢ - عباس بن أبى طالب: هو ((عباس بن جعفر بن عبد الله)).
مضت ترجمته فى : ٨٨٠ .
٣١٠
تفسير سورة النساء : ٣٤
٩٣٧٣ - حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا يزيد بن هرون، عن شعبة بن
الحجاج ، عن أبى قزعة ، عن حكيم بن معاوية ، عن أبيه ، عن النبى صلى الله
عليه وسلم "نحوه . (١)
٩٣٧٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، حدثنا ابن المبارك
قال، أخبرنا بهز بن حكيم، عن جده قال ، قلت: يا رسول الله ، نساؤنا ، ما نأتى
منها وما نذر ؟ قال : حرثُك ، فأت حرثك أنَّ شئت ، غير أن لا تضرب الوجه ،
ولا تقبُّح ، ولا تهجر إلاّ فی البیت، وأطعم إذا طعمت، وا گْس إذا ا کتسیتَ ،
كيف وقد أفضى بعضكم إلى بعض؟ إلاّ بما حَلّ عليها. (٢)
شبل: هو ابن عباد المكى القارىء . مضى فى: ٢٨٠ .
أبو قزعة - بفتح القاف والزاى والعين : هو سويد بن جحير بن بيان . مضت ترجمته فى :
٨٢٨١ ، ٨٢٨٣ ٠
وقوله هنا: ((يحدث عن عمرو بن دينار)) - الراجح عندى أنه خطأ ناسخ فى زيادة حرف ((عن)).
وأن يكون صوابه ((يحدث عمرو بن دينار)). أى : أن شيل بن عباد سمع الحديث من أبى قزعة
وهو يحدث به عمرو بن دينار . لأن الحديث معروف من حديث أبى قزعة عن حكيم بن معاوية ،
ليس بينهما واسطة. وأبو قزعة وعمرو بن دينار من طبقة واحدة ، فقد يحدث أحدهما عن الآخر .
ولكن الواقع هنا - فيما أرى - أن الحديث عن أبى قزعة عن حكيم مباشرة.
ثم استيقنت أن ما استظهرت هو الصواب . فإن هذا الحديث قطعة من حديث مطول ، رواه
أحمد فى المسند ٤ : ٤٤٦ - ٤٤٧ (حلبي)، عن عبد الله بن الحارث، وعن يحيى بن أبى بكير -
كلاهما عن شبل بن عباد، قال: ((سمعت أبا قزعة يحدث عمرو بن دينار ، يحدث عن حكيم بن معاوية
البهزى ... )) - إلى آخره. فوقع فى مطبوعة المسند (يحدث عن عمرو بن دينار))، بزيادة ((عن))،
كما فى نسخة الطبرى هنا . ولكن ثبت فى مخطوطة الرياض - من المسند - (ج ٣ ص ١٠٧٤)،
على الصواب الذى ذكرنا، بحذف كلمة ((عن)). وهو الصواب إن شاء الله.
حكيم بن معاوية بن حيدة القشيرى: مضت ترجمته وترجمة أبيه فى : ٨٧٣ .
والحديث يأتى تمام تخريجه فى الرواية الثالثة : ٩٣٧٤ .
(١) الحديث: ٩٣٧٣ - الحسن بن عرفة العبدى البغدادى، شيخ الطبرى ثقة. مترجم
فى التهذيب ، وابن أبى حاتم ١ /٣١/٢ - ٣٢، وتاريخ بغداد ٧ : ٣٩٤ - ٣٩٦ . مات سنة ٢٥٧
وقد جاوز ١١٠ سنين .
والحديث رواه أحمد ٤ : ٤٤٧ ( حلبى)، عن يزيد بن هرون ، عن شعبة، بهذا الإسناد .
(٢) الحديث : ٩٣٧٤ - حبان - بكسر الحاء - بن موسى بن سوار السلمى: ثقة من
شيوخ البخارى ومسلم. مترجم فى التهذيب، والكبير ٨٤/١/٢، وابن أبى حاتم ٢٧١/٢/١.
٣١١
تفسير سورة النساء : ٣٤
وبنحو الذى قلنا فى تأويل ذلك قال عدّة من أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٩٣٧٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ،
عن الحسن قال : إذا نشرت المرأة على زوجها فليعظها بلسانه ، فإن قبلت
فذاك، وإلا ضرَبها ضرباً غير مبرّح. فإن رجعت ، فذاك، وإلاّ فقد حَلّ
له أن يأخذ منها وُيُخَلِّيها .
٩٣٧٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن الحسن بن عبيد اللّه،
عن أبى الضحى، عن ابن عباس فى قوله: ((واهجروهن فى المضاجع واضربوهن))،
قال : يفعل بها ذاك، ويضربها حتى تطيعه فى المضاجع. فإذا أطاعته فى المضجع،
فليس له عليها سبيل إذا ضاجعته .
٩٣٧٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حبان قال ، حدثنا ابن المبارك قال ،
أخبرنا يحيى بن بشر: أنه سمع عكرمة يقول فى قوله: (( واهجروهن فى المضاجع
واضربوهن)) ضرباً غير مبرح، قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: اضربوهن
وهذا الحديث هو تكرار للحديثين قبله ، مطولا . وقد جاء بالأسانيد الصحاح بأطول من هذا
أيضاً . ورواه عن حكيم بن معاوية ابناه : بهز وسعيد ، وغيرهما .
فرواه أحمد فى المسند، مطولا ومختصراً ٤: ٤٤٦، ٤٤٧، مراراً، و٥: ٥،٣ (حلى).
ورواه أبو داود : ٢١٤٢ - ٢١٤٤ .
ورواه ابن ماجة: ١٨٥٠، من طريق يزيد بن هرون، كالرواية التى قبل هذه.
ورواه البيهقى ٧ : ٢٩٥، ٣٠٥، مطولا ومختصراً.
وقال المنذرى : ٢٠٥٧، من تهذيب النن: ((اختلف الأئمة فى الاحتجاج بهذه النسخة ،
فمنهم من احتج بها، ومنهم من أبى ذلك، وخرج الترمذى منها شيئاً ومححه)). يريد نسخة ((بهز
ابن حكيم عن أبيه عن جده)). والحق أنها صحيحة إذا صح الإسناد إلى بهز .
وذكره ابن كثير ٢ : ٤٣٧ - مختصراً - دون إسناد، ونسبه السنن والمسند .
وقوله: ((إلا بما حل عليها)) - وفى رواية المسند (ج ٥ ص ٥): ((إلا بما حل عليهن)) -
يعنى : إلا بما حل لكم عليهن من الضرب الذى أذن الله به لكم إذا خفتم نشوزهن. وهو الذى نص الله
عليه فى هذه الآية الكريمة : ( واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن).
ولا يتجاوز فى ذلك الحد الذى أذن الله به : ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا).
٣١٢
:
تفسير سورة النساء : ٣٤
إذا عصينكم فى المعروف ضرباً غير مبرّح. (١)
٠ ٥ ٥
قال أبو جعفر : فكلّ هؤلاء الذين ذكرنا قولهم : لم يوجبوا للهجر معنى غير
الضرب . ولم يوجبوا هجراً = إذ كان هيئة من الهيئات التى تكون بها المضروبة عند
الضرب ، (٢) مع دلالة الخبر الذى رواه عكرمة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
أمر بضربهن إذا عصين أزواجهن فى المعروف ، من غير أمر منه أزواجهن
بهجرهن = (٣) لما وصفنا من العلة .
٥
قال أبو جعفر : فإن ظنّ ظانٌّ أن الذى قلنا فى تأويل الخبر عن النبى
صلى الله عليه وسلم الذى رواه عكرمة، ليس كما قلنا، وصحّ أن تركَ النبى صلى اللّه
عليه وسلم أمرَ الرجل بهجر زوجته إذا عصته فى المعروف وأمره بضربها قبل الهجر ،
لو كان دليلاً على صحة ما قلنا من أنّ معنى ((الهجر)) هو ما بيناه = لوجب أن
يكون لا معنى لأمر الله زوجتها أن يَعِظها إذا هى نشرت، إذ كان لا ذكر للعظة
فى خبر عكرمة عن النبى صلى الله عليه وسلم =
= (٤) فإن الأمر فى ذلك بخلاف ما ظن. وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا
عصينكم فى المعروف))، دلالة بينة أنه لم يُبح للرجل ضرب زوجته ، إلا بعد عظتها
من نشوزها . وذلك أنه لا تكون لهُ عاصية، إلاّ وقد تقدّم منه لها أمرٌ أو عِظَة
بالمعروف على ما أمرَ الله به . (٥)
(١) الأثر : ٩٣٧٧ - الخبر الذى رواه عكرمة، واحتج به الطبرى بعد ، خبر مرسل .
خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٢ : ١٥٥، ولم ينسبه لغير ابن جرير .
(٢) يعنى بقوله: ((إذ كان هيئة من الهيئات ... ))، أن المرأة المضروبة لا تضرب إلا
لأنها هجرت فراش زوجها ، فالهجر حالة من حالاتها التى تكون عليها حين تضرب .
(٣) السياق: ((ولم يوجبوا هجراً ... لما وصفنا من العلة))، وفصل بينهما بالسبب الذى
من أجله لم يوجبوا الهجر .
(٤) قوله: ((فإن الأمر فى ذلك ... )) جواب قوله فى أول الفقرة السالفة: ((فإن ظن
ظان))، وفصلت هذه الثانية فقرة مستقلة ، لأنها كالجواب ، ولئلا تختلط معانى الكلام.
(٥) تأويل الطبرى فى هذا الموضع لمعنى ((الهجر))، وأنه الشد بالهجار، والاستفياق منهن
٣١٣
تفسير سورة النساء : ٣٤
القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَضْرِبُوهُنَّ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه : فعظوهن ، أيها الرجال ، فى نشوزهن،
فإن أبينَ الإياب إلى ما يلزمهن لكم ، فشدّوهن وثاقاً فى منازلهن ، واضربوهن
ليؤبن إلى الواجب عليهن من طاعته الله فى اللازم لهنّ من حقوقكم .
وقال أهل التأويل : صفة الضرب التى أباح اللّه لزوج الناشز أن يضربها: ٤٤/٥
الضربُ غيرُ المبرِّح.
• ذكر من قال ذلك :
٩٣٧٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عمرو ، عن عطاء ،
رباطاً فى منازلهن وبيوتهن التى يضطجعن فيها ويضاجعن فيها أزواجهن = تأويل مستغرب جداً ،
شذ به عن كل تأويل تأوله المتقدمون . وقد استدرك عليه العلماء بعده ، فمن أجود من قال فى ذلك
أبو بكر بن العربى فى كتابه أحكام القرآن ١: ١٧٥ قال: ((يا لها هفوة من عالم بالقرآن والسنة !!
وإنى لأعجبكم من ذلك : أن الذى جراء على هذا التأويل ، ولم يرد أن يصرح بأنه أخذه منه ، وهو
حديث غريب ، رواه ابن وهب عن مالك: أن أسماء بنت أبى بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام ... ))
ثم ذكر قصة ضرب الزبير أسماء وضرتها، وأنه عقد شعر واحدة بالأخرى ، وارتفاع أسماء إلى أبى بكر ،
ونصيحة أبى بكر لها أن تصبر ، لأن الزبير رجل صالح ، وعسى أن يكون زوجها فى الجنة -
ثم قال ابن العربى: ((فرأى الربط والعقد مع احتمال اللفظ ، مع فعل الزبير ، فأقدم على هذا التفسير
لذلك . وعجباً له ، مع تبحره فى العلوم وفى لغة العرب ، كيف بعد عليه صواب القول ، وحاد عن سداد
النظر)) !!
واستخراج أبى بكر ضمير الطبرى ، إذ ذكر الخبر الذى جرأه على هذا التفسير ، ليس يعجبنى ،
ولو كان الطيرى أراده لذكره كعادته . ولكنى أظن أبا جعفر قد تورط فى هذا التأويل، للعلل التى قدم
ذكرها بعد كلامه فى تفسير ((الهجر))، وأنه لو كان الكلام ((فاهجروهن فى المضاجع))، ولم يقل
سبحانه قبله ((فعظوهن))، لما احتاج أبو جعفر إلى هذا التأويل. وإذن فالذى دعاه إلى هذا التأويل
هو تتابع الكلامين (فنظرهن)) و((اهجروهن فى المضاجع))، ثم إنه أيضاً لم يجد مساغاً للجمع بين
معنى ((النشوز))، ومعنى ((الهجر))، كما قلت فى ص: ٣٠٨ تعليق: ٤. ولاستيفاء القول فى
ذلك مكان غير هذا المكان .
٣١٤
تفسير سورة النساء : ٣٤
عن سعيد بن جبير: ((واضربوهن))، قال: ضرباً غير مبرح .
٩٣٧٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، أخبرنا أبو
حمزة ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير مثله .
٩٣٨٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة ، عن الشعبى
قال: الضرب غير مبرّح . (١)
٩٣٨١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، حدثنا ابن المبارك
قال ، أخبرنا شريك ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس: ((واضربوهن))، قال : ضرباً غير مبرح.
٩٣٨٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية ، عن
على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((واهجروهن فى المضاجع واضربوهن))،
قال: تهجرها فى المضجع، فإن أقبلت ، وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضرباً
غير مبرح ، ولا تكسر لها عظماً . فإن أقبلت ، وإلاّ فقد حَلّ لك منها الفدية.
٩٣٨٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر،
عن الحسن وقتادة فى قوله: ((واضربوهن))، قال : ضرباً غير مبرح .
٩٣٨٤ - وبه قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن جريج قال : قلت
لعطاء: ((واضربوهن))؟ قال : ضرباً غير مبرح .
٩٣٨٥ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال، حدثنا
سعيد، عن قتادة: ((واهجروهن فى المضاجع واضربوهن))، قال : تهجرها فى
المضجع . فإن أبت عليك ، فاضربها ضرباً غير مبرح = أى : غير شائن .
٩٣٨٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن
جريج ، عن عطاء مال : قلت لابن عباس : ما الضرب غير المبرّح ؟ قال :
السواك وشبهه ، يضربها به .
(١) فى المطبوعة: ((غير المبرح)) وأثبت ما فى المخطوطة.
٣١٥
تفسير سورة النساء : ٣٤
٩٣٨٧ - حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهرى قال، حدثنا ابن عيينة ، عن ابن
جريج ، عن عطاء قال ، قلت لابن عباس : ما الضرب غير المبرح؟ قال :
بالسواك ونحوه .
٩٣٨٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك
قال ، أخبرنا ابن عيينة ، عن ابن جريج ، عن عطاء قال : قال رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم فى خطبته: ((ضرباً غير مبرح))، قال: السواك ونحوه. (١)
٩٣٨٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تهجروا النساء إلاّ فى المضاجع، واضربوهن
ضرباً غير مبرح = يقول : غير مؤثّر .
٩٣٩٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن إسرائيل، عن جابر ،
عن عطاء: ((واضربوهن))، قال : ضرباً غير مبرح .
٩٣٩١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا حبان قال، أخبرنا ابن المبارك قال،
حدثنا يحيى بن بشر، عن عكرمة مثله .
٩٣٩٢ - حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((واضربوهن))، قال: إن أقبلت فى الهجران، وإلاّ
ضربها ضرباً غير مبرح .
٩٣٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن موسى بن عبيدة ،
عن محمد بن كعب قال : تهجر مضجعها ما رأيتَ أن تنزع . (٢) فإن لم تنزع،
ضربها ضرباً غير مبرح .
٩٣٩٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ،
عن يونس، عن الحسن: ((واضربوهن))، قال : ضرباً غير مبرح .
(١) يعنى خطبته صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع، وقد مضى ذلك برقم: ٨٩٠٥، فراجع
التخريج هناك .
(٢) ((تزع)) أى: تقلع عن نشوزها وتتركه .
٣١٦
تفسير سورة النساء : ٣٤
٩٣٩٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا حبان قال، حدثنا ابن المبارك قال، أخبرنا
عبد الوارث بن سعيد، عن رجل، عن الحسن قال: ضرباً غير مبرح ، غير مؤثر.
القول فى تأويل قوله ﴿ فَإِنْ أَعْنَكُمْ فَلَا تَبْقُواْ عَلَيْهِنَّ
ستبِيلًا﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : فإن أطعنكم ، أيها الناس ، نساؤكم
اللاتى تخافون نشوزهن عند وعظكم إياهن ، فلا تهجروهن فى المضاجع . فإن لم
يطعنكم، فاهجروهن فى المضاجع واضربوهن. فإن راجعنّ طاعتكم عند ذلك
وفِئْنَ إلى الواجب عليهن، فلا تطلبوا طريقاً إلى أذاهن ومكروههن ، ولا تلتمسوا
سبيلاً إلى ما لا يحل لكم من أبدانهن وأموالهن بالعلل . وذلك أن يقول أحدكم
لإحداهن وهى له مطيعة: ((إنك لست تحبّينى، وأنت لى مبغضة))، فيضربها
على ذلك أو يُؤذيها. فقال الله تعالى للرجال: ((فإن أطعنكم)) أى: على بعضهن
لكم فلا تجنّوا عليهن، ولا تكلفوهن محبتكم ، فإنّ ذلك ليس بأيديهن ، فتضربوهن
أو تؤذوهن عليه .
٤٥/٥
ومعنى قوله: ((فلا تبغوا))، لا تلتمسوا ولا تطلبوا، من قول القائل: ((بغَيتُ
الضالة))، إذا التمستها، (١) ومنه قول الشاعر فى صفة الموت: (٢)
بَفَكَ وَمَا تَبْغِهِ، حََّى وَجَدْتَهُ كَأَنَّكَ قَدْ وَاعَدْتَهُ أَمْسٍ مَوْعِدَا(٣)
(١) انظر تفسير ((بنى)) فيما سلف ٣ : ٥٠٨ /٤: ١٦٣ / ٦ : ١٩٦ ، ٥٦٤ ،
٥٧٠/ ٧ : ٠٥٣
(٢) هو سحيم عبد بنى الحسحاس.
(٣) منى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٤ : ٧/١٦٣ : ٥٣ .
٣١٧
تفسير سورة النساء : ٣٤
بمعنى : طلبك وما تطلبه .
٠ ٠
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٩٣٩٦ - حدثنا المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية
ابن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس فى قوله: (( فإن أطعنكم
فلا تبغوا عليهن سبيلا))، قال: إذا أطاعتك فلا تتجنَّ عليها العلل .
٩٣٩٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الحسن بن عبيد الله،
عن أبى الضحى ، عن ابن عباس قال : إذا أطاعته ، فليس له عليها سبيل إذا
ضاجعته .
٩٣٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
ابن جريج قوله: ((فلا تبغوا عليهن سبيلا))، قال: العلل.
٩٣٩٩ - وقال أخبرنا عبد الرزاق قال: قال الثورى فى قوله: ((فإن أطعنكم))
قال : إن أتت الفراش وهى تبغضه .
٩٤٠٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا يعلى ، عن سفيان
قال : إذا فعلت ذلك لا یکلفها أن تحبه ، لأن قلبها لیس فی یدیها .
٩٤٠١ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: إن أطاعته فضاجعته، فإن الله يقول: ((فإن
أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا)).
٩٤٠٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا))، يقول : فإن أطاعتك ، فلا
تبغ عليها العلل .
٣١٨
تفسير سورة النساء : ٣٤، ٣٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (٦)
قال أبو جعفر يقول: إن اللّه ذو علوّ على كل شىء، فلا تبغوا، أيها الناس،
على أزواجكم =إذا أطعنكم فيما ألزمهن الله لكم من حق= سبيلا، لعلوُّ أيديكم على
أيديهن ، فإنّ اللّه أعلى منكم ومن كل شىء عليكم ، منكم عليهن (١) = وأكبر
منكم ومن كل شىء، وأنتم فى يده وقبضته، فاتقوا الله أن تظلموهن وتبغوا عليهن
سبيلاً. وهن لكم مطيعات، فينتصر لهن منكم ربكم الذى هو أعلى منكم ومن
كل شىء، وأكبر منكم ومن كل شىء. (٢)
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَقَ ◌َيْنِمَاَ فَأَ بْعَثُواْ
حَكَمَا مِنْ أَهْلِ وَحَكَمَاً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدًا إِسْلِحًا يُوَفِقٍ أَلُهُ يْنَهُآ)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه ((وإن خفتم شقاق بينهما))، وإن
علمتم أيها الناس (٣) = ((شقاق بينهما))، وذلك مشاقة كل واحد منهما صاحبه، وهو
إتيانه ما يشق عليه من الأمور . فأما من المرأة ، فالنشوز وتركها أداء حق اللّه
(١) فى المطبوعة: ((فإن الّ أعلى منكم ومن كل شىء، وأعلى منكم عليمن))، وفى المخطوطة.
(( ... ، عليهم منكم عليهن))، فأراد الناشر تصحيحه فأفده، والصواب ((عليكم، منكم عليهن))
وقوله: (عليكم)) من سياق فإن الله أعلى منكم ومن كل شىء عليكم)).
(٢) انظر تفسير ((العلى)) فيما سلف ٥ : ٤٠٥.
(٣) انظر تفسير ((الخوف)) بمعنى العلم فيما سلف قريباً ص: ٢٩٨، تعليق: ٢، والمراجع
هناك .
٣١٩
تفسير سورة النساء : ٣٥
عليها الذى ألزمها الله لزوجها . وأما من الزوج، فتركُه إمساكها بالمعروف أو
تسريحها بإحسان .
و((الشقاق)) مصدر من قول القائل: ((شاقّ فلان فلاناً)) = إذا أتى كل واحد
منهما إلى صاحبه ما يشق عليه من الأمور = ((فهو يُشاقُّه مشاقَّة وشقاقاً))، وذلك
قد يكون عداوة ، (١) كما : -
٩٤٠٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى فى قوله: ((وإن خفتم شقاق بينهما))، قال: إن
ضربها فأبت أن ترجع وشاقَّته = يقول : عادته
٠٠٠
وإنما أضيف ((الشقاق)) إلى ((البين))، لأن ((البين)) قد يكون اسمًا، كما قال
جل ثناؤه: ((لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)) [سورة الأنعام: ٩٤]، فى قراءة من قرأذلك.(٢)
...
وأما قوله: ((فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها))، فإن أهل التأويل
اختلفوا فى المخاطبين بهذه الآية: مَنِ المأمور ببعثة الحكمين ؟ (٣)
فقال بعضهم : المأمور بذلك، السلطانُ الذى يرفع ذلك إليه .
• ذكر من قال ذلك :
٩٤٠٤ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا
أيوب، عن سعيد بن جبير: أنه قال فى المختلعة: يعظها، فإن انتهت وإلاّ هجرها .
فإن انتهت ، وإلا ضربها . فإن انتهت ، وإلاّ رفع أمرها إلى السلطان، فيبعث
حكماً من أهله وحكماً من أهلها . فيقول الحكم الذى من أهلها : (( يفعل بها
(١) انظر تفسير ((الشقاق)) فيما سلف ٣: ١١٥، ١١٦، ٣٣٦.
(٢) هذه القراءة برفع ((بينكم))، بمعنى: وصلكم الذى يصل بينكم.
(٣) فى المطبوعة: ((ببعثه الحكمين))، وهو خطأ فى قراءة المخطوطة، وهى غير منقوطة.
٣٢٠
تفسير سورة النساء : ٣٥
كذا))، ويقول الحكم الذى من أهله: ((تفعل به كذا)). فأيهما كان الظالم
ردَّ، السلطان وأخذ فوق يديه، وإن كانت ناشزاً أمره أن يخلع.
٩٤٠٥ - حدثنا يحيى بن أبى طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر ،
عن الضحاك: ((وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها))،
قال : بل ذلك إلى السلطان .
وقال آخرون : بل المأمور بذلك : الرجل والمرأة .
• ذكر من قال ذلك :
٩٤٠٦ - حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا
٤٦/٥
أسباط، عن السدى: (( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من
أهلها))، إن ضربها . فإن رجعت ، فإنه ليس له عليها سبيل . فإن أبت أن ترجع
وشاقّته ، فليبعث حكماً من أهله ، وتبعث حكماً من أهلها .
٠
ثم اختلف أهل التأويل فيما يُبعث له الحكمان ، وما الذى يجوز للحكمينمن
الحكم بينهما ، وكيف وَجْهُ بَعَّهِما بينهما؟
فقال بعضهم : يبعثهما الزوجان بتوكيل منهما إياهما بالنظر بينهما . وليس
لهما أن يعملا شيئاً فى أمرهما إلا ما وكلاهما به ، أو وكله كل واحد منهما بما
إليه ، فيعملان بما وكلهما به من وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما
فیه ، أو تو کیل من و كل منهما فى ذلك .
ذكر من قال ذلك :
٩٤٠٧ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية، عن أيوب ،
عن محمد ، عن عبيدة فال: جاء رجل وامرأته بينهما شقاقٌ إلى على رضى الله
عنه، مع كل واحد منهما فيئام من الناس، (١) فقال على رضى الله عنه: ابعثوا حكماً
(١) ((الفئام)): الجماعة الكثيرة.