Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
تفسير سورة آل عمران : ١٨٧
٨٣٢٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة :
((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء
ظهورهم )) الآية، هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم شيئاً فليعلِّمه، وإيا كم
وكتمانَ العلم، فإن كتمان العلم هَذَكة، ولا يتكلَّفْن رجلٌ ما لا علم له به، فيخرج
من دين الله فيكون من المتكلِّفين، كان يقال: (( مثلُ علم لا يقال به ، كمثل
كنز لا ينفق منه! ومثل حكمة لا تخرج، كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب)).
وكان يقال: ((طوبى لعالم ناطق، وطوبى لمستمع واعٍ)). هذا رجلٌ علم علماً فعاسمه
وبذله ودعا إليه ، ورجلٌ سمع خيراً فحفظه ووعاه وانتفع به .
٨٣٢٥ - حدثنى يحيى بن إبراهيم المسعودى قال، حدثنى أبى ، عن أبيه ،
عن جده ، عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبى عبيدة قال : جاء رجل
إلى قوم فى المسجد وفيه عبد الله بن مسعود فقال: إنّ أخاكم كعباً يقرئكم السلام،
ويبشركم أن هذه الآية ليست فيكم: (( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب
لتبيننه للناس ولا تكتمونه)). فقال له عبد الله: وأنت فأقره السلام وأخبرهُ أنها
نزلت وهو يهودىّ .
٨٣٢٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن الأعمش ، عن عمرو بن
مرة ، عن أبى عبيدة، بنحوه، عن عبد الله وكعب .
وقال آخرون : معنى ذلك : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.
• ذكر من قال ذلك :
٨٣٢٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سفيان قال ،
حدثنى يحيى بن أبى ثابت ، عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن
أصحاب عبد اللّه يقرأون: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِيناقَهُمْ﴾،
قال : من النبيين على قومهم .

٤٦٢
تفسير سورة آل عمران : ١٨٧
٨٣٢٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قبيصة قال ، حدثنا سفيان :
عن حبيب ، عن سعيد قال ، قلت لابن عباس : إن أصحاب عبد اللّه يقرأون:
((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب))، ﴿ وَ إِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّيِّنْ﴾،
قال فقال : أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم.
٠٠٠
وأما قوله: ((لتبينته للناس))، فإنه كما : -
٨٣٢٩ -- حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثی أبى
قال ، حدثنا محمد بن ذكوان قال ، حدثنا أبو نعامة السعدى قال : كان الحسن
يفسر قوله: ((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه))،
لتتكلمن بالحق ، ولتصدّقنه بالعمل.(١)
قال أبو جعفر : واختلف القرأة فى قراءة ذلك :
فقرأه بعضهم: ﴿لَتُبَيِّئُنَّه لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ بالتاء. وهى قراءة عُظْ
قرأة أهل المدينة والكوفة، (٢) على وجه المخاطب، بمعنى: قال الله لهم: لتُبينته
للناس ولا تكتمونه .
وقرأ ذلك آخرون: ﴿لِيُبِّئُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ يَكْتُمُونَهَ﴾ بالياء جميعاً، على
وجه الخبر عن الغائب، لأنهم فى وقت إخبار اللّه نبيه صلى الله عليه وسلم بذلك عنهم،
كانوا غير موجودين، فصار الخبر عنهم كالخير عن الغائب .
(١) كانت الآية فى المطبوعة: ((ليبينته للناس ولا يكتمونه)) بالياء، فى جميع الآثار السالفة،
فجعلتها على قراءة مصحفنا بالتاء فى الكلمتين .
(٢) فى المطبوعة: ((وهى قراءة أعظم قراء أهل المدينة ... )) وهو خطأ، صوابه من المخطوطة كما
سلف عشرات من المرات . وعظم القوم: أكثرهم ومعظمهم.
١٣٦/٤

٤٦٣
تفسير سورة آل عمران : ١٨٧
قال أبو جعفر : والقول فى ذلك عندنا أنهما قراءتان ، صحيحةٌ وجوههما ،
مستفيضتان فى قرأة الإسلام ، غير مختلفتى المعانى، فبأيتهما قرأ القارئ فقد أصاب
الحق والصواب فى ذلك. غير أن الأمر فى ذلك وإن كان كذلك ، فإن أحب
القراءتين إلىّ أن أقرأ بها: ﴿لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ يَكْتُمُونَ﴾، بالياء جميعاً ،
استدلالاً بقوله: ((فنبذوه))، (١) إذا كان قد خرج مخرج الخبر عن الغائب على
سبيل قوله: ((فنبذوه)) =حتى يكون متّقاً كله على معنى واحد ومثال واحد . ولو كان
الأول بمعنى الخطاب، لكان أن يقال: ((فنبذتموه وراء ظهوركم)) أولى، من أن
يقال: ((فنبذوه وراء ظهورهم)).
٠ ٠
وأما قوله: ((فنبذوه وراء ظهورهم))، فإنه مثل لتضييعهم القيام بالميثاق
وتركهم العمل به .
وقد بينا المعنى الذى من أجله قيل ذلك كذلك ، فيما مضى من كتابنا هذا
فکرهنا إعادته . (٢)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
٨٣٣٠ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال ، أخبرنا يحيى
ابن أيوب البَجَلى، عن الشعبى فى قوله: ((فنبذوه وراء ظهورهم))، قال : إنهم
قد كانوا يقرأونه ، إنما نبذوا العمل به .
٨٣٣١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((استدلالا بقوله فنبذوه، أنه إذا كان قد خرج مخرج الخبر :.. ))
وهو كلام لا يستقيم، فحذفت: ((أنه))، ويكون السياق: ((فإن أحب القراءتين إلى أن أقرأ بها ...
حتى يكون متسقاً كله على معنى واحد)). وما بينهما فصل، علل به اختيار قراءته .
(٢) انظر ما سلف ٢: ٤٠٤، وما سلف ص: ٤٥٩، تعليق : ١

٤٦٤
تفسير سورة آل عمران : ١٨٧
ابن جريج: ((فنبذوه وراء ظهورهم)). قال : نبذوا الميثاق .
٨٣٣٢ - حدثی محمد بن سنان قال، حدثنا عثمان بن عمر قال ، حدثنا
مالك بن مغول: قال، نبئت عن الشعبى فى هذه الآية: ((فنبذوه وراء ظهورهم))،
قال : قذفوه بين أيديهم ، وتركوا العمل به .
٠٠
وأما قوله: ((واشتروا به ثمناً قليلا))، فإن معناه ما قلنا، من أخذهم ما أخذوا
على كتمانهم الحق وتحريفهم الكتاب ، (١) كما : -
٨٣٣٣ -حدثنا محمد بن الحسین قال ، حدثنا أحمد بن مفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((واشتروا به ثمناً قليلا))، أخذوا طمعاً، وكتموا اسم
محمد صلى الله عليه وسلم .
وقوله: (( فبئس ما يشترون))، يقول : فبئس الشراء يشترون فى تضييعهم
الميثاق وتبدیلھم الکتاب ، کما : -
٨٣٣٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فبئس ما يشترون))، قال: تبديل اليهود التوراة .
٠ ٠ ٠
(١) انظر ما سلف ص : ٤٥٩، تعليق: ٢ .

٤٦٥
تفسير سورة آل عمران : ١٨٨
القول فى تأويل قوله ﴿ لَا تَحْسَبَنَّ أَلَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوَاْ
وَ يُحِبُونَ أَنْ يُعْمَدُوا بِمَ لَمْ يَفْعَلُواْ فَلَ تَحْسَبَّهُم بِفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (هـ
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم : عنى بذلك قومٌ من أهل النفاق كانوا يقعدون خلاف رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم إذا غزا العدو ، فإذا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم
اعتذروا إليه ، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا .
ذكر من قال ذلك :
٨٣٣٥- حدثنا محمد بن سهل بن عسکر وابن عبد الرحيم البرقی قالا ، حدثنا
این أیی مريم قال ، حدثنا محمد بن جعفر بن أبی کثیر قال ، حدثی زید بن
أسلم ، عن عطاء بنيسار، عن أبى سعيد الخدرى: أن رجالا من المنافقين كانوا
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج النبى صلى الله عليه وسلم إلى
الغزو، تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله. وإذا قدم النبى صلى الله ٣٧/٤
عليه وسلم من السفر اعتذروا إليه ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا . فأنزل الله تعالى
فيهم: ((لا تحسين الذين يفرحون بما أتوا))، الآية. (١)
٨٣٣٦ - حدثی يونس قال ، أخبرنا بن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
(( لا تحسين الذين يفرحون بما أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا))، قال : هؤلاء
المنافقون، يقولون النبى صلى الله عليه وسلم: لو قد خرجت لخرجنا معك! فإذا خرج النبي
صلى الله عليه وسلم تخلَّفوا وكذبوا، ويفرحون بذلك، ويرون أنها حيلة احتالوا بها.
٠٠٠
(١) الحديث: ٨٣٣٥ - رواه البخارى من طريق شيخه سعيد بن أبي مريم، كرواية الطبرى
(الفتح: ٨: ١٧٥). وقال ابن كثير ٢: ٣١٧: ((رواه مسلم من حديث ابن أبى مريم بنحوه)»
ج. ٧ (٣٠)

٤٦٦
تفسير سورة آل عمران : ١٨٨
وقال آخرون : عنى بذلك قوم من أحبار اليهود ، كانوا يفرحون بإضلالهم
الناس ، ونسبة الناس إياهم إلى العلم .
ذكر من قال ذلك :
٠
٨٣٣٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن أبى محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة مولى ابن عباس أو سعيد بن جبير :
((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب)) إلى قوله: ((ولهم عذاب أليم))، يعنى فنحاص
وأشيع وأشباههما من الأحبار، الذين يفرحون بما يصيبون من الدنيا على ما زيَّنوا
للناس من الضلالة = ((ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا))، أن يقول لهم الناس علماء،
وليسوا بأهل علم ، لم يحملوها على هدى ولا خير، (١) ويحبون أن يقول لهم الناس:
قد فعلوا . (٢)
٨٣٣٨-حدثنا أبو کریب قال، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا
محمد بن إسحق قال، حدثنى محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة:
أنه حدثه عن ابن عباس بنحو ذلك= إلا أنه قال: وليسوا بأهل علم، لم يحملوهم
علی ھدی .(٣)
#
وقال آخرون : بل عُنى بذلك قومٌ من اليهود، فرحوا باجتماع كلمتهم على
تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ، ويحبون أن يحمدوا بأن يقال لهم : أهل صلاة
وصيام.
• ذكر من قال ذلك :
(١) سيرة ابن هشام ((هدى ولا حق)). وفى المطبوعة: ((لم يحملوهم على هدى، غير ما فى المخطوطة،
ولكنها الصواب ، ويدل على ذلك الأثر التالى ، فإنه ذكر وجه الخلاف بين الروايتين .
(٢) الأثر: ٨٣٣٧، ٨٣٣٨ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٨، وهو تتمة الأثر السالف رقم:
٨٣١٨، والإسناد متصل إلى ابن عباس، كما مضى مراراً .
(٣) فى المطبوعة: ((ابن كريب)»، وهو خطأ، قد مضى على صحته فى مئات من المواضيع.

٤٦٧
تفسير سورة آل عمران : ١٨٨
٨٣٣٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ،
أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول فى قوله: (( لا تحسبن
الذين يفرحون بما أتوا))، فإنهم فرحوا باجتماعهم على كفرهم بمحمد صلى الله عليه
وسلم وقالوا: ((قد جمع الله كلمتنا ، ولم يخالف أحد منا أحداً [أن محمداً ليس
بنبي])).(١) وقالوا: ((نحن أبناء اللّه وأحباؤه، ونحن أهل الصلاة والصيام))،
وكذبوا، بل هم أهل كفر وشرك وافتراء على الله، قال الله: ((يحبون أن يحمدوا
بما لم يفعلوا)).
٨٣٤٠ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا
جويبر ، عن الضحاك فى قوله: ((لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن
يحمدوا بما لم يفعلوا))، قال: كانت اليهود أمر بعضهم بعضاً، (٢) فكتب بعضهم
إلى بعض: (( أنّ محمداً ليس بنبى ، فأجمعوا كلمتكم ، وتمسكوا بدينكم وكتابكم
الذى معكم))، ففعلوا ، وفرحوا بذلك ، وفرحوا باجتماعهم على الكفر بمحمد صلى
اللّه عليه وسلم .
٨٣٤١ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى
قال : كتموا اسم محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ففرحوا بذلك ، وفرحوا باجتماعهم
على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم .
٨٣٤٢ - حدثنا محمد قال، حدثنا أحمد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى
(١) هذه الجملة بين القوسين، كان مكانها فى المطبوعة: ((أنه نبي))، وفى المخطوطة ((أن بنبى))،
والذى فى المطبوعة مخالف لما تمالأ عليه اليهود ، والذى فى المخطوطة بين الفساد والحرم ، واستظهرت ما بين
القوسين من الأثر الذى رواه السيوطى فى الدر المنثور ٢ : ١٠٩ ونسبه لعبد بن حميد وابن جرير عن
الضحاك، والذى سيأتى فى الأثر التالى، ونصه: ((إن اليهود كتب بعضهم إلى بعض أن محمداً ليس بنى ،
فأجمعوا كلمتكم، وتمسكوا بدينكم وكتابكم الذى معكم )) . فمن هذا استظهرت صواب العبارة التى أثبتها.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((قال: قالت اليهود أمر بعضهم بعضاً))، وهو كلام غير مستقيم،
صحفت ((كانت)) إلى ((قالت)) فأثبتها على الصواب إن شاء الله.

٤٦٨
تفسير سورة آل عمران : ١٨٨
قال: كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم ، وفرحوا بذلك حين اجتمعوا عليه ،
وكانوا يزكون أنفسهم فيقولون: (( نحن أهل الصيام وأهل الصلاة وأهل الزكاة ،
ونحن على دين إبراهيم صلى الله عليه وسلم))، فأنزل الله فيهم: ((لا تحسبن الذين
يفرحون بما أتوا))، من كتمان محمد صلى الله عليه وسلم = ((ويحبون أن يحمدوا بما
لم يفعلوا))، أحبوا أن تحمدهم العرب ، بما يزكون به أنفسهم ، وليسوا كذلك.
٨٣٤٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى ، عن أبى الجحاف ، عن مسلم البطين قال : سأل الحجاج جلساءه عن
هذه الآية: ((لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا)) ، قال سعيد بن جبير : بكتمانهم
٤ /١٣٨ محمداً = ((ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا))، قال: هو قولهم: ((نحن على دين
إبراهيم عليه السلام)).(١)
٨٣٤٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا
ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا))، هم أهل الكتاب، أنزل عليهم الكتاب فحكموا
بغير الحق ، وحرفوا الكلم عن مواضعه ، وفرحوا بذلك، وأحبوا أن يحمدوا بما لم
يفعلوا . فرحوا بأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل اللّه، وهم يزعمون
أنهم يعبدون الله ويصومون ويصلون ويطيعون اللّه . فقال الله جل ثناؤه لمحمد صلى
الله عليه وسلم: ((لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا))، كفراً بالله وكفراً بمحمد صلى
اللّه عليه وسلم (٢) = ((ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا))، من الصلاة والصوم،
فقال الله جل وعز لمحمد صلى الله عليه وسلم: ((فلا تحسينهم بمفازة من العذاب
ولهم عذاب أليم)) .
٠ ٠
(١) الأثر: ٨٣٤٣ - انظر الأثر السالف رقم: ٨٣٢٢
(٢) فى المطبوعة: ((كفروا بالله، وكفروا بمحمد))، والصواب من المخطوطة.

٤٦٩
تفسير سورة آل عمران : ١٨٨
وقال آخرون: بل، معنى ذلك: ((لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا)»، من
تبديلهم كتاب الله، ويحبون أن يحمدهم الناس على ذلك .
• ذكر من قال ذلك :
٨٣٤٥ -حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله تعالى: ((لا تحسبن الذين يفرحون
بما أتوا )) ، قال: يهودُ ، فرحوا بإعجاب الناس بتبديلهم الكتاب وحمدهم إياهم
عليه ، ولا تملك يهود ذلك. (١)
وقال آخرون : معنى ذلك : أنهم فرحوا بما أعطى اللّه تعالى آل إبراهيم
عليه السلام .
• ذكر من قال ذلك : .
٨٣٤٦ - حدثنى محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن أبى المعلى، عن سعيد بن جبير أنه قال فى هذه الآية: ((ويحبون أن
يحمدوا بما لم يفعلوا))، قال: اليهود، يفرحون بما آتى الله إبراهيم عليه السلام.
٨٣٤٧ - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا وهب بن جرير قال ، حدثنا شعبة
عن أبى المعلى العطّار، عن سعيد بن جبير قال : هم اليهود، فرحوا بما أعطى الله
تعالى إبراهيم عليه السلام .
وقال آخرون: بل عُنى بذلك قومٌ من اليهود، سألهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن شىء فكتموه ، ففرحوا بكتمانهم ذلك إياه .
ذكر من قال ذلك :
(١) قوله: ((ولا تملك يهود ذلك)) كأنه يعى: ولا تملك يهود النجاة من عذاب الله، كما أنذرم
فى الآية .

٤.٧٠
تفسير سورة آل عمران : ١٨٨
٨٣٤٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن
جريج قال ، أخبرنى ابن أبى مليكة: أن علقمة بن أبى وقاص أخبره : أن مروان
قال ارافع: اذهب يا رافع إلى ابن عباس فقل له: ((لئن كان كل امرئ منا فرح
بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً، ليعذبنا الله أجمعين))! فقال ابن عباس :
ما لكم ولهذه ! إنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم يهود، فسألهم عن شىء ، فكتموه
إياه، وأخبروه بغيره ، فأروه أن قد استجابوا لله بما أخبروه عنه مما سألهم ، وفرحوا
بما أتوا من كتمانهم إياه. ثم قال: ((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب))،
الآية .
٨٣٤٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج : أخبرنى عبد الله بن أبى مليكة : أن حميد بن عبدالرحمن بن عوف
أخبره: أن مروان بن الحكم قال لبوابه : يا رافع، اذهب إلى ابن عباس فقل له :
(( لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً، لتعذبن
جميعاً ))! فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية؟ إنما أنزلت فى أهل الكتاب ! ثم
تلا ابن عباس: ((وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبينه للناس)) إلى قوله :
((أن يحمدوا بما لم يفعلوا)). قال ابن عباس: سألهم النبيّ صلى الله عليه وسلم عن
شىء فكتموه إياه ، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أرود أن قد أخبروه بما قد سألهم عنه ،
فاستحمدوا بذلك إليه ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم إياه ما سألهم عنه. (١)
٠
(١) الأثران : ٨٣٤٨، ٨٣٤٩ - أخرجهما البخارى فى كتاب التفسير، الأول من طريق :
((إبراهيم بن موسى عن هشام، أن ابن جريج أخبرهم ... )) والآخر من طريق: ((ابن مقاتل ،
أخبرنا الحجاج، عن ابن جريج))، وأخرجه الترمذى فى كتاب التفسير. وقد استوفى الحافظ ابن حجر
فى الفتح ٨ : ١٧٥، ١٧٦، فى هذين الأثرين، ذكر رافع ، الذى لم يروا له ذكراً فى كتب الرواة ،
وفى اختلافهم على ابن جريج فى شيخ شيخه مرة ((علقمة بن أبى وقاص))، وأخرى ((حميد بن عبد الرحمن بن
عوف)). وانظر أسباب النزول الواحدى : ١٠١، ١٠٢.

٤٧١
تفسير سورة آل عمران : ١٨٨
وقال آخرون : بل عنى بذلك قومٌ من يهود، أظهروا النفاق للنبى صلى الله
عليه وسلم محبة منهم للحمد، واللّه عالم منهم خلاف ذلك .
• ذكر من قال ذلك :
٨٣٥٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
١٣٩/٤
ذكر لنا أنّ أعداء الله اليهود، يهود خيبر، أتوا نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فزعموا
أنهم راضون بالذى جاء به ، وأنهم متابعوه ، وهم متمسكون بضلالتهم ، وأرادوا
أن يحمدهم فى اللّه صلى الله عليه وسلم بما لم يفعلوا، فأنزل الله تعالى: ((لا تحسبن
الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا)) ، الآية .
٨٣٥١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة قال : إن أهل خيبر أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فقالوا :
((إنا على رأيكم وسنتكم، (١) وإنا لكم رِدْه)). (٢) فأكذبهم الله فقال: (( لا تحسبن
الذين يفرحون بما أتوا)) الآيتين .
٨٣٥٢ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبى عبيدة قال : جاء رجل إلى عبد الله
فقال: إن كعباً يقرأ عليك السلام ويقول: إن هذه الآية لم تنزل فيكم: ((لا تحسبن
الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا )) ، قال : أخبروه أنها نزلت
وهو یھودی . (٣)
٥
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب فى تأويل قوله: ((لا تحسبن
الذين يفرحون بما أتوا)) الآية، قول من قال: ((عنى بذلك أهل الكتاب الذين أخبر
(١) فى المطبوعة: ((على رأيكم وهيشتكم))، والذى فى المخطوطة ((على رأيكم وسكم)) غير منقوطة،
وأرجح أن صواب قراءتها ما أثبت. وأكثر من روى هذا الخبر حذف منه هذه الكلمة. و((السنة)):
الطريقة والهج
(٢) ((الرده)»: المون والناصر، ينصره ويشد ظهره.
(٣) الأثر: ٨٣٥٢ - انظر الأثر السالف رقم: ٨٣٢٥، (( وكعب)» هو ((كعب الأحبار)).

تفسير سورة آل عمران : ١٨٨
اللّه جل وعزّ أنه أخذ ميثاقهم ليبينّ للناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا
يكتمونه)). لأن قوله: ((لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا)، الآية، فى سياق الخبر
عنهم ، وهو شبيه بقصتهم ، مع اتفاق أهل التأويل على أنهم المعنيون بذلك .
فإذْ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : لا تحسبن، يا محمد، الذين يفرحون
بما أتوا من كتمانهم الناس أمرك، وأنك لى رسول مرسل بالحق ، وهم يجدونك مكتوباً
عندهم فى كتبهم ، وقد أخذت عليهم الميثاق بالإقرار بنبوتك، وبيان أمرك للناس،
وأن لا يكتموهم ذلك ، وهم مع نقضهم ميثاقى الذى أخذت عليهم بذلك ،
يفرحون بمعصيتهم إياى فى ذلك ، ومخالفتهم أمرى ، ويحبون أن يحمدهم الناس
بأنهم أهل طاعة لله وعبادة وصلاة وصوم ، واتباع لوحيه وتنزيله الذى أنزله على
أنبيائه ، وهم من ذلك أبرياء أخلياء ، لتكذيبهم رسوله ، ونقضهم ميثاقه الذى أخذ
عليهم ، لم يفعلوا شيئاً مما يحبون أن يحمدهم الناس عليه = (( فلا تحسبنهم بمفازة
من العذاب ولهم عذاب أليم)).
٠
وقوله: ((فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب))، فلا تظنهم بمنجاة من عذاب الله
الذى أعده لأعدائه فى الدنيا، (١) من الخسف والمسخ والرجف والقتل ، وما أشبه
ذلك من عقاب الله، ولا هم ببعيد منه، (٢) کما : -
٨٣٥٣ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
(((فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب))، قال : بمنجاة من العذاب.
قال أبو جعفر: ((ولهم عذاب أليم))، يقول: ولهم عذابٌ فى الآخرة أيضاً
مؤلم ، مع الذى لهم فى الدنيا معجل . (٢)
(١) انظر تفسير ((فاز)) فيما سلف قريباً ص: ٤٥٢
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٥٠
(٣) أخشى أن يكون صواب العبارة: ((ولهم عذاب مؤلم فى الآخرة أيضاً مؤجل، مع الذى لم
فى الدنيا معجل)).

٤٧٣
تفسير سورة آل عمران: ١٨٩، ١٩٠
القول فى تأويل قوله (وَقِهِ مُلْكُ اَلَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) (3)
قال أبو جعفر: وهذا تكذيب من اللّه جل ثناؤه الذين قالوا: ((إن اللّه فقير
ونحن أغنياء)). يقول تعالى ذكره ، مكذباً لهم: لله ملك جميع ما حوته السموات
والأرض . فكيف يكون ، أيها المفترون على الله، من كان ملك ذلك له فقيراً ؟
ثم أخبر جل ثناؤه أنه القادر على تعجيل العقوبة لقائلى ذلك ، ولکل مکذب
به ومفتر عليه ، وعلى غير ذلك مما أراد وأحب ، ولكنه تفضل بحلمه على خلقه =
فقال: (( والله على كل شىء قدير))، يعنى: من إهلاك قائلى ذلك ، وتعجيل
عقوبته لهم ، وغير ذلك من الأمور .
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمُوَّتِ وَالْأَرْضِ
وَأَخْتِلْفِ آَلَيْلِ وَالنَّرِ لَأَيْتٍ لِأَوْلِ الْأَلْبُّبِ﴾ (١)
قال أبو جعفر : وهذا احتجاج من اللّه تعالى ذكره على قائل ذلك ، وعلى
سائر خلقه ، بأنه المدبر المصرّف الأشياء والمسخِّر ما أحب، وأن الإغناء والإفقار
إليه وبيده، فقال جل ثناؤه: تدبروا أيها الناس واعتبروا، ففيما أنشأته فخلقته من
السموات والأرض لمعاشكم وأقواتكم وأرزاقكم ، وفيما عقَّبت بينه من الليل والنهار
فجعلتهما يختلفان ويعتقبان عليكم ، (١) تتصرفون فى هذا لمعاشكم ، وتسكنون فى
(١) عاقب بين الشيئين: راوح بينهما، لهذا مرة ولذاك مرة. واستعمل الطبرى ((عقب)) مشددة
القاف، بنفس المعنى، كما يقال: ((ضاعف وضعف))، و((عاقد وعقد)). و«اعتقب اليل
والنهار)) جاء هذا بعد هذا ، دواليك .
١٤٠/٤

٤٧٤
تفسير سورة آل عمران : ١٩٠، ١٩١
هذا راحة لأجساد كم = معتبر ومدّكر وآيات وعظات . فمن كان منكم ذا ثُبُّ
وعقل، يعلم أن من نسبنى إلى أنّى فقير وهو غنى، كاذب مقتر، (١) فإنّ ذلك
كله بيدى أقدّبه وأصرّفه، ولو أبطلت ذلك هلكتم ، فكيف ينسب إلى فقر من
كان كل ما به عيش ما فى السموات والأرض بيده وإليه ؟(٢) أم كيف يكون
غنيًّا من كان رزقه بيد غيره، إذا شاء رزقه ، وإذا شاء حتّرَمه ؟ فاعتبروا يا أولى
الألباب .
٥ ٥
٥
القول فى تأويل قوله ﴿الَّذِينَ يَذْ كُرُونَ اللهَ فِيُّمَا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَفَّكَّرُونَ فِى خَلْقِ السَّمَوَّتِ وَالْأُرْضِ﴾
قال أبو جعفر: وقوله: ((الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً)) من نعت ((أولى
الألباب))، و((الذين)) فى موضع خفض ردًّا على قوله: ((لأولى الألباب)).
٠
ومعنى الآية : إنّ فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات
لأولى الألباب ، الذاكرين الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم = يعنى بذلك: قياماً
فی صلاتهم، وقعوداً فی تشهدهم وفی غیر صلاتهم ، وعلى جنوبهم قياماً ، كما : -
٨٣٥٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن
(١) فى المخطوطة: ((يعلم أنه أن من نسبى إلى أنى فقير وهو غنى، دادب معى))، وهو كلام
مصحف مضطرب، والذى فى المطبوعة أشبه بالصواب إن شاء الله .
(٢) فى المطبوعة: ((فكيف ينسب فقر إلى من كان ... ))، أخر ((إلى))، والصواب الجيد
تقديمها كما فى المخطوطة .

٤٧٥
تفسير سورة آل عمران : ١٩١
ابن جريج قوله: ((الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً)) الآية، قال: هو ذكر الله
فى الصلاة وفى غير الصلاة ، وقراءة القرآن .
٨٣٥٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم))، وهذه حالاتك كلها
يا ابن آدم ، فاذكره وأنت على جنبك، يُسراً من اللّه وتخفيفاً.
٠ ٠
قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل: ((وعلى جنوبهم)): فعطف
ب ((على)) وهى صفة، (١) على ((القيام والقعود)) وهما اسمان؟
قيل: لأن قوله: ((وعلى جنوبهم)) فى معنى الاسم ، ومعناه: ونياماً ، أو:
((مضطجعين على جنوبهم))، فحسن عطف ذلك على ((القيام)) و((القعود)) لذلك
المعنى، كما قيل: ﴿ وَإِذَا مَسَّالإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَنَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَعِدًا أَوْ قَائِمَاً)
[سورة يونس: ١٢]، فعطف بقوله: ((أو قاعداً أو قائماً)) على قوله: ((لجنبه))، لأن
معنى قوله ((لجنبه))، مضطجعاً، (٢) فعطف بـ ((القاعد)) و(( القائم)) على
معناه . فكذلك ذلك فى قوله : « وعلى جنوبهم ». (٣)
...
وأما قوله: ((ويتفكرون فى خلق السموات والأرض))، فإنه يعنى بذلك أنهم يعتبرون
بصنعة صانع ذلك، فيعلمون أنه لا يصنع ذلك إلا مَن ليس كمثله شىء، ومن هو مالك
كل شىء ورازقه ، وخالق كل شىء ومدبره ، ومن هو على كل شيء قدير ،
وبيده الإغناء والإفقار، والإعزاز والإذلال، والإحياء والإماتة، والشقاء والسعادة.
٠ ٠
(١) ((الصفة)): حرف الجر، كما سلف فى مواضع كثيرة، وانظر ١: ٢٩٩، تعليق:
١، وفهرس المصطلحات فى الأجزاء السالفة.
(٢) انظر ما سلف ٣ : ٤٧٥
(٣) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٥٠

٤٧٦
تفسير سورة آل عمران : ١٩١
القول فى تأويل قوله ﴿رَبَّنَ مَ خَلَقْتَ هُذَا بُطِلًا سُبْحَتَكَ
فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١٦)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك تعالى ذكره: ((ويتفكرون فى خلق السموات
والأرض)) قائلين: ((ربنا ما خلقت هذا باطلا))، فترك ذكر ((قائلين))، إذ
كان فيما ظهر من الكلام دلالة عليه
٥ ٥
وقوله: ((ما خلقت هذا باطلا))، يقول: لم تخلق هذا الخلق عبئاً ولا لعباً، ولم تخلقه
إلاّ لأمر عظيم من ثواب وعقاب ومحاسبة ومجازاة، وإنما قال ((ما خلقت هذا
باطلا))، ولم يقل: ((ما خلقت هذه، ولا: هؤلاء))، لأنه أراد بـ ((هذا))، الخلق"
الذى فى السموات والأرض. يدل على ذلك قوله: ((سبحانك فقنا عذاب النار))،
ورغبتهم إلى ربهم فى أن يقيهم عذاب الجحيم. ولو كان المعنىّ بقوله: ((ما خلقت
هذا باطلا))، السموات والأرض، لما كان لقوله عقيب ذلك: ((فقنا عذاب
النار))، معنى مفهوم. لأن ((السموات والأرض)) أدلة على بارئها ، لا على الثواب
والعقاب ، وإنما الدليل على الثواب والعقاب ، الأمر والنهى .
وإنما وصف جل ثناؤه: ((أولى الألباب)) الذين ذكرهم فى هذه الآية : أنهم
إذا رأوا المأمورين المنهيّين قالوا: (يا ربنا لم تخلُق هؤلاء باطلا عبئاً سبحانك))،
يعنى : تنزيهاً لك من أن تفعل شيئاً عبئاً ، ولكنك خلقتهم لعظيم من الأمر ،
لجنة أو نار .
١٤١/٤
ثم فَزِعوا إلى ربهم بالمسألة أن يجيرهم من عذاب النار، وأن لا يجعلهم ممن عصاه
وخالف أمره ، فيكونوا من أهل جهنم .
٥

٤٧٧
تفسير سورة آل عمران : ١٩٢
القول فى تأويل قوله ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ
أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلّطَّلِنَ مِنْ أَنصَارٍ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى ذلك .
فقال بعضهم : معنى ذلك : ربنا إنك من تدخل النار من عبادك فتخلده
فيها ، فقد أخزيته . قال : ولا يخزى مؤمن مصيرُه إلى الجنة، وإن عذّب بالنار
بعض العذاب .
• ذكر من قال ذلك :
٨٣٥٦ - حدثنى أبو حفص الجبيرى ومحمد بن بشار قالا، أخبرنا المؤمل ،
أخبرنا أبو هلال، عن قتادة، عن أنس فى قوله: ((ربنا إنك من تدخل النار
فقد أخزيته))، قال: من تُخلد. (١)
٨٣٥٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى، عن رجل، عن ابن المسيب: ((ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته))،
قال : هى خاصة لمن لا يخرج منها .
٨٣٥٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو النعمان عارم قال ، حدثنا حماد
ابن زيد قال ، حدثنا قبيصة بن مروان ، عن الأشعث الحمعلىّ قال، قلت للحسن:
يا أبا سعيد ، أرأيت ما تذكر من الشفاعة ، حق هو ؟ قال : نعم، حق . قال ،
قلت: يا أبا سعيد، أرأيت قول الله تعالى: ((ربنا إنك من تدخل النار فقد
(١) الأثر: ٨٣٥٦ - ((أبو حفص الجبيرى))، لم أجده، والذى يروى عنه أبو جعفر هو عمرو
ابن على الفلاس، ((أبو حفص الصيرفى))، وهو فى المخطوطة ((الحيرى)) غير منقوطة، ولا أدرى أيقراً
((الجبيرى)) أو ((الخيبرى))، ولم أجد هذه النسبة فى ترجمة ((عمرو بن على الفلاس)»،. وعمرو بن
على الفلاس يروى عن مؤمل بن إسماعيل كما مضى فى مواضع كثيرة منها رقم: ١٨٨٥، ١٨٩١، ١٨٩٨،
وغيرها كثير .

٤٧٨
تفسير سورة آل عمران : ١٩٢
أخزيته )) و(يُرِ يدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِ جِينَ مِنْهاَ)(١) [سورة
المائدة: ٣٧]؟ قال فقال لى: إنك واللّه لا تسطو على بشىء، (٢) إنّ للنار أهلاً"
لا يخرجون منها، كما قال الله . قال قلت: يا أبا سعيد، فيمن دخلوا ثم خرجوا؟
قال : كانوا أصابوا ذنوباً فى الدنيا فأخذهم اللّه بها ، فأدخلهم بها ثم أخرجهم،
بما يعلم فى قلوبهم من الإيمان والتصديق به. (٣)
٨٣٥٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((إنك من تدخل النار فقد أخزيته))، قال: هو من يخلد فيها .
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : معنى ذلك : ربنا إنك من تدخل النار ، من مخلد فيها وغير
مخلد فيها ، فقد أخزى بالعذاب .
ذكر من قال ذلك :
*
٨٣٦٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا الحارث بن مسلم ،
عن بحر ، عن عمرو بن دينار قال : قدم علينا جابر بن عبد اللّه فى عمرة ،
فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت: ((ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته))؟ قال:
(١) فى المطبوعة والمخطوطة، أسقط ((الواو)) بين الآيتين، والصواب إثباتها كما يدل عليه سياق
سؤاله ، وجواب الحسن له .
(٢) فى المطبوعة: ((إنك واللّه لا تستطيع على شىء))، وهو كلام لا خير فيه، والصواب
ما أثبته من المخطوطة، غيره الناشرون إذ لم يفهموه. وقوله: ((لا تسطو على بشىء))، أى : إنك
لا تحتج على بحجة تقهرفى بها وتغلبنى. وأصله من ((السطو))، وهو البطش والقهر. و«فلان يسطو
على فلان ))، أى يتطاول عليه .
(٣) الأثر: ٨٣٥٨ - ((قبيصة بن مروان بن المهلب)) روى عن والان، وروى عنه حماد بن زيد.
مترجم فى الكبير ١٧٧/١/٤، وابن أبى حاتم ١٢٥/٢/٣. والأشعث الحملى)» منسوب إلى جده ،
وهو: ((الأشعث بن عبد الله بن جابر الحدانى الأعمى)) ويقال: ((الأزدى))، و((حدان)) بطن من
الأزد. روى عن أنس، والحسن، وابن سيرين . وروى عنه شعبة، وحماد بن سلمة ، ويحيى بن سعيد
القطان ، مترجم فى التهذيب .

٤٧٩
تفسير سورة آل عمران : ١٩٢
وما أخزاه حين أحرقه بالنار! وإن دون ذلك لخزياً . (١)
قال أبو جعفر: وأولى القولين بالصواب عندى، قول جابر: ((إن من أدخل
النار فقد أخزى بدخوله إياها وإن أخرج منها)). وذلك أن ((الخزى)) إنما هوهتك
ستر المخزىّ وفضيحته ، (٢) ومن عاقبه ربه فى الآخرة على ذنوبه ، فقد فضحه
بعقابه إياه، وذلك هو ((الخزى)).
وأما قوله: (( وما للظالمين من أنصار))، يقول : وما لمن خالف أمر الله فعصاه،
من ذى نُصرة له ينصره من اللّه ، فيدفع عنه عقابه ، أو ينقذه من عذابه .
(١) الأثر: ٨٣٦٠ - ((الحارث بن مسلم الرازى)) مضى برقم: ٨٠٩٧، و((بحر القاء))،
هو ((بحر بن كنيز الباهلى السقاء)) مضى أيضاً برقم: ٨٠٩٧، وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((الحارث
ابن مسلم ، عن يحيى بن عمرو بن دينار))، وهو خطأ صرف.
وهذا الأثر قد أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢: ٣٠٠، ولم يقل فيه شيئاً، وقال الذهبى فى تعليقه :
((قلت: بحر هالك))، ورواه بأتم مما هنا، بيد أن السيوطى فى الدر المنثور ٢ : ١١١، خرجه،
ونسبه الحاكم وابن جرير ، وساق لفظ الأثر بأتم من لفظ أبى جعفر ، ومخالفاً لفظ الحاكم ، ولفظه :
((قدم علينا جابر بن عبد الله فى عمرة، فانتهت إليه أنا وعطاء، فقلت: ((وما هم بخارجين من النار))؟
قال : أخبرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم الكفار. قلت لجابر: فقوله: إنك من تدخل النار
فقد أخزيته ... ))، وسائر لفظه مطابق لما فى الطبرى.
وفى المخطوطة: ((حين أحروه بالنار»، والصواب ما فى المطبوعة، موافقاً لفظ الحاكم والسيوطى.
وفى المخطوطة والمطبوعة: ((وما إخزاؤه)) وهو لا يستقيم، والصواب ما فى الدر المنثور. وقوله: ((ما أخزاء))
تعجب. والذى فى الحاكم ((قد أخزاه حين أحرقه بالنار)). فهما روايتان تصحح إحداهما معنى الأخرى.
ويدل على صواب ذلك ترجيح الطبرى لقول جابر فى الفقرة التالية .
(٢) انظر تفسير ((الخزى)) فيما سلف ٢: ٣١٤، ٥٢٥.

٤٨٠
تفسير سورة آل عمران : ١٩٣
القول فى تأويل قوله ﴿رَّبَّنَآَ إِنَّا سَمْنَا مُتَدِيَا يُنَدِى لِلْإِمَمنِ
أَنْ ءامِنُواْ بِرَبَّكُمْ فَامَنَا رَبْنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَ
وَتَوََّ مَعَ الْأَبْرَارِ) )
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل ((المنادى)) الذى ذكره الله
تعالى فى هذه الآية .
فقال بعضهم: ((المنادى)) فى هذا الموضع، القرآن .
. ذكر من قال ذلك :
٨٣٦١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا قبيصة بن عقبة قال ، حدثنا سفيان ،
عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب: ((إننا سمعنا منادياً ينادى للإيمان))،
قال: هو الكتاب ، ليس كلهم نقى النبى صلى الله عليه وسلم.(١)
٨٣٦٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا منصور بن حكيم ،
عن خارجة ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظى فى قوله: (( ربنا
إننا سمعنا منادياً ينادى للإيمان))، قال: ليس كل الناس سمع النبيّ صلى اللّه
عليه وسلم ، ولكن المنادى القرآن . (٢)
وقال آخرون: بل هو محمد صلى الله عليه وسلم .
(١) الأثر: ٨٣٦١ - ((قبيصة بن عقبة بن محمد الموائى)) مضى برقم: ٤٨٩، ٢٧٩٢،
وهو ثقة معروف ، أخرج له الستة ، وتكلم بعضهم فى روايته عن سفيان الثورى: بأنه يخطىء فى بعض
روايته ، بأنه سمع من الثورى صغيراً .
و ((موسى بن عبيدة بن نشيط الربنى)»، ضعيف جداً، مضى برقم: ١٨٧٥، ١٨٧٦،
٣٢٩١
(٢) الأثر: ٨٣٦٢ - ((منصور بن حكيم))، لم أعرفه ولم أجد له ترجمة، وكذلك ((خارجة))
لم أعرف من يكون فيمن اسمه ((خارجة))، وأخشى أن يكون فيهما تصحيف أو تحريف.