Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
تفسير سورة آل عمران : ١٥٤
قد أهمتهم أنفسهم ))، قال : أهل النفاق قد أهمتهم أنفسهم تخوُّفَ القتل، وذلك
أنهم لا يرجون عاقبةٌ (١).
٨٠٩٠ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله : ٩٤/٤
(وطائفة قد أهمتهم أنفسهم)) إلى آخر الآية ، قال: هؤلاء المنافقون .
وأما قوله: ((ظنّ الجاهلية))، فإنه يعنى أهل الشرك، كالذى : -
٨٠٩١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((ظنّ الجاهلية))، قال : ظن أهل الشرك.
٨٠٩٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر، عن
أبيه ، عن الربيع قوله: ((ظن الجاهلية))، قال: ظن أهل الشرك.
قال أبو جعفر: وفى رفع قوله: ((وطائفة ))، وجهان .
أحدهما، أن تكون مرفوعة بالعائد من ذكرها فى قوله: ((قد أهمتهم)).
والآخر: بقوله: (( يظنون بالله غير الحق))، ولو كانت منصوبة كان جائزاً،
وكانت ((الواو))، فى قوله: ((وطائفة))، ظرفاً للفعل، بمعنى: وأهمت طائفة
أنفسهم، كما قال ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَهَا بَأَيْدٍ﴾ [سورة الذاريات: ٤٧].(٢)
١
(١) الأثر: ٨٠٨٩ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، وهو قتمة الآثار التى آخرها: ٨٠٨٤.
(٢) قد استقصى هذا الباب من العربية، الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٤٠ - ٢٤٢.
ج ٧ ( ٢١)

٣٢٢
تفسير سورة آل عمران : ١٥٤
القول فى تأويل قوله ﴿يَقُولُونَ هَل لَّا مِنَ اْلْأَمْرِ مِن شىء
قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِهِ يُخْفُونَ فِىَ أَنتُسِهِم مَّلَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ
لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ مَّا قُتِلْنَ هُّهْناَ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك الطائفة المنافقة التى قد أهمّهم أنفسهم ، يقولون :
ليس لنا من الأمر من شىء، قل إن الأمر كله لله، ولو كان لنا من الأمر شىء
ما خرجنا لقتال من قاتلنا فقتلونا ، كما : -
٨٠٩٣ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج قال ، قيل لعبد الله بن أبىّ: قُتل بنو الخزرج اليوم ! قال : وهل
لنا من الأمرمن شىء؟ قيل: إنّ الأمر كله لله! (١)
. .
#
وهذا أمر مبتدأ من الله عز وجل، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل،
يا محمد، لهؤلاء المنافقين: ((إن الأمر كله لله))، يصرفه كيف يشاء ويدبره کیف
يحبّ.
مـ
ثم عاد إلى الخبر عن ذكر نفاق المنافقين، فقال: (('يُخقون فى أنفسهم ما لا
بيدون لك)) يقول : يخفى، يا محمد ، هؤلاء المنافقون الذين وصفتُ لك صفتهم ،
فى أنفسهم من الكفر والشك فى الله، ما لا يبدون لك. ثم أظهر نبيّه صلى اللّه
عليه وسلم على ما كانوا يختفونه بينهم من نفاقهم، والحسرة التى أصابتهم على حضورهم
مع المسلمين مشهدهم بأحد، فقال مخبراً عن قيلهم الكفر وإعلانهم النفاقَ بينهم:
((يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا))، يعنى بذلك، أنّ هؤلاء المنافقين
يقولون : لو كان الخروج إلى حرب من خرجنا لحربه من المشر کین إلينا ، ما خرجنا
(١) فى المطبوعة: ((قل إن الأمر كله لله)) كنص الآية، وأثبت ما فى المخطوطة.

٣٢٢
تفسير سورة آل عمران : ١٥٤
إليهم ، ولا قُتل منا أحد فى الموضع الذى قتلوا فيه بأحد .
٠٠٠
وذكر أن ممن قال هذا القول، معتّب بن قشير ، أخو بنى عمرو بن عوف .
. ذكر الحبر بذلك :
٠
٨٠٩٤ -حدثنا ابنحميد قال، حدثنا سلمة ، قال، قال ابن إسحق، حدثنى
يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه ، عن عبد الله بن الزبير ، عن
الزبير قال: والله إنّى لأسمع قول معتُّب بن قشير، أخى بنى عمرو بن عوف ،
والنعاسُ يغشانى، ما أسمعه إلا كالحلم حين قال: لوْ كان لنا من الأمر شيء
ما قُتلنا ههنا !(١)
٨٠٩٥ - حدثنى سعيد بن يحيى الأموى قال، حدثنى أبى ، عن ابن إسحق
قال ، حدثنى يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عبد الله بن
الزبير ، عن أبيه بمثله .
٥
قال أبو جعفر : واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿قُلْ إنَّ الأُمْرَ كَلَّهُ﴾، بنصب ((الكل))
على وجه النعت لـ ((الأمر)) والصفة له .
٠
وقرأه بعض قرأة أهل البصرة: ﴿قُلْ إِنَّ الأُمْرَ كُلُّهُ اللهِ﴾ برفع ((الكل))، على
توجيه ((الكل)) إلى أنه اسم، وقوله ((الله)) خبره، كقول القائل: ((إن الأمر بعضُه
لعبد اللّه)). (٢)
وقد يجوز أن يكون ((الكل)) فى قراءة من قرأه بالنصب ، منصوباً على البدل .
٠
(١) لم أجد نص الخبر فى سيرة ابن هشام، فى خبر أحد، ولكنى وجدت معناه والإشارة إليه
قبل أحد فى ذكر من اجتمع إلى يهود من منافق الأنصار ٢ : ١٦٩.
(٢) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٢٤٣.

٣٢٤
تفسير سورة آل عمران : ١٥٤
قال أبو جعفر: والقراءة التى هى القراءة عندنا، النصبُ فى ((الكل))
الإجماع أكثر القرأة عليه، من غير أن تكون القراءة الأخرى خطأ فى معنى أو عربية.
ولو كانت القراءة بالرفع فى ذلك مستفيضة فى القرأة، لكانت سواءً عندى القراءةُ
بأى ذلك قرئ ، لاتفاق معانی ذلك بأیّ وجھیه قرئ .
٥
القول فى تأويل قوله ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى يُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَبْلُ إِلَى مَضَاجِهِمْ وَ لِيْتَلِ اللهُ مَا فِى صُدُورِكُمْ وَلِيُبَعْصَ
مَاَ فِى ◌ُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (٥
٩٥/٤
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : قل ، يا محمد، للذين وصفت لك
صفتهم من المنافقين : لو كنتم فى بيوتكم لم تشهدوا مع المؤمنين مشهدهم ، ولم
تحضروا معهم حرب أعدائهم من المشركين ، فيظهرَ للمؤمنين ما كنتم تخفونه
من نفاقكم، وتكتمونه من شككم فى دينكم(١) = ((لبرز الذين كُتُب عليهم القتل)) ،
يقول : لظهر للموضع الذى كتب عليه مصرعه فيه ، من قد كتب عليه القتلُ
منهم ، (٢) ولخرج من بيته إليه حتى يصرع فى الموضع الذى كُتب عليه أن
يصرع فيه . (٣)
وأما قوله: ((وليبتلى الله ما فى صدوركم))، فإنه يعنى به: وليبتلى اللّه ما فى
صدوركم، أيها المنافقون ، كنتم تبرزون من بيوتكم إلى مضاجعكم.
٠
(١) فى المطبوعة: ((من شرككم فى دينكم))، والصواب من المخطوطة.
(٢) انظر تفسير ((برز)) فيما سلفه : ٣٥٤.
(٣) فى المطبوعة: ((ويخرج من بيته))، لم يحسن قراءة المخطوطة.

٣٢٠
تفسير سورة آل عمران : ١٥٤
ويعنى بقوله: ((وليبتلى اللّه ما فى صدوركم))، وليختبر الله الذى فى صدوركم
من الشك ، فيميزكم = بما يظهره للمؤمنين من نفاقكم = من المؤمنين . (١)
٠ ٠ ٠
وقد دللنا فيما مضى على أنّ معانى نظائر قوله: ((ليبتلى اللّه)) و((ليعلم الله))
وما أشبه ذلك ، وإن كان فى ظاهر الكلام مضافاً إلى اللّه الوصف به، فمرادٌ به
أولياؤه وأهل طاعته = (٢) وأنّ معنى ذلك: وليختبر أولياءُ اللّه وأهلُ طاعته الذى
فى صدوركم من الشك والمرض، فيعرفوكم، [ فيميّزوكم ] من أهل الإخلاص
واليقين = ((وليمحص ما فى قلوبكم))، يقول وليتبينوا ما فى قلوبكم من الاعتقاد
لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين من العداوة أو الولاية. (٣)
٠ ٠
((والله عليم بذات الصدور))، يقول: والله ذو علم بالذى فى صدور خلقه
من خير وشر، وإيمان وكفر ، لا يخفى عليه شيء من أمورهم، سرائرها علانيتها ،
وهو لجميع ذلك حافظ ، حتى يجازى جميعهم جزاءهم على قدر استحقاقهم.
٠ ٠
#
وبنحو الذى قلنا فى ذلك كان ابن إسحق يقول :
٨٠٩٦ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال : ذكر
اللّه تلاوُمتهم - يعنى تلاوُم المنافقين - وحسرتهم على ما أصابهم ، ثم قال لنبيه
صلى الله عليه وسلم قل: ((لو كنتم فى بيوتكم))، لم تحضروا هذا الموضع الذى
أظهر الله جل ثناؤه فيه منكم ما أظهر من سرائركم ، لأخرج الذين كتب عليهم
القتل إلى موطن غيره يصرعون فيه، حتى يبتلى به ما فى صدوركم = (( ولمحص
ما فى قلوبكم والله عليم بذات الصدور))، أى: لا يخفى عليه ما فى صدورهم، (٤)
(١) انظر تفسير ((الابتلاء)) فيما سلف ٧ : ٢٩٧ تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر ما سلف قريباً ص: ٢٤٦، تعليق ٢، / ثم انظر ٣: ١٦٠ - ١٦٢.
(٣) انظر تفسير ((محمص)) فيما سلف ص : ٢٤٤.
(٤) فى المطبوعة ((لا يخفى عليه شيء مما فى صدورهم))، وفى المخطوطة ((لا يخفى عليه شيء ما فى

٣٢٦
تفسير سورة آل عمران : ١٥٤، ١٥٥
مما اسْتَخْفَوْا به منكم. (١)
٨٠٩٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا الحارث بن مسلم ،
عن بحر السقاء ، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن قال: سئل عن قوله: ((قل
لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم)) ، قال : كتب
الله على المؤمنين أن يقاتلوا فى سبيله، وليس كل من يقاتل يُقتل، ولكن يُقتل من
كتب اللّه عليه القتل. (٢).
...
القول فى تأويل قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَوْ مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَ
اُلْجَمْعَنِ إِنَّا أَسْتَزَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ تَفَاَ الله عَنْهُمْ
إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (٥٥)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: إنّ الذين ولَّوا عن المشركين، من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وانهزموا عنهم.
٠ ٠
وقوله: ((تولّوا))، ((تفعلوا))، من قولهم: ((ولَّى فلان ظهره)).(٣)
٠
٠ ٠
صدورهم))، وضرب بالقلم على ((شىء))، ولكن الناشر آثر إثباتها، وجعل ((ما)) ((مما))، والصواب
المطابق لنص السيرة هو ما أثبت .
(١) الأثر: ٨٠٩٦ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، وهو تتمة الآثار التى آخرها: ٨٠٨٩.
(٢) الأثر: ٨٠٩٧ - ((الحارث بن مسلم الرازى المقرئ))، روى عن الثورى، والربيع
ابن صبيح وغيرهما. قال أبو حاتم: ((الحارث بن مسلم، عابد، شيخ ثقة صدوق. رأيته وصليت
خلفه)). مترجم فى ابن أبى حاتم ٨٨/٢/١.
و((بحر السقاء))، هو ((بحر بن كتيز الباهل السقاء أبو الفضل)) روى عن الحسن، والزهرى
وقتادة. وهو جد ((عمرو بن على الفلاس.)). وروى عنه الثورى وكناه ولم يسمه ، قال يحيى بن سعيد
القطان: (( كان سفيان الثورى يحدثنى ، فإذا حدثنى عن رجل يعلم أنى لا أرضاه كناه لى ، فحدثى
يوما قال حدثني أبو الفضل، يعنى بحراً السقاء)). وقال يحيى بن معين: ((بحر القاء، لا يكتب
حديثه)). وهو متروك. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ١ /٤١٨/١.
(٣) انظر تفسير ((تولى)) فيما سلف ٢: ١٦٢، ٣/٢٩٩: ١١٥، ٤/١٣١: ٢٣٧/
٦ : ٢٨٣، ٢٩١، ٤٧٧ ، ٤٨٣ ٠

٣٢٧
تغير سورة آل عمران : ١٥٥
وقوله: (( يوم التقى الجمعان))، يعنى: يوم التقى جمعُ المشركين والمسلمين أحد =
((إنما استزلهم الشيطان))، أى: إنما دعاهم إلى الزّلة الشيطانُ.
٠ ٠
٠
وقوله: ((استزل)) ((استفعل)) من ((الزلة)). و((الزلة))، هى الخطيئة. (١)
٠٠
٠
=((ببعض ما كسبوا))، يعنى ببعض ما عملوا من الذنوب (٢) = ((ولقد
عفا الله عنهم))، يقول: ولقد تجاوز اللّه عن عقوبة ذنوبهم فصفح لهم عنه(٢) =
((إن الله غفور ))، یعنی به: مغط على ذنوبمن آمن به واتبع رسوله، بعفوه عن
عقوبته إياهم عليها = ((حليم))، يعنى أنه ذو أناة لا يعجل على من عصاه وخالف
أمره بالنقمة . (٤)
ثم اختلف أهل التأويل فى أعيان القوم الذين عُنُوا بهذه الآية .
فقال بعضهم : عنى بها كلُّ من ولَى الدُّبُرَ عن المشركين بأحد .
.. ذكر من قال ذلك :
٨٠٩٨ - حدثنا أبو هشام الرفاعى قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال ،
حدثنا عاصم بن كليب، عن أبيه قال: خطب عمريوم الجمعة فقرأ ((آل عمران))،
وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها ، فلما انتهى إلى قوله: ((إنّ الذين تولوا منكم
يوم التقى الجمعان ))، قال: لما كان يوم أحد هزمناهم، فقررتُ حتى صعدت
الجبل، فلقد رأيتنى أنزُو كأننى أرْوَى، (٥) والناس يقولون: ((قُتل محمد))! فقلت:
لا أجد أحداً يقول: ((قتل محمد))، إلا قتلتُه! حتى اجتمعنا على الجبل، فنزلت:
٩٦/٤
(١) انظر تفسير: ((زل)) فيما سلف ١: ٥٢٤، ٤/٥٢٥: ٢٥٩، ٢٦٠.
(٢) انظر تفسير ((كسب)) فيما سلف ٢ : ٢٧٣، ٣/٢٧٤: ١٠١، ٤/١٢٨: ٤٤٩/
٦ : ١٣١، ٢٩٥.
(٣) انظر تفسير ((عفا)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٤) انظر تفسير ((غفور حليم)) فيما سلف من فهارس اللغة.
(٥) ((أنزو)): أثبت، والنز و الوثب. والأروى: أنثى الوعول، وهى قوية على التصعيد
فى الجبال .

٣٢٨
تفسير سورة آل عمران : ١٥٥
(إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان))، الآية كلها. (١)
٨٠٩٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:
(( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان))، الآية ، وذلك يوم أحد ، ناس من
أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تولوا عن القتال وعن نبى الله يومئذ، وكان
ذلك من أمر الشيطان وتخويفه ، فأنزل الله عز وجل ما تسمعون : أنه قد تجاوز
لهم عن ذلك وعفا عنهم .
٨١٠٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال، حدثنى عبد الله بن أبى
جعفر، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان))،
الآية ، فذكر نحو قول قتادة .
٠
وقال آخرون: بل عنى بذلك خاصٌ ممن ولَّى الدبر يومئذ. قالوا : وإنما
غنى به الذين لحقوا بالمدينة منهم دون غيرهم .
ذكر من قال ذلك :
٨١٠١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى قال: لما انهزموا يومئذ، تفرّق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) الأثر: ٨٠٩٨ - ((أبو هشام الرفاعى)) هو ((محمد بن يزيد بن محمد بن كثير))، مضى
فى رقم: ٣٢٨٦، ٤٥٥٧، ٤٨٨٨، وغيرها. و((أبوبكر بن عياش بن سالم الأسدى الكوق الحناط))،
قيل اسمه ((محمد))، وقيل: ((عبد الله)) وقيل وقيل، ولكن الحافظ قال: ((والصحيح أن اسمه كنيته،
كان حافظاً متقناً، ولكنه لما كبر ساء حفظه، فكان يهم إذا روى، موالخطأ والوهم شيئان لا يتفك
عنهما البشر، كما قال ابن حبان)). مترجم فى التهذيب .
و ((عاصم بن كليب بن شهاب المجنون الجرمى))، روى عن أبيه، وأبي بردة بن أبى موسى،
ومحمد بن كب القرظى ، وغيرهم . روى عنه ابن عون وشعبة وشريك والغيافان وغيرهم . قال أحمد :
((لا بأس بحديثه))، وقال النسائى وابن معين: ((ثقة)). وكان من العباد، ولم يكن كثير الحديث.
مترجم فى التهذيب .
وأبوه: ((كليب بن شهاب بن المجنون الجرمى))، روى عن أبيه، وعن خاله الفلتان بن عاصم،
وعمر، وعلى، وسعد، وأبى ذر، وأبى موسى، وأبى هريرة وغيرهم. قال ابن سعد: «كان ثقة،
ورأيتهم يستحسنون حديثه ويحتجون به)). مترجم فى التهذيب .

٣٢٩
تفسير سورة آل عمران : ١٥٥
أصحابه ، فدخل بعضهم المدينة، وانطلق بعضهم فوق الجبل إلى الصخرة فقاموا
عليها ، فذكر الله عز وجل الذين انهزموا فدخلوا المدينة فقال: ((إن الذين تولوا منكم
يوم التقى الجمعان))، الآية .
٠
وقال آخرون: بل نزل ذلك فى رجال بأعيانهم معروفين .
• ذكر من قال ذلك :
٨١٠٢- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال عكرمة قوله: ((إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان»،
قال : نزلت فى رافع بن المعلَى وغيره من الأنصار، وأبى حُذيفة بن عتبة ورجل
آخر = قال ابن جريج: وقوله: ((إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد
عفا الله عنهم)) ، إذ لم يعاقبهم.
٨١٠٣- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسمق قال : فرّ
عثمان بن عفان ، وعقبة بن عثمان ، وسعد بن عثمان - رجلان من الأنصار- حتى
بلغوا الجلْعَب=(١) جبل بناحية المدينة مما يلى الأعوص- فأقاموا به ثلاثاً، ثم
٠ رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة !! (٢)
٨١٠٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قوله: ((إن
الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا)) الآية ،
(١) ((الجلعب)) ضبطه البكرى بفتح الجيم وسكون اللام وفتح المين، وضبطه ياقوت بفتح الجيم
واللام وسكون المين، وقال: وقد ثناء بعضهم فى الشعر كعادتهم فى أمثاله فقال (من أبيات مصمحتها ،
فى مطبوعة معجم البلدان خطأ كثير ) :
فَمَا فَتِقَتْ مُتْعُ الْجَلَمَيْنِ تَنْتَرَى مَصَارِعَ قَتْلَ فِى النُّرَابِ سِبَالُهَاَ
(٢) قوله: ((لقد ذهبتم فيها عريضة))، أى واسعة. والضمير فى قوله: (فيها)) إلى ((الأرض))،
يقول: لقد أقسعت منادح الأرض فى وجوهكم حين فررتم ، فابعدتم المذهب ، يتعجب من فعلهم .
هذا ، ولم أجد الأثر فى سيرة ابن هشام .

٠٣٣٠
تفسير سورة آل عمران : ١٥٦٤١٥٥
والذين استزلهم الشيطان : عثمان بن عفان ، وسعد بن عثمان ، وعقبة بن عثمان ،
الأنصاريان، ثم الزُّرْقَيَّان. (١)
٠ ٠
٠
وأما قوله: ((ولقد عفا اللّه عنهم))، فإن معناه: ولقد تجاوز اللّه عن الذين
تولوا منكم يوم التقى الجمعان ، أن يعاقبهم بتوليهم عن عدوّهم ، كما : -
٨١٠٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج قوله: ((ولقد عفا الله عنهم))، يقول: ((ولقد عفا اللّه عنهم))،
إذ لم يعاقبهم .
٨١٠٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله
فى تولّيهم يوم أحد: ((ولقد عفا اللّه عنهم))، فلا أدرى أذلك العفو عن تلك العصابة،
أم عفوٌ عن المسلمين كلهم ؟
٠ ٠
وقد بينا تأويل قوله: ((إن الله غفورٌ حليم))، فيما مضى. (٢)
٩
القول فى تأويل قوله ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ
كَفَرُواْ وَقَالُواْ ◌ِإِخْوَانِهِمْإِذَا ضَرَبُواْ فِ أَلْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُرِّى لَّوْ كَانُواْ
عِنْدَ نَمَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُوْ لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِى كُلُوبِهِمْ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله
وأقرُّوا بما جاء به محمد من عند الله، لا تكونوا كمن كفر بالله وبرسوله، فجحد نبوّة
محمد صلى الله عليه وسلم، وقال لإخوانه من أهل الكفر= ((إذا ضربوا فى الأرض))
(١) الأثر: ٨١٠٤ - لم أجد هذا الأثر أيضاً فى سيرة ابن هشام.
(٢) انظر ما سلف ٥ : ١١٧، ٥٢١.

٣٣١
تفسير سورة آل عمران : ١٥٦
فخرجوا من بلادهم سفراً فى تجارة = ((أو كانوا غُزِّى))، يقول: أو كان خروجهم
من بلادهم غزاةً فهلكوا فماتوا فى سفرهم ، أو قتلوا فى غزوهم = ((لو كانوا عندنا ما
ماتوا وما قتلوا))، يخبر بذلك عن قول هؤلاء الكفار أنهم يقولون لمن غزا منهم فقتل،
أو مات فى سفر خرج فيه فى طاعة الله، أو تجارة : لو لم يكونوا خرجوا من عندنا
وكانوا أقاموا فى بلادهم ما ماتوا وما قتلوا = (( ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم ))،
يعنى: أنهم يقولون ذلك، كى يجعل اللّه قولهم ذلك حزناً فى قلوبهم وغمدًا، ويجهلون ٤/ ١٧
أن ذلك إلى الله جل ثناؤه وبيده .
وقد قيل : إن الذين نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتشبّهوا بهم فيما نهاهم
عنه من سوء اليقين باللّه، هم عبد الله بن أبى ابن سلول وأصحابه.
ذكر من قال ذلك :
٨١٠٧- حدثنى محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط ، عن السدى:
((يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم » الآية، قال: هؤلاء
المنافقون أصحاب عبد الله بن أبىّ .
٨١٠٨- حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا فى الأرض
أو كانوا غُزَّى)) ، قولُ المنافق عبد الله بن أبى ابن سلول.
٨١٠٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
...
وقال آخرون فى ذلك : هم جميع المنافقين .
• ذكر من قال ذلك :
٨١١٠- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: « يا أيها

٣٣٢
تفسير سورة آل عمران : ١٥٦
.
الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم )» الآية ، أى : لا تكونوا
كالمنافقين الذين ينهون إخوانهم عن الجهاد فى سبيل الله والضرب فى الأرض فى
طاعة الله وطاعة رسوله، ويقولون إذا ماتوا أو قتلوا: لو أطاعونا ما ماتوا وما قُتلوا. (١)
وأما قوله: ((إذا ضربوا فى الأرض))، فإنه اختلف فى تأويله. (٢)
فقال بعضهم : هو السفر فى التجارة ، والسير فى الأرض لطلب المعيشة .
* ذكر من قال ذلك :
٨١١١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ،
حدثنا أسباط، عن السدى: ((إذا ضربوا فى الأرض))، وهى التجارة .
٠٠ ٠
وقال آخرون ، بل هو السير فى طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.
• ذكر من قال ذلك :
٨١١٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((إذا ضربوا
فى الأرض))، الضربُ فى الأرض فى طاعة اللّه وطاعة رسوله.(٣)
#
#
وأصل ((الضرب فى الأرض))، الإبعاد فيها سيراً. (٢)
#
وأما قوله ((أو كانوا غُزَّى))، فإنه يعنى: أو كانوا غزاة فى سبيل الله .
*
و ((الغُزَّى)) جمع ((غاز))، جمع على ((فُعَّل)) كما يجمع ((شاهد)) ((شُهَّد))،
و (( قائل)) ((قوَّل ))، وقد ينشد بيت رؤبة:
(١) الأثر: ٨١١٠ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، ١٢٣، وهو تتمة الآثار التى آخرها:
٨٠٩٦.
(٢) انظر تفسير ((ضرب فى الأرض)) فيما سلف ٥: ٥٩٣، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٠٦.
(٣) الأثر: ٨١١٢ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٢، ١٢٣، وهو بعض الأثر السالف:
٨١١٠، وتتمته .

٣٣٣
تفسير سورة آل عمران : ١٥٦
فاليوم قَدْ نَهْهَِ تَنَهْنُهِ وَأَوْلُ حِلْمِ لَيْسَ بِالسُنَّهِ
وَقُوَّلٌ: إلَّدَهٍ فَلَاَدَهٍ(١)
وينشد أيضاً :
، وقَوْلُهُمْ: إلّ دَهٍ فَلَاَدَهٍ .
٠٠٠
وإنما قيل: ((لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا فى الأرض
أو كانوا غزى))، فأصحبَ ماضى الفعل، الحرف الذى لا يصحب مع الماضى
منه إلاّ المستقبل، فقيل: ((وقالوا لإخوانهم))، ثم قيل: ((إذا ضربوا))، وإنما
يقال فى الكلام: ((أكرمتك إذْ زرتنى))، ولا يقال: ((أكرمتك إذا زرتنى)). لأن
((القول)) الذى فى قوله: ((وقالوا لإخوانهم))، وإن كان فى لفظ الماضى، فإنه بمعنى
(١) ديوانه: ١٦٦، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ١٠٦، ومشكل القرآن: ٤٣٨،
وجهرة الأمثال: ٢٣، وأمثال الميدانى ١: ٣٨، والخزانة ٣: ٩٠، واللسان (قول) ( دها) ،
وغيرها كثير، وسيأتى فى التفسير ٢٤: ٦٦ (بولاق). وهو من قصيدته التى يذكر فيها نفسه وشبابه ،
وقد سلفت منها عدة أبيات فى مواضع متفرقة .
((تهنئت فلاناً عن الشىء فتنهنه))، أى: زجرته فانزجر، وكففته فانكف. و ((الأول)):
الرجوع . يقول : قد كغنى عن الصبا طول عتابى لنفسى وملامتى إياها ، ورجوع عقل لا يوصف بالسفه ،
بعد جنون الشباب، ثم قول الناس: ((إلا ده، فلا ده)).
وقد اختلف فى تفسير ((إلا ده فلا ده))، اختلاف كثير، قال أبو عبيدة: ((يقول إن لم يكن هذا
فلا ذا . ومثل هذا قولهم: إن لم تتركه هذا اليوم فلا تتركه أبداً، وإن لم يكن ذلك الآن ، لم يكن
أبداً)). وقال ابن قتيبة: ((يريدون: إن لم يكن هذا الأمر لم يكن غيره ... ويروى أهل العربية أن
الدال فيه مبدلة من ذال ، كأنهم أرادوا : إن لم تكن هذه ، لم تكن أخرى )) .
وقال أبو هلال: ((قال بعضهم: يضرب مثلا الرجل يطلب شيئاً، فإذا منعه طلب غيره. وقال
الأصمعى : لا أدرى ما أصله! وقال غيره: أصله أن بعض الكهان تنافر إليه رجلان فامتحناه ،
فقالا له : فى أى شىء جئناك؟ قال: فى كذا، قالا: لا ! فأعاد النظر وقال: إلا ده فلاده -
أى: إن لم يكن كذا فليس غيره، ثم أخبرهما ... وكانت العرب تقول، إذا رأى الرجل ثأره :- إلا ده
فلا ده - أى : إن لم يثأر الآن، لم يثأر أبداً)).
ومهما يكن من أصله ، فإن رؤبة يريد : زجرنى عن ذلك كف نفسى عن الغى ، وأوبة على أطاره
جئون الشباب، وقول ناصحين يقول: إن لم ترعو الآن عن غيك، فلن ترعوى ما عشت ! .

٣٣٤
تغير سورة آل عمران : ١٥٦
المستقبل. وذلك أن العرب تذهب ؛ ((الذين)) مذهب الجزاء ، وتعاملها فى ذلك
معاملة ((من)) و((ما))، لتقارب معانى ذلك فى كثير من الأشياء ، وأن جميعهنّ
أشياء(١) مجهولات غير موقتات توقيت ((عمرو )) و((زيد)).(٢)
فلما كان ذلك كذلك = وكان صريحاً فى الكلام فصيحاً أن يقال للرجل :
(أكرمْ من أكرمك)) ((وأكرم كل رجل أكرمك))، فيكون الكلام خارجاً بلفظ
الماضى مع ((من))، و((كلّ))، مجهولَيْنِ ومعناه الاستقبال، (٣) إذ كان الموصوف
بالفعل غير مؤقت، وكان ((الذين)) فى قوله: (( لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا
لإخوانهم إذا ضربوا فى الأرض))، غير موقّتين(٤) = أجريت مجرى ((من)) و((ما))
فى ترجمتها التى تذهب مذهب الجزاء، (٥) وإخراج صلاتها بألفاظ الماضى من
الأفعال وهى بمعنى الاستقبال ، كما قال الشاعر فى ((ما)): (٦)
وإِنَّى ◌َآَتِيكُمْ تَشَكَّرَ مَا مَضَى مِنَ الأَمْرِ وَاسْتِيجَبَمَا كَانَ فِى غَدٍ(٧)
فقال: (( ما كان فى غد))، وهو يريد : ما يكون فى غد . ولو كان أراد
الماضى لقال: ((ما كان فى أمس))، ولم يجزله أن يقول: ((ما كان فى غد)).
ولو كان ((الذى)) موقَّاً، لم يجز أن يقال ذلك. خطأ أن يقال: ((لتُكرِمن
(١) فى المطبوعة: ((وأن جمعهن أشياء ... ))، وهو خطأ صوابه من المطبوعة.
(٢) الموقت ، والتوقيت : هو المعرفة المحددة، والتعريف المحدد، وهو الذى يعنى سماه تعييناً مطلقاً
غير مقيد، مثل ((زيد))، فإنه يعين مسماه تعييناً مطلقاً، أو محدداً. وانظر ما سلف ١ : ١٨١،
تعليق: ٢/١: ٣٣٩ . والمجهول: غير المعروف، وهو النكرة
(٣) فى المخطوطة والمطبوعة ((مع من وكل مجهول))، والصواب ما أثبت، ويعنى بقوله ((مجهولين)):
ذكرتين .
(٤) ((موقتين)) جمع ((مؤقت)) بالياء والنون، وهى المعرفة كما سلف. والسياق ((وكان
الذين ...... غير موقتين))، لأن ((الذين)) جمع، فوصفها بالجمع.
(٥) فى المخطوطة ((التى تذهب الجزاء))، وفى معانى القرآن للفراء ١: ٢٤٣: ((لأن ((الذين))
يذهب بها إلى معنى الجزاء، من: من، وما)). فالتصرف الذى ذهب إليه الناشر الأول صواب جيد
جداً. (والترجمة)) هنا: التفسير والبيان.
(٦) هو الطرماح بن حكيم .
(٧) مضى تخريج البيت وشرحه فيما سلف ٢: ٣٥١، تعليق : ٥.

٣٣٥
تفسير سورة آل عمران : ١٥٦
هذا الذى أكرمك إذا زرته))، (١) لأن ((الذى)) ههنا موقّت، فقد خرج من ١/٤
معنى الجزاء. ولو لم يكن فى الكلام ((هذا))، لكان جائزاً فصيحاً، لأن ((الذى))
يصير حينئذ مجهولا غير موقت. ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [سورة الحج: ٢٥]، فردّ ((يصدون)) على ((كفروا))،
لأن ((الذين)) غير موقتة. فقوله: ((كفروا))، وإن كان فى لفظ ماض، فمعناه الاستقبال،
وكذلك قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ تَبَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [سورة مريم: ٦٠]، وقوله:
﴿إِلَّ الَّذِينِ تَبُوا مِنْ قَبِلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [سورة المائدة: ٣٤]، معناه:
إلا الذين يتوبون من قبل أن تقدروا عليهم = وإلا من يتوب ويؤمن . ونظائر ذلك
فى القرآن والكلام كثير، والعلة فى كل ذلك واحدة. (٢)
٠ ٠ ٠
وأما قوله: ((ليجعل الله ذلك حسرة فى قلوبهم))، فإنه يعنى بذلك: حزناً
فی قلوبهم ، (٣) كما :-
٨١١٣ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((فى قلوبهم))، قال : يحزنهم قولهم ،
لا ينفعهم شيئاً .
٨١١٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد مثله .
٨١١٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((ليجعل
اللّه ذلك حسرة فى قلوبهم))، لقلة اليقين بربهم جل ثناؤه. (٤)
...
(١) فى المطبوعة: ((خطأ أن يقال لك من هذا الذى ... )) أخطأ قراءة المخطوطة فجعل ((لتكرمن))
((لك من)» وهو فاسد ، والصواب ما أثبت ، وهو الذى يدل عليه السياق .
(٢) انظر معانى القرآن للقراء ١: ٢٤٣، ٢٤٤.
(٣) انظر تفسير ((الحسرة)) فيما سلف ٣ : ٢٩٥ - ٢٩٩.
(٤) الأثر: ٨١١٥ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التى آخرها: ٨١١٠،
٠٨١١٢

٣٣٦
تفسير سورة آل عمران : ١٥٦ .
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿وَاللهُ يُحْى وَيُمِيتُ وَاَللهُ
بِآَ تَسْتَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٥)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((والله يحيى ويميت))، والله المعجل
الموتَ لمن يشاء من حيث يشاء، (١) والمميت من يشاء كلما شاء ، دون غيره من
سائر خلقه .
وهذا من الله عز وجل ترغيبٌ لعباده المؤمنين على جهاد عدوه والصبر على
قتالهم، وإخراج هيبتهم من صدورهم، وإن قل عددهم وكثر عدد أعدائهم وأعداء
اللّه = وإعلامٌ منه لهم أن الإماتة والإحياء بيده، وأنه لن يموت أحدٌ ولا يقتل إلا
بعد فناء أجله الذى كتب له = ونهىٌّ منه لهم ، إذ كان كذلك ، أن يجزعوا لموت
من مات منهم أو قتل من قتل منهم فى حرب المشركين .
ثم قال جل ثناؤه: ((والله بما تعملون بصيرٌ))، يقول: إن اللّه يرى ما تعملون
من خير وشر ، فاتقوه أيها المؤمنون ، إنه محص ذلك كله، حتی یجازی کل عامل
بعمله على قدر استحقاقه .
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال ابن إسحق .
٨١١٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((والله يحيى
ويميت))، أى: يعجل ما يشاء، ويؤخر ما يشاء من آجالهم بقدرته. (٢)
(١) أخشى أن يكون سقط من الناسخ بعض تفسير الآية، وكأنه كان: ((والله المؤخر أجل
من يشاء من حيث شاء، وهو المعجل ... ))، وانظر الأثر الآتى رقم: ٨١١٦.
(٢) الأثر: ٨١١٦ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التى آخرها: ٨١١٥
۔۔

٣٣٧
تفسير سورة آل عمران : ١٥٧
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿وَلَئِن ◌ُتْتُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ
أَوْ مُتُّمْ لَنْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَحْمُونَ) )
قال أبو جعفر: يخاطب جل ثناؤه عباده المؤمنين، يقول لهم : (١) لا تكونوا،
أيها المؤمنون ، فى شك من أن الأمور كلها بيد الله، وأن إليه الإحياء والإماتة ،
كما شك المنافقون فى ذلك ، ولكن جاهدوا فى سبيل الله وقائيلوا أعداء اللّه، على
يقين منكم بأنه لا يقتل فى حرب ولا يموت فى سفر إلا من بلغ أجله وحانت وفاته .
ثم وعدهم على جهادهم فى سبيله المغفرة والرحمة، وأخبرهم أن موتاً فى سبيل اللّه أو
قتلاً فى اللّه، (٢) خير لهم مما يجمعون فى الدنيا من حُطامها ورغيد عيشها الذى من
أجله يتناقلون عن الجهاد فى سبيل الله، ويتأخرون عن لقاء العدو ، كما : -
٨١١٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((ولئن قتلتم
فى سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون))، أى: إن الموت كائن
لا بد منه ، فموت فى سبيل اللّه أو قتل ، خير = لو علموا فأيقنوا = مما يجمعون
فى الدنيا التى لها يتأخرون عن الجهاد، تخوفاً من الموت والقتل لما جمعوا من زهرة
الدنيا، وزهادةً فى الآخرة . (٣)
٠
قال أبو جعفر: وإنما قال الله عز وجل: ((لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون))،
وابتدأ الكلام: ((ولئن متم أو قتلتم)) بحذف جواب ((لئن))، (٤) لأن فى قوله:
(١) فى المطبوعة: ((فخاطب))، وأثبت صوابها من المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((وقتلا)) وأثبت ما فى المخطوطة، وهو أجود.
(٣) الأثر: ٨١١٧ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التى آخرها: ٨١١٦.
وكان فى المخطوطة والمطبوعة: (( لما جمعوا من زهيد الدنيا)) وهو تحريف، والصواب من سيرة ابن هشام.
وزهرة الدنيا : حسنها وبهجتها وغضارتها، وكثرة خيرها، ورغيد عيشها. وفى سيرة ابن هشام: ((زهادة
فى الآخرة )) ، بغير واو .
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة ((بحذف جزاء لئن))، وهو خطأ بين وتصحيف من الناسخ، سقطت
منه باء ((جواب)) فكتب ((جزاء)).
ج ٧ ( ٢٢)

٣٣٨
تفسير سورة آل عمران : ١٥٧
((لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون)) معنى جواب للجزاء، (١) وذلك أنه وعد
خرج مخرج الخبر .
٠ ٠
فتأويل الكلام: ولئن قتلتم فى سبيل الله أو منم ، ليغفرن الله لكم وليرحنكم =
فدلّ على ذلك بقوله: ((لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون))، وجمع مع الدلالة
به عليه ، الخبَرّ عن فضل ذلك على ما يؤثرونه من الدنيا وما يجمعون فيها .
...
وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة ، أنه إن قيل : كيف يكون :
(لمغفرة من الله ورحمة)) جواباً لقوله: ((ولئن قتلتم فى سبيل الله أو متم))؟ فإن الوجه
فيه أن يقال فيه كأنه قال : ولئن متم أو قتلتم فذلك لكم رحمة من الله ومغفرة، إذ
كان ذلك فى سبيلى، (٢) فقال: ((لمغفرة من اللّه ورحمة،)» يقول : لذلك خير مما
تجمعون، يعنى : لتلك المغفرة والرحمة خير مما تجمعون .
٩٩/٤
...
ودخلت اللام فى قوله: ((المغفرة من الله))، لدخولها فى قوله: و((لئن))، كما قيل:
﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُؤَأَنَّ الْأُدْبَرَ﴾ [سورة الحشر: ١٢].
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((معنى جواز للجزاء))، وهو تصحيف لا معنى له، والصواب
ما أثبت .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فإن [القول] فيه أن يقال فيه: كأنه قال: ولئن متم أو قطم
[فذكر لهم] رحمة من الله ومغفرة، إذا كان ذلك فى [السبيل].، وقد وضعت الكلمات التى استبدلت
بها غيرها بين أقواس . وهذه الجملة التى فى المطبوعة والمخطوطة لا يكاد يكون لها معنى. فالكلمة الأولى
((القول)) لاشك فى خطئها، وصوابها ما أثبت. أما ((فذكر لهم))، فإنى أظن أن الناسخ قد أخطأ قراءة
المخطوطة القديمة التى نقل عنها فقرأ ((فذلك لكم)) ((فذكر لهم)) وأما (السبيل))، فى المخطوطة ضرب خفيف
على ألف ((السبيل))، فرجحت قرامتها كما أثبت وهو حق المعى، فاستقامت هذه الحملة مع ما
بعدها ، والحمد لله

٣٣٩
تفسير سورة آل عمران : ١٥٨
القول فى تأويل قوله ﴿ وَلَيِ مُمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ
تُحْشَرُونَ) )
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : ولئن متم أو قتلتم ، أيها المؤمنون ،
فإن إلى اللّه مرجعكم ومحشركم، فيجازيكم بأعمالكم، فآثروا ما يقرّبكم من الله
ويوجب لكم رضاه ويقربكم من الجنة ، من الجهاد فى سبيل الله والعمل بطاعته ،
على الركون إلى الدنيا وما تجمعون فيها من حُطامها الذى هو غير باقٍ لكم، بل هو
زائلٌ عنكم ، وعلى ترك طاعة الله والجهاد ، فإن ذلك يبعد كم عن ربكم ، ويوجب
لكم تخطه ، ويقرِّبكم من النار .
٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال ابن إسحق :
٨١١٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((ولئن متم
أو قتلتم))، أىُّ ذلك كان = ((لإلى اللّه تحشرون))، أى: إن إلى اللّه المرجع، فلا
تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا تغتروا بها ، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه ، آثر
عندكم منها .(١)
...
وأدخلت ((اللام)) فى قوله: ((لإلى اللّه تحشرون))، لدخولها فى قوله :
((ولئن)). ولو كانت ((اللام)) مؤخرة إلى قوله: ((تحشرون))، لأحدثت ((النون))
الثقيلة فيه، كما تقول فى الكلام: ((لئن أحسنتَ إلىَ لأحسنَّ إليك)) بنون مثقلة .
فكان كذلك قوله: ولئن .تم أو قتلتم لتحشرن إلى الله، ولكن لما حِيل بين (( اللام))
وبين ((تحشرون)) بالصفة، (٢) أدخلت فى الصفة، وسلمت ((تحشرون))،
(١) الأثر: ٨١١٨ - سيرة ابن هشام ٣: ١٢٣، وهو تتمة الآثار التى آخرها: ٨١١٧.
(٢) فى المطبوعة: ((لما حيز بين اللام ... ))، وفى المخطوطة: ((ولما حين ... »، وصواب

٣٤٠
تفسير سورة آل عمران : ١٥٩،١٥٨
فلم تدخلها ((النون)) الثقيلة، كما تقول فى الكلام: ((لْن أحسنتَ إلىّ لإليك أحسن))،
بغير (( نون )) مثقلة .
القول فى تأويل قوله ﴿فَبِمَ رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ
فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَاَ نَفَضْواْ مِنْ حَوْلِكَ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((فبما رحمة من الله))، فيرحمة من الله،
. و ((ما)) صلة. (١) وقد بينت وجه دخولها فى الكلام فى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْى
أَنْ يَضْرِبَ مَثْلَامًا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [سورة البقرة: ٢٦].(٢) والعرب تجعل(( ما))
صلة فى المعرفة والنكرة، كما قال: ﴿فَما نقْضِهِمْ مِيثَفَهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٥٥/
سورة المائدة : ١٣]، والمعنى: فينقضهم ميثاقهم. وهذا فى المعرفة. وقال فى
النكرة ﴿عَمَّا قَلِيلِ لَيُصْبِحُنَّ نَدِمِينَ﴾ [ سورة المؤمنون: ٤٠]، والمعنى: عن قليل.
وربما جعلت اسما وهى فى مذهب صلة ، فيرفع ما بعدها أحياناً على وجه الصلة ،
ويخفض على إتباع الصلة ما قبلها ، كما قال الشاعر : (٣)
فَكَفَى بِنَاَ فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيْرِنَاَ حُبُّ النَِِّّ مُحَمَّدٍ إِنََّنَ(٤)
إذا جعلت غير صلة رفعتَ بإضمار ((هو))، وإن خفضت أتبعت ((من))؛(٥)
فأعربته . فذلك حكمه على ما وصفنا مع التكرات .
قراءتها ما أثبت. و((الصفة)) حرف الجر، انظر ما سلف ١: ٢٩٩، تعليق: ١، وسائر فهارس
المصطلحات فى الأجزاء السالفة .
(١) ((الصلة))، الزيادة، انظر ما سلف ١: ٤٠٥/١٩٠، تعليق: ٤٠٦/٤ /٠٤٨،
ثم فهرس المصطلحات فى سائر الأجزاء .
(٢) انظر ما سلف ١ : ٤٠٤، ٤٠٥.
(٣) هو حسان بن ثابت، أو كعب بن مالك ، أو غيرهما، انظر ما سلف ١: ٤٠٤ تعليق: ".
(٤) سلف تخريج البيت فى ١ : ٤٠٤، تعليق: ٥.
(٥) وذلك أن ((من)) و((ما)) حكمهما فى هذا واحد، كما سلف فى ١: ٤٠٤.