Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
تفسير سورة آل عمران : ١١٨
٧٦٨٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق ، قال ،
قال محمد بن أبى محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال :
كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحِلْف
فى الجاهلية، فأنزل الله عز وجل فيهم ينهاهم عن مباطنتهم، (١) تخوّفَ الفتنة عليهم
منهم: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم)) إلى قوله: ((وتؤمنون
بالکتاب کله)». (٢)
٧٦٨١ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: (( يا أيها الذين آمنوا لا
تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا))، فى المنافقين من أهل المدينة . نهى
الله عز وجل المؤمنين أن يتولّوهم .
٧٦٨٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم ))،
نهى الله عز وجل المزمنين أن يستدخلوا المنافقين، (٣) أو يؤاخوهم، أويتولوهم من دون
المؤمنين. (٤)
٧٦٨٣ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((لا تتخذوا بطانة من دونكم))،
هم المنافقون .
٧٦٨٤ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
(١) فى المطبوعة: ((فنهاهم)) بالفاء فى أوله، والصواب من المخطوطة وابن هشام.
(٢) الأثر: ٧٦٨٠ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٧، وهو تابع الأثرين السالفين رقم : ٧٦٤٤،
٧٦٤٥ .
(٣) قوله: ((يستدخلوا)) أى يتخذوهم أخلاء. استدخله: اتخذه دخيلا، مثل قولهم استصحبه:
اتخذه صاحباً، والدخيل والمداخل: الذى يداخل الرجل فى أموره كلها . وهذا البناء ((استدخله ، مما
أغفلته كتب اللغة ، وهو عربى معرق كما ترى .
(٤) فى المطبوعة: ((أى يتولوهم))، وفى المخطوطة: ((أن يتولوهم))، والصواب ما أثبت.
..-

١٤٢
تفسير سورة آل مران : ١١٨.
الربيع قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا))،
يقول لا تستدخلوا المنافقين، (١) تتواوهم دون المؤمنين.
٧٦٨٥ - حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا ، حدثنا مشيم قال ،
أخبرنا العوام بن حوشب ، عن الأزهر بن راشد ، عن أنس بن مالك قال : قال
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: لا تستضيئوا بنار أهل الشرك، ولا تنقشوا فى
خواتيمكم عربيًّاً . قال : فلم ندرما ذلك ، حتى أتوا الحسن فسألوه ، فقال :
نعم، أما قوله: ((لا تنقشوا فى خواتيمكم عربيًّا))، فإنه يقول : لا تنقشوا فى
خواتيمكم ((محمد)). وأما قوله: ((ولا تستضيئوا بنار أهل الشرك))، فإنه يعنى
به المشركين ، يقول : لا تستشيروهم فى شىء من أموركم . قال قال الحسن :
وتصديق ذلك فى كتاب الله، ثم تلا هذه الآية: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا
بطانة من دونكم)). (٢)
(١) انظر ص ١٤١، تعليق: ٣.
(٢) الحديث: ٧٦٨٥ - الأزهر بن راشد البصرى: ثقة. ترجمه البخارى فى الكبير
٤٥٥/١/١، وابن أبي حاتم ٣١٣/١/١ - فلم يذكر فيه جرحاً .
وهناك راو آخر، اسمه ((الأزهر بن راشد الكاهلى))، وهو كوفى ، وهو غير البصرى، ومتأخر
عنه. وترجمه البخارى وابن أبى حاتم أيضاً. فإن البصرى يروى عنه ((العوام بن حوشب)) المتوفى
سنة ١٤٨، والكوفى الكاهلى يروى عنه ((مروان بن معاوية الفزارى)» المتوفى سنة ١٩٣ . ومروان
ابن معاوية من شيوخ أحمد . والعوام بن حوشب من شيوخ شيوخه . فشتان هذا وهذا .
ومع هذا الفرق الواضح أخطأ الحافظ المزى ، فذكرفى التهذيب الكبير أن أبا حاتم قال فى البصرى:
((مجهول)). وتبعه الحافظ فى تهذيب التهذيب، والذهبى فى الميزان. وزاد الأمر تخليطاً، فذكر أنه
ضعفه ابن معين ! !
وابن معين وأبو حاتم إنما قالا ذلك فى الكاهلى الكوفى. فروى ابن أبى حاتم فى ترجمة (( الكاهلى))
٣١٣/١/١، رقم: ١١٨٠، عن ابن معين، قال: « أزهر بن راشد، الذى روى عنه مروان بن
معاوية: ضعيف)). ثم قال: ((سألت أبي عن أزهر بن راشد؟ فقال: هو مجهول)).
ولم يحقق الحافظ ابن حجر، واشتبه عليه الكلام فى الترجمتين، فقال فى ترجمة ((الكاهلى)) -
بعد ترجمة ((البصرى)) -: ((أخشى أن يكونا واحداً! لكن فرق بينهما ابن معين)». والفرق بينهما
كالشمس .
والحديث رواه أحمد فى المسند: ١١٩٧٨ (ج ٣ ص ٩٩ حلبى)، عن هشيم ، بهذا الإسناد -.
دون كلام الحسن ، وهو البصرى .

١٤٣
تفسير سورة آل عمران : ١١٨
٧٦٨٦ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم))، أما
((البطانة))، فهم المنافقون .
٧٦٨٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم» الآية ، قال :
لا يستدخل المؤمنُ المنافقَ دون أخيه.(١)
٧٦٨٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:
((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم)) الآية، قال: هؤلاء المنافقون.
وقرأ قوله: ((قد بدت البغضاء من أفواههم)) الآية .
.. .
٠
٠٠/٤
قال أبو جعفر: واختلفوا فى تأويل قوله: ((ودُّوا ما عنِتُّم)).
فقال بعضهم: معناه: ودوا ما ضللتم عن دينكم . (٢)
• ذكر من قال ذلك:
٧٦٨٩ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((ودوا ما عنتم))، يقول : ما ضللتم.
...
ورواه البخارى كذلك فى الكبير ٤٥٥/١/١ - دون كلام الحسن ، عن مسدد، عن هشيم، به .
ثم فسر البخارى بعضه، فقال: ((قال أبو عبد الله [ هو البخارى نفسه]: عربياً، يعنى ((محمد
رسول الله)). يقول: لا تكتبوا مثل خاتم النبي: ((محمد رسول الله)).
ورواه أبو يعلى مطولا - مثل رواية الطبرى أو أطول قليلا - وفيه كلام الحسن . رواه عن إسحق بن
إسرائيل، عن هشيم، بهذا الإسناد. نقله عنه أبن كثير ٢: ٢٢٧، ثم قال: ((هكذا رواه الحافظ
أبو يعلى رحمه الله. وقد رواه النسالى، عن مجاهد بن موسى، عن هشيم، به. ورواه الإمام أحمد، عن
هشيم، بإسناده مثله، من غير ذكر تفسير الحسن البصرى . وهذا التفسير فيه نظر)) - إلى آخر ما قال .
ولم أجده فى سنن النسائي، فلمله فى السنن الكبرى .
وذكره السيوطى ٢: ٦٦، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبى حاتم ، والبيهقى
فى الشعب . ولم ينسبه النسائى ، ولا لتاريخ البخارى.
(١) انظر: ١٤١، تعليق: ٣/ ص: ١٤٢، تعليق: ١.
(٢) انظر تفسير ((العنت)) فيما سلف ص ٤ : ٣٥٨ - ٣٦١.

١٤٤
تفسير سورة آل عمران : ١١٨
وقال آخرون بما : -
٧٦٩٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((ودوا ما عنتم))، يقول : فى دينكم ، يعنى: أنهم يودون أن تعنتُوا
فی دینكم .
٠ ٠
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: ((ودوا ما عنتم))، فجاء بالخبر
عن ((البطانة))، بلفظ الماضى فى محل الحال ، والقطع بعد تمام الخبر، والحالات
لا تكون إلا بصور الأسماء والأفعال المستقبلة دون الماضية منها ؟(١)
قيل: ليس الأمر فى ذلك على ما ظننت من أنّ قوله: ((ودوا ما عنتم))
حال من (( البطانة))، وإنما هو خبر عنهم ثان منقطعٌ عن الأول غير متصل به .
وإنما تأويل الكلام : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة صفتهم كذا ، صفتهم
كذا . فالخبر عن الصفة الثانية غير متصل بالصفة الأولى ، وإن كانتا جميعاً من
صفة شخص واحد
٠
وقد زعم بعض أهل العربية أن قوله: ((ودوا ما عنتم))، من صلة ((البطانة))،
وقد وصلت بقوله: ((لا يألونكم خبالا))، فلا وجه لصلة أخرى بعد تمام ((البطانة))
بصلته . (٢)
ولكن القول فى ذلك كما بينا قبل، من أن قوله: ((ودوا ما عنتم))، خبر مبتدأ
عن ((البطانة))، غير الخبر الأول، وغير حال من البطانة ولا قطع منها. (١)
٠
(١) انظر (القطع) فيما سلف ٦: ٢٧٠، تعليق: ٣، وسائر فهارس المصطلحات.
(٢) انظر تفسير ((الصلة)» فيما سلف ٥: ٢٩٩، تعليق: ٥، وهو نعت النكرة.

١٤٥
تفسير سورة آل عمران : ١١٨
القول فى تأويل قوله ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءِ مِنْ أَفْوَّ هِهِمْ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : قد بدت بغضاء هؤلاء الذين نهيتكم
أيها المؤمنون، أن تتخذوهم بطانة من دونكم لكم = ((من أفواههم))، يعنى: بألسنتهم.
والذى بدا لهم منهم بألسنتهم، (١) إقامتهم على كفرهم، وعداوتهم من خالف ما هم
عليه مقيمونَ من الضلالة . فذلك من أوكد الأسباب فى معاداتهم أهل الإيمان ،
لأن ذلك عداوة على الدين، والعداوة على الدين العداوة التى لا زوال لها إلاّ بانتقال
أحد المتعاديين إلى ملة الآخر منهما ، وذلك انتقال من هدى إلى ضلالة كانت
عند المنتقل إليها ضلالة قبل ذلك . فكان فى إبدائهم ذلك للمؤمنين ، ومقامهم
عليه ، أبينُ الدلالة لأهل الإيمان على ما هم عليه لهم من البغضاء والعدواة .
٠ ٠
وقد قال بعضهم : معنى قوله: ((قد بدت البغضاء من أفواههم)) ، قد بدت
بغضاؤهم لأهل الإيمان ، إلى أوليائهم من المنافقين وأهل الكفر ، بإطلاع بعضهم
بعضاً على ذلك . وزعم قائلو هذه المقالة أنّ الذين عنوا بهذه الآية أهل النفاق،
دون من كان مصرحاً بالكفر من اليهود وأهل الشرك .
ء ذكر من قال ذلك :
٧٦٩١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد عن قتادة قوله :
((قد بدت البغضاء من أفواههم )) ، يقول: قد بدت البغضاء من أفواهُ المنافقين
إلى إخوانهم من الكفار ، من غشهم للإسلام وأهله ، وبغضهم إياهم .
٧٦٩٢ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، الربيع :
((قد بدت البغضاء من أفواههم ))، يقول: من أفواه المنافقين.
٠٠٠
وهذا القول الذى ذكرناه عن قتادة، قول لا معنى له . وذلك أن الله تعالى
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((بأفواههم)، والصواب المطابق لنص هذه الآية، هو ما أثبت.
ج ٧ (١٠)

١٤٦
تفسير سورة آل عمران : ١١٨
ذكره إنما نهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة من قد عرفوه بالغش للإسلام وأهله والبغضاء،
إما بأدلة ظاهرة دالة على أنّ ذلك من صفتهم ، وإما بإظهار الموصوفين بذلك العداوة
والشنآنَ والمناصبة لهم. فأما من لم يُثبتوه معرفة أنه الذى نهاهم اللّه عز وجل عن
مخالّته ومباطنته، (١) فغير جائز أن يكونوا نهوا عن محالته ومصادقته، إلا بعد
تعريفهم إياهم ، إما بأعيانهم وأسمائهم ، وإما بصفات قد عرفوهم بها .
وإذْ كان ذلك كذلك = وكان إبداء المنافقين بألسنتهم ما فى قلوبهم من
بغضاء المؤمنين إلى إخوانهم من الكفار ، غير مدرك به المؤمنون معرفة ما هم عليه
لهم ، مع إظهارهم الإيمانَ بألسنتهم لهم والتودد إليهم= كان بيِّناً أن الذى نهى اللّه
المؤمنين عن اتخاذهم لأنفسهم بطانة دونهم ، هم الذين قد ظهرت لهم بغضاؤهم
بألسنتهم ، على ما وصفهم الله عز وجل به ، فعرفهم المؤمنون بالصفة التى نعتهم
اللّه بها ، وأنهم هم الذين وصفهم تعالى ذكره بأنهم أصحاب النار هم فيها خالدون ،
ممن كان له ذمةٌ وعهدٌ من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه من أهل الكتاب.
لأنهم لو كانوا المنافقين ، لكان الأمر فيهم على ما قد بينا . ولو كانوا الكفار من
قد ناصب المؤمنين الحرب ، لم يكن المؤمنون متخذيهم لأنفسهم بطانة من دون
المؤمنين ، مع اختلاف بلادهم وافتراق أمصارهم، ولكنهم الذين كانوا بين أظهر
المؤمنين من أهل الكتاب أيامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان له من رسول
الله صلى الله عليه وسلم عهد وعقدٌ من يهود بنى إسرائيل .
٤٢/٤
...
و((البغضاء))، مصدر. وقد ذكر أنها فى قراءة عبد الله بن مسعود: ﴿قَدْ بَدَا
البَغْضَاءِ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ على وجه التذكير . وإنما جاز ذلك بالتذكير ولفظه لفظ
المؤنث ، لأن المصادر تأنيثها ليس بالتأنيث اللازم ، فيجوز تذكيرُ ما خرج منها
(١) فى المطبوعة: ((فأما من لم يتشوه معرفة))، ولا معنى له، وفى المخطوطة: ((لم سوء معرفة))
غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت. يقال: ((اثبته معرفة)) أى: عرفه حق المعرفة.

١٤٧
تفسير سورة آل عمران : ١١٨
على لفظ المؤنث وتأنيثه، كما قال عز وجل: ﴿ وَأَخَذَ الَّيْنَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾
[سورة هود: ٦٧]، وكما قال: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بِيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة الأنعام: ١٥٧]،
وفى موضع آخر: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، [سورة هود: ٩٤] ﴿وَجَاءَتْكُمْ
"بِيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة الأعراف: ٧٣، ٨٥].(١)
٠ ٠ ٠
وقال: ((من أفواههم))، وإنما بدا ما بدا من البغضاء بألسنتهم ، لأن المعنى
به الكلام الذى ظهر للمؤمنين منهم من أفواههم، فقال: ((قد بدت البغضاء من
أفواههم )) ، بألسنتهم.
٥
القول فى تأويل قوله ﴿وَمَاَ تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : والذى تخفى صدورهم = يعنى :
صدور هؤلاء الذين نهاهم عن اتخاذهم بطانة ، فتخفيه عنكم ، أيها المؤمنون =
((أكبر))، يقول: أكبر مما قد بدا لكم بألسنتهم من أفواههم من البغضاء وأعظم، كما :-
٧٦٩٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :
(وما تخفي صدورهم أكبر))، يقول : وما تخفى صدورهم أكبر مما قد أبدوا بألسنتهم .
٧٦٩٤ - حدثت عن عمار ، عن ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع
قوله : (( وما تخفى صدورهم أكبر)» ، يقول : ما تكن صدورهم أكبر مما قد أبدوا
بألسنتهم .
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ٢٣١.

١٤٨
تفسير سورة آل عمران : ١١٨، ١١٩
القول فى تأويل قوله ﴿ قَدْ يَّنَا لَكُمُ اْأَيْتِ إِن كُنتُمْ
تَعْقِلُونَ﴾ (١٩)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((قد بينا لكم)) أيها المؤمنون =
((الآيات))، يعنى ب((الآيات)) العبر. قد بينا لكم من أمر هؤلاء اليهود الذين نهينا كم
أن تتخذوهم بطانة من دون المؤمنين. ما تعتبرون وتتعظون به من أمرهم = ((إن كنتم
تعقلون))، يعنى: إن كنتم تعقلون عن اللّه مواعظه وأمره ونهيه، وتعرفون مواقعَ نفع
ذلك منكم ، ومبلغ عائدته عليكم .
القول فى تأويل قوله ﴿هَذَأَ ثُمْ أُوْلَاَءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ
وَتُؤْمِنُونَ بِأَلْكِتَّبِ كَلِّهِ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : ها أنتم ، أيها المؤمنون ، الذين
تحبونهم ، يقول : تحبون هؤلاء الكفار الذين نهيتكم عن اتخاذهم بطانة من دون
المؤمنين، فتودونهم وتواصلونهم وهم لا يحبونكم، بل يبطنون لكم العداوة والغش (١) =
« وتؤمنون بالكتاب کله )) .
ومعنى ((الكتاب)) فى هذا الموضع معنى الجمع، كما يقال: ((كثر الدرهم فى
أيدى الناس )) ، بمعنى الدراهم .
فكذلك قوله: ((وتؤمنون بالكتاب كله))، إنما معناه : بالكتب كلها ،
(١) فى المطبوعة: ((بل ينتظرون))، وفى المخطوطة: ((بل نظرون)) غير منقوطة، وصوابها ما أثبت
كما استغلهره طابع الأميرية .

٤٩
تفسير سورة آل عمران : ١١٩
كتابكم الذى أنزل الله إليكم ، وكتابهم الذى أنزله إليهم ، وغير ذلك من الكتب
التى أنزلها الله على عباده .
يقول تعالى ذكره : فأنتم = إذ كنتم، أيها المؤمنون، تؤمنون بالكتب كلها.
وتعلمون أنّ الذين نهيتكم عن أن تتخذوهم بطانة من دونكم كفار بذلك كله .
بجحودهم ذلك كله من عهود الله إليهم، وتبديلهم ما فيه من أمر الله ونهيه =(١)
أولى بعداوتكم إياهم وبغضاتهم وغشهم، منهم بعداوتكم وبغضائكم ، مع جحودهم.
بعض الكتب وتكذيبهم ببعضها ، كما : -
٧٦٩٥ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال ، حدثى
محمد بن أبى محمد ، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس
((تؤمنون بالكتاب كله)»، أى: بكتابكم وكتابهم وبما مضى من الكتب قبل
ذلك ، وهم يكفرون بكتابكم، فأنتم أحقَ بالبغضاء لهم ، منهم لكم.(٢)
قال أبو جعفر: وقال: ((ها أنتم أولاء)) ولم يقل ((هؤلاء أنتم))، (٣) ففرى
بين ((ها)) و((أولاء)) بكتابة اسم المخاطبين، لأن العرب كذلك تفعل فى ((هذا .
إذا أرادت به التقريب ومذهب النقصان الذى يحتاج إلى تمام الخبر ، (٤) وذلك مثل
(١) سياق هذه العبارة: فأنتم ... أولى بعداوتكم إياهم.
(٢) الأثر: ٧٦٩٥ - سيرة ابن هشام ٢ : ٢٠٧، وهو من تمام الآثار السالفة ؟
آخرها : ٧٦٨٠ .
(٣) فى المخطوطة: ((ولم يقل: هذا أنتم))، والصواب ما فى المطبوعة، فهو حق السيد
(٤) ((التقريب)» من اصطلاح الكوفيين، وقد فسره السيوطى فى همع الهوامع ١: ١١٣ ٠ فقـ
[ذهب الكوفيون إلى أن ((هذا)) و((هذه))، إذا أريد بها التقريب كانا من أخوات (( كان )»
احتياجهما إلى اسم مرفوع وخبر منصوب، نحو: ((كيف أخاف الظلم وهذا الخليفة قادماً ؟
((وكيف أخاف البرد، وهذه الشمس طالعة؟))، وكذلك كل ما كان فيه الاسم الواقع بعد أسماء لا -
لا ثانى له فى الوجود، نحو: ((هذا ابن صياد أى الناس)»، فيعربون ((هذا)) تقريباً، واحرهو
اسم التقريب ، والمنصوب خبر التقريب . لأن المعنى إنما هو عن الخليفة بالقدوم ، وعن الشمس بالطلو
وأتى باسم الإشارة تقريباً القدوم والطلوع. ألا ترى أنك لم تشر إليهما وهما حاضران ؟ وأيضاً، وحده
والشمس معلومان ، فلا يحتاج إلى تبينهما بالإشارة إليهما . وتبين أن المرفوع بعد اسم الإشارة عن .

١٥٠
تفسير سورة آل عمران : ١١٩
أن يقال لبعضهم: ((أين أنت))، فيجيب المقول ذلك له: (( ها أنا ذا))= (١)
فتفرق بين التنبيه و((ذا)) بمكنىّ اسم نفسه، (٢) ولا يكادون يقولون: ((هذا أنا))،
ثم يثنى ويجمع على ذلك. وربما أعادوا حرف التنبيه مع: ((ذا)) فقالوا: ((ها أنا
هذا)». ولا يفعلون ذلك إلا فيما كان تقريباً، (٣) فأما إذا كان على غير التقريب
والنقصان قالوا: ((هذا هو)) ((وهذا أنت)). وكذلك يفعلون مع الأسماء الظاهرة،
يقولون: ((هذا عمرو قائماً))، إن كان ((هذا)) تقريباً. (٤) وإنما فعلوا ذلك فى
المكنى مع التقريب، (٣) تفرقة بين ((هذا)) إذا كان بمعنى الناقص الذى يحتاج إلى
تمام ، وبينه إذا كان بمعنى الاسم الصحيح. (٥)
٤٣/٤
٠٠٠
وقوله: ((تحبونهم)) خَبَرٌ للتقريب.(٦)
. . .
قال أبو جعفر: وفى هذه الآية إبانة من الله عز وجل عن حال الفريقين -
أعنى المؤمنين والكافرين، ورحمة أهل الإيمان ورأفتهم بأهل الخلاف لهم ، وقساوة
قلوب أهل الكفر وغلظتهم على أهل الإيمان ، كما : -
بالمنصوب، لأنك لو أسقطبت الإشارة لم يختل المعنى، كما لو أسقلت ((كان)) من: ((كان زيدقائماً))].
(١) فى المطبوعة: ((فيفرق))، والصواب بالتاء، لأنه يريد ((العرب)). وسياق الكلام: ((لأن
العرب كذلك تفعل ... فتفرق ... )).
(٢) فى المخطوطة: ((بين التنبيه وأولاء)). والذى فى المطبوعة أجود وأمضى على السياق، وهو تغيير
مستحسن . والظاهر أن الخطأ قديم فى نسخ الطبرى، بل لعله من فعل أبى جعفر نفسه ، وكأنه لما نقل
هذا الكلام، وهو كلام الفراء، اختصر أوله فقال: ((لأن العرب كذلك تفعل فى هذا))، واقتصر
عليها، مع أن الفراء ذكر ((هذا، وهذان، وهؤلاء)). هذا مع اشتغال ذهنه بنص الآية نفسها ، فدخل
عليه السهو فيما كتب . هذا ما أرجحه والله ولى التوفيق.
(٣) انظر معنى ((التقريب)) فيما سلف ص: ١٤٩ تعليق: ٤.
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإن كان .. )) بالواو، وإثباتها فساد فى الكلام شديد لأنه يعنى
أنهم ينصبون: ((قائماً))، إن كان ((هذا)) بمعنى التقريب. والجملة الآتية مؤيدة لذلك.
(٥) فى المطبوعة: ((وبينه وبين ما إذا كان بمعنى الاسم الصحيح))، زاد من زاد ((وبين ما))
ظنامنه أن ذلك أقوم فى الدلالة على المعنى من عبارة أبى جعفر التى ثبتها من المخطوطة. وقد أساء غاية الإساءة!
(٦) يعنى بقوله: ((خبر للتقريب))، أى هو فى موضع نصب خبراً التقريب، كما أسلفت بيان
ذلك من كلام السيوطى فى ص ١٤٩ ، تعليق : ٤ .

١٥١
تفسير سورة آل عمران : ١١٩
٧٦٩٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله))، فوالله إن المؤمن
ليحب المنافق ويأوى له ويرحمه . ولو أن المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه،
لأباد خضراءه . (١)
٧٦٩٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال : المؤمن خير للمنافق من المنافق للمؤمن ، يرحمه . ولو يقدر المنافق
من المؤمن على مثل ما يقدر المؤمن عليه منه ، لأباد خضراءه
٠
وكان مجاهد يقول : نزلت هذه الآية فى المنافقين .
٧٦٩٨ - حدثنى بذلك محمد بن عمروقال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد .
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا
عَضُواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بذلك تعالى ذكره : أن هؤلاء الذين نهى الله المؤمنين
أن يتخذوهم بطانة من دونهم ، ووصفهم بصفتهم، إذا لقوا المؤمنين من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطوهم بألسنتهم تقية" حذراً على أنفسهم منهم فقالوا
لهم: ((قد آمنا وصدقنا بما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم))، وإذا هم خلوا
فصاروا فى خلاء حيث لا يراهم المؤمنون، (٢) عضوا - على ما يرون من ائتلاف
(١) أوى له وأوى إليه: رثى له وأشفق عليه ورحمه. ويقال: ((أباد خضراءهم))، أى سواده
ومعظمهم، واستأصلهم. وذلك أن الكثرة المجتمعة، ترى من بعيد سوداء، والعرب تسمى الأخضر، أسود.
(٢) انظر تفسير ((خلا)» فيما سلف ١ : ٢٩٨، ٢٩٩.

١٥٢
تفسير سورة آل عمران : ١١٩
المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم - أناملهم ، وهى أطراف أصابعهم ،
تغيظاً مما بهم من الموجدة عليهم، وأسىّ على ظهرٍ يُسنِدون إليه لمكاشفتهم العداوة
ومناجزتهم المحاربة . (١)
. .
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
٧٦٩٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:
((وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ))، إذا لقوا
المؤمنين قالوا: (( آمنا»، ليس بهم إلاّ مخافة على دمائهم وأموالهم ، فصانعوهم
بذلك =(( وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ))، يقول: مما يجدون فى قلوبهم
من الغيظ والكراهة لما هم عليه. أو يجدون ريحاً لكانوا على المؤمنين، (٢)فهم كما
نعت الله عز وجل .
٧٧٠٠ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع بمثله = إلاّ أنه قال: من الغيظ لكرامتهم الذى هم عليه = ولم يقل: ((لو
يجدون ريحاً))، وما بعده .
٧٧٠١ - حدثنا عباس بن محمد قال ، حدثنا مسلم قال، حدثنى يحيى بن
عمروبن مالك النُّكرى قال ، حدثنا أبى قال : كان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية :
(( وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ)»، قال: هم
الإباضية . (٢)
(١) الظهر: الأعوان والأنصار، كأنهم لمن ينصرونه ظهر.
(٢) الريح: القوة والغلبة، ومنه قول تأبط شراً أو السليك بن السلكة :
أَتَنْظُرَانِ قَلِيلاً رَيْثَ غَفْلَتِهِمْ أَوْ تَعْدُوَانِ، فَإِنَّ الرَّبْحَ العَادِى
(٣) الأثر: ٧٧٠١ - ((عباس بن محمد بن حاتم)) الدورى، روى عنه الأربعة. مترجم

١٥٣
تفسير سورة آل عمران : ١١٩
و ((الأنامل)) جمع ((أنملة)) ويقال ((أنملة))، (١) وربما جمعت ((أنملا))، (٢)
قال الشاعر (٢):
أَوَدُّ كُما ، مَا بَلَّ حَلِىَ رِيقَتِىِ وَمَا خَلَتْ كَفَّىَ أَنْمُلَِ النَشْرَا(٤)
وهی أطراف الأصابع، کما : -
٧٧٠٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة :
((الأنامل))، أطراف الأصابع .
٧٧٠٢ م - حدثت عن عمار، عن ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع بمثله .
٧٧٠٣ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل))، الأصابع .
٧٧٠٤ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن إسرائيل ، عن أبى
فى التهذيب. و((مسلم)) هو ((مسلم بن إبراهيم الأزدى الفراهيدى))، مضت ترجمته برقم: ٢٨٦١. و((يحي بن
عمرو بن مالك الذكرى)). روى عن أبيه، وهو منكر الحديث. و((الذكرى)) بضم النون وتسكين الكاف،
نسبة إلى بنى فكرة بن لكيز من عبد قيس. وأبوه ((عمرو بن مالك النكرى))، ثقة وتكلم فيه البخارى
وضعفه. روى عن أبيه وعن أبى الجوزاء. و((أبو الجوزاء)) هو ((أوس بن عبد الله الربعى من الأزد)» ،
روى عن أبى هريرة وعائشة وابن عباس. كان عايداً فاضلا. واستضعف البخارى إسناده إلى عائشة وابن
مسعود وغيرهما من الصحابة . مترجم فى التهذيب .
و ((الإباضية))، فرقة من الحرورية، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمى، الخارج فى أيام
مروان بن محمد . ومن قولهم : إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين ، ومناكحتهم جائزة ،
وموارثتهم حلال، وغنيمة أموالهم من السلاح والكراع عند الحرب حلال ، وما سواء حرام ، وإن دار
مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد . وقالوا : إن مرتكب الكبيرة موحد ، لا مؤمن .
(١) يعنى بفتح الهمزة وضم الميم، وضم الهمزة والميم جميعاً.
(٢) ((أنمل)) هذا جمع لم تورده كتب اللغة، وإنما ذكروا ((أعملات))، وقالوا إنه أحد ما كسر
وسلم بالتاء، قال ابن سيدة: ((إنما قلت هذا، لأنهم قد يستغنون بالتكسير عن جمع السلامة، ويجمع
السلامة بالتكير، وربما جمع الشىء بالوجهين جميعاً».
(٣) لم أعرف قائله .
(٤) قوله: ((أود كما)) أى: لا أود كما، حذفت: ((لا)) مع القسم. والريقة: الريق. وقوله :
((ما بل حلق ريق ... )) إلى آخر البيت بمعنى التأييد، أي. لا أود كما أبداً ما حييت.

١٥٤
تفسير سورة آل عمران : ١١٩
الأحوص، عن عبد الله قوله: ((عضوا عليكم الأنامل من الغيظ))، قال : عضوا
على أصابعهم . (١)
#
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ
عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) )
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((قل))، يا محمد ، هؤلاء اليهود الذين
وصفت لك صفتهم ، وآخبرتك أنهم إذا لقوا أصحابك قالوا : آمنا ، وإذا خلوا
عضوا عليكم الأنامل من الغيظ =: ((موتوا بغيظكم)) الذى بكم على المؤمنين لاجتماع
كلمتهم وائتلاف جماعتهم.
٤٤/٤
وخرّج هذا الكلام مخرج الأمر ، وهو دعاء من اللّه نبيَّه محمداً صلى الله عليه
وسلم بأن يدعو عليهم بأن يهلكهم الله، كمداً مما بهم من الغيظ على المؤمنين ، قبل
أن يروا فيهم ما يتمنون لهم من العنت فى دينهم ، والضلالة بعد هداهم ، فقال لنبيه
صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: اهلكوا بغيظكم = ((إن الله عليم بذات الصدور))،
(١) عند هذا آخر قسم من التقسيم القديم ، وفى المخطوطة هنا ما نصه:
((يتلوه القولُ فى تأويل قوله: قُلْ مُوتُوا بِغَيظكم إنَّ الله عليمٌ بذات الصُّدُور
وصلى الله على محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيراً))
ثم يتلوه بعد :
( بسم الله الرحمن الرحيم
أخبرنا أبو بكر محمد بن داود بن سليمان، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن جرير)»
ثم انظر ماسلف فى بيان هذا الإسناد الجديد النسخة، فى ٦: ٤٩٥، ٤٩٦ تعليق: ٥/ ٢٣:٧٣، تعليق: ١

١٥٥
تفسير سورة آل عمران ١٢٠،١١٩
يعنى بذلك: إنّ اللّه ذو علم بالذى فى صدور هؤلاءالذين إذا لقوا المؤمنين قالوا:
(( آمنا)»، وما ينطوون لهم عليه من الغيل والغم، ويعتقدون لهم من العداوة والبغضاء،
وبما فى صدور جميع خلقه ، حافظٌ على جميعهم ما هو عليه منطوٍ من خير وشر ،
حتى يجازى جميعهم على ما قدّم من خير وشر ، واعتقد من إيمان وكفر ، وانطوى
عليه لرسوله وللمؤمنين من نصيحة، أو غيِلّ وغمر. (١)
القول فى تأويل قوله ﴿إِن تَسْتَبِئُكُمْ حَنَّةٌ تَهُؤُهُمْ وَإِن
تَصِبُّكُمْ سَبَِّةٌ يَفْرَحُواْ بِهَ وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّ كُمْ كَيْدُهُمْ
شَيْئًا إِنَّاللهَ بِمَ يْتَلُونَ غِطٌ) )
قال أبو جعفر: يعنى بقوله تعالى ذكره: ((إن تمسسكم حسنة تسؤهم))، إن
تنالوا، أيها المؤمنون ، سروراً بظهوركم على عدوكم ، وتتابع الناس فى الدخول فى
دينكم، وتصديق نبيكم ومعاونتكم على أعدائكم = يسؤهم. (٢) وإن تتلكم مساءة
بإخفاق سرية لكم، أو بإصابة عدوّ لكم منكم ، أو اختلاف يكونبين جماعتكم =
يفرحوا بها ، كما : -
٧٧٠٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها» ، فإذا رأوا من
أهل الإسلام ألفتوجماعة وظهوراً على عدوهم ، غاظهم ذلك وساءهم ، وإذا رأوا
من أهل الإسلام فُرقة واختلافاً ، أو أصيب طرف من أطراف المسلمين ، سرِّهم
(١) الغمر (بكسر الفين وسكون الميم)، والغمر (بفتحتين)، الحقد والغل، الذى يغمر القلب
هراً . .
(٢) انظر تغير ((المس)) فيا سلفه × ١١٨.

١٥٦
تفسير سورة آل عمران : ١٢٠.
ذلك وأعجبوا به وابتهجوا به. فهم كلما خرج منهم قَرْنٌ أكذبَ اللّه أحدوثته،
وأوطأ محلّته ، وأبطل حجته ، وأفظهر عورته ، فذاك قضاء الله فيمن مضى منهم
وفيمن بقى إلى يوم القيامة .
٧٧٠٦ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قوله: ((إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها))، قال: هم
المنافقون ، إذ رأوا من أهل الإسلام جماعة وظهوراً على عدوهم، غاظهم ذلك غيظاً
شديداً وساءهم . وإذا رأوا من أهل الإسلام فرقة واختلافاً، أو أصيب طرف من أطراف
المسلمين، سرَّهم ذلك وأعجبوا به. قال الله عز وجل: ((وإن تصبروا وتتقوا
لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط)).
٧٧٠٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج، عن
ابن جريج قوله: ((إن تمسسكم حسنة تسؤهم))، قال: إذا رأوا من المؤمنين جماعة
وألفة ساءهم ذلك ، وإذا رأوا منهم فرقة واختلافاً فرحوا .
وأما قوله: ((وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً))، فإنه يعنى بذلك
جل ثناؤه: وإن تصبروا، أيها المؤمنون، على طاعة الله واتباع أمره فيما أمركم به ،
واجتناب ما نهاكم عنه: من اتخاذ بطانة لأنفسكم من هؤلاء اليهود الذين وصف الله
صفتهم من دون المؤمنين ، وغير ذلك من سائر ما نهاكم= (( وتتقوا)) ربكم، فتخافوا
التقدم بين يديه فيما ألزمكم وأوجب عليكم من حقه وحق رسوله = (( لا يضركم
كيدهم شيئاً))، أى: كيد هؤلاء الذين وصف صفتهم.
ويعنى : ((كيدهم))، غوائلهم التى يبتغونها للمسلمين، ومكرهم بهم، ليصدّ وهم
عن المدى وسبيل الحق

١٥٧
تفسير سورة آل عمران : ١٢٠
قال أبو جعفر: واختلفت القرأة فى قراءة قوله: (( لا يضركم)).
فقرأ ذلك جماعة من أهل الحجاز وبعضُ البصريين (لَا يَفِرْ كُمْ) مخففة
يكسر ((الضاد))، من قول القائل: ((ضارفى فلان فهو يضيرنى ضيراً)). وقد حكى
سماعاً من العرب: (( ما ينفعنى ولا يضورنى))، فلو كانت قرئت على هذه اللغة
لقيل: ﴿لَا يَضُرْكمَ كَيْدُهِشَيْئًا﴾، ولكنى لا أعلم أحداً قرأ به)).(١)
وقرأ ذلك جماعة من أهل المدينة وعامة قرأة أهل الكوفة: ﴿لَا يَضُرُكُمْ
كَيْدُهُمْ شَيْمًا﴾، بضم ((الضاد)) وتشديد ((الراء))، من قول القائل: ، ضرّقى
فلان فهو يضرنى ضراً)) .
وأما الرفع فى قوله: (( لا يضركم ))، فمن وجهين.
أحدهما: على إتباع ((الراء)) فى حركتها = إذْ كان الأصل فيها الجزم، ولم
يمكن جزمها لتشديدها = أقرب حركات الحروف التى قبلها. وذلك حركة((الضاد ))
وهى الضمة، فألحقت بها حركة الراء لقربها منها، كما قالوا: ((مُدُّ يا هذا)).
والوجه الآخر من وجهى الرفع فى ذلك : أن تكون مرفوعة على صحة ، وتكون
(((لا)) بمعنى ((ليس))، وتكون ((الفاء)) التى هى جواب الجزاء، متروكة لعلم
السامع بموضعها .
w
وإذا كان ذلك معناه ، كان تأويل الكلام: وإن تصبروا وتتقوا، فليس يضرّكم
كيدهم شيئاً - ثم تركت ((الفاء)) من قوله: ((لا يضركم كيدهم))، ووجهت
((لا)) إلى معنى ((ليس))، كما قال الشاعر (٢):
فَإِنْ كَانَ لَا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِى إِلَى قَطَرِىٍّ ، لَا إِخَالُكَ رَاضِيَا (٣)
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١: ٢٣٢.
(٢) هو سوار بن المضرب السعدى التميمى.
(٣) نوادر أبى زيد: ٤٥، الكامل ١: ٢٠٠، حماسة ابن الشجرى: ٥٤، ٥٥، معانى

١٥٨ .
تفسير سورة آل عمران : ١٢٠
ولو كانت (الراء)) محركة إلى النصب والخفض، كان جائزاً، كما قيل: ((مُدَّ
بأهذا، ومُدّ)).(١)
وقوله: ((إنّ اللّه بما يعملون محيطٌ))، يقول جل ثناؤه: إن الله بما يعمل هؤلاء
الكفار فى عباده وبلاده من الفساد والصدّ عن سبيله، والعداوة لأهل دينه ، وغير
ذلك من معاصى الله = ((محيط)) بجميعه ، حافظ له ، لا يعزب عنه شيء منه ،
حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله ، ويذيقهم عقوبته عليه . (٢)
القرآن للفراء ١: ٢٣٢، من أبيات ضرب بها وجه الحجاج بن يوسف الثقفى، لما كتب على بنى تميم
البعث إلى قتال الخوارج ، فهرب سوار وقال :
دَرَابَ ، وَأَتْرُكْ عِنْدَ هِنْدٍ فُؤَادِيَا ؟
أَقَاتِلِىَ الحَجَّاجُ أَنْ لَمْ أَزُرْ لَهُ
إِلَى قَطَرِىّ، لَآ إِخالكَ رَاضِيًا !!
فَإِن كُنْتَ لاَ يُرْضِيكَ حَتَّ تَرُدِّنِىِ
فَبِأَسْتِ أبى الحَجَّاجِ كَمَّا ثَنَانِياً
إِذَا جَاوَزَتْ دَرْبَ الْمُجِيزِينَ نَفَتِى
وَدُونِ تَمِيمٌ، والفَلَاةُ وَرَائِهَا !!
أَيَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِى وطَاعَتِى،
وقوله: ((دراب)) يعنى : دراب جرد ، وهى بلدة فى بلاد فارس ، وكان المهلب يومئذ يقاتل بها
الخوارج ورأسهم قطرى بن الفجاءة . ثم يقول له فى البيت الثانى: إن كان لا يرضبيك إلا ردى إلى
قتال قطرى ، فلا أظنك تبلغ رضاك ، فإنك غير مدركى ، ولن تنالى يدك . يسخر بسطوة الحجاج .
وقوله: ((درب المجيزين)) هم المقيمون على أبواب المدن والثغور. يمنعون الخارج والداخل ، إلا من كان
بيده جواز مععلى من أميره . يقول: إذا جاوزت الدرب فيا بعد يديك عن أن تنالنى وتثنينى عن وجهتى !
والشاهد عند الطبرى هو فى قوله: ((لا إخالك راضياً))، أى: فلست إخالك راضياً.
(١) الذى سلف هو مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٢٣٢.
(٢) انظر تفسير ((الإحاطة)» فيما سلف ٢: ٥/٢٨٤ : ٣٩٦.

١٥٩
تفسير سورة آل عمران : ١٢١
القول فى تأويل قوله ( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوْىُّ الْمُؤْمِنِينَ
مَقَّمِدَ لِلْقَلِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمْ ) (١٧)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين))،
وإن تصبروا وتتقوا لا يضرُّكم، أيها المؤمنون، كيد هؤلاء الكفار من اليهود شيئاً ،
ولكن الله ينصرُكم عليهم إن صبرتم على طاعتى واتباع أمر رسولى ، كما نصرتكم
بيدر وأنتم أذلة . وإن أنتم خالفتم، أيها المؤمنون ، أمرى ولم تصبروا على ما كلفتكم
من فرائضى ، ولم تتقوا ما نهيتكم عنه وخالفتم أمرى وأمر رسولى ، فإنه نازل بكم
ما نزل بكم بأحُد. واذكروا ذلك اليوم ، إذ غدا نبيكم يبوئ المؤمنين .
=فترك ذكر الخبر عن أمر القوم إن لم يصبروا على أمر ربهم ولم يتقوه، اكتفاء
بدلالة ما ظهر من الكلام على معناه ، إذ ذكر ما هو فاعل بهم من صرف كيد
أعدائهم عنهم إن صبروا على أمره واتقوا محارمه، وتعقيبه ذلك بتذكيرهم ما حلّ
بهم من البلاء بأحمد ، إذ خالف بعضهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنازعوا
الرآی بينهم .
= وأخرج الخطاب فى قوله: ((وإذ غدوت من أهلك)»، على وجه الخطاب
لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بمعناه: الذين نهاهم أن يتخذوا الكفار من
اليهود بطانة من دون المؤمنين. فقد بيَّن إذاً أن قوله: ((وإذ))، إنما جرَّما فى معنى
الكلام على ما قد بينت وأوضحت .
٠
٥
وقد اختلف أهل التأويل فى اليوم الذى عنى الله عز وجل بقوله: ((وإذ
غدوت من أهلك تبوّئُ المؤمنين مقاعد للقتال)).
فقال بعضهم : عنى بذلك يوم أحد .
• ذكر من قال ذلك :

١٦٠
تفسير سورة آل عمران: ١٢١.
٧٧٠٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين
مقاعد للقتال))، قال: مشى النبى صلى اللّه عليه وسلم يومئذ على رجليه يبوئ
المؤمنين .
٧٧٠٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال)) ، ذلك يوم أحد ،
غدا نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أهله إلى أحد يبوى المؤمنين مقاعد للقتال.
٧٧١٠ - حدثت عن عمار ، عن ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله:
((وإذ غدوت من أهلك تيوئ المؤمنين مقاعد للقتال))، فغدا النبى صلى الله عليه
وسلم من أهله إلى أحد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال .
٧٧١١ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((وإذ غدوت من أهلك تبوى المؤمنين
مقاعد للقتال )) ، فهو يوم أحد .
٧٧١٢ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين))، قال : هذا
يوم أحد .
٧٧١٣ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق : مما نزل فى
يوم أحد: ((وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين)). (١)
وقال آخرون : عنى بذلك يوم الأحزاب .
«ذكر من قال ذلك :
٧٧١٤ - حدثنى محمد بن سنان القزاز قال، حدثنا أبو بكر الحنفى قال ،
(١) الأثر : ٧٧١٣ - مختصر من سيرة ابن هشام ٣ : ١١٢.