Indexed OCR Text
Pages 501-520
٠٠١ تفسير سورة آل عمران : ٦٩ = ((وما يضلون إلا أنفسهم))، وما يهلكون - بما يفعلون من محاولتهم صدّكم عن دينكم - أحداً غير أنفسهم، يعنى بـ ((أنفسهم)): أتباعهم وأشياعَهم على مدَّتِهِم وأديانهم، وإنما أهلكوا أنفسهم وأتباعهم بما حاولوا من ذلك، لاستيجابهم من اللّه بفعلهم ذلك سخَطه، واستحقاقهم به غضَبَه ولعنته، لكفرهم باللّه ، ونقضهم الميثاقَ الذى أخذ اللّه عليهم فى كتابهم ، فى اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه ، والإقرار بنبوته . ثم أخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم يفعلون ما يفعلون، من محاولة صدّ المؤمنين عن الهدى إلى الضلالة والردى، على جهل منهم بما اللّهُ بهم محلٌّ من عقوبته ، فَ كَانَ بَيْنَ الخَيْرِ، لَوْ جَاءَ سَالِمًاً أَبُو حُجُرٍ، إِلَّا لَيَالٍ قَلَائِلُ فَإِنْ تَخْىَ لاأَمْلَلْ حَيَاتِى، وَإِنْ تَمُتْ ◌َمَا فِى حَيَةٍ بَعْدَ مَوْتِكَ طائِلِ فَآَبَ مُضِلُّوهُ ورواية الأصمعى وأبى عبيدة: ((فآب مصلوه)) بالصاد المهملة. وفسرها الأصمعى فقال: ((أراد: قدم أول قادم بخبر موته ، ولم يتبينوه ولم يحققوه ولم يصدقوه ، ثم جاء المصلون ، وهم الذين جاءوا بعد الخبر الأول ، وقد جاءوا على أثره ، وأخبروا بما أخبر به ، بعين جلية : أى بخبر متواتر صادق يؤكد موته، ويصدق الخبر الأول. وإنما أخذه من السابق والمصلى (من الخيل))) وقال أبو عبيدة: ((مصلوه : يعنى أصحاب الصلاة، وهم الرهبان وأهل الدين منهم». والذى قاله الأصمعى غريب جداً، وأنا أرفضه لبعده وشدة غرابته ، واحتياله الذى لا يغنى ، ولو قال: ((مصلوه)»، هم مشيعوه الذين سوف يتبعون آثاره عما قليل إلى الغاية التى انتهى إليها ، وهى الحد - لكان أجود وأعرق فى العربية !! ولكن هكذا تذهب المذاهب أحياناً بأئمة العلم. والذى قال أبو عبيدة ، على ضعفه ، أجود مما قاله الأصمعى ، وأنا أختار الرواية التى رواها الطبرى ، ولها تفسيران : أحدهما الذى قاله الطبرى ، وهو يقتضى أن يكون النعمان مات مقتولا ، ولم أجد خبراً يؤيد ذلك ، فإنه غير ممكن أن يكون تفسيره ((مهلكوه))، إلا على هذا المعنى. والآخر: ((مضلوه)) أى: دافنوه الذى أضلوه فى الأرض: أى دفنوه وغيبوه، وهو المشهور فى كلامهم ، كقول المخبل : أَضَّلَّتْ بَنُوقِيْرٍ بن سَعْدٍ عَمِدَهَا وَفَرِسَها فى الدَّهْرِ فَيْسَ بنَ عامِمٍ فمعنى قول النابغة : كذب الناس خبر موت النعمان أول ماجاء ، فلما جاء دافنوه بخبر ما عاينوه ، صدقوا الخبر الأول. هذا أجود ما يقال فى معنى البيت. و((الجولان)) جبل فى نواحى دمشق، من عمل حوران . وتبين من شعر النابغة أنه كانت به منازل النعمان وقصوره ودوره . ٥٠٢ تفسير سورة آل عمران : ٦٩، ٧٠ ومدَّخير لهم من أليم عذابه ، فقال تعالى ذكره: (( وما يشعرون)» أنهم لا يضلون إلاّ أنفسهم، بمحاولتهم إضلالكم أيها المؤمنون. ٠ ٠ ومعنى قوله: (( وما يشعرون))، وما يدرون ولا يعلمون. ٠٠٠ وقد بينا تأويل ذلك بشواهده فى غير هذا الموضع، فأغنى ذلك عن إعادته .(١) القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿يَأَهْلَ الْكِتَّبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بََّيْتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ) ) قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((يا أهل الكتاب ))، من اليهود والنصارى = ((لم تكفرون))، يقول: لم تجحدون = ((بآيات الله))، يعنى: بما فى كتاب الله الذى أنزله إليكم على ألسن أنبيائكم، من آيه وأدلته = ((وأنتم تشهدون)) أنه حق من عند ربكم . وإنما هذا من الله عز وجل ، توبيخٌ لأهل الكتابين على كفرهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وجحودهم نبوته، وهم يجدونہ فی کتبهم، مع شهادتهم أن ما فی کتبهم حقّ ، وأنه من عند الله، كما : - ٧٢١٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون))، يقول : تشهدون (١) انظر تفسير (شعر)) فيما سلف ١ : ٢٧٧، ٢٧٨. ٥٠٣ تفسير سورة آل عمران : ٧٠، ٧١ أن تعتَ محمد نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم فى التوراة والإنجيل: ((النبى الأمىّ الذى يؤمن بالله وكلماته » . ٧٢٢٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ((يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون))، يقول : تشهدون أن نعتَ محمد فى كتابكم ، ثم تكفرون به ولا تؤمنون به ، وأنتم تجدونه عندكم فى التوراة والإنجيل: ((النبىّ الأمىّ)). ٧٢٢١ - حدثنى محمد قال، حدثنا أحمد قال، حدثنا أسباط، عن السدى: ((يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون))، ((آيات الله)) محمد ، وأما (( تشهدون))، فيشهدون أنه الحق، يجدونه مكتوباً عندهم. ٧٢٢٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قوله: ((يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم نشهدون)) أنّ الدين عند الله الإسلام، ليس لله دين غيره. (١) القول فى تأويل قوله ﴿يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِأَلْبَطِلِ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: يا أهل التوراة والإنجيل = ((لم تلبسون))، يقول: لم تخلطون = ((الحق بالباطل)). ٠ ٥ ٥ (١) الأثر: ٧٢٢٢ - أسقطت المطبوعة والمخطوطة: ((حدثنا القاسم قال))، فأثبتها، وهو إستاد دائر فى التفسير من أوله ، أقر به رقم: ٧٢٠٠، وسيأتى بعد قليل على الصواب ، رقم : ٧٢٢٦. ٥٠٤ تفسير سورة آل عمران : ٧١ وكان خلطهم الحق بالباطل، إظهارهم بألسنتهم من التصديق بمحمد صلى الله الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله، غير الذى فى قلوبهم من اليهودية والنصرانية. كما : - ٧٢٢٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن محمد بن أبى محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال : قال عبد الله ابن الصيُّف، وعدى بن زيد، والحارث بن عوف ، بعضهم لبعض : تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غُدْوةٌ ونكفُر به عشيةً، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنعُ فيرجعوا عن دينهم ! فأنزل الله عز وجل فيهم : ((يا أهل الكتاب لم تلبسون الحقّ بالباطل)) إلى قوله: ((والله واسع عليم)).(١) ٧٢٢٤ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل))، يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أنّ دين الله الذى لا يقبل غيره، الإسلام، ولا يجزى إلاّ به؟ ٧٢٢٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بمثله = إلا أنه قال: الذى لا يقبل من أحد غيره، الإسلامُ = ولم يقل: ((ولا يجزى إلاّ به)). (٢) ٧٢٢٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قوله: (( يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل))، الإسلامَ باليهودية والنصرانية . ٠ ٠ ٥ وقال آخرون : فى ذلك ، بما : - (١) الأثر: ٧٢٢٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٠٢، وهو تابع الأثر السالف رقم: ٧٢٠٢. (٢) فى المطبوعة: ((ولم يقبل ولا يجازى إلا به))، قرأها الناشر كذلك لفساد خط الناسخ فى كتابته، وصواب قراءتها ما أثبت، وفى المخطوطة ((لا يجزى الآية))، وهو تصحيف قبيح. ٥٠٥ تفسير سورة آل عمران : ٧١ ٧٢٢٧ - حدثنى به يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قول الله عز وجل: ((لم تلبسون الحق بالباطل))، قال: ((الحقّ)) التوراة التى أنزل اللّه على موسى، و(( الباطل))، الذى كتبوه بأيديهم . قال أبو جعفر: وقد بينا معنى ((اللبس)) فيما مضى، بما أغنى عن إعادته.(١) # ... القول فى تأويل قوله ﴿وَتَكُْونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ( ٧١ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ولم تكتمون، يا أهل الكتاب، الحقّ؟ (٢) .. . و(( الحق)) الذى كتموه: ما فى كتُبهم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه ونبوته، كما : - ٧٢٢٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((وتكتمون الحق وأنتم تعلمون)) ، كتموا شأنَ محمد ، وهم يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر . ٧٢٢٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع قوله: ((وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ))، يقول: يكتمون شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة والإنجيل: ٢٢١/٣ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر . ٧٢٣٠ - حدثنى القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن (١) انظر ما سلف ١ : ٥٦٧، ٥٦٨ . (٢) انظر تفسير نظيرة هذه الآية والتى قبلها فيما سلف ١: ٥٦٦ - ٥٧٢، والآثار التى رواها هنا قد رويت هناك فى مواضعها . ٠٠٦ تفسير سورة آل عمران : ٧١، ٧٢ ابن جريج: ((تكتمون الحق))، الإسلام، وأمر محمد صلى الله علية وسلم = ((وأنتم تعملون)) أنّ محمداً رسولُ اللّه، وأنّ الدين الإسلامُ. ... وأما قوله: ((وأنتم تعلمون))، فإنه يعنى به : وأنتم تعلمون أنّ الذى تكتمونه من الحق حقّ ، وأنه من عند الله . # وهذا القول من الله عز وجل، خبرٌ عن تعمّد أهل الكتاب الكفرّ به ، وكتمانِهم ما قد علموا من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وَوَجدوه فى كتبهم ، وجاءتهم به أنبياؤهم . القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿ وَقَلَتْ طَّائِقَةٌ مِّنْ أَهْلِ اُلْكِتْبِ،َامِنُواْبِالَّذِىّ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ، امَنُوا وَجْهَ النَّارِ وَأَكْفُرُوّاً اخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون)) قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى صفة المعنى الذى أمرت به هذه الطائفة منْ أمرت به : من الإيمان وجه النهار، وكفرٍ آخره. (١) فقال بعضهم : كان ذلك أمراً منهم إياهم بتصديق النبى صلى الله عليه وسلم فى نبوته وما جاء به من عند الله، وأنه حق، فى الظاهر = (٢) من غير تصديقه فى ذلك بالعزم واعتقاد القلوب على ذلك = وبالكفر به وجحود ذلك كله فى آخره . · ذكر من قال ذلك : (١) فى المطبوعة: ((والكفر آخره))، غير ما فى المخطوطة، وهو صواب متمكن. (٢) سياق قوله: ((بتصديق النبى ... فى الظاهر)). ٥٠٧ تفسير سورة آل عمران : ٧٢ ٧٢٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله : (( آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره)»، فقال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضى بدينهم أوّل النهار ، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدّقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون ، وهو أجدَرُ أن یرجعوا عن دینهم . ٧٢٣٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا معلى بن أسد قال ، حدثنا خالد ، عن حصين، عن أبى مالك فى قوله: ((آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وا كفروا آخره))، قال: قالت اليهود: آمنوا معهم أوّل النهار ، واكفروا آخره ، لعلهم يرجعون معكم . ٧٢٣٣ - حدثنا محمد بن الحسین قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط ، عن السدى: (( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون))، كان أحبارُ قُرَى عربيةَ اثنى عشر حبراً ، (١) فقالوا لبعضهم: ادخلوا فى دين محد أول النهار، وقولوا: ((نشهد أن محمداً حقّ صادقٌ))، فإذا كان آخر النهار فاكفروا وقولوا: ((إنا رجعنا إلى علمائنا وأحبارنا فسألناهم، فحدَّثونا أن محمداً كاذب ، وأنكم لستم على شىء، وقد رجعنا إلى ديننا فهو أعجب إلينا من دينكم))، لعلهم يشكّون ، يقولون: هؤلاء كانوا معنا أوّل النهار، فما بالهم ؟ فأخبر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك . ٧٢٣٤ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن حصين ، عن أبى مالك الغفارى قال : قالت اليهود بعضهم لبعض : أسليموا أول النهار وارتدُّوا آخره لعلهم يرجعون. فأطلع الله على سرّهم، فأنزل الله عز وجل: (١) فى المطبوعة: ((قرى عرينة)»، وهى قراءة فاسدة المخطوطة، إذ كانت غير منقوطة وجاءت على الصواب فى الدر المنثور ٢ : ٤٢. وانظر معجم ما استعجم : ٩٢٩، فهو اسم مكان. ٥٠٨ تفسير سورة آل عمران : ٧٢ (( وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون )) . . .. وقال آخرون: بل الذى أمرَت به من الإيمان : الصلاةُ ، وحضورها معهم أول النهار، وتركُ ذلك آخره . ٢٢٢/٣ · ذكر من قال ذلك : ٧٢٣٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنى أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار))، يهودُ تقوله. صلَّت مع محمد صلاة الصبح، وكفروا آخر النهار، مكراً منهم ، ليُرُوا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالةُ ، بعد أن كانوا اتَّبعوه . ٧٢٣٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد بمثله . ٧٢٣٧ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أبی قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار))، الآية، وذلك أنّ طائفة من اليهود قالوا : إذا لقيتم أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم أوّل النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلوا صلاتكم، لعلهم يقولون : هؤلاء أهلُ الكتاب ، وهم أعلم منا ! لعلهم ينقلبون عن دينهم، ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم. ٠ قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذاً: ((وقالت طائفة من أهل الكتاب))، يعنى: من اليهود الذين يقرأون التوراة = ((آمنوا)) صدّقوا = ((بالذى أنزل على الذين آمنوا))، وذلك ما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين الحق" وشرائعه وسننه= ( وجه الهار ))، یعنی : أوّل النهار . ٥٠٩ تفسير سورة آل عمران : ٧٢ وسَّى أوّله ((وجهاً)) له، لأنه أحسنه، وأوّلُ ما يواجه الناظر فيراه منه، کما یقال لأول الثوب: ( وجهه )) ، و کما قال ربيع بن زياد : فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارٍ (١). (١) مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ ٠ # وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ٧٢٣٨ - حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : (( وجه النهار))، أوّلَ النهار . ٧٢٣٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((وجه النهار))، أول النهار = ((واكفروا آخره))، يقول : آخر النهار . ٧٢٤٠ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: ((آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا (١) مجاز القرآن ١: ٩٧، حماسة أبى تمام ٣: ٢٦. والأغانى ١٦ : ٢٧، والخزانة ٣ : ٥٣٨، واللسان (وجه) وغيرها، م أبيانه التى قالها حين قتل حميمه مالك بن زهير، وحمى لقتله ، واستعد لطلب ثاره ، وبعد البيت ، وهو من تمامه . يَبْكِينَ قَبْلَ تَبَلُّج الأسْحَرِ يَجَدِ النِّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ فَالْيَوْمَ حِينَ بَرَزْنَ للنظّارِ قَدَّ كُنَّ يَخْبَأْنَ الوُجُوهَ تَسَتُّرًا سَهْلِ الخليقةِ طَيِّبِ الأخبارِ يَخْمِشِنَ حُرَّاتِ الوُجُوهِ عَلَى أَمْرِئٍ قالوا فى معنى البيت الشاهد: ((يقول: من كان مسروراً بمقتل مالك، فلا يشمتن به ، فإنا قد أدر كنا ثأره به . وذلك أن العرب كانت تندب قتلاها بعد إدراك الثأر)). ومعنى البيت عندى شبيه بذلك ، إلا أن قوله: ((فليأت نسوتنا بوجه نهار))، أراد به أنه مدرك ثأره من فوره، فمن شاء أن يعرف برهان ذلك، فليأت ليشهد المأتم قدقام يبكيه فى صبيحة مقتله. يذكر تعجيله فى إدراك الثأر، كأنه قد كان . وتأويل ذلك أنه قال هذه الأبيات لامرأته قبل مخرجه إلى قتال الذين قتلوا مالكاً ، فقال لامرأته ذلك ، يعلمها أنه مجد فى طلب الثأر ، وأنه لن يمرض فى طلبه ، بل هو مدركه من فوره هذا ٥١٠ تفسير سورة آل عمران : ٧٢ آخره )»، قال قال: صلوا معهم الصبح، ولا تصلّوا معهم آخرَ النهار ، لعلكم تستزلُّونهم بذلك . وأما قوله: (( واكفروا آخره))، فإنه يعنى به، أنهم قالوا: واجحدوا ما صدَّقَتم به من دينهم فى وَجه النهار، فى آخر النهار = ((لعلهم يرجعون)» : يعنى بذلك : لعلهم يرجعون عن دينهم معكم ويدعونه: كما : - ٧٢٤١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (( لعلهم يرجعون))، يقول: لعلهم يدّعون دينهم ، ويرجعون إلى الذى أنتم عليه . ٧٢٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع مثله . ٧٢٤٣ - حدثنا محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((لعلهم يرجعون))، لعلهم ينقلبون عن دينهم . ٧٢٤٤ - حدثنى محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((لعلهم يرجعون))، لعلهم يشكّون . i ٧٢٤٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: (( لعلهم يرجعون )) ، قال : يرجعون عن دينهم . ٢٢٣/٣ ٥١١ تفسير سورة آل عمران : ٧٣ القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلَّ لِمَنْ تَبِعَ دِيَنَكُمْ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه : ولا تصدقوا إلا من تبع دينكم فكان بهوديًّا . ٥ وهذا خبر من اللّه عن قول الطائفة الذين قالوا لإخوانهم من اليهود: ((آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار )). ٠ ٠ و ((اللام)) التى فى قوله: ((لمن تبع دينكم))، نظيرة ((اللام)) التى فى قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾، بمعنى: ردفكم، ﴿بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [ سورة النمل : ٧٢ ]. وبنحو ما قلنا فى تأويل ذلك قال أهل التأويل . . ذكر من قال ذلك : ٧٢٤٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ((ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم))، هذا قول بعضهم لبعض . ٧٢٤٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله . ٧٢٤٧م - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم)) قال: لا تؤمنوا إلاّ لمن تبع اليهودية . ٧٢٤٨ -حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن يزيد فى قوله : ٥١٢ تفسير سورة آل عمران : ٧٣ ((ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم))، قال: لا تؤمنوا إلا لمن آمن بدينكم، وَمَنْ خالفه فلا تؤمنوا له . (١) القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَىُّ هُدى أَن يُؤْنَىّ أَحَدٌ مَّثْلَ مَآ أَوْ تِبْتُمْ أَوْ يُحَجُوكُمْ عِندَ رَبَّكُمْ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم: قوله: ((قل إنّ الهدى هدى اللّه))، اعتراض" به فى وسط الكلام، (٢) خبرًا من اللّه عن أن البيان بيانُه والهدىُ هداه. قالوا: وسائرُ الكلام بعدَ ذلك متصلٌ بالكلام الأول، خبراً عن قبيل اليهود بعضها لبعض. (٣) فمعنى الكلام عندهم: ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم ، ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم، أو أنْ يحاجُوكم عند ربكم = أى: ولا تؤمنوا أن يحاجتكم أحدٌ عند ربكم. ثم قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل، يا محمد: ((إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء))، و ((إن الهدى هدى الله)). (( ذكر من قال ذلك : ٧٢٤٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم )) ، حسداً من يهود أن تكون النبوة فى غيرهم، وإرادةَ أن يُتَّبعوا على دينهم. (١) فى المطبوعة: ((لا من خالفه فلا تؤمنوا به)) بزيادة ((لا)) وفى المخطوطة: ((من خالفه فلا تؤمنوا به))، والصواب زيادة الواو كما أثبت، والصواب أيضاً ((تؤمنوا له))، وذلك تصحيف من الناسخ. (٢) فى المطبوعة: ((اعترض به فى وسط الكلام، خبر من الله ... )) والصواب ما فى المخطوطة كما أثبته . (٣) فى المطبوعة هنا أيضاً: ((خبر عن قيل اليهود)) برفع الخبر، والصواب من المخطوطة. ٥١٣ تفسير سورة آل عمران : ٧٣ ٧٢٥٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله . ٠٠ وقال آخرون: تأويل ذلك: قل يا محمد: ((إن الهدى هدى اللّه))، إنّ البيان بيانُ اللّه = ((أن يؤتى أحدٌ))، قالوا: ومعناه: لا يؤقى أحدٌ من الأمم مثل ما أوتيتم، كما قال: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [ سورة النساء: ١٧٩]، بمعنى: لا تضلون، وكقوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِى قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [سورة الشعراء: ٢٠٠، ٢٠١]، بمعنى: أن لا يؤمنوا = ((مثل ما أوتيتم))، يقول: مثل ما أوتيتَ: أنت يا محمد، وأمتك من الإسلام والهدى = ((أو يحاجوكم عند ربكم))، قالوا: ومعنى ((أو)): ((إلا))، أىْ: إلا أن ((يحاجوكم))، يعنى: إلاّ أن يجادلوكم عند ربكم عندما فعل بهم ربكم.(١) • ذكر من قال ذلك : ٧٢٥١ - حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى : قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: ((قل إنّ الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم)»، يقول، مثل ما أوتيتم يا أمة محمد =((أو يحاجوكم عند ربكم))، تقول اليهود: فعل الله بنا كذا وكذا من الكرامة، حتى أنزل علينا المن والسلوى = فإن الذى أعطيتكم أفضلُ فقولوا: ((إن الفضْل بيد الله يؤتيه من يشاء))، الآية . ٢٢٤/٣ # فعلى هذا التأويل، جميع هذا الكلام، [ أمرٌ ] من اللّه نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود، (٢) وهو متلاصق بعضه ببعض لا اعتراض فيه. و((الهدى)) (١) انظر تفصيل هذه المقالة فى معانى القرآن للفراء ١: ٢٢٢ - ٢٢٣. (٢) فى المطبوعة: ((جميع هذا الكلام من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم))، وفى المخطوطة ((جميع هذا الكلام من الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم))، ولما رأى الناشر عبارة لا تستقيم، اجتهد فى ج ٦ ( ٣٣) ٥١٤ تفسير سورة آل عمران : ٧٣ الثانى ردّ على ((الهدى)) الأول، و((أن)) فى موضع رفع على أنه خبر عن ((الهدى)). وقال آخرون : بل هذا أمر من اللّه نبيَّه أن يقوله لليهود. (١) وقالوا: تأويله : ((قل))يا محمد ((إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد)) من الناس ((مثل ما أوتيتم))، يقول : مثل الذى أوتيتموه أنتُم يا معشر اليهود من كتاب الله، ومثل نبيكم ، فلا نحسدوا المؤمنين على ما أعطيتهم مثل الذى أعطيتكم من فضلى ، فإن الفضل بیدی أوتيه من أشاء . ذكر من قال ذلك : ٧٢٥٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم))، يقول: لما أنزل الله كتاباً مثلَ كتابكم، وبعثَ نبيًّا مثل نبيكم، حسدتموهم على ذلك = ((قلْ إنّ الفضلَ بيد الله))، الآية. ٧٢٥٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله . وقال آخرون: بل تأويل ذلك: ((قل)) يا محمد: (( إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم)) أنتم يا معشر اليهود من كتاب الله. قالوا: وهذا آخر القول الذى أمرَ الله به نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقوله لليهود من هذه الآية. قالوا: وقوله: ((أو يحاجوكم))، مردود على قوله: ((ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم)). وتأويل الكلام - على قول أهل هذه المقالة : ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم، فتركوا الحقَّ: أنّ يحاجُوكم به عند ربكم من اتبعتم دينه فاخترتموه: أنه محقٍّ، وأنكم تجدون نعته فى كتابكم. فيكون حينئذ قوله: (( أو يحاجوكم)) مردوداً على إصلاحها، والصواب القريب زيادة ما زدته بين القوسين، سقط من الناسخ ((أمر)) لقرب رسمها مما بعدها وهو: ((من)) . وقد استظهرته مما سيأتى فى أول الفقرة التالية . (١) فى المطبوعة: ((أمر من الله لنبيه))، زاد لاماً لا ضرورة لها. وانظر التعليق السالف. ٥١٥ تفسير سورة آل عمران : ٧٣ على جواب نهى متروك ، على قول هؤلاء . • ذكر من قال ذلك : ٧٢٥٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قوله: ((إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم)»، يقول : هذا الأمر الذى أنتم عليه: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم = ((أو يحاجوكم عند ربكم))، قال قال بعضهم لبعض: لا تخبروهم بما بيَّن اللّه لكم فى كتابه، ليحاجُّوكم = قال: ليخاصموكم = به عند ربكم = ((قل إن الهدى هدى الله)). * [ قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يكون قوله: ((قل إن الهدى هدى الله))] = معترضاً به، (١) وسائر الكلام متَّسِقٌ على سياقٍ واحد. فيكون تأويله حينئذ : ولا تؤمنوا إلاّ لمن تبع دينكم، (٢) ولا تؤمنوا أن يؤتى أحدٌ" مثل ما أوتيتم = بمعنى : لا يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم = (٣) ((أو يحاجوكم عند ربكم))، (٤) أحد بإيمانكم ، بمعنى : أو أن يحاجوكم عند ربكم (١) الزيادة التى بين القوسين لا بد منها كما سترى فى التعليق ص ٥١٦، تعليق: ٣. وكان فى المطبوعة ((قل إن الهدى هدى الله، معترض به))، وهو لا يستقيم، وفى المخطوطة مثله إلا أنه كتب (( معترضاً به)) بالنصب. والظاهر أن الناسخ لما بلغ ((قل إن الهدى هدى اللّه)) فى الأثر السالف تخطى بصره إلى نظيرتها فى كلام الطبرى، فكتب بعده: (( معترضاً به)) وأسقط ما بينهما كما سيتبين لك فيما بعد . (٢) فى المطبوعة: ((اتبع دينكم))، والصواب من المخطوطة. (٣) فى المطبوعة: ((بمثل ما أوتيتم))، زاد ((باء))، والصواب من المخطوطة. (٤) موضع هذه النقط سقط، لا أشك فيه. وكان فى المطبوعة: ((أو أن يحاجكم عند ربكم أحد بإيمانكم))، وهو غير مستقيم، وكان فى المخطوطة: ((أو أن يحاجوكم عند ربكم أحد بإيمانكم))، وهو كلام مختل ، حمل ناشر المطبوعة الأولى على تغييره ، كما رأيت . وظاهر أنه سقط من هذا الموضع ، سياق أبى جعفر لهذا التأويل الذى اختاره، ورد فيه قوله تعالى: ((قل إن الهدى هدى الله))، إلى موضعها بعد قوله: ((أو يحاجوكم به عند ربكم))، كما هو بين من كلامه. وأنا أظن أن قوله: ((أحد بابما علم)) وهكذا كتبت فى المخطوطة غير منقوطة، صوابها ((حسدا لما آتاكم))، كما يستظهر من الآثار السالفة . هذا، وإن شئت أن تجعل الكلام جارياً كله مجرى واحداً على هذا: ((أو أن يحاجوكم عند ربكم ، حسداً لما آتاكم، لأنكم أكرم على الله منهم ... ))، كان وجهاً، غير أنى لست أرتضيه، بل أرجح أن ههنا سقطاً لا شك فيه . ٥١٦ تفسير سورة آل عمران : ٧٣ لأنكم أكرمُ على اللّه بما فضلكم به عليهم . فيكون الكلام كله خبراً عن قول الطائفة التى قال الله عز وجل: ((وقالت ٢٢٥/٣ طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذى أنزل على الذين آمنوا وجه النهار)» سوى قوله : ((قُل إن الهدى هدى الله)). ثم يكون الكلام مبتدأ بتكذيبهم فى قوله: ((قل))، يا محمد، القائلين ما قولوا من الطائفة التى وصفتُ لك قولها لتُبَّاعها من اليهود =(١): ((إن الهدى هدى الله))، إن التوفيق توفيقُ اللّه والبيانَ بيانُه، (٢) ((إن الفضل بيده يؤتيه من يشاء))، لا ما تمنيتموه أنتم يا معشر اليهود . وإنما اخترنا ذلك من سائر الأقوال التي ذكرناها، (٣) لأنه أصحها معنّى، وأحسنُها استقامةً، على معنى كلام العرب، وأشدُّها اتساقاً على نظم الكلام وسياقه . وما عدا ذلك من القول، فانتزاع يبعُد من الصحة ، على استكراه شديد للكلام . ٥ القول فى تأويل قوله ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْثِهِ مَن يَشَآء وَاللهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ) (3) قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((قل)) يا محمد، هؤلاء اليهود الذين وصفتُ قولهم لأوليائهم =: ((إنّ الفضلَ بيد اللّه ))، إنّ التوفيق للإيمان والهداية" للإسلام ، (٤) بيد الله وإليه، دونكم ودون سائر خلقه = ((يؤتيه من يشاء)) من (١) التباع جمع تابع، مثل: ((جاهل وجهال)). (٢) انظر تفسير ((الهدى)) فيما سلف ١ : ١٦٦ - ١٧٠، ٢٣٠، ٢٤٩، ٥٤٩ -٥٥١/ ٣: ١٠١، ١٤٠، ١٤١، ٤/٢٢٣: ٢٨٣. (٣) من ذكر الطبرى اختياره، تبين بلا ريب أن فى صدر الكلام سقطاً، كما أسلف فى ص: ٥١٥، تعليق: ١، ولعل الزيادة التى أسلفتها، قد نزلت منزلها من الصواب إن شاء الله. (٤) انظر تفسير ((الفضل)) فيما سلف ٢: ٥٧١:٥/٣٣٤ ٠١٧ تفسير سورة آل عمران : ٧٤،٧٣ خلقه، يعنى: يعطيه من أرادمن عباده، (١) تكذيباً من الله عز وجل لهم فى قولهم لتُبّاعهم: ((لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم)). فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم : ليس ذلك إليكم ، إنما هو إلى الله الذى بيده الأشياء كلها، وإليه الفضل وبيده، يُعطيه من يشاء = ((والله واسع عليم))، يعنى: واللّه ذُو سعةٍ بفضله على من يشاء أن يتفضل عليه = (٢) (عليم))، ذو علم بمن هو منهم للفضل أهل. (٣) ٧٢٥٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك قراءةً، عن ابن جريج فى قوله: ((قل إنّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء))، قال : الإسلام . القول فى تأويل قوله ﴿ يَخْتُمُّ بِرْخَتِهِ مَن يَشَآءِ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٦) قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((يختص برحمته من يشاء))، ((يفتعل)) من قول القائل: ((خصصت فلاناً بكذا، أخُصُّه به)). (٤) ٠٠ وأما ((رحمته))، فى هذا الموضع، فالإسلام والقرآن، مع النبوّة، كما : - ٧٢٥٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((يختص برحمته من يشاء))، قال: النبوّة، يخصّ بها من يشاء . (١) انظر تفسير: ((آنى)) فيما سلف ١: ٢/٥٧٤: ٣١٧ وفهارس اللغة. (٢) انظر تفسير ((واسع)) فيما سلف ٢ : ٥٧٥،٥١٦:٥/٥٣٧ (٣) انظر تفسير ((عليم)) فيما سلف ١: ٤٣٨، ٢/٤٩٦، ٣/٥٣٧: ٣٩٩، وفهارس اللغة (٤) انظر تفسير ((يختص)) فيما سلف أيضاً ٢ : ٤٧١. ٥١٨ تفسير سورة آل عمران : ٧٤ ٧٢٥٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد مثله . ٧٢٥٨ - حدثى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر، عن أبيه ، عن الربيع: ((يختص برحمته من يشاء))، قال : يختص بالنبوة من يشاء . ٧٢٥٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك قراءةً ، عن ابن جريج: ((يختص برحمته من يشاء))، قال: القرآن والإسلام. ٧٢٦٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج مثله . = ((والله ذو الفضل العظيم))، يقول: ذو فضل يتفضَّل به على من أحبّ وشاء من خلقه. ثم وصف فضله بالعظم فقال: ((فضله عظيم))، لأنه غير مشبهه فى عظم موقعه ممن أفضله عليه [فضلٌ] من إفضال خلقه، (١) ولا يقاربه فى جلالة خطره ولا يُدانيه . (١) فى المطبوعة: ((غير مشبه ... من أفضله عليه أفضال خلقه))، وأما المخطوطة ففيها: ((غير مشبهه ... من أفضله عليه من أفضال خلقه))، فرأيت أنه قد سقط من ناسخ المخطوطة ما زدته بين القوسين ليستقيم الكلام . ٥١٩ تفسير سورة آل عمران : ٧٥ القول فى تأويل قوله جل ثناؤه ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَّبِ مَنْ إِن تَأْمَّهُ بِقِطَرٍ يُؤَّدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنَّهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَّدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّمَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِيماً) قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز وجل : أنّ من أهل الكتاب - وهم اليهود من بنى إسرائيل - أهلَ أمانة يؤدُّونها ولا يخونونها ، ومنهم الخائن أمانته ، الفاجرُ فى يمينه ، المستحِلُّ. (١) ٠٠٠ ٠ فإن قال قائل: وما وجه إخبار الله عز وجل بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد علمتَ أنّ الناس لم يزالوا كذلك: منهم المؤدّى أمانته والخائنُها ؟ ٢٢٦/٣ قيل : إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرهم - على ما بينه فى كتابه بهذه الآيات - تحذيرهم أن يأتمنوهم على أموالهم، (٢) وتخويفهم الاغترارَ بهم، لاستحلال كثير منهم أموالَ المؤمنين . # ٥ فتأويل الكلام : ومن أهل الكتاب الذى إنْ تأمنه ، يا محمد ، على عظيم من المال كثير، يؤدّه إليك ولا يخنْك فيه، ومنهم الذى إن تأمنه على دينار يخنْك فيه فلا يؤدّه إليك، إلا أن تلح عليه بالتقاضى والمطالبة . ٥ (١) لعل فى المخطوطة سقطاً، صوابه: ((المستحل أموال الأميين من العرب)) أو ((المستحل أموال المؤمنين))، كما يتبين من بقية تفسير الآية . (٢) فى المخطوطة: ((أن هوهم على أموالهم)) غير منقوطة، والذى قرأه العاشر الأول جيد وهو الصواب . ٥٣٠ تفسير سورة آل عمران : ٧٥ و((الباء)) فى قوله: ((بدينار)) و((على)) يتعاقبان فى هذا الموضع، كما يقال : ((مررت به، ومررت عليه)). (١) ٠ ٠٠ واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((إلاّ ما دمت عليه قائماً)). فقال بعضهم: (( إلاّ ما دمت له متقاضياً)). . ذكر من قال ذلك : ٧٢٦١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((إلاّ ما دمت عليه قائماً))، إلا ما طلبته واتبعته . ٧٢٦٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((إلاّ ما دمت عليه قائماً))، قال : تقتضيه إياه. ٧٢٦٣ -- حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((إلا ما دمت عليه قائماً))، قال : مواظباً . ٧٢٦٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد مثله . ٠ ٠ وقال آخرون: معنى ذلك: ((إلا ما دمتَ قائماً على رأسه)). (٢) ذكر من قال ذلك : ٠ ٧٢٦٥ - حدثنى محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قوله: ((إلا ما دمت عليه قائماً))، يقول: يعترف (١) انظر ذلك فيما سلف ١ : ٣١٣. (٢) فى المطبوعة: ((إلا ما دمت عليه قائماً)) بزيادة ((عليه))، وهى فساد، والصواب من الخطرطة.