Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ تفسير سورة آل عمران : ٤٧ ، ٤٨ من يشاء من غير فحل ومن فحلٍ ، ويحرِمُ ذلك من يشاءُ من النساء وإن كانت ذات بعل ، لأنه لا يتعذر عليه خلق شىء أراد خلقه ، إنما هو أن يأمر إذا أراد شيئاً ما أراد [خلقه] فيقول له: (١) ((كن فيكون)) ما شاء، مما يشاء، وكيف ١٨٩/٣ شاء، كما :- ٧٠٧٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ((قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسنى بشرٌ قال كذلك الله يخلق ما يشاء))، يصنع ما أراد، ويخلق ما يشاء ، من بشر أو غير بشر = ((إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن))، مما يشاء وكيف يشاء = ((فيكون)) ما أراد. (٢) القول فى تأويل قوله ﴿وَيُعَلْمُهُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةُ وَاُلَّوْرَلَةَ وَالْأنجِيلَ ﴾. قال أبو جعفر : اختلفت القرأةُ فى قراءة ذلك . فقرأته عامة قرأة الحجاز والمدينة وبعض قرأة الكوفيين: ﴿وَيُعَلِّمُهُ) بالياء ، ردًّا على قوله: ((كذلك اللّه يخلق ما يشاء))، ((ويعلمه الكتاب))، فألحقوا الخبر فى قوله: (ويعلمه))، بنظير الخبر فى قوله: ((يخلق ما يشاء))، وقوله: ((فإنما یقول له کنْ فیکون )». (١) ما بين القوسين زيادة استظهرتها من السياق. (٢) الأثر: ٧٠٧٩ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٠ من بقية الآثار التى آخرها رقم : ٧٠٧٢. وكان فى المطبوعة والمخطوطة: ((أى: إذا قضى أمراً ... ))، وظاهر أن ((أى)) لا مكان لها هنا، ونص ابن هشام عن ابن إنحق دال على صواب ذلك، فحذفتها . وكان فى المخطوطة والمطبوعة أيضاً ((فإنما يقول له كن فيكون، مما يشاء ... )). وظاهر أيضاً زيادة ((فيكون)» هنا، لأن السياق يقتضى إغفالها هنا ، ولأنها ستأتى بعد، كما هو فى نص رواية ابن هشام عن ابن إسحق ، فرفعتها من هذا المكان أيضاً . وفى سيرة ابن هشام ((فيكون، كما أراد))، وكلاهما صواب. ٤٢٢ تفسير سورة آل عمران : ٤٨ وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفيين وبعض البصريين: ﴿ وَ نُعَلَّمُهُ﴾ بالنون، عطفاً به على قوله: ((نوحيه إليك))، كأنه قال: ((ذلك من أنباء الغيب نُوحيه إليك)) ((ونعلمه الكتاب)). وقالوا: ما بعد ((نوحيه)) فى صلته إلى قوله: (( كن فيكون))، ثم عطف بقوله: ((ونعلمه)) عليه . ٠ ٠ قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندنا أنهما قراءتان مختلفتان ، غير مختلفتى المعانى، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب الصواب فى ذلك ، لاتفاق معنى القراءتين ، فى أنه خبر عن اللّه بأنّه يعلم عيسى الكتاب ، وما ذكر أنه يعلمه . ... وهذا ابتداء خبر من الله عز وجل لمريم ما هو فاعلٌ بالولد الذى بشَّرها به من الكرامة ورفعة المنزلة والفضيلة ، فقال : كذلك اللّه يخلق منك ولداً من غير فحل ولا بعل ، فيعلمه الكتاب ، وهو الخطّ الذى يخطه بيده = والحكمة ، وهى السنة التى يُوحيها إليه فى غير كتاب = والتوراة ، وهى التوراة التى أنزلت على موسى، كانت فيهم من عهد موسى = والإنجيل ، إنجيل عيسى ولم يكن قبله ، ولكن اللّه أخبر مريم قبل خلق عيسى أنه مُوحِيه إليه . وإنما أخبرها بذلك فسمّه لها ، لأنها قد كانت علمت فيما نزل من الكتب أن اللّه باعثٌ نبياً، يوحى إليه كتاباً اسمه الإنجيل، فأخبرها الله عز وجل أن ذلك النبى صلى الله عليه وسلم الذى سمعت بصفته الذى وعد أنبياءه من قبل أنه منزل عليه الكتاب الذى يسمى إنجيلا ، هو الولد الذى وهبه لها وبشّرها به . ... وبنحو ما قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ٧٠٨٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج: ((ونعلمه الكتاب ))، قال : بيده . ٤٢٣ تفسير سورة آل عمران : ٤٨ ، ٤٩ ٧٠٨١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة : ((ونعلمه الكتاب والحكمة))، قال: الحكمة السنة. ٧٠٨٢ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر، عن أبيه، عن قتادة فى قوله: ((ونعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل))، قال : (((الحكمة)) السنة = ((والتوراة والإنجيل))، قال: كان عيسى يقرأ التوراة والإنجيل. ٧٠٨٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج، عن ابن جريج: (ونعلمه الكتاب والحكمة))، قال: الحكمة السنة. ٧٠٨٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن محمد ١٩٠/٣ ابن جعفر بن الزبير قال : أخبرها - يعنى أخبر الله مريم - ما يريد به فقال : ((ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة)) التى كانت فيهم من عهد موسى = ((والإنجيل))، كتاباً آخر أحدثه إليه لم يكن عندهم علمه، إلاّ ذِكرُه أنه كائن من الأنبياء قبله . (١) القول فى تأويل قوله ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِىَ إِسْرَآ ءِيلَ أَنِى قَدْ جِنْكُمْ بَايَةٍ مِن رَّبْكُمْ ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((ورسولاً))، ونجعله رسولا إلى بنى إسرائيل، فترك ذكر ((ونجعله)) لدلالة الكلام عليه، كما قال الشاعر : مُتَقَلِّدًا سَيْفاً وَرُْحَا (٢) وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِىِ الوَغَى (١) الأثر: ٧٠٨٤ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٠، من تمام الآثار التى آخرها رقم : ٧٠٧٩. وفى ابن هشام: (( لم يكن عندهم إلا ذكره أنه كائن من الأنبياء بعده))، أسقط ((علمه)» ومكان ((قبله)) ((بعده))، والصواب فيها نص الطبرى فى روايته عن ابن إسحق. (٢) مضى البيت وتخريجه فى ١: ١٤٠. ٤٢٤ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ وقوله: ((أنى قد جئتكم بآية من ربكم))، يعنى: (١) ونجعله رسولا إلى بنى إسرائيل بأنه نبيتى وبشيرى ونذيرى (٢)= وحجتى على صدقى فى ذلك: ((أنى قد جئتكم بآية من ربكم )»، یعنی : بعلامة من ربكم تحقق قولی، وتصدق خبری أنی رسول من ربکم إلیکم ، كما :- ٧٠٨٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، عن محمد بن جعفر بن الزبير: ((ورسولاً إلى بنى إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم ))، أى : يُحقق بها نبوّتى، أنى رسولٌ منه إليكم. (٣) ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿ أَنّى أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الْعِينِ كَهَيَّةِ الَّيْرِ فَأَنْفُغُ فِيهِ فَكُونُ ◌َيْرًا بِإِذْنِ اللهِ ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((ورسولا إلى بنى إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم))، ثم بين عن الآية ما هى، فقال: ((أنى أخلق لكم)). فتأويل الكلام: ورسولاً إلى بنى إسرائيل بأنى قد جئتكم بآية من ربكم ، بأن أخلق لكم من الطين كهيئة الطير . (١) فى المطبوعة: ((بمعنى))، والصواب من المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((نبى وبشير ونذير))، والصواب من المخطوطة. هذا، وقوله: ((ولجعله رسولا ... ))، إلى قوله: ((ونذيرى)» بيان عن قول الله تعالى لمريم: ((رسولا إلى بنى إسرائيل)» - ثم ابتدأ فى بيان قول عيسى عليه السلام: ((أنى قد جئتكم بآية))، فقال عيسى عليه السلام: ((وحجّى على صدق فى ذلك ... )). وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((على صدق على ذلك))، وهو لا يستقيم، خطأ أو سهو من الناسخ ، والصواب ما أثبت . (٣) الأثر: ٧٠٨٥ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٣٠، تتمة الآثار التى آخرها رقم: ٧٠٨٤. وكان فى المطبوعة: تحقق بها نبوق، وأنى رسول ... ))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق لرواية ابن هشام . ٤٢٥ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ ((والطير)) جمع ((طائر)). ٠ واختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأه بعض أهل الحجاز: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ فَأَنْفُحُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا﴾، على التوحيد . ... وقرأه آخرون: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُعُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، على الجماع فيهما . (١) ٠ قال أبو جعفر: وأعجب القراءات إلىّ فى ذلك قراءة من قرأ: (( كهيئة الطير فأنفخُ فيه فيكون طيراً))، على الجماع فيهما جميعاً ، لأن ذلك كان من صفة عيسى أنه يفعل ذلك بإذن الله، وأنه موافق لخطّ المصحف. واتباعُ خطّ المصحف مع صحّة المعنى واستفاضة القراءة به ، أعجب إلىّ من خلاف المصحف . وكان خلق عيسى ما كان يخلق من الطير ، كما : - ٧٠٨٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحق : أنّ عيسى صلوات اللّه عليه جلسَ يوماً مع غلمان من الكُتّاب ، فأخذ طيناً ثم قال : أجعل لكم من هذا الطين طائراً ؟ قالوا: وتستطيع ذلك ! قال : نعم ! بإذن ربى . ثم هيّأه، حتى إذا جعله فى هيئة الطائر نفخ فيه، ثم قال: ((كن طائراً بإذن الله))، فخرج يطيرُ بين كفيه. فخرج الغلمان بذلك من أمره ، فذكروه لمعدّمهم ، (١) فى المطبوعة: ((على الجماع كليهما))، وفى المخطوطة ((كلهما)) أيضاً، دون شرطة الكاف كأنه أراد أن يكتب ((كليهما))، ثم استدرك، فترك عقدة الكاف على حالها ليعود فيجعلها ((فيهما» وكذلك أثبتها . ٤٢٦ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ فأفشوه فى الناس . وترعرع ، فهمّت به بنو إسرائيل ، فلما خافت أمه عليه حملته على حُمّيْرٌّ لها ، ثم خرجت به هاربة. (١) وذكر أنه لما أراد أن يخلق الطيرَ من الطين سألهم: أىّ الطير أشدّ خلقاً ؟ فقيل له : الخفاش ، كما : - ٧٠٨٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن ١٩١/٣ جريج قال، قوله: ((أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير))، قال : أىّ الطير أشدّ خلقاً؟ قالوا : الخفاش، إنما هو لحم . قال : ففعل . قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وكيف قيل: ((فأنفخ فيه))، وقد قيل: (( أنى أخخلق لكم من الطين كهيئة الطير )) ؟ قيل: لأن معنى الكلام: فأنفخ فى الطير. ولو كان ذلك: ((فأنفخ فيها)). "كان صحيحاً جائزاً، كما قال فى المائدة، ﴿فَتَنْفُحُ فِيهَا﴾ [سورة المائدة: ١١٠]: (٢) يريد: فتنفخ فى الهيئة. (٣) وقد ذكر أن ذلك فى إحدى القراءتين ((فأنفخها))، بغير ((فى)). (٤) وقد تفعل العرب مثل ذلك فتقول: ((رب ليلة قد بتُّها، وبتُّ فيها))، قال الشاعر : (٥) (١) ((حمير)) (بضم الحاء وفتح الميم وتشديد الياء المكسورة)، تصغير ((حمار))، وهو مضبوط هكذا فى المخطوطة ، وهو الصواب . (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فأنفخ فيها))، وهو مخالف للتلاوة فى سورة المائدة، وهو سهو من الناسخ لقرب عهده بآية آل عمران ، وتابعه الناشرون . (٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فأنفخ)) أيضاً، وهو متابعة للسهو السالف (٤) هذا نص مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ٢١٤، وهو: (وفى إحدى القراءتين: ((فأنفخها)» وفى قراءة عبد اللّه بغير ((فى))، وهو مما تقوله العرب: رب ليلة قد بت فيها وبتها). ولعله تنسرة. واختصار من الطبرى نفسه كعادته فى الذى ينقله عن الفراء ، وظى أن فى نص الفراء خطاً، وصوابه : ((وهى قراءة عبد الله ... )). (٥) هو يزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميرى . ٤٢٧ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ مَا شُقَّ جَيْبٌ وَلَا قَامَتْكَ نَائِحَةٌ وَلَا بَكِنْكَ حِيَادٌ عِنْدَ أَسْلَابٍ (١) بمعنى: ولا قامت عليك، وكما قال آخر: (٢) إِحْدَى بَنِى عَيِّذِ اللهِ أُسْتَرَّ بِهَاَ حُلْوُ المُصَارَةِ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّوَرُ(٣) (١) الأغانى ١٧: ٦٨، ومعانى القرآن الفراء ١: ٢١٥. وهو من أبيات من خبرها أن عبيد الله بن زياد، كان عدواً لابن مفرغ ، فلما قتله أصحاب المختار بن أبى عبيد يوم الزاب ، قال ابن مفرغ فيه ، وفى طغيانه عليه ، وهو عظة لكل جبار طاغية : وعاشَ عبدًا، قِيلُ الله بِالزَّابِ إِنَّ الَّذِى عَاشَ خَتَّارًا بِذِمَّتِه أَلْوَتْ بِهِ ذَاتُ أَظْفَارِ وَأَنْيَبٍ العَبْدُ لِلْعَبْدِ، لا أَصْلٌ وَلَا طَرَفٌ، هَتَكْنَ عَنْهُ سُنُورًا بَيْنَ أَبْوَابٍ إِنّ المَنَايَاَ إِذَا مَا زُرْنَ طَاغِيَةً كُنْتَ أَمْرَءَا مِنْ نِزَارٍ غَيْرَ مُرْتَبٍ هَلَّا بُمُوعَ نِزَارٍ إِذْ لَقِيتَهُمُ لَا أَنْتَ زَاَحَمْتَ عَنْ مُلْكٍ فَتَمنَعَهُ وَلَا مَدَدْتَ إِلَى قَوْمِ بِأَسَْبِ مَا شُقَّ حَيْبٌ وَلا نَحَتْكَ نَائِحَةٌ ورواية الأغانى ((ناحتك))، جارية على القياس، يقال: ((ناحت المرأة))، لازماً، و((ناحت المرأة زوجها))، أما رواية الفراء وأبى جعفر، فهى التى حذف من قوله: ((قامتك)) حرف الجر، من ((قامت عليك)). والأسلاب مع سلب (بفتحتين): وهو ما على المحارب والرجل من ثيابه وثياب الحرب ، فإذا قبل أخذ قاتله سلبه ، أى ما عليه من ثياب وسلاح ، وما معه من دابة . يقول : لست فارساً من أهل الحرب والمعارك ، فيحبك فرسك ، فيبكيك عند مصرعك . ( ٢) لم أعرف قائله . (٣) ((بنوعيذ اللّه)) (بتشديد الياء المكسورة)، وهم بنوعية اللّه بن سعد المشيرة بن مذحج. ((استمر بها)): ذهب بها. ((حلو العصارة)): حلو الأخلاق. والعصارة والعصير: ما يتحلب من الشىء إذا عصر . يقول : ذهب بها فلن تعود إلى يوم الدين . ٤٢٨ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالْأَبْصَ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((وأبرئ))، وأشهى. يقال منه: ((أبرأ الله المريض))، إذا شفاه منه، ((فهو يُبرئه إبراءٌ))، و((بَرَأ المريض فهو يَبرَأ بَرْأ))، وقد يقال أيضاً: ((برئ المريض فهو يبرَأ))، لغتان معروفتان. ... واختلف أهل التأويل فى معنى ((الأ كمه)). فقال بعضهم : هو الذى لا يبصر بالليل ، ويُبصر بالنهار . * ذكر من قال ذلك : ٧٠٨٨ - حدثنىمحمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((وأبرئ الأكمه))، قال: الأكمه الذى يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل ، فهو يتكمَّه. (١) ٧٠٨٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله . ٠ ٥ وقال آخرون : هو الأعمى الذى ولدته أمه كذلك . • ذكر من قال ذلك : ٧٠٩٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال: كنا نحدَّثُ أن ((الأ كمه))، الذى ولد وهو أعمى مغموم العينين. (٢) ٧٠٩١ - حدثنى المثنى قال حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن قتادة فى قوله: ((وأبرئ الأكمه والأبرص))، قال: كنا نحدّث أن الأكمه الذى يولد وهو أعمى، مغموم العينين . (٢) . .. (١) يقال: ((خرج يتكمه فى الأرض))، إذا خرج متحيراً متردداً، راكباً رأسه ، لا يدرى أين يتوجه . (٢) كان فى المطبوعة: ((مضموم العينين))، وتوشك أن تكون فى المخطوطة: ((مغموم العينين))، ٤٢٩ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ ٧٠٩٢ - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر، عن عمارة ، عن أبى روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : الأكمه ، الذى يولد وهو أعمى . وقال آخرون : بل هو الأعمى . # # * ذكر من قال ذلك : ٧٠٩٣ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وأبرئ الأ كمه))، هو الأعمى . ٧٠٩٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس : الأعمى . ٧٠٩٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((وأبرئ الأكمه))، قال: الأكمه الأعمى . ١٩٢/٣ ٧٠٩٦ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى، عن عباد ابن منصور عن الحسن فى قوله: ((وأبرئ الأ كمه))، قال : الأعمى . وقال آخرون : هو الأعمش . * ذكر من قال ذلك : ٧٠١٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا حفص بن عمر ، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة فى قوله: ((وأبرئ الأكمه))، قال: الأعمش. ٠٠ قال أبو جعفر: والمعروف عند العرب من معنى ((الكمه))، العمى. يقال منه: ((كميهَت عينه فهى تَكْمَه كمهاً، وأكمهتها أنا)) إذا أعميتها ، كما قال سوید بن أبی کاهل : وأنا أرجح أنها الصواب ، فلذلك أثبتها على قرائى للخط. والأكمه أعمى ، مضموم العينين كان أو غير مضموم ، ولكنه من غم الشىء: إذ ستره ، فهو مغموم : مستور . ومنه الغمامة ، وهى غطاء يشد على مينى الناقة أو الثور أو غيرهما . ٤٣٠ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ كَمَّهَتْ عَيْنَيْهِ حَتَّى أُبْيَضْنَ فَهْوَ يَلْحَى نَفْسَهُ لَمَّا نَزَعْ(١) ومنه قول رؤبة : هَرَّجْتُ فَارْتَدَّ أَرْتِدَادَ الأَكْمَةِ فِى غَئِلَاتِ الْخَائِرِ المُتَهْتِ(٣) . . # وإنما أخبر الله عز وجل عن عيسى صلوات الله عليه أنه يقول ذلك لبنى إسرائيل، احتجاجاً منه بهذه العبر والآيات عليهم فى نبوته. وذلك أن: الكَمَه والبرص لأعلاج لهما فيقدرَ على إبرائه ذو طيبّ بعلاج. فكان ذلك من أدلته على صدق قيله : إنه اللّه رسول، لأنه من المعجزات ، مع سائر الآيات التى أعطاه الله إياها دلالةً على نبوته . فأما ما قال عكرمة من أن ((الكمه))، العمش، وما قاله مجاهد : من أنه * (١) المفضليات: ٤٠٥، اللسان (كمه) فى المطبوعة: ﴿كَمِهَتْ عَيْنَاهُ)، وهى رواية المفضليات وفيها ((كمهت عيناه لما ابيضتا)). والبيت من قصيدته الفذة . يذكرفى هذه الأبيات التى قبل البيت ، بعض عدوه، كان يريد سقاطه بعد احتناكه وشدته، وكيف تلقى العداوة عن آبائه ، فسعى كما سعى آباؤه فلم يظفر من سويد بشىء ، فضرب لنفسه مثلا بالصفاة التى لا ترام ، فقال أن عدوه ظل : مُقْعِياً يَرْدِى صَفَةً لَمْ تُرَمْ فِ ذُرَى أَغْيَطَ وَعْرِ المُطَّلَعْ غَبَتْ مَنْ قَبْلَهُ أَنْ تُمْتَعْ مَعْقِلٌ يَأْمَنُ مَنْ كانَ بِهِ فَأَبَتْ بَعْدُ، فَلَيْسَتْ تَتْضَعْ غَلَبَتْ عَاداً وَمَنْ بَعْدَهُمْ فَهْىَ تَأْتِى كَيْفَ شَاءَتْ وَتَدَعْ لَا يَرَاهَا النَّاسُ إِلا فَوْقَهُمْ رِعَةَ الْجَاهِلِ يَرْضَى مَا صَنَعْ وَهْوَ يَرْمِيهاَ ، وَلَنْ يَبْلَغَها ، كَمِهَتْ عَيْنَاهُ .. يقول : عمى من شدة ما يلى، أو أعمته هى بشدتها . فلما كف عنها ونزع، ظل يلوم نفسه على تعرضه لها . (٢) ديوانه: ١٦٦، واللسان (كم) (هرج) (سبته) ومجاز القرآن ١: ٩٣، وسيرة ابن هشام ٤٣١ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ سوء البصر بالليل ، فلا معنى لهما . لأن الله لا يحتج على خلقه بحجة تكون لهم السبيلُ إلى معارضته فيها . ولو كان مما احتجَّ به عيسى على بنى إسرائيل فى نبوته ، أنه يبرئ الأعمش ، أو الذى يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل ، لقدروا على معارضته بأن يقولوا: (( وما فى هذا لك من الحجة، وفينا خلقٌ ممن يعالج ذلك، وليسوا للّه أنبياء ولا رسلا )» ففى ذلك دلالة بينة على صحة ما قلنا، من أنّ ((الأكمه))، هو الأعمى الذى لا يبصر شيئاً لا ليلاً ولا نهاراً. وهو بما قال قتادة - من أنه المولود كذلك - أشبهُ، لأن علاجَ مثل ذلك لا يدّعيه أحدٌ من البشر، إلا من أعطاه الله مثل الذى أعطى عيسى ، وكذلك علاجُ الأبرص . ٠ القول فى تأويل قوله جلّ ثناؤه ﴿وَأُخْىِ اَلْمَوْنَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنِّكُمْ بِمَ تَأْكُنْ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِ يُوتِكُمْ﴾ قال أبو جعفر : وكان إحياء عيسى الموتى بدعاء اللّه ، يدعو لهم، فيستجيب له ، كما : - ٧٠٩٨ - حدثنى محمد بن سهل بن عسكر قال ، حدثنا إسمعيل بن عبد الكريم قال ، حدثنى عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهب بن منبه يقول : لما صار عيسى ابن اثنتى عشرة سنة، أوحى الله إلى أمه وهى بأرض مصر، وكانت هربت من قومها حين ولدته إلى أرض مصر : أنِ اطْلُعى به إلى الشام. ففعلت الذى أمرت به . فلم تزل بالشام حتى كان ابن ثلاثين سنة ، وكانت نبوته ثلاث سنين ، ثم رفعه الله إليه = قال: وزعم وهب أنه ربما اجتمع على عيسى من المرضى ٢ : ٢٣٠، من قصيدة يذكر فيها نفسه وأيامه، وقد سلفت منها أبيات كثيرة ، يذكر قبله خصما له قد بالغ فى ضلاله، فرده وزجره. ((هرج بالسبع)): صاح به وزجره. و((الغائلات)): التى تغوله وتهلكه . و((المتهته)): الذى تهته فى الأباطيل. أى تردد فيها. ورواية الديوان ((فى غائلات الخائب ... ))، وهى قريب من قريب . ٤٣٢ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ فى الجماعة الواحدة خمسون ألفاً ، من أطاق منهم أن يبلغه بلغه ، ومن لم يطق منهم ذلك أتاه عيسى يمشى إليه ، وإنما كان يداويهم بالدعاء إلى الله . ... وأما قوله: ((وأنبئكم بما تأكلون))، فإنه يعنى: وأخبرُكم بما تأكلون، مما لم ١٩٣/٣ أعايته وأشاهده معكم فى وقت أكلكوه = ((وما تدّخرون))، يعنى بذلك: وما ترفعونه فتخباونه ولا تأ کلونه . =يعلمهم أنّ من حجته أيضاً على نبوّته = مع المعجزات التى أعلمهم أنه يأتى بها حجة على نبوته وصدقه فى خبره أنّ اللّه أرسله إليهم: من خلق الطير من الطين ، وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، التى لا يطيقها أحدٌ من البشر، إلاّ من أعطاه الله ذلك علماً له على صدقه، وآيةً له على حقيقة قوله، من أنبيائه ورسله ومن أحبّ من خلقه =(١) إنباءَه عن الغيب الذى لاسبيل لأحد من البشر الذين سبيلُهم سبيلُه، عليه . (٢) قال أبو جعفر: فإن قال قائل: وما كان فى قوله لهم: ((وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم)) من الحجة له على صدقه، وقد رأينا المتنجّمة والمتكهّنّة تخبرُ بذلكِ كثيراً فتصيب ؟ قيل: إن المتنجُم والمتكهُّن معلوم منهما عند من يخبرانه بذلك، (٣) أنهما ينبئان به عن استخراج له ببعض الأسباب المؤدية إلى علمه . ولم يكن ذلك كذلك من عيسى صلوات الله عليه ومن سائر أنبياء الله ورُسله ، وإنما كان عيسى يخبر به عن غير استخراج، ولا طلب لمعرفته باحتيال، ولكن ابتداءً بإعلام اللّه إياه، (٤) (١) قوله: ((إنباءه)) خبر ((أن)) فى قوله آنفاً: ((أن من حجته أيضاً على بنوته ... إنباءه)). (٢) قوله ((عليه)) من تمام قوله: ((الذى لا سبيل لأحد ... )) (٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((عند من يخبره بذلك)) وسياق الضمائر يقتضى ما أثبت. (٤) فى المطبوعة: ((ولكن ابتدأ))، والصواب ما أثبته، ولم يحسن الناشر قراءة الخلوية. ٤٣٣ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ من غير أصل تقدّم ذلك احتذاه، أوبنى عليه ، أو فزع إليه ، كما يفزع المتنجم إلى حسابه، والمتكهن إلى رئيِّه. (١) فذلك هو الفصل بين علم الأنبياء بالغيوب وإخبارهم عنها ، وبين علم سائر المتكذِّبة على اللّه، أو المدَّعية علم ذلك ، كما : - ٧٠٩٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال : لما بلغ عيسى تسع سنين أو عشراً أو نحو ذلك ، أدخلته أمه الكتاب ، فيما يزعمون . فكان عند رجل من المكتُّبين يعلمه كما يعلّم الغلمان، (٢) فلا يذهب يعلمه شيئاً مما يعلمه الغلمان إلا بدره إلى علمه قبل أن يعلمه إياه : فيقول ألا تعجبون لابن هذه الأرملة ؟ ما أذهب أعلمه شيئاً إلا وجدته أعلم به منى ! ! ٧١٠٠ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدّى : لما كبر عيسى أسلمته أمه يتعلم التوراة ، فكان يلعب مع الغلمان غلمان القرية التى كان فيها ، فيحدّث الغلمان بما يصنع آباؤهم . ٧١٠١ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم . قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن سعيد بن جبير فى قوله: (( وأنبئكم بما تأكلون وما تدّخرون فى بيوتكم))، قال: كان عيسى بن مريم، إذْ كان فى الكتّاب ، يخبرهم بما يأكلون فى بيوتهم وما يدّخرون . ٧١٠٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا إسماعيل بن سالم قال ، سمعت سعيد بن جبير يقول: ((وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم )) ، قال : إن عيسى بن مريم كان يقول للغلام فى الكتّاب: (١) الرئى: هو التابع من الجن، يراه الإنسان أو الكاهن، فيؤالفه ويعتاده ويحدثه بما يكذب به من النبأ عن المغيب . (٢) المكتب (بضم الميم وفتح الكاف وتشديد التاء المكسورة) على وزن ((معلم)): هو الذى يعلى الصغار الكتابة. ويقال أيضاً ((المكتب)) (بضم الميم وسكون الكاف وكسر التاء) على وزن ((مبصر)) وهو المعلم أيضاً . ج ٦ (٢٨) ٤٣٤ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ ((( يا فلان، إن أهلكَ قد خبأوا لك كذا وكذا من الطعام، فتطعمنى منه» ؟ ٠ ٠ ٠ قال أبو جعفر : فهكذا فعل الأنبياء وحججها، إنما تأتى بما أتت به من الحجج بما قد يوصل إليه ببعض الحيل، على غير الوجه الذى يأتى به غيرها ، بل من الوجه الذى يعلم الخلق أنه لا يوصل إليه من ذلك الوجه بحيلة إلاّ من قِبَل الله. وبنحو ما قلناه فى تأويل قوله: (( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخزون فى بيوتكم)) قال أهل التأويل : « ذكر من قال ذلك : ٧١٠٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: (( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم ))، قال : بما أكلتم البارحة ، وما خبأتم منه = عيسى بن مريم يقوله. ٧١٠٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله . ٧١٠٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال،حدثی حجاج، عن ابن جریج قال، قال عطاء ابن أبى رباح- يعنى قوله: (( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم)) - قال: الطعام والشىء يدخرونه فى بيوتهم ، غيباً علمه الله إياه . ٧١٠٦ -حدٹی المثی قال، حدثنا إسحق قال ،حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم))، قال : ((ما تأكلون))، ما أكلتم البارحة من طعام ، وما خبأتم منه . ٧١٠٧ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدّى قال : كان - يعنى عيسى بن مريم - يحدّث الغلمان وهو معهم فى الكتّاب بما يصنع آباؤهم، وبما يَرْفعون لهم، وبما يأكلون . ويقول للغلام: ١٩٤/٣ ٤٣٥ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ ((انطلق، فقد رفع لك أهلك كذا وكذا، وهم يأكلون كذا وكذا)»، فينطلق الصبى فيبكى على أهله حتى يعطوه ذلك الشىء. (١) فيقولون له : من أخبرك بهذا ؟ فيقول: عيسى ! = فذلك قول الله عز وجل: ((وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم )) = فحبسوا صبيانهم عنه ، وقالوا : لا تلعبوا مع هذا الساحر ! فجمعوهم فى بيت ، فجاء عيسى يطلبهم ، فقالوا : ليس هم ههنا ، فقال: ما فى هذا البيت؟ فقالوا : خنازير . قال عيسى : كذلك يكونون ! ففتحوا عنهم ، فإذا هم خنازير . فذلك قوله: ﴿عَلَى لِسانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة: ٧٨]. ٧١٠٨ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ، عن الحسن فى قوله: ((وما تدخرون فى بيوتكم))، قال: ما تخبأون مخافة الذى يمسك أن يخلفه . (٢) وقال آخرون: إنما عنى بقوله: ((وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم))، ما تأكلون من المائدة التى تنزل عليكم، وما تدخرون منها . • ذكر من قال ذلك : ٧١٠٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم))، فكان القومُ لما سألوا المائدةَ فكانت خيواناً ينزل عليه أينما كانوا ثمراً من ثمار الجنة، (٣) فأمر القوم أن (١) ((يبكى عليهم))، يلح عليهم بالبكاء، عدى ((بكى)) بعلى، لتضمينه معنى ((الإلحاح)). (٢) فى المطبوعة: (( ما تخبأون مخافة الذى يمسك أن لا يخلفه شىء))، زاد فى نص المخطوطة ((لا))، و((شىء)). أما المخطوطة ففيها (( ... الذى يمسك أن يخلفه)). وكلاهما لا معنى له. والمخطوطة مضطربة الحروف فى هذا الموضع، وأخشى أن يكون صواب الجملة : (( ما تخبأون مخافة عليه ، الذى تمسكون خيفة عليه)). وتركت نص المخطوطة، على حاله فى الأصل . (٣) فى المطبوعة: ((فكانت جراباً ينزل عليه))، وهو خطأ لا شك فيه، وفى المخطوطة، ((حوابا)) غير منقوطة، وصواب قراءتها ما أثبت. والمائدة، هى الخوان، وقال أهل اللغة: ((لا تسمى مائدة حتى يكون عليها طعام ، وإلا فهى خوان )) . ٤٣٦ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ لا يخونوا فيه ولا يخبأوا ولا يدخروا لغد، بلاءٌ ابتلاهم الله به. فكانوا إذا فعلوا من ذلك شيئاً أنبأهم به عيسى بن مريم، فقال: (( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم)). ٧١١٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة فى قوله: (( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون))، قال : أنبئكم بما تأكلون من المائدة وما تدخرون منها . قال : فكان أخذ عليهم فى المائدة حين نزلتْ: أن يأكلوا ولا يدّخروا، فادخروا وخانوا، فجعلوا خنازير حين ادّخروا وخانوا، فذلك قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِى أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينِ﴾ [ سورة المائدة: ١١٥]. = قال ابن يحيى قال ، عبد الرزاق قال ، معمر ، عن قتادة ، عن خلاس ابن عمرو ، عن عمار بن ياسر، ذلك . وأصل ((يدخرون)) من ((الفعل))، (يفتعلون)) من قول القائل: ((ذخرتُ الشىء)) بالذّال ((فأنا أذخره)). ثم قيل: ((يدْخر))، كما قيل: ((يدَّكِرُ)) ١٩٥/٣ من: ((ذكرت الشىء))، يراد به ((يذتخر)). فلما اجتمعت ((الذال)) و((التاء)) وهما متقاربتا المخرج، ثقل إظهارهما على اللسان ، فأدغمت إحداهما فى الأخرى، وصيرتا((دالاً)) مشددة، صيروها عَدْلاً بين ((الذال)) و((التاء)).(١) ومن العرب من يغلب ((الذال)) على ((التاء))، فيدغم ((التاء)) فى ((الذال))، فيقول : (( وما تَذَّخِرون))، ((وهو مذّخَر لك))، ((وهو مُذَّكِرٍ)). واللغة التى بها القراءةُ، الأولى، وذلك إدغام ((الذال)) فى ((التاء))، وإبدالهما (١) قوله ((عدلا))، أى متوسطة بينهما، وهذا نص عبارة الفراء فى معانى القرآن ١ ٢١٥. ٤٣٧ تفسير سورة آل عمران : ٤٩ ((دالا)) مشددة. لا يجوز القراءة بغيرها، لتظاهر النقل من القرأة بها، وهى اللغة الجُودَى، (١) كما قال زهير : إنّ الكَرِيمَ الَّذِى يُعْطِيكَ فَائِلَهُ عَفْوَا، وَيُظْلَمُ أَخْيَنًا فَيَظَلِمُ(٣) يروى ((بالظاء))، يريد: ((فيفتعل)) من ((الظلم))، ويروى ((بالطاء)) أيضاً . ٠ ٠ القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ لَأَيَةٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُوْمِنِينَ﴾ قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: إنّ فى خلقى من الطين الطير بإذن اللّه، وفى إبرائى الأكمه والأبرص، وإحيائى الموتى ، وإنبائىَ إياكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم ، ابتداءً من غير حساب وتنجيم ، ولا كهانة وعرافة = العبرةً لكم ومتفكّراً، تتفكرون فى ذلك فتعتبرون به أنىّ محق فى قولى لكم: ((إنى رسولٌ من ربكم إليكم))، وتعلمون به أنى فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق = ((إن كنتم مؤمنين))، يعنى: إن كنتم مصدّقين حجج الله وآياته ، مقرّين بتوحيده ، وبنبيه موسى والتوراة التى جاء كم بها . ٠٠ (١) ((الجودى))، ((فعلى)) من ((الأجود)) مثل ((أفضل، وفضلى))، ولم أرها مستعملة إلا قليلا عند أهل طبقة أبى جعفر. وانظر ما قاله الفراء فى معانى القرآن ١ : ٢١٥، ٢١٦. (٢) ديوانه: ١٥٢ وسيبويه ٢: ٤٢١، والمخصص ٢: ٢٠٦، ٢٠٧، واللسان (ظلم) وغيرها . هكذا جاء به أبو جعفر ، وصواب روايته ما جاء فى ديوانه ، لأن قبله: إنّالبَخِيلَ مَلُومٌ حَيْثُ كَانَ وَا ◌ِنَّ الجوادَ عَلَى عِلَائِهِ هَرِمُ هُوَ الجَوَادُ الَّذِى يُعْطِيكَ نَائِلَهُ وانظر روايات مختلفة البيت ، وبيان هذه الروايات فى هذه الكتب وغيرها . ٤٣٨ تفسير سورة آل عمران : ٥٠ القول فى تأويل قوله ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَ بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ الثَّوْرَّةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه: وبأنى قد جئتكم بآية من ربكم ، وجئتكم مصدقاً لما بين يدىّ من التوراة، ولذلك نصب ((مصدقاً)) على الحال من ((جئتكم)). والذى يدل على أنه نصب على قوله: ((وجئتكم))، دون العطف على قوله : ((وجيهاً))، قوله: ((لما بين يدىّ من التوراة)). ولو كان عطفاً على قوله ((وجيهاً))، لكان الكلام : ومصدقاً لما بين يديه من التوراة ، وليحل لكم بعض الذى حرم علیکم . (١) وإنما قيل: ((ومصدقاً لما بين يدىّ من التوراة))، (٢) لأن عيسى صلوات اللّه عليه، كان مؤمناً بالتوراة مقراً بها، وأنها من عند الله. وكذلك الأنبياء كلهم، يصدقون بكل ما كان قبلهم من كتب الله ورسله، وإن اختلف بعضُ شرائع أحكامهم، المخالفة اللّه بينهم فى ذلك. مع أنّ عيسى كان - فيما بلغنا - عاملاً بالتوراة لم يخالف شيئاً من أحكامها ، إلا ما خفَّف اللّه عن أهلها فى الإنجيل ، مما كان مشدداً عليهم فيها ، كما : - ٧١١١- حدثی اثی قال،حدثنا إسحق قال،حدثنا عبدالكريم قال،حدثی عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهب بن منبه يقول : إن عيسى كان على شريعة موسى صلى الله عليهما وسلم، وكان يسبيت، ويستقبل بيت المقدس ، فقال لبنى ١٩٦/٣ إسرائيل: إنى لم أدعكم إلى خلاف حرف مما فى التوراة، إلاّ لأحل لكم بعض الذى حرم عليكم، وأضع عنكم من الآصار. (٣) (١) انظر معانى القرآن للفراء ١: ٢١٦. (٢) انظر تفسير ((لما بين يدى)) و((لما بين يديه)) فيما سلف من هذا الجزء: ١٦١،١٦٠. (٣) الآصار جمع إصر (بكسر فسكون) : وهو العهد، أى ما عقد من عقد ثقيل عليهم ، مثل قتلهم أنفسهم، وما أشبه ذلك من قرض الجلد إذا أصابته النجاسة ، وغير ذلك من الأحكام المشددة . ٤٣٩ تفسير سورة آل عمران : ٥٠ ٧١١٢ - حدثنى بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة : (((ومصدقاً لما بين يدىّ من التوراة ولأحل لكم بعض الذى ◌ُحرّم عليكم))، كان الذى جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى ، وكان قد حُرّم عليهم فيما جاء به موسى لحومُ الإبل والثُّروب، وأشياء من الطير والحيتان. (١) ٧١١٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((ومصدقاً لما بين يدىّ من التوراة ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم))، قال: كان الذى جاء به عيسى ألينَ من الذى جاء به موسى . قال : وكان حُرّم عليهم فيما جاء به موسى من التوراة، لحومُ الإبل والثُّروب، فأحلها لهم على لسان عيسى - وحرّمت عليهم الشحوم ، وأحلت لهم فيما جاء به عيسى - وفى أشياء من السمك، وفى أشياء من الطير مما لا صيصية" له، (٢) وفى أشياء حرّمها عليهم وشدّدها عليهم، فجاءهم عيسى بالتخفيف منه فى الإنجيل . فكان الذى جاء به عيسى ألينَ من الذى جاء به موسى صلوات الله عليه . ٧١١٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قوله: ((ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم))، قال: لحوم الإبل والشحوم. لما بعث عيسى أحلّها لم، وبُعث إلى اليهود فاختلفوا وتفرّقُوا . ٧١١٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن محمد بن (١) الثروب جمع ثرب (يفتح فكون): وهى الشحم الرقيق الذى يغشى الكرش والأمعاء والمصارين من الذبائح والأنعام . (٢) صيصية الديك ( بكسر الصاد الأولى والثانية وفتح الياء الأخير)، وجمعها السياسى : هى الشوكة التى فى رجل الديك. وقرون البقر يقال لها ((الصيامى))، ومنه قيل للحصون ((الصيامى)) لأن المقاتلين يحتمون بها كما تحتمى البقر بقرونها . ٤٤٠ تفسير سورة آل عمران: ٥٠ جعفر بن الزبير: (( ومصدقاً لما بين يدىّ من التوراة))، أى: لما سبقنى منها - (ولأحلّ لكم بعض الذى حرم عليكم))، أى: أخبركم أنه كان حراماً عليكم فتركتموه، ثم أحله لكم تخفيفاً عنكم، فتصيبون يُسْرَه، وتخرجون من تباعته.(١) ٧١١٦ - حدثنى محمد بن سنان قال، حدثنا أبو بكر الحنفى ، عن عباد ، عن الحسن: ((ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم ))، قال : كان حرّم عليهم أشياء ، فجاءهم عيسى ليحلّ لهم الذى حرّم عليهم ، يبتغى بذلك شكْرهم. القول فى تأويل قوله ﴿وَجِثْتُكُمْ بِئَايَةٍ مِّن رَّبَّكُمْ﴾ قال أبو جعفر : يعنى بذلك : وجئتكم بحجة وعبرة من ربكم ، تعلمون بها حقيقة ما أقول لكم ، كما : - ٧١١٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وجئتكم بآية من ربكم ))، قال: ما بيَّن لهم عيسى من الأشياء كلها ، وما أعطاه ربه . ٧١١٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وجئتكم بآية من ربكم))، ما بيِّن لهم عيسى من الأشياء كلها . ٠٠ ویعنی بقوله : (( من ربكم )) ، من عند ربكم . ٠٠ ٠ (١) الأثر: ٧١١٥ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٣١، وهو من تتمة الآثار التى كان آخرها رقم: ٧٠٨٥. وقوله ((وتخرجون من تباعته))، أى من إثمه الذى تبعكم إن اقترفتموه. والتبعة والتباعة ( بكسر التاء): ما كان فيه إثم يتبع به مقترفه، يقال: ((ما عليه من الله فى هذا تبعة، ولا تباعة)).