Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ تفسير سورة البقرة : ٢٧٧،٢٧٦ قال أبو جعفر: وأما قوله: ((والله لا يحبّ كل كفار أثيم))، فإنه يعنى به: واللّه لا يحب كل مُصرُّ على كفر بربه مقيم عليه، مستحلّ أكل الربا وإطعامه ــ ((أثيم))، متمادٍ فى الإثم ، فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه ، لا ينزجر عن ذلك ولا يرعوى عنه ، ولا يتعظ بموعظة ربه التى وعظه بها فى تنزيله وآى كتابه . القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامِنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَأَقَمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوُاْ الزَّكُوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَخْزَنُونَ﴾ (١) قال أبو جعفر : وهذا خبر من اللّه عز وجل بأنّ الذين آمنوا = يعنى الذين صَدّقوا بالله وبرسوله ، وبما جاء به من عند ربهم، من تحريم الربا وأكله ، وغير ذلك من سائر شرائع دينه = ((وعملوا الصالحات)) التى أمرهم الله عز وجل بها ، والتى تَدَبهم إليها = ((وأقاموا الصلاة)) المفروضة بحدودها، وأدّوها بسُنّنها = ((وآتوا الزكاة)) المفروضة عليهم فى أموالهم ، بعد الذى سلف منهم من أكل الرّبا قبل مجىء الموعظة فيه من عند ربهم = ((لهم أجرهم))، يعنى ثواب ذلك من أعمالهم وإيمانهم وصد قتهم = (( عند ربهم )) يوم حاجتهم إليه فى معادهم = ((ولا خوف عليهم)) يومئذ من عقابه على ما كان سلف منهم فى جاهليتهم ، وكفرهم قبل مجيئهم موعظة ربهم ، من أكل ما كانوا أكلوا من الربا ، بما كان من إنابتهم وتوبتهم إلى الله عز وجل من ذلك عند مجيثهم الموعظة من ربهم ، فهذا تشبيه. وأما إذا قال كما قال الله: يد ، وسمع، وبصر. ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع ولا كسمعٍ - فهذا لا يكون تشبيهاً. وهو كماقال الله تبارك وتعالى: ﴿ ليس كَمِثْلُهِ شىء، وهو السَّمِيعُ البَصير﴾». ٢٢ تفسير سورة البقرة : ٢٧٧ ، ٢٧٨ وتصديقهم بوعد الله ووعيده = ((ولا هم يحزنون)) على تركهم ما كانوا تركوا فى الدنيا من أكل الربا والعمل به ، إذا عاينوا جزيل ثواب الله تبارك وتعالى ، وهم على تركهم ما ترَكوا من ذلك فى الدنيا ابتغاءَ رضوانه فى الآخرة ، فوصلوا إلى ما وُعدوا على تركه . القول فى تأويل قوله ﴿َأَيُّاَ الَّذِينَ ، مَنُواْ أَتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقَ مِنَ الرِّبَوْاْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥) قال أبو جعفر : يعنى جل ثناؤه بذلك: ((يا أيها الذين آمنوا))، صدّقوا بالله وبرسوله = ((اتقوا الله))، يقول: خافوا الله على أنفسكم، فاتقوه بطاعته فيما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه = ((وذَرُوا))، يعنى: ودعوا = ((ما بقى من الربا))، يقول : اتركوا طلب ما بق لكم من فَضْل على رؤوس أموالكم التى كانت لكم قبل أن تُربوا عليها = ((إن كنتم مؤمنين))، يقول: إن كنتم محققين إيمانكم قولا وتصدیقكم بألسنتكم، بأفعالكم (١). ٠ قال أبو جعفر: وذكر أن هذه الآية نزلت فى قوم أسلموا ولهم على قوم أموال من رباً كانوا أرْبوه عليهم ، فكانوا قد قبضوا بعضَه منهم، وبقى بعضٌّ، فعفا الله جل ثناؤه لهم عما كانوا قد قبضوه قبل نزول هذه الآية، (٢) وحرّم عليهم اقتضاء ما بقى منه . • ذكر من قال ذلك : ٧١/٣ ٦٢٥٨ - حدثی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا)) إلى ((ولا تظلمون»، قال : نزلت هذه الآية فى العباس بن عبد المطلب ورجلٍ من بنى المغيرة ، كانا (١) قوله: ((بأفعالكم)) متعلق بقوله: ((محققين ... ))، أى محققين ذلك بأضالكم. (٢) فى المخطوطة: ((عما كان قد اقتضوء ... ))، وهو فاسد، والصواب ما فى المطبوعة. ٢٣ تفسير سورة البقرة : ٢٧٨ شريكين فى الجاهلية، يُسلِفان فى الرِّبا إلى أناس من ثقيف، من بنى عمرو =(١) وهم بنو عمرو بن عمير . فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة فى الربا ، فأنزل الله: ((ذروا ما بقى )) من فضل كان فى الجاهلية = ((من الربا)). ٦٢٥٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قوله: (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الرّبا إن كنتم مؤمنين))، قال: كانت ثقيف قد صالحت النبيّ صلى الله عليه وسلم على أن" مالهم من رباً على للناس وما كان للناس عليهم من رباً ، فهو موضوع . فلما كان الفتحُ ، استعمل عتَّاب بن أسيد على مكةَ، وكانت بنو عمرو بن مُمير بن عوف يأخذون الرِّبا من بنى المغيرة ، وكانت بنو المغيرة يُرْبون لهم فى الجاهلية ، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير . فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم ، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم فى الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتّاب بن أسيد. فكتب عتّاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وذروا ما بقى من الرّبا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله))، إلى ((ولا تظلمون)). فكتب بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عتّاب وقال: ((إن رَضُوا، وإلا فآذنهم بحرب)) = وقال ابن جريج، عن عكرمة، قوله: ((اتقوا الله وذروا ما بقى من الرّبا))، قال : كانوا يأخذون الرّبا على بنى المغيرة، يزعمون أنهم مسعود وعبد باليل وحبيب. وربيعة ، بنوعمرو بن عمير ، فهم الذين كان لهم الرّبا على بنى المغيرة ، فأسلم عبد ياليل وحَبيب وربيعة وهلالٌ ومسعود. (٢) ٦٢٦٠ - حدثی یحی بن أبى طالب قال، حدثنا یزید قال، حدثنا جويبر، (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((سلفا فى الربا إلى أناس ... )) بالفعل الماضى، والصواب ما أثبت من الدر المنثور١: ٣٦٦، والبغوى (بهامش ابن كثير) ٢: ٦٣. والسلف (بفتحتين): القرض. والفعل : أسلف وسلف ( بتشديد اللام) . (٢) الأثر: ٦٢٥٩ - انظر ما قاله الحافظ فى الإصابة فى ترجمة ((بلال الثقفى)). وقال. ((وفى ذكر مصالحة ثقيف قبل قوله: (فلما كان الفتح)) نظر، ذكرت توجيهه فى أسباب النزول)). ٢٤ تفسير سورة البقرة : ٢٧٩،٢٧٨ عن الضحاك، فى قوله: (( اتقوا الله وذروا ما بقى من الرّبا إن كنتم مؤمنين))، قال: كان رباً يتبايعون به فى الجاهلية ، فلما أسلموا أميروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم . # القول فى تأويل قوله ﴿فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((فإن لم تفعلوا)) ، فإن لم تذكروا ما بقى من الربا . # ٠ واختلف القرأة فى قراءة قوله: (( فأذنوا بحرب من الله ورسوله )). فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: ﴿فَأْذَنُواْ) بقصر الألف من ((فأذنوا))، وفتح ذالها ، بمعنى : كونوا على علم وإِذْن. ٠ وقرأه آخرون، وهى قراءة عامة قرأة الكوفيين: ﴿ فَآَذِنُوا﴾ بمدّ الألف من قوله: ((فآذنوا))، وكسر ذالها، بمعنى: فآذنوا غير كم: أعلمُوهم وأخبر وهم بأنكم على حربهم. ٠ قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب فى ذلك قراءة من قرأ: ((فأذنوا)) بقصر ألفها وفتح ذالها، بمعنى : اعلموا ذلك واستيقنوه ، وكونوا على إذن من الله عز وجل لكم بذلك . وإنما اخترنا ذلك، لأن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يَنبِذ إلى من أقام على شركه الذى لا يُقَرُّ على المقام عليه، وأن يقتُل المرتدّ عن الإسلام منهم بكل حال إلا أن يراجع الإسلام، آذنه المشركون بأنهم على حربه أو لم يؤذنوه. (١) فإذا كان المأمور بذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون كان مشركاً مقيماً (١) فى المطبوعة: ((أذنه المشركون بأنهم على حربه أو لم يأذنوه)). وهو خطأً فى الرسم، وفساد فى المعنى بهذا الرسم . وصواب رسمه فى المخطوطة ، وهو صواب المعنى . ٢٠ تفسير سورة البقرة : ٢٧٩ على شركه الذى لاً يُقَرُّ عليه، أو يكون كان مسلماً فارتدَّ وأذن بحرب. فأى الأمرين كان، فإنما نبذ إليه بحرب، لا أنه أمر بالإيذان بها إن عَزَم على ذلك. (١) لأن الأمر إن كان إليه ، فأقام على أكل الربا مستحلاً له ولم يؤذن المسلمون بالحرب ، لم يلزمهم حرْبُه. وليس ذلك حكمه فى واحدة من الحالين. فقد علم أنه المأذون بالحرب، لا الآذن بها . وعلى هذا التأويل تأوَّله أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ٦٢٦١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس فى قوله: ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الرّبا))، إلى قوله: ((فأذنوا بحرب من الله ورسوله)): فمن كان مقيماً على الرّبا لا ينزِعُ عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يستتيبه، فإن نَزّع وإلاّ ضرب عنقه . ٦٢٦٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا ربيعة ابن كلثوم قال ، حدثنى أبى، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : "يُقال يوم القيامة لآ كل الرّبا: ((خذ سلاحك للحرب)). (٢) ٦٢٦٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا ربيعة بن كلثوم قال ، حدثنا أبى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس مثله . ٧٢/٣ ٦٢٦٤ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله))، أوْ عدهم اللّه بالقتل كما تسمعون، فجعلهم بهْرَجاً أينما ثقفوا. (٣) (١) فى المخطوطة: ((بالإنذار بها إن عزم على ذلك))، وهى صواب فى المعنى، ولكن ما فى المطبوعة عندى أرجح . (٢) الأثر: ٦٢٦٢ - انظر الأثر السالف رقم: ٦٢٤١، والتعليق عليه. (٣) البرج: الشىء المباح. والمكان بهرج: غير حمى. وبهرج دمه: أهدره وأبطله . وفى الحديث : أنه بهرج دم ابن الحارث . ٢٦ تفسير سورة البقرة : ٢٧٩ ٦٢٦٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة مثله . ٦٢٦٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله)»، أوعد الآكلَ الرّبا بالقتل.(١) ٦٢٦٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: قوله: ((فأذنوا بحرب من الله ورسوله))، فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله . قال أبو جعفر: وهذه الأخبار كلها تنبئ عن أن قوله: (« فأذنوا بحرب من الله))، إيذانٌ من الله عز وجل لهم بالحرب والقتل، لا أمْر لهم بإيذان غيرهم. القول فى تأويل قوله ﴿وَإِن ◌ُبْتُمْ فَلَكُمْ رُهُوسُ أَمْوَ لِكُمْ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بذلك: ((إن تبتم)) فتركتم أكل الربا وأنبتم إلى الله عز وجل = ((فلكم رؤوس أموالكم)) من الديون التى لكم على الناس، دون الزيادة التى أحدثتموها على ذلك رباً منكم ، كما : - ٦٢٦٨ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (((وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم))، والمال الذى لهم على ظهور الرجال، (٢) جعل لهم (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أوعد لآكل الربا ... ))، وهو لا شىء، والصواب ما أثبت. (٢) فى المطبوعة: ((المال الذى لهم)) بإسقاط الواو، وأثبت ما فى المخطوطة وسيأتى على الصواب رقم: ٦٢٩٧. وفى المخطوطة ((ظهور الرحال)) بالحاء. ٢٧ تفسير سورة البقرة : ٢٧٩ رؤوس أموالهم حين نزلت هذه الآية ، فأما الرّبح والفضل فليس لهم ، ولا ينبغى لهم أن يأخذوا منه شيئاً . ٦٢٦٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ، عن جويبر ، عن الضحاك قال: وضع اللّه الرّبا ، وجعل لهم رؤوس أموالهم. ٦٢٧٠ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة فى قوله: (( وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم))، قال : ما كان لهم من دين ، فجعل لهم أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يزدادُوا عليه شيئاً . ٦٢٧١ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم)) الذى أسلفتم ، وسقط الربا . ٦٢٧٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ذكرلنا أنّ نيّ اللّه صلى الله عليه وسلم قال فى خطبته يوم الفتح: ((ألا إن ربا الجاهلية موضوعٌ كله، وأوَّل ربا أبتدئ به ربا العباس بن عبد المطلب)). ٦٢٧٣ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى خطبته: ((إنّ كل ربا موضوع، وأوَّل رباً يوضع ربا العباس)).(١) ٠ ٠ (١) الأثران : ٦٢٧٢، ٦٢٧٣ - حديث خطبته صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع ، رواه مسلم ٨: ١٨٢، ١٨٣ فى حديث جابر بن عبد الله فى حجة الوداع. وسنن البيهقى ٥ : ٢٧٤، ٢٧٥. وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ١: ٣٦٧، وقال ((أخرج أبو داود والترمذى وصحه، والنسالى، وابن ماجة، وابن أبى حاتم، والبيهقى فى سننه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع ... »، وانظر ابن كثير ٢ : ٦٥. ٢٨ تفسير سورة البقرة : ٢٨٠،٢٧٩ القول فى تأويل قوله ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ (3) قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((لا تظلمون)) بأخذ كم رؤوس أموالكم التى كانت لكم قبل الإرباء على غرمائكم منهم، دون أرباحها التى زدتموها رباً على من أخذتم ذلك منه من غرمائكم ، فتأخذوا منهم ما ليس لكم أخذُه ، أو لم يكن لكم قبلُ = ((ولا تُظلمون))، يقول: ولا الغريم الذى يعطيكم ذلك دون الرّبا الذى كنتم ألزمتموه من أجل الزيادة فى الأجل، يبخسُكم حقًّا لكم عليه فيمنعكموه، لأن ما زاد على رؤوس أموالكم لم يكن حقًّاً لكم عليه، فيكون بمنعه إياكم ذلك ظالماً لكم. ٠٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك كان ابن عباس يقول ، وغيرُه من أهل التأويل. * ذكر من قال ذلك : ٦٢٧٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ، عن على، عن ابن عباس: ((وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون))، فتُربون ، (( ولا تظلمون))، فتنقصون. ٦٢٧٥ - وحدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : ((فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون »، قال : لا تنقصون من أموالكم ، ولا تأخذون باطلاً لا يحلّ لكم. ٥ القول فى تأويل قوله ﴿وَ إِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بذلك: ((وإن كان )» ممن تقبضون منه من غرمائكم رؤوسَ أموالكم = ((ذو عُسْرَة)) يعنى: معسراً برؤوس أموالكم التى كانت لكم عليهم قبلَ الإرباء : فأنظروهم إلى ميسرتهم . ٢٩ تفسير سورة البقرة : ٢٨٠ وقوله: ((ذو عسرة))، مرفوع بـ ((كان))، فالخبر متروك، وهو ما ذكرنا . وإنما صلح ترك خبرها ، من أجل أنّ النكرات تضمِرُ لها العربُ أخبارَها . ولو وُجُّهت ((كان)) فى هذا الموضع، إلى أنها بمعنى الفعل المكتفِى بنفسه التام، لكان وجهاً صحيحاً، ولم يكن بها حاجة حينئذ إلى خبر. فيكون تأويلُ الكلام عند ذلك: وإن وُجد ذُو عسرة من غرمائكم برؤوس أموالكم، فنظرة إلى ميسرة . ٧٣/٣ وقد ذكر أنّ ذلك فى قراءة أبي بن كعب: ﴿وَ إِنْ كَان ذَاعُسْرَةٍ ﴾، بمعنى: وإن كان الغريم ذَا عُسرة = ((فنَظِرة إلى ميسرة)). وذلك وإن كان فى العربية جائزاً، فغيرُ جائزة القراءةُ به عندنا، لخلافه خطوط مصاحف المسلمين. (١) ٠ # وأما قوله: ((فنظرة إلى ميسرة))، فإنه يعنى: فعليكم أن تُنظِروه إلى مَيسرَة ، كما قال :: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذَى مِنْ رَأْسِهِ فَقَدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ﴾ [سورة البقرة ١٩٦]، وقد ذكرنا وجه رفع ما كان من نظائرها فيما مضى قبلُ، فأغنى عن تکریره. (٢) ٠ ٠ ((والميسرة))، ((المفعلة)) من ((اليُسر))، مثل ((المرْحمة)) و((المشأمة)). . .. ومعنى الكلام: وإن كان من غرمائكم ذو عسرة، فعليكم أن تنظروه حتى يُوسر بالدّين الذى لكم ، (٣) فيصيرَ من أهل اليُسر به. وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . (١) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ١٨٦. (٢) انظر ما سلف ٤ : ٣٤ . (٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((حتى يوسر بما ليس لكم))، واجتهد مصحح المطبوعة وقال: ((لعل (ليس) زائدة من الناسخ)). ولا أراه كذلك، بل قوله ((بما ليس))، هى فى الأصل الذى نقل عنه الناسخ ((بالدين)) مرتبطة الحروف ، كما يكون كثيراً فى المخطوطة القديمة ، فلم يحسن الناسخ قراءتها ، فقرأها (بما ليس))، وحذف ((الذى))، لظنه أنها زائدة سهواً من الناسخ قبله، وتبين صحة ما أثبتناه، من كلام الطبرى بعد فى آخر تفسير الآية. ولو قرئت: ((برأس مالكم))، لكان صواباً فى المعنى ، كما يتبين من الآثار الآتية . ٣٠ تفسير سورة البقرة : ٢٨٠ * ذكر من قال ذلك : ٦٢٧٧ - حدثنى واصل بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن فضيل ، عن یزید بن أبى زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس فى قوله: (( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة )) ، قال : نزلت فى الربا . ٦٢٧٨ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال ، حدثنا هشام ، عن ابن سيرين: أن رجلا خاصَ رجلاً إلى شُرَيَح، قال: فقضى عليه وأمرَ بحبسه، قال: فقال رجل عند شريح: إنه مُعسرٌ، والله يقول فى كتابه: ((وإن كان ذو عسرة فنّظرة إلى ميسرة))! قال: فقال شريح: إنما ذلك فى الربا ! وإن الله قال فى كتابه: ﴿ إِنَّاللهَ يَأْمُكُمْ أَنْ تُؤَدُوا الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَتْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بالعَدْلِ﴾ [ سورة النساء: ٥٨]، ولا يأمرنا الله بشىء ثم يعذبنا عليه . ٦٢٧٩ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم فى قوله: ((وإن كان ذُو عسرة فنظرة إلى ميسرة))، قال : ذلك فى الربا . ٦٢٨٠ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا مغيرة ، عن الشعبىّ أن الربيع بن خثيج كان له على رجل حق ، فكان يأتيه ويقوم على بابه ويقول : أىْ فلان، إن كنت ◌ُمُوسراً فأدّ، وإن كنت مُعسراً فإلى ميسرة.(١) ٦٢٨١ - حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن أيوب ، عن محمد قال: جاء رجل إلى شريح فكلّمه فجعل يقول : إنه معسر، إنه مُعسر !! قال : فظننت أنه يكلِّمه فى محبوس، فقال شريح: إن الربا كان فى هذا الحى من الأنصار، (٤) الأثر: ٦٢٨٠ - كان فى المطبوعة: ((مغيرة، عن الحسن ... ))، وفى المخطوطة ((مغيرة، عن الحسى)) مشددة الياء بالقلم، والناسخ كثير السهو والغفلة والتصحيف كما أسلفنا. وإنما هو ((الشعبى))، وهذا الإسناد إلى الشعبى قد مضى مئات من المرات، انظر مثلا : ٤٣٨٥. وكان فى المطبوعة: ((الربيع بن خيم)) وهو تصحيف والصواب ما أثبت، وقد مضت ترجمته فى رقم: ١٤٣٠. ٣١ تفسير سورة البقرة : ٢٨٠ فأنزل الله عز وجل: ((وإنْ كان ذُو عُسْرَة فنظرة إلى ميسرة))، وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ كُمْ أَنْ تُؤَّدُّوا الأمَانَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فما كان الله عز وجل يأمرنا بأمر ثم يعذبنا عليه؟ أدّوا الأمانات إلى أهلها . ٦٢٨٢ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن سعيد ، عن قتادة فى قوله: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة))، قال: فنظرة إلى ميسرة برأس ماله . ٦٢٨٣ - حدثی محمد بن سعد قال، حدثنی ابی قال ، حدثی عمی قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة » ، إنما أمر فى الربا أن ينظر المعسر، وليست النَّظرة فى الأمانة، ولكن يؤدِّى الأمانة إلى أهلها .(١) ٦٢٨٤ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة)) برأس المال= ((إلى ميسرة))، يقول: إلی غنی . ٦٢٨٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثنی حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ((وإن كان ذُو عسرة فنظرة إلى ميسرة))، هذا فى شأن الربا . ٦٢٨٦ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا عبيد بن سليمان قال (٢): سمعت الضحاك فى قوله: ((وإن كان ذُو عسرة فنظرة إلى ميسرة))، هذا فى شأن الربا ، وكان أهل الجاهلية بها يتبايعون ، فلما أسلم من أسلم منهم ، أمروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم . (١) فى المخطوطة: ((ولكن مؤدى الأمانة ... ))، وهو تصحيف من الناسخ. (٢) فى المطبوعة: ((عبيد بن سلمان))، والصواب من المخطوطة، وقد مضى الكلام على هذا الإستاد فيا سلف . ٠٣٢ تفسير سورة البقرة : ٢٨٠ ٦٢٨٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد اللّه قال ، حدثنى معاوية ، عن على، عن ابن عباس: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة)) ، يعنى المطلوب . ٦٢٨٨ - حدثنى ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن أبى جعفر فى قوله: (( وإن كان ذُو عسرة فنظِرَة إلى ميسرة))، قال: الموت . ٦٢٨٩ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن محمد بن على مثله . ٦٢٩٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا قبيصة بن عقبة قال ، حدثنا سفيان ، عن المغيرة، عن إبراهيم: ((وإن كان ذُو عسرة فنظرة إلى ميسرة))، قال: هذا فى الربا . ٧٤/٣ ٦٢٩١ - حدثنا أحمد بن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا شريك ، عن منصور ، عن إبراهيم ، فى الرجل يتزوج إلى الميسرة ، قال : إلى الموت ، أو إلى ◌ُفُرْقة. ٦٢٩٢ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة ، عن إبراهيم: ((فنظرة إلى ميسرة )) ، قال : ذلك فى الربا . ٦٢٩٣ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مندل، عن ليث ، عن مجاهد: ((فنظرة إلى ميسرة))، قال: يؤخّره، ولا يزدْ عليه. وكان إذا حلّ دين أحدهم فلم يجد ما يعطيه، زاد عليه وأخّره . ٦٢٩٤ - وحدثنى أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا مندل ، عن ليث، عن مجاهد: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة))، قال : يؤخره ولا يزدْ عليه . ٠ ٣٣ تفسير سورة البقرة : ٢٨٠ وقال آخرون: هذه الآية عامة فى كل من كان له قبل رجل معسر حقّ، (١) من أىّ وجهة كان ذلك الحق ، من دين حلال أو رباً . • ذكر من قال ذلك : ٦٢٩٥ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر ، عن الضحاك قال : من كان ذا 'عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدّقوا خير لكم. قال : وكذلك كل دينٍ على مسلم ، فلا يحلّ لمسلم له دَين على أخيه يعلم منه مُعسرة أن يسجنه، ولا يطلبه حتى ييسره الله عليه. وإنما جعل النظرة فى الحلال ، فمن أجل ذلك كانت الدّيون على ذلك . ٦٢٩٦ - حدثنى على بن حرب قال ، حدثنا ابن فضيل ، عن يزيد بن أبى زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة))، قال: نزلت فى الدّين . (٢) ٠ ٠ قال أبو جعفر: والصواب من القول فى قوله: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة))، أنه معنىٌّ به غرماء الذين كانوا أسلموا على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولهم عليهم ديون قد أربَوْا فيها فى الجاهلية، فأدركهم الإسلام قبل أن يقبضوها منهم ، فأمر الله بوضع ما بقى من الربا بعد ما أسلموا ، وبقبض رؤوس أموالهم ممن كان منهم من غرمائهم مُوسراً، أو إنظارٍ من كان منهم مُعسراً برؤوس أموالهم إلى ميسرتهم . فذلك حكم كل من أسلم وله رباً قد أربى على غريم له ، فإن الإسلام يبطل عن غريمه ما كان له عليه من قَبْل الربا، ويلزمه أداء رأس ماله - الذى كان (١) فى المخطوطة: ((هذه الآية عام ... )) تصحيف من الناسخ وسهو. (٢) الأثر: ٦٢٩٦ - ((على بن حرب بن محمد بن على الطائى)). قال النسائى: ((صالح)) ، وقال أبو حاتم: ((صدوق)) توفى سنة ٢٦٥ مترجم فى التهذيب . ج ٦ (٣) ٣٤ تفسير سورة البقرة : ٢٨٠ أخَذَ منه أو لزمه من قبل الإرباء - إليه، إن كان موسراً. (١) وإن كان مُعسراً، كان منظراً برأس مال صاحبه إلى ميسرته، وكان الفضلُ على رأس المال مُبطلاً عنه. غير أن الآية وإن كانت نزلت فيمن ذكرنا ، وإياهم عنى بها ، فإن الحكم الذى حكم الله به: من إنظاره المعسير برأس مال المربى بعد بطول الرّبا عنه، حكمٌ واجبٌ لكل من كان عليه دين لرجل قد حلّ عليه ، وهو بقضائه ◌ُعسر : فى أنه ◌ُمُنظر إلى ميسرته. لأنّ دَيْن كل ذى دين ، فى مال غريمه ، وعلى غريمه قضاؤه منه - لا فى رقبته . فإذا 'عدم ماله ، فلا سبيل له على رقبته بحبس ولا بيع. وذلك أن مال ربّ الدين لن يخلو من أحد وجوه ثلاثة : إما أن يكون فى رقبة غريمه ، أو فى ذمته یقضیه من ماله، أو فى مال له بعينه . = فإن يكن فى مال له بعينه، فمتى بطل ذلك المال وعدم ، فقد بطل دين ربُّ المال . وذلك ما لا يقوله أحد . = أو يكون فى رقبته، (٢) فإن يكن كذلك، فمتى عدمت نفسُه، فقد بطل دَيْنُ ربِّ الدين، وإن خَلَّف الغريم وفاءً بحقه وأضعافَ ذلك . وذلك أيضاً لا يقوله أحدٌ . فقد تبين إذاً، إذ كان ذلك كذلك، أنّ دين ربّ المال فى ذمة غريمه يقضيه من ماله ، فإذا 'عدم ماله فلا سبيل له على رقبته ، لأنه قد عدم ما كان عليه أن يؤدِّى منه حقَّ صاحبه لوكان موجوداً . وإذا لم يكن على رقبته سبيل، لم يكن إلى حبسه وهو معدوم بحقه، سبيل . (٣) لأنه غير مانعه حقًّا، له إلى قضائه سبيل، فيعاقب بِمَطْله إياه بالحبس. (٤) (١) سياق العبارة ((ويلزمه أداء رأس ماله ... إليه ... ))، وما بينهما فصل. (٢) فى المطبوعة: ((ويكون فى رقبته)»، والصواب من المخطوطة. (٣) فى المطبوعة: ((لم يكن إلى حبسه بحقه وهو معدوم سبيل)) قدم ((بحقه))، وأثبت ما فى المخطوطة ، فهو صواب جيد . (٤) فى المطبوعة: ((فيعاقب بظلمه إياه ... ))، وفى المخطوطة ((فيعاقب بطله إياه ... )) ٢٠ تفسير سورة البقرة : ٢٨٠ القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَنْ تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ٢٨٠ قال أبو جعفر : يعنى جل وعز بذلك : وأن تتصدقوا برؤوس أموالكم على هذا المعسر، = ((خيرٌ لكم)) أيها القوم من أن تنظرُوه إلى ميسرته ، لتقبضوا رؤوس أموالكم منه إذا أيسر= ((إن كنتم تعلمون)) موضع الفضل فى الصدقة ، وما أوجب اللّه من الثواب لمن وضع عن غريمه المعسر دينه . ٠٠٠ واختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم: معنى ذلك: ((وأن تصدقوا)) برؤوس أموالكم على الغنىِّ ٧٥/٣ والفقير منهم = ((خير لكم)) . * ذكر من قال ذلك : ٦٢٩٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة : (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم))، والمالُ الذى لهم على ظهور الرجال جعل لهم رؤوس أموالهم حين نزلت هذه الآية . فأما الربح والفضل فليس لهم ، ولا ينبغى لهم أن يأخذوا منه شيئاً = ((وأن تصدّقوا خير لكم))، يقول: أن تصدقوا بأصل المال خبر لكم.(١) ٦٢٩٨ - حدثنى يعقوب قال حدثنا ابن علية ، عن سعيد ، عن قتادة : وصواب قراءتها ما أثبت . مطله حقه بمطله مطلا ، وماطله مطالا : سوفه ودافعه بالعدة والدين . هذا ، وأبو جعفر رضى الله عنه، رجل قويم الحجة، أسد اللسان، سديد المنطق، عارف بالمعانى ومنازلها من الرأى ، ومساقطها من الصواب . وهذه حجة بينة فاصلة من حججه التى أشرت إليها كثيراً فى بعض تعليق على هذا التفسير الجليل . (١) الأثر: ٦٢٩٧ - سلف برقم: ٦٢٦٨. وانظر التعليق هناك. ٣٦ تفسير سورة البقرة : ٢٨٠ (( وأن تصدقوا))، أى برأس المال ، فهو خير لكم . ٦٢٩٩ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان ، عن مغيرة، عن إبراهيم: (( وأن تصدقوا خير لكم))، قال: من رؤوس أموالكم. ٦٣٠٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، عن المغيرة ، عن إبراهيم بمثله . ٦٣٠١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال ، حدثنا سفيان ، عن مغيرة، عن إبراهيم: ((وأن تصدقوا خير لكم))، قال : أن تصدقوا برؤوس أموالكم . وقال آخرون: معنى ذلك: وأن تصدقوا به على المعسير، خير لكم - نحوما قلنا فى ذلك . ذكر من قال فى ذلك : ٦٣٠٢ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((وأن تصدقوا خير لكم))، قال: وأن تصدقوا برؤوس أموالكم على الفقير، فهو خير لكم . فتصدق به العباس . ٦٣٠٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم))، يقول : وإن تصدقت عليه برأس مالك، فهو خير لك . ٦٣٠٤ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد قال ، سمعت الضحاك فى قوله: ((وأن تصدقوا خير لكم))، يعنى: على المعسر ، فأما الموسر فلا، ولكن يؤخذ منه رأس المال. والمعسرُ الأخذُ منه حلالٌ ، والصدقة عليه أفضل . ٦٣٠٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم، عن ٣٧ تفسير سورة البقرة : ٢٨٠ جويبر ، عن الضحاك : وأن تصدقوا برؤوس أموالكم ، خير لكم من نظرة إلى ميسرة. فاختار الله عز وجل الصّدقة على النِّظارة. (١) ٦٣٠٦ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم))، قال : من النظرة = ((إن كنتم تعلمون )) . ٦٣٠٧ - حدثنى يحيى بن أبى طالب قال ، أخبرنا يزيد قال ، أخبرنا جويبر، عن الضحاك: ((فنظرة إلى ميسرة وأن تصدّقوا خير لكم))، والنظرة واجبة. وخيَّر الله عز وجل الصدقة على النَّظيرة، (٢) والصّدقة لكل معسر، فأما الموسر فلا. ٠٠٠ قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بالصواب تأويل من قال: معناه: (( وأن تصدّقوا على المعسر برؤوس أموالكم خير لكم)). لأنه يلى ذكر حكمه فى المعنيين. وإلحاقُه بالذى يليه ، أحبّ إلىّ من إلحاقه بالذى بَعُد منه. ٠ قال أبو جعفر : وقد قيل إن هذه الآيات فى أحكام الربا، هنّ آخر آيات نزلت من القرآن . • ذكر من قال ذلك : ٦٣٠٨ - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا ابن أبى عدى ، عن سعيد = وحدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن سعيد ،= عن قتادة، عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب قال: كان آخرَ ما نزل من القرآن آيةُ الرّبا ، (١) النظارة (بكسر النون): الإنظار وهو الإمهال. وهو مصدر لم أجده فى كتب اللغة، ولكنه عريق فى عربيته . كالنذارة ، من الإنذار ، وهو عزيز ، ولكنه عربى البناء والقياس . (٢) يقال: ((اخترت فلاناً على فلان)) بمعنى: فضلت فلائاً على فلان، ولذلك عدى بعل. ومثله ((خير فلافاً على فلان))، أى فضله عليه. وقد جاء فى الأثر: ((خير بين دور الأنصار))، أى فضل بعضها على بعض . وقلما تجد هذا التعبير . ٣٨ تفسير سورة البقرة : ٢٨٠ وإن نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قُبض قبل أن يفسّرها، فدعوا الرّبا والرِّيبة.(١) ٦٣٠٩ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال ، حدثنا داود، عن عامر: أن عمر رضى الله عنه قام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد ، فإنه والله ما أدرى لعلنا نأمرُ كم بأمر لا يصلحُ لكم، وما أدرى لعلنا نهاكم عن أمر يَصْلِحُ لكم، وإنه كان من آخر القرآن تنزيلاً آياتُ الربا، فتُوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبيِّنْه لنا، فدعوا ما يَريبكم إلى ما لا يَريبكم)). (٢) (١) الحديث : ٦٣٠٨ - سعيد: هو ابن أبى عروبة. والحديث رواه أحمد فى المسند : ٢٤٦، عن يحيى، وهو القطان . و : ٣٥٠، عن ابن علية - كلاهما عن ابن أبى عروبة . بهذا الإسناد. ورواه ابن ماجة : ٢٢٧٦، من طريق خالد بن الحارث ، عن سعيد ، وهو ابن أبى عروبة ، به . وذكره ابن كثير ٢ : ٥٨، عن الموضع الأول من المسند . وذكره السيوطى فى الدر المنثور ١ : ٣٦٥، وزاد نسبته لابن الضريس، وابن المنذر. وأشار إليه فى الإتقان ١ : ٣٣، موجزاً، منسوباً لأحمد وابن ماجة فقط. وهذا الحديث - على جلالة رواته وثقتهم - ضعيف الإسناد ، لانقطاعه . فإن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر، كما بينا فى شرح المسند: ١٠٩، وانظر كتاب المراسيل لابن أبى حاتم ، ص : ٢٦ - ٢٧ ٠ (٢) الحديث: ٦٣٠٩ - داود: هو ابن أبى هند. عامر: هو الشعبى. وهذا الإسناد ضعيف أيضاً، فإن الشعبى لم يدرك عمر، كما قلنا فيما مضى: ١٦٠٨، نقلا عن ابن كثير . وذكره الحافظ فى الفتح ٨: ١٥٣، منسوباً للطبرى، وقال: ((وهو منقطع ، فإن الشعبى لم يدرك عمر )» . وذكر ابن كثير ٢: ٥٨، نحو معناه، قال: ((رواه ابن ماجة وابن مردويه، من طريق هياج ابن بسطام ، عن داود بن أبى هند ، عن أبى نضرة ، عن أبى سعيد الخدرى، قال: خطبنا عمر ... )) إلخ. وهياج بن بسطام الهروى : اختلفوا فيه جداً ، فضعفه أحمد ، وابن معين ، وابن أبى حاتم ، وغيرهم. وقال المكى بن إبرهيم - شيخ البخارى: (( ما علمنا الهياج إلا ثقة صادقاً عالماً)). ووثقه محمد ابن يحيى الذهلى . وقد أنكروا عليه أحاديث ، ثم ظهر أن الحمل فيها على ابنه خالد الذى رواها عنه . والراجح عندنا هذا، فإن البخارى ترجمه فى الكبير ٢٤٢/٢/٤، فلم يذكر فيه جرحاً . وكأنه ذهب فيه إلى ما اختاره شيخاه : المكى بن إبرهيم ، ومحمد بن يحيى الذهلى . وابن كثير لم يبين من رواه عن الهياج . ثم لم أعرف موضعه فى ابن ماجة ، وليس عندى كتاب ابن مردويه . ٣٩ تفسير سورة البقرة : ٢٨١،٢٨٠ ٦٣١٠ - حدثنى أبو زيد عمر بن شبة قال ، حدثنا قبيصة قال ، حدثنا سفيان الثورى، عن عاصم الأحول ، عن الشعبى ، عن ابن عباس قال : آخر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا، وإنّا لنأمرُ بالشىء لاندرى لعلّ به بأساً ، وننهى عن الشىء لعله ليس به بأس. (١) ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَاتَّقُواْ يَوْمَا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَُّ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْلاَ يُظْلَونَ﴾ (٨) ٧٦/٣ قال أبو جعفر : وقيل : هذه الآية أيضاً آخر آية نزلت من القرآن . . ذكر من قال ذلك : ٦٣١١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا أبو تميلة قال ، حدثنا الحسين بن واقد ولكنى وجدت له إسناداً إلى الهياج . فرواه الخطيب فى ترجمته فى تاريخ بغداد ١٤ : ٨٠ - ٨١، من طريق محمد بن بكار بن الريان ، - وهو ثقة - عن الهياج ، بهذا الإسناد . فعن هذا ظهر أن إسناده صحيح . والحمد لله . (١) الحديث : ٦٣١٠ - أبو زيد عمر بن شبة - بفتح الشين المعجمة وتشديد الباء الموحدة - النميرى النحوى: ثقة صاحب عربية وأدب. قال الخطيب: (( كان ثقة عالماً بالسير وأيام الناس)). مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٣ / ١١٦/١، وتاريخ بغداد ١١ : ٢٠٨ - ٢١٠. قبيصة : هو ابن عقبة. مضت ترجمته فى : ٤٨٩، ٢٧٩٢ . وهذا الحديث من روايته عن سفيان الثورى . وقد بينا هناك أن روايته عنه صحيحة ، خلافاً لمن تكلم فيها . عاصم الأحول: هو عاصم بن سليمان. وقد مضى مراراً. ووقع فى المطبوعة هنا ((عاصم عن الأحول)). وهو خطأ مطبعى . وثبت على الصواب فى المخطوطة . وهذا الحديث رواه البخارى فى الصحيح ٨ : ١٥٣ (فتح)، عن قبيصة ، بهذا الإسناد. ولكنه اقتصر على أوله، إلى قوله (( آية الربا)) لأن الباقى موقوف من كلام ابن عباس. وذكر السيوطى ١: ٣٦٥ رواية البخارى، وزاد نسبتها لأبى عبيد ، والبيهقى فى الدلائل . وقال الحافظ فى الفتح: ((المراد بالآخرية فى الربا: تأخر نزول الآيات المتعلقة به من سورة البقرة . وأما حكم تحريم الربا فنزوله سابق لذلك بمدة طويلة، على ما يدل عليه قوله تعالى فى آل عمران ، فى أثناء قصة أحد: ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة) الآية)). ٤٠ تفسير سورة البقرة : ٢٨١ عن يزيد النحوى ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت على النبى صلى الله عليه وسلم: ((واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللّه)).(١) ٦٣١٢ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی ابی قال ، حدثی عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى اللّه)) الآية، فهى آخر آية من الكتاب أنزلت . ٦٣١٣ - حدثنى محمد بن عمارة قال ، حدثنا سهل بن عامر قال ، حدثنا مالك بن مغول ، عن عطية قال: آخر آية نزلت: ((واتقوا يوماً تُرْجعون فيه إلى (١) الحديث: ٦٣١١ - أبو تميلة - بضم التاء المثناة: هو يحيى بن واضح. مضت ترحمته فى : ٣٩٢ . الحسين بن واقد: مضت ترجمته فى: ٤٨١٠. ووقع هناك فى طبعتنا هذه (الحسن)). وهو خطأ مطبعى ، مع أننا بيناه على الصواب فى الترجمة ، فيصحح ذلك . يزيد النحوى: هو يزيد بن أبى سعيد النحوى المروزى، مولى قريش . وهو ثقة، وثقه أبو زرعة ، وابن معين، وغيرهما. قتله أبو مسلم سنة ١٣١ لأمره إياه بالمعروف. والنحوى)): نسبة إلى ((بنى نحو))، بطن من الأزد . وهذا إسناد صحيح . والحديث ذكره الحافظ فى الفتح ٨ : ١٥٣، ونسبه الطبرى فقط. وذكره ابن كثير ٢ : ٦٩، عن رواية النسائى، فهو يريد بها السنن الكبرى . وكذلك صنع السيوطى فى الإتقان ١ : ٣٣. وذكر الهيشى فى مجمع الزوائد ٦: ٣٢٤، وقال: ((رواه الطبرانى بإسنادين، رجال أحدهما ثقات )) . وفى الدر المنثور ١ : ٣٦٩ - ٣٧٠ زيادة نسبته لأبي عبيد، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن الأنبارى فى المصاحف، وابن مردويه ، والبيهقى فى الدلائل . وظاهر هذه الرواية عن ابن عباس، يعارض ظاهر الرواية السابقة عنه : ٦٣١٠، أن آخر آية نزلت هى آية الربا . فقال الحافظ فى الفتح: ((وطريق الجمع بين هذين القولين، [يريد الروايتين]: أن هذه الآية هى ختام الآيات المنزلة فى الربا، إذ هى معطوفة عليهن)). ويشير إلى ذلك صنيع البخارى، بدقته وثقوب نظره، فإنه روى الحديث الماضى تحت عنوان : (« باب (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله))). فجعل بهذه الإشارة الموضوع واحداً، والروايتين متحدتين غير متعارضتين . رحمه الله .