Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١
تفسير سورة البقرة : ٢٧٠
أى أن جميع ذلك يعلمه الله، (١، لا يعزُب عنه منه شىء ، ولا يخفى عليه منه قليل
ولا كثير، ولكنه يحصيه أيها الناس عليكم حتى يجازيكم جميعكم على جميع ذلك .
فمن کانت نفقته منكم وصد قته ونذره ابتغاء مرضاه الله وتثبيتاً مننفسه، جازاه بالذى
وعده من التضعيف، ومن كانت نفقته وصدقته رئاءَ الناس ونذورُه للشيطان ،
جازاه بالذى أوْعدَه من العقاب وأليم العذاب ، كالذى :-
٦١٩٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم
من نَذْر فإن الله يعلمه))، ويُحصيه .
٦١٩٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن
أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
ثم أوعد جل ثناؤه من كانت نفقته رياءً ونذورُه طاعةً للشيطان فقال :
((وَمَا للظالمين من أنصار))، يعنى: وما لمن أنفق ماله رئاءَ الناس وفى معصية الله،
وكانت نذوره للشيطان وفى طاعته = ((من أنصار))، وهم جمع ((نصير))، كما
((الأشرافُ)) جمع ((شريف)). (٢) ويعنى بقوله: ((من أنصار))، من ينصرهم من
الله يوم القيامة، فيدفعُ عنهم عقابَه يومئذ بقوة وشدّة بطش، ولا بفدية .
٠٠٠
وقد دللنا على أن ((الظالم)) هو الواضع للشىء فى غير موضعه. (٣)
٠٠٠
وإنما سمى اللّه المنفقَ رئاءَ الناس والناذرَ فى غير طاعته، ظالماً، لوضعه إنفاق
ماله فى غير موضعه ، ونذره فى غير مَالَهُ وضعُه فيه، فكان ذلك ◌ُظلمه.
(١) فى المخطوطة: ((فإن الله يعلم))، والصواب هنا ما فى المطبوعة. ثم فى المطبوعة: ((جميع
ذلك بعلم الله)) ، وأثبت الصواب من المخطوطة .
(٢) انظر معنى ((النصر)) و((النصير)) فيما سلف ٢ : ٤٨٩، ٥٦٤.
(٣) انظر تفسير ((الظلم)» فيما سلف ١: ٥٢٣، ٢/٥٢٤: ٣٦٩، ٤/٥١٩:
٥٨٤، وغيرها من المواضيع ، اطلبها فى فهرس اللغة .
٥٨٢
تفسير سورة البقرة : ٢٧١،٢٧٠
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فكيف قال: ((فإنّ اللّه يعلمه))، ولم
يقل: ((يعلمهما))، وقد ذكر النذر والنفقة.
قيل: إنما قال: ((فإنّ اللّه يعلمه))، لأنه أراد فإن الله يعلم ما أنفقتم أو نذرتُم"،
فلذلك وحَّد الكناية .(١)
٥
القول فى تأويل قوله ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَّقْتِ فَنِمِنَّا هِىَ وَإِن
تُخْفُوهَا وَتُوْتُوهَاَ الْفُقَرَآءِ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((إن تبدوا الصَّدَقات)، إن تُعلنوا
الصدقات فَتُعطوها من تصدقتم بها عليه = ((فنعِمًاً هى))، يقول: فنعم الشىء هى=
((وإن تخفوها))، يقول: وإن تستروها فلم تعلنوها = (٢) ((وتؤتوها الفقراء))، يعنى:
وتعطوها الفقراء فى السر = (٣) ((فهو خبر لكم))، يقول: فإخفاؤكم إياها خيرٌ لكم
من إعلانها . وذلك فى صَدَقة التطوّع ، كما : -
٦١٩٥ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة
قوله: ((إن تبدوا الصدقات فنعماً هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء" فهو خير لكم))،
كلّ مقبولٌ إذا كانت النية صادقة، وصدقة السرّ أفضل. وذُ كرَ لنا أنّ
الصدقةَ تُطفئ الخطيئة" كما يطفىء الماءُ النارَ.
٦٢/٣
٦١٩٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: (( إن تبدوا الصدقات فنعما هی وإن تخفوها وتؤتوها
الفقراء فهو خير لكم))، قال: كلٌّ مقبول إذا كانت النية صادقةٌ ، والصدقة
(١) الكناية، والمكنى: هو الضمير، فى اصطلاح الكوفيين والبغداديين وغيرهم.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فلن تعلنوها))، وهو فاسد السياق، والصواب ما أثبت.
(٣) انظر معنى ((الإيتاء))، فى مادة ((أتى)) من فهارس اللغة فيما سلف.
٥٨٣
تفسير سورة البقرة : ٢٧١
فى السرّ أفضل. وكان يقول: إن الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفىءُ الماءُ النار.
٦١٩٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن
على ، عن ابن عباس قوله : ((إن تبدوا الصدقات فنعمًا هى وإن تخفوها وتؤتوها
الفقراء فهو خير لكم)) ، فجعل الله صدقة السرّ فى التطوّع تفضُلُ عَلافيتها
بسبعين ضعفاً . وجعل صدقةَ الفريضة: علانيتُها أفضلُ من سرّها، يقال :
بخمسة وعشرين ضعفاً. وكذلك جميعُ الفرائض والنّوافل والأشياء كلها.(١)
٦١٩٨ - حدثنى عبد الله بن محمد الحنفى قال، حدثنا عبد الله بن عثمان
قال، حدثنا عبد الله بن المبارك قال، سمعت سفيان يقول فى قوله: ((إن تبدوا
الصدقات فنعمّاً هی وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ))، قال: هو سوی
الزّكاة . (٢)
٠ ٠
وقال آخرون: إنما عنى الله عز وجل بقوله: ((إن تبدوا الصدقاتفنعمًا هى))،
إن تبدُوا الصدقات على أهل الكتابين من اليهود والنصارى فنعمّاً هى، وإن تخفوها
وتؤتوها فقراء هم فهو خير لكم. قالوا : وأما ما أعطى فقراء المسلمين من زكاة
وصدقةِ تطوُّع، فإخفاؤه أفضلُ من علانيته .
.* ذكر من قال ذلك :
٦١٩٩ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنى عبد الرحمن
ابن شريح، أنه سمع يزيد بن أبى حبيب يقول: إنما نزلت هذه الآية: (٣) ((إن تبدوا
الصدقات فنعما هى))، فى الصدقة على اليهود والنصارى. (٤)
(١) فى المطبوعة: ((فى الأشياء كلها))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) الأثر ٦١٩٨ - مضى رجال هذا الإسناد برقم: ٥٠٠٠، ٥٠٠٩، ويأتى برقم: ٦٢٠٠.
(٣) فى المطبوعة: ((هذه آية))، وهو خطأ، والصواب من المخطوطة.
(٤) الأثر: ٦١٩٩ - ((عبد الرحمن بن شريح بن عبد الله بن محمود بن المعافرى))،
أبو شريح الاسكندرانى . قال أحمد : ثقة: توفى بالإسكندرية سنة ١٦٧، وكانت له عبادة وفضل .
مترجم فى التهذيب .
٥٨٤
تفسير سورة البقرة : ٢٧١
٦٢٠٠ - حدثنى عبد الله بن محمد الحنفى قال، أخبرنا عبد الله بن عثمان
قال ، أخبرنا ابن المبارك ، قال ، أخبرنا ابن لهيعة قال : کان یزید بن أبی حبیب
يأمُر بقَسْمَ الزّكاة فى السرّ = قال عبد الله: أحب أن تُعطى فى العلانية = يعنى
الزكاة .
٥
قال أبو جعفر: ولم يخصص اللّه من قوله: ((إن تبدوا الصدقات فنعما هى))
[ شيئاً دون شىء]، فذلك على العموم إلا ما كان من زكاة واجبة، (١) فإن الواجب
من الفرائض قد أجمع الجميعُ على أن الفضل فى إعلانه وإظهاره ، سوى الزكاة
التى ذكرنا اختلاف المختلفين فيها ، مع إجماع جميعهم على أنها واجبة ، فَحُكمها فى
أنّ الفضل فى أدائها علانية ، حكمُ سائر الفرائض غيرها .
٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَيُكْفِرُ عَنكُم مِّنْ سَيِّئَاتِكُمْ)
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فروى عن ابن عباس أنه كان يقرؤه: ﴿وَتُكَّقِّرُ عَنْكُمْ﴾ بالتاء.
ومن قرأه كذلك فإنه يعنى به : وتكفِّر الصدقاتُ عنكم من سيئاتكم.
٠
وقرأ آخرون: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾ بالياء ، بمعنى: ويكفر اللّه عنكم
بصدقاتكم، على ما ذُكر فى الآية ، من سيئاتكم .
٠ ٠٠
(١) هكذا جاءت الجملة فى المخطوطة والمطبوعة، فزدت ما بين القوسين لتستقيم العبارة بعض
الاستقامة، ولا أشك أنه كان فى الكلام سقط من ناسخ، فأتمعته بأقل الألفاظ دلالة على المعنى .
وقد مضى كثير من سهو الناسخ فى هذا القسم من التفسير ، وسيأتى بعد قليل دليل على ذلك فى رقم :
٦٢٠٩ ٠
٥٨٥
تفسير سورة البقرة : ٢٧١
وقرأ ذلك بعدُ عامة قرأة أهل المدينة والكوفة والبصرة، ﴿ وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾
بالنون وجزم الحرف ، يعنى : وإن تخفوها وتوتوها الفقراء نُكفر عنكم من
سيئاتكم - بمعنى مجازاة الله عز وجل مخفى الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته
التى أخفاها .
قال أبو جعفر : وأولى القراءات فى ذلك عندنا بالصواب قراءةُ من قرأ :
﴿وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾ بالنون وجزم الحرف ، على معنى الخبر من اللّه عن نفسه
أنه یجازیالخفی صدقته من التطوّع ابتغاء وجهه من صدقته، بتکفیر سيئاته . وإذا
قرئ كذلك، فهو مجزوم على موضع ((الفاء)) فى قوله: (("فهو خير لكم)). لأن
((الفاء)) هنالك حلت محلّ جواب الجزاء.
٥
٠ ٠
فإن قال لنا قائل: وكيف اخترتَ الجزمَ على النَّسق على موضع ((الفاء))،
وتركت اختيار نسقه على ما بعد الغناء ، وقد علمت أنّ الأفصحَ من الكلام فى
النَّسق على جواب الجزاء الرفعُ، وإنما الجزمُ تجويزهُ؟(٦)
قيل : اخترنا ذلك، ليؤذن بجزمه أنّ التكفير - أعنى تكفير الله من سيئات
المصَّدِّقِ = لا محالةَ داخلٌ فيما وعد الله المصَّدِّق أن يجازيه به على صدقته . لأن
ذلك إذا جزم، مؤذن بما قلنا لا محالة. ولو رُفع كان قد يحتمل أن يكون داخلاً
فيما وعده اللّه أن يجازيه به، وأن يكون خبراً مستأنفاً أنه يكفر مِنْ سيئات عباده
المؤمنين، على غير المجازاة لهم بذلك على صدقاتهم. لأن ما بعد ((الفاء)» فى جواب
الجزاء استئناف ، فالمعطوف على الخبر المستأنف فى حكم المعطوف عليه، فى أنه
غير داخل فى الجزاء. ولذلك من العلة، اخترنا جزم ((نكفّر)) عطفاً به على موضع
٦٢/٣
(١) فى المطبوعة: ((تجويز)) بغير إضافة، وأثبت ما فى المخطوطة.
٥٨٦
تفسير سورة البقرة : ٢٧١
((الفاء)) من قوله: ((فهو خير لكم))، وقراءته بالنون.(١)
٠ ٠٠
فإن قال قائل: وما وجه دخول ((من)) فى قوله: ((ونكفر عنكم من سيئاتكم))
قيل : وجه دخولها فى ذلك بمعنى : ونكفر عنكم من سيئاتكم ما نشاءُ
تكفيره منها دون جميعها، ليكون العباد على وجل من اللّه، فلا يتكلوا على وعده
ما وَعد على الصّدقات التى يخفيها المتصدّق ، فيجترئوا على حدوده ومعاصيه.
٠
وقال بعض نحوبى البصرة: معنى ((من)) الإسقاط من هذا الموضع، (٢).
ويتأول معنى ذلك: ونكفّر عنكم سيئاتكم .
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَاللهُ بِمَ تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: ((والله بما تعملون)) فى صَد قاتكم ،
من إخفائها، وإعلان وإسرار بها وجهار، (٣) وفى غير ذلك من أعمالكم = ((خبير))
يعنى بذلك : ذو خبرة وعلم ، (٤) لا يخفى عليه شيء من ذلك ، فهو يجميعه محيط ،
ولكله مُخْصٍ على أهله، حتى يوفّيهم ثوابَ جميعه، وجزاءَ قليله وكثيره.
(١). هذا من دقيق نظر أبى جعفر فى معانى التأويل، ووجوه اختيار القراءات . ولو قد
وصلنا كتابه فى القراءات، الذى ذكره فى الجزء الأول: ١٤٨، وذكر فيه اختياره من القراءة ،
والعلل الموجبة صحة ما اختاره - لجاءنا كتاب لطيف المداخل والمخارج ، فيما نستظهر .
(٢) ((الإسقاط)) يعنى به: الزيادة، والحذف، وهو الذى يسمى أيضاً ((صلة))، كما
مضى مراراً ، واطلبه فى فهرس المصطلحات .
(٣) فى المطبوعة: ((وإجهار))، والصواب من المخطوطة.
(٤) انظر تفسير ((خبير)) فيما سلف ١ : ٤٩٦ / ثم ٩٤:٥
٥٨٧
تفسير سورة البقرة : ٢٧٢
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُلَهُمْ وَلْكِنَّ
اللهَ يَهْدِى مَن يَشَاءِ وَمَاَ تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرِ فَلَأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ أَبْتِغَآَ،
وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُؤَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَثُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) (٥)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: ليس عليك، يا محمد، هدى المشركين
إلى الإسلام، فتمنعهم صَدَقة التطوّع ولا تُعطيهم منها، ليدخلوا فى الإسلام حاجةٌ
منهم إليها ، ولكن اللّه هو يهدى من يشاء من خلقه إلى الإسلام فيوفقهم له ، فلا
تمتعهم الصّدقة ، كما : -
٦٢٠١ - حدثنا أبو کریب قال، حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر ،
عن شعبة قال : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يتصدّق على المشركين،
فنزلت: ((وما تُنفقون إلا ابتغاءَ وجه اللّه))، فتصدّق عليهم.
٦٢٠٢ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا أبو داود ، عن سفيان ، عن
الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال :
كانوا لا يَرْضَخون لقراباتهم من المشركين، فنزلت: ((ليس عليك هداهم ولكن
الله يهدی من یشاء ».(١)
٦٢٠٣ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن رجل ،
(١) الأثر: ٦٢٠٢ - ((جعفر بن إياس))، هو ابن أبى وحشية اليشكرى، أبو بشر
الواسطى . ثقة، وهو من أثبت الناس فى سعيد بن جبير. واختلف فى سنة وفاته بين سنة ١٢٣
وسنة : ١٣١. مترجم فى التهذيب. وروى الأثر ابن كثير فى تفسيره ٢: ٤٩ عن أبى عبد الرحمن
النسائى بإسناده، وقال: ((وكذا رواه أبو حذيفة، وابن المبارك، وأبو أحمد الزبيرى، وأبو داود
الحضرمى، عن سفيان - وهو الثورى - به)). ولم ينسبه لأبى جعفر، وهذا دليل على ما قدمته فى
تصدير الأجزاء السالفة أن ابن كثير وغيره ، قد أقلوا النقل عن أبى جعفر بعد الجزء الأول من تفسيره.
((رضخ له من ماله يرضخ رضمخاً، ورضخ له من ماله رضيخة)): أعطاه عطية مقاربة،
بين القليل والكثير .
٥٨٨
تفسير سورة البقرة : ٢٧٢
عن سعيد بن جبير قال : كانوا يتَّقون أن يَرْضخوا لقراباتهم من المشركين ، حتى
نزلت: (( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء)) .
٦٢٠٤ - حدثنا محمد بن بشار وأحمد بن إسحق قالا ، حدثنا أبو أحمد قال،
حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن
ابن عباس قال: كانوا لا يرضخون لأنسبائهم من المشركين، فنزلت: ((ليس
عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء))، فرَخَّص لهم .
٦٢٠٥ - حدثنا المثنى قال ، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
سفيان ، عن الأعمش ، عن جعفر بن إياس ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس قال : كان أناس من الأنصار لهم أنسباء وقرابةٌ من قُرَيظة والنضير،
وكانوا يتقون أن يتصدّقوا عليهم ، ويريدونهم أن يسلموا ، فنزلت: (( ليس عليك
هداهم )) الآية .
٦٢٠٦ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة :
وذكر لنا أن رجالا من أصحاب نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا: أنتصدق على من
ليس من أهل ديننا؟! فأنزل الله فى ذلك القرآن: ((ليس عليك هداهم)).
٦٢٠٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء)) ،
قال : كان الرجل من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجُل من المشركين قرابةٌ وهو
◌ُمْتَاجٌ، فلا يتصدّق عليه ، يقول: ليس من أهل دينى ! ! فأنزل الله عز وجل:
((ليس عليك هداهم)) ، الآية .
٦٢٠٨ - حدثنی موسى قال ، (١) حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
(١) الأثر: ٦٢٠٨ - فى المطبوعة والمخطوطة: ((حدثنا محمد، قال حدثنا عمرو ... ))،
والصواب ((موسى))، وهو ((موسى بن هارون، عن عمرو بن حماد)» وهو إسناد دائر من أول
التفسير. وسيأتى هذا الأثر نفسه، وتتمته برقم: ٦٢١١، وبإسناده على صوابه. وقد مضى بيان
أخى السيد أحمد عن هذا الإسناد فى الأثر رقم : ١٦٨.
٥٨٩
تفسير سورة البقرة : ٢٧٢
السدى قوله: (( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء وما تنفقوا من خير
فلأنفسكم))، أما: ((ليس عليك هداهم))، فيعنى المشركين، وأمّا (النفقة)) فبيَّن
أهلها .
٦٤/٣
٦٢٠٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الجمانى قال ، حدثنا يعقوب القمى ،
عن جعفر بن أبى المغيرة ، عن سعيد بن جبير قال : كانوا يتصدّقون [ على فقراء
أهل الذمة ، فلما كثر فقراءُ المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لا تتصدّقوا إلا على أهل دينكم. فنزلت: هذه الآية، مبيحةً للصدقة على من
ليس من دين الإسلام].(١)
٥
كما :-
٦٢١٠ - حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال قال ، ابن زيد فى قوله :
(يُوَفَّ إليكم وأنتم لا تظلمون))، قال: هو مردودٌ عليك، فمالك ولهذا تُؤذيه
وثمُنّ عليه؟ إنما نفقتُك لنفسك وابتغاءَ وجه الله، والله يجزيك. (٢)
(١) الأثر: ٦٢٠٩ - كان الكلام مبتوراً فى هذا الموضع من المخطوطة والمطبوعة، ولكن
الناسخ ساقه سياقاً واحداً هكذا: ((كانوا يتصدقون، كما حدثى يونس قال، أخبرنا ابن وهب ... ))
وقد أشرت فى ص: ٥٨٤، التعليق: ١ وغيره من تعليقاتى السالفة، إلى ما وقع فيه الناسخ من الغفلة والسهو.
وقد زدت ما بين القوسين مما رواه القرطبى فى تفسيره ٣ : ٣٣٧، قال روى سعيد بن جبير مرسلا عن
النبى صلى اله عليه وسهم فى سبب نزول هذه الآية: ((أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء
أهل الذمة ... )) إلى آخر ما نقلت. فرجحت أن هذا هو الأثر الساقط من هذا الموضع، فأثبته بنصه
من القرطبى ، ولكن بى صدر الكلام الآتى مبتوراً ، فوضعت نقطاً مكان هذا البتر .
(٢) الأثر: ٦٢١٠ - ما قبل هذا الأثر بتر لا أستطيع أن أقدر مبلئه. وأخرج الأثر
السيوطى فى الدر المنثور ١ : ٣٥٧ - ٠٣٥٨
٥٩٠
تفسير سورة البقرة : ٢٧٣
القول فى تأويل قوله ﴿لِلْفُقَرَاءُ الَّذِينَ أُخْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ
لَا يَسْتَطِعُونَ ضَرْبَ فِ الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنِ التََّقُّفِ تَعْرِفُم
بِيتَهُمْ لَا يَسَّْلُونَ النَّاسِنَ الْحَفَاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرِ فَإِنَّ اللهَ بِهِ.
عَلِيمٌ)
(٢٧٣
قال أبو جعفر: أما قوله: ((للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله))، فبيان"
من الله عز وجل عن سبيل النفقة ووجهها . ومعنى الكلام : وما تنفقوا من خير ،
فلأنفسكم تنفقون للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله .
((واللام)) التى فى ((الفقراء)) مردودة على موضع ((اللام)) فى ((فلأنفسكم))
كأنه قال: (( وما تنفقوا من خير)» - يعنى به : وما تتصدقوا به من مال فللفقراء
الذين أحصروا فى سبيل الله. فلما اعترض فى الكلام بقوله: (( فلأنفسكم ))، فأدخل
((الفاء)) التى هى جوابُ الجزاء فيه، تُركت إعادتها فى قوله: ((للفقراء))، إذ
کان الکلام مفهوماً معناه ، کما : -
٦٢١١ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى قوله:
(((ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم))،
أما: ((ليس عليك هداهم))، فيعنى المشركين. وأما ((النفقة)) فبيّن أهلها فقال:
(( للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله.(١)
٠
٥
وقيل : إن هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله فى هذه الآية ، هم فقراء المهاجرين
عامة، دون غيرهم من الفقراء .
* ذكر من قال ذلك :
(١) الأثر: ٦٢١١ - انظر الأثر السالف رقم: ٦٢٠٨ والتعليق عليه .
٥٩١
تفسير سورة البقرة : ٢٧٣
٦٢١٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله))،
مهاجرى قريش بالمدينة مع النبى صلى الله عليه وسلم، أمَر بالصدقة عليهم .
٦٢١٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه قوله: ((للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله)) الآية، قال: هم فقراء
المهاجرين بالمدينة .
٦٢١٤ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله))، قال: فقراء المهاجرين .
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿ الَّذِينَ أُخْصِرُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : الذين جعلهم جهادُهم علوّهم
يُخْصِرون أنفسَهم فيحبسونها عن التصرُّف، فلا يستطيعون تصرّفاً.(١)
٠
وقد دللنا فيما مضى قبلُ على أن معنى ((الإحصار))، تصيير الرجل المحصّر
بمرضه أو فاقته أو جهاده عدوَّه، وغير ذلك من علله ، إلى حالة يحبس نفسه فيها
عن التصرُّف فى أسبابه ، بما فيه الكفاية فيما مضى قبل . (٢)
٠ ٥
وقد اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .(٣)
فقال بعضهم فى ذلك بنحو الذى قلنا فيه .
· ذ کر من قال ذلك :
(١) التصرف: الكسب. يقال: ((فلان يصرف لعياله، ويتصرف لهم، ويصطرف))،
أى يكتسب لهم . وهو من الصرف والتصرف: وهو التقلب والحيلة .
(٢) أنظر ما سلف ٤: ٢١ - ٢٦ .
(٣) فى المخطوطة: ((وقال: اختلف أهل التأويل
... )). وهما سواء.
تفسير سورة البقرة : ٢٧٣
٦٢١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((الذين أحصروا فى سبيل الله))، قال: حَصَروا أنفسهم
فى سبيل الله للغزو .
٦٢١٦ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله))، قال: كانت الأرض كلُّها كفراً ، لا
يستطيع أحدٌ أن يخرج يبتغى من فضل الله، إذا خرج خرج فى كُفُر = وقيل :
كانت الأرضُ كلها حرباً على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجَّهون جهة إلا
لهم فيها عدوّ، فقال الله عز وجل: ((الفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله))
الآية ، كانوا ههنا فى سبيل الله.
0
وقال آخرون : بل معنى ذلك : الذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التصرُّف.
• ذكر من قال ذلك :
٦٢١٧ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله))، حصرهم المشركون فى
المدينة .
قال أبو جعفر : ولو كان تأويل الآية على ما تأوله السدّىّ، لكان الكلام :
للفقراء الذين حصروا فى سبيل الله، ولكنه ((أحصِروا))، فدل ذلك على أن
خوفهم من العدوّ، الذى صيّر هؤلاء الفقراء إلى الحال التى حَبّسوا - وهم فى سبيل الله
- أنفسَهم ، لا أنّ العدوّ هم كانوا الحابِسِيهم.
وإنما يقال لمن حبسه العدوّ: ((حصره العدوّ))، وإذا كان الرّجل المحبَّس
من خوف العدوّ، قيل: ((أحصره خوفُ العدّو)) .(١)
٦٥/٣
٥ ٥
(١) انظر تفصيل ذلك فيما سلف ٤: ٢١ - ٢٦.
تفسير سورة البقرة : ٢٧٣
القول فى تأويل قوله ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبَافِ الْأَرْضِ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : لا يستطيعون تقلُّباً فى الأرض
وسفراً فى البلاد ، ابتغاءَ المعاش وطلبَ المكاسب، (١) فيستغنوا عن الصدقات،
رهبةَ العدوّ وخوفاً على أنفسهم منهم ، كما : -
٦٢١٨ - حدثنى الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة: (( لا يستطيعون ضرباً فى الأرض))، حبسوا أنفسهم فى سبيل الله
للعدّو، فلا يستطيعون تجارةً .
٦٢١٩ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((لا يستطيعون ضرباً فى الأرض ))، يعنى التجارة.
٦٢٢٠ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد قوله :
((لا يستطيعون ضرباً فى الأرض))، كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغى من
فَضْل الله .
٥
القول فى تأويل قوله ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّفَّفِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بذلك: ((يحسبهم الجاهل)) بأمرهم وحالهم = ((أغنياء)).
من تعففهم عن المسألة ، وتركهم التعرض لما فى أيدى الناس ، صبراً منهم على
البأساء والضراء ، كما : -
٦٢٢١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة
(١) فى المخطوطة: ((المكاسر))، وهو دليل مبين عن غفلة الناسخ وعجلته، كما أسلفت
مراراً كثيرة .
٥٩٤
تفسير سورة البقرة : ٢٧٣
قوله: ((يحسبهم الجاهل أغنياء))، يقول: يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من
التعفف. (١)
. ..
ويعنى بقوله: ((من التعفف))، من تَرْك مسألة الناس.
. ..
وهو ((التفعّل)) من ((العفة)) عن الشىء، والعفة عن الشىء، تركه ، كما
قال رؤبة :
، فَفََّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ الصََّقْ.(٢)
يعنى : بَرئ وتجنّبَ .
٥٠ ٥
القول فى تأويل قوله ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيَهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه: (( تعرفهم )) یا محمد = (( بسيماهم))، يعنى
بعلامتهم وآثارهم، من قول الله عز وجل: {سِيمَاهُمْ فِىِ وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾
[سورة الفتح: ٢٩]، هذه لغة قريش. ومن العرب من يقول: ((بسيماهم)) فيمدها .
وأما ثقيف وبعض أسَدٍ فإنهم يقولون: ((بسيميائهم))، ومن ذلك قول الشاعر: (٣)
(١) الأثر : ٦٢٢١ - كان الإسناد فى المطبوعة والمخطوطة: ((كما حدثنا يزيد قال حدثنا
سعيد ... )) أسقط الناسخ من الإسناد ((حدثنا بشر قال))، كما زدته، وهو إسناد دائر دوراناً
فى التفسير أقربه رقم : ٦٢٠٦ .
(٢) مضى تخريج هذا البيت وتفسيره فى ٥: ١١٠، ولم يذكر هناك مجىء ذكره
فى هذا الموضع من التفسير ، فقيده هناك.
(٣) هو ابن عنقاء الفزارى، وعنقاء أمه، وقد اختلف فى اسمه، فقال القالى فى أماليه
١: ٢٣٧: ((أسيد))، وقال الآمدى فى المؤتلف والمختطف: ١٥٩، وقال المرزبانى فى مجم
الشعراء: ((قيس بن بجرة)) (بالجيم)، أو ((عبد قيس بن بجرة))، وفى النقائض: ١٠٦ «عبد قيس
ابن بحرة)) بالحاء الساكنة وفتح الباء، وهكذا كان فى أصل اللآلىء شرح أمافى القالى: ٥٤٣، وغيره
٥٩٥
تفسير سورة البقرة : ٢٧٣
لَهُ سِيمِيَاءٌ لاَ تَشُقُ عَلَى البَصَرْ(١).
غُلاَمٌ رَمَهُ اللهُ بِالْحُسْنِ يَفِعاً
العلامة الراجكوتى ((بجرة)) بضم الباء وبالجيم الساكنة عن الإصابة فى ترجمة ((قيس بن بجرة)) وفى
هذه الترجمة أخطاء كثيرة. وذكر شيخنا سيد بن على المرصفى فى شرح الكامل ١: ١٠٨ أنه أسيد بن ثعلبة
ابن عمرو. وهذا كاف فى تعيين الاختلاف . وابن عنقاء ، عاش فى الجاهلية دهراً ، وأدرك الإسلام
كبيراً ، وأسم .
(١) يأتى فى التفسير ٤: ٨/٥٥: ١٤١ (بولاق) والأغانى ١٧: ١١٧، الكامل
١: ١٤، المؤتلف والمختلف، ومعجم الشعراء: ١٥٩، ٣٢٣، أمالى القالى ١: ٢٣٧،
الحماسة ٤: ٦٨، وسمط اللآلىء: ٥٤٣، وغيرها كثير. من أبيات جياد فى قصة، ذكرها القالى
فى أماليه . وذلك أن ابن عنقاء كان من أكثر أهل زمانه وأشدهم عارضة ولساناً ، فطال عمره، ونكبه
دهره ، فاختلت حاله ، فر به عميلة بن كلدة الفزارى ، وهو غلام جميل من سادات فزارة ، فسلم عليه
وقال: يا حم ، ما أصارك إلى ما أرى ؟ فقال: بخل مثلك بماله ، وصوفى وجهى عن مسألة الناس!
فقال: والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أرى من حالك. فرجع ابن عنقاء فأخبر أهله ، فقالت :
لقد غرك كلام غلام جنح ليل !! فبات متململا بين اليأس والرجاء . فلما كان السحر ، سمع رغاء
الإبل، وثغاء الشاء وصهيل الخيل، ولجب الأموال ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : هذا عميلة ساق إليك
ماله ! ثم قسم عميلة ماله شطرين وساهمه عليه ، فقال ابن عنقاء فيه يمجده :
رَآَنِ عَلَى مَاَبِى ◌ُمَيْلَةُ، فَأَشْتَكَى إِلَى مَلِهِ حَلَى، أسرَّ كَمَا جَهَرْ
دَعَنِ فَسَانِ، وَلَوْ ضَنَّ لَمْ أَلُمْ
فَقُلْتُ لَهُ خَيراً، وأَنْفَيْتُ فِعْلَهُ
غُلاَمٌ رَمَهُ الله ◌ِتَخَيْرِ يافِعَاً
كَأَنَّ الثُريَّا عُلِّقْتْ فِى جَبِيِنِهِ ،
إذا قِيلَتِ العَوْرَاءِ أَغْضَى، كَأَنّهُ
كَرِيمٌ نَمَتَهُ لِكَرِمِ حُرَّةٌ
وَلَمَّا رَأَى المَجْدَ اسْتُميرت ثِيَبُهُ
عَلَى حِينَ لاَ بَدْوٌ يُرجَّى ولا حَضَرْ
وَأَوْفَكَ مَا أَبْلَيْتَ مَنْ ذَمَّ أَوْ شَكَرْ
لَهُ سِيمِياه لا تَشُقُّ عَلَى البَصَرْ
وَفِ خَدِّهِ الشِّعْرَى، وَفِى وَجْهِهِ القَمَرْ
ذَلِيلٌ مِلاَ ذُلٍ، وَلَوْ شَاءَ لَُّنْتَصَرْ
فَجَاءَ، وَلاَ بُخْلٌ لَدَيْهِ ولا حَصَرْ
تَرَدَّى رِدَاء وَاسِعَ الذّيْلِ وَأَتْزَرْ
وهذا شعر حر، ينبع من نفس حرة. هذا وقد روى الطبرى فى ٨: ١٤١ ((رماه اللّه بالحسن
إذا رمى)). وقال أبو رياش فيما انتقده على أبى العباس المبرد: ((لا يروى بيت ابن عنقاء: ((رماه
الله بالحسن ... )) إلا أعمى البصيرة، لأن الحسن مولود، وإنما هو: رماه اللّه بالخير يافعاً)).
وقوله: ((لا تشق على البصر))، أى : لا تؤذيه بقبح أو ردة أو غيرهما، بل تجلى بها العين ،
وتسر النفس وترتاح إليها .
٥٩٦ ٠
تفسير سورة البقرة : ٢٧٣
وقد اختلف أهل التأويل فى ((السما)) التى أخبر الله جل ثناؤه أنها لهؤلاء الفقراء
.الذين وصفَ صفتهم، وأنهم يعرفون بها. (١)
فقال بعضهم : هو التخشّع والتواضع.
• ذكر من قال ذلك :
٦٢٢٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((تعرفهم بسيماهم))، قال : التخشُّع .
٦٢٢٣ - حدثیالمثنی قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن
أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٦٢٢٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه ، عن ليث قال:
كان مجاهد يقول : هو التخشُّع .
٠
وقال آخرون : يعنى بذلك : تعرفهم بسيما الفقر وجهد الحاجة فى وُجوههم.
* ذكر من قال ذلك :
٦٢٢٥ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن
السدى: ((تعرفهم بسيماهم))، بسيما الفقر عليهم .
٦٢٢٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((تعرفهم بسيماهم))، يقول: تعرف فى وجوههم
الجَهد من الحاجة .
٠
٠
وقال آخرون : معنى ذلك: تعرفهم برثاثة ثيابهم . وقالوا: الجوعُ خفىّ .
• ذكر من قال ذلك :
٦٢٢٧ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وصفت صفتهم)»، وهو مخالف السياق، والصواب ما أثبت،
وصف الله صفتهم .
٥٩٧
تفسير سورة البقرة : ٢٧٣
(( تعرفهم بسيماهم))، قال: السيما رثاثة ثيابهم. والجوع خفى على الناس ، ولم
تستطع الثياب التى يخرجون فيها [ أن ] تخفى على الناس . (١).
٠ ٠٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال : إن الله عز وجل
أخبر نبيّه صلى اللّه عليه وسلم أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم . وإنما كان
النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعيان،
فيعرفُهم وأصحابه بها ، كما يُدرك المريضُ فيعلم أنه مريض بالمعاينة . وقد يجوز
أن تكون تلك السيما كانت تخشُّعاً منهم ، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضرّ ،
وأن تكون كانت رثاثة الثياب ، وأن تكون كانت جميعَ ذلك . وإنما تُدرك علامات
الحاجة وآثار الضر فى الإنسان ويعلم أنها من الحاجة والضر، بالمعاينة دون الوصف .
وذلك أن المريض قد يصير به فى بعض أحوال مرضه من المرض ، نظيرُ
آثار المجهود من الفاقة والحاجة . وقد يلبس الغنى ذو المال الكثير الثياب الرثة ،
فيتزيَّى بزىّ أهل الحاجة ، فلا يكون فى شىء من ذلك دلالة بالصّفة على أنّ
الموصوف به مختلٌّ ذو فاقة. وإنما يدرى ذلك عند المعاينة بسماه كما وصف اللّه، (٢)
نظير ما يُعرف أنه مريض عند المعاينة ، دون وَصْفه بصفته .
٦٦/٣
٠
القول فى تأويل قوله ﴿لَا يَشْلُونَ النَّاسَ إِلْحَفَا ﴾
قال أبو جعفر: يقال: ((قد ألحف السائل فى مسألته))، إذا ألحّ = ((فهو
يُلحف فيها إلحافاً)).
(١) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، لتستقيم العبارة.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((كما وصفهم الله))، والسياق يقتضى ما أثبت. والمخطوطة التى
نقلت عنها، فيما نظن، كل النسخ المخطوطة التى طبع عنها، مضطربة الخط ، كما سلف الدليل على
ذلك مراراً ، وفى هذا الموضع من كتابة الناسخ بخاصة.
٥٩٨
.
تفسير سورة البقرة : ٢٧٣
فإن قال قائل : أفكان هؤلاء القوم يسألون الناس غير إلحاف ؟
قيل : غير جائز أن يكون كانوا يسألون الناس شيئاً على وجه الصدقة إلحافاً
أو غير إلحاف.(١) وذلك أن الله عز وجل وصفهم بأنهم كانوا أهل تعفف ،
وأنهم إنما كانوا يُعرفون بسيماهم . فلو كانت المسألة من شأنهم، لم تكن صفتُهم
التعفف، ولم يكن بالنبى صلى الله عليه وسلم إلى علم معرفتهم بالأدلة والعلامة حاجة،
وكانت المسألة الظاهرة تُنبئ عن حالهم وأمرهم.
وفى الخبر الذى : -
٦٢٢٨ - حدثنا به بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة ،.
عن هلال بن حصن ، عن أبى سعيد الخدرى قال ، أعوزنا مرة فقيل لى : لوأتيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته!فانطلقت إلیه معنقاً،فكان أول ما واجھنی
به: (( من استعفّ أعفَّ اللّه، وَمَن استغنى أغناهُ اللّه، ومن سألنا لم ندَخر عنه
شيئاً نجده )). قال: فرجعت إلى نفسى فقلت: ألاَّ أستعفّ فيُعِفَّى اللّه!
فرجعت ، فما سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد ذلك من أمر حاجة ،
حتى مالت علينا الدنيا فغرَّقَتنا، إلاّ من عَصَمَ اللّه. (٢)
(١) فى المطبوعة: ((إلحافاً وغير إلحاف))، بالواو، وهو لا يستقيم، والصواب ما أثبت.
وانظر معانى القرآن الفراء ١: ١٨١، وقد قال: ((ومثله قولك فى الكلام: قلما رأيت مثل هذا
الرجل!، ولعلك لم تر قليلا ولا كثيراً من أشباهه)) وسيأتى بعد، فى ص: ٥٩٩، وفى المسان
(لحف)، وذكر الآية: ((أى: ليس منهم سؤال فيكون إلحاف، كما قال امرؤ القيس [يصف
طريقاً غير مسلوكة ] :
[إِذَا سَافَهُ العَوْدُ التُّبَاطِئُّ جَرْجَرا]
عَلَى لاَحِبِ لاَ يُهْتَدَى بِمِنَارِهِ
المعنى: ((ليس به منار فيهتدى به)).
(٢) الحديث: ٦٢٢٨ - إسناده صحيح.
هلال بن حصن ، أخو بنى مرة بن عباد ، من بنى قيس بن ثعلبة : تابعى ثقة . ذكره ابن حيان
فى الثقات، ص: ٣٦٤، وترجمه البخارى فى الكبير ٤ /٢٠٤/٢، وابن أبى حاتم ٧٣/٢/٤ -
فلم يذكرا فيه جرحاً . وهو مترجم فى التعجيل، ص : ٤٣٤.
٥٩٩
تفسير سورة البقرة : ٢٧٣
(١) =الدلالةُ الواضحةُ على أنّ التعفف معنى ينفى معنى المسألة من الشخص الواحد،
وأنّ من كان موصوفاً بالتعفف ، فغير موصوف بالمسألة إلحافاً أو غير إلحاف . (٢)
٠
فإن قال قائل : فإن كان الأمر على ما وصفت ، فما وجه قوله :
((لا يسألون الناس إلحافاً))، وهم لا يسألون الناس إلحافاً أو غير إلحاف . (٢)
قيل له : وجه ذلك : أنّ اللّه تعالى ذكره لما وصفهم بالتعفف، وعرّف عباده
انهم ليسوا أهل مسألة بحالٍ بقوله: ((يحسبهم الجاهلُ أغنياء من التعفف))، وأنهم
إنما يُعرفون بالسما - زاد عبادَه إبانة لأمرهم وُحسنَ ثناء عليهم، بنفى الشّره والضراعة
التى تكون فى الملحُّين من السُّؤَّال، عنهم . (٣)
وقد كان بعضُ القائلين يقول: (٤) ذلك نظيرُ قول القائل: ((قلَّما رأيتُ مثل
والحديث رواه أحمد فى المسند : ١٤٢٢١، ١٤٢٢٢ (ج ٣ ص ٤٤ حلبى)، عن محمد
ابن جعفر وحجاج ، ثم عن حسين بن محمد - ثلاثتهم عن شعبة، عن أبى حمزة ، عن هلال بن حصن ،
عن أبى سعيد . فذكر نحوه بأطول منه .
وهذا أيضاً إسناد صحيح .
أبو حمزة: هو البصرى ((جار شعبة))، عرف بهذا. واسمه ((عبد الرحمن بن عبد الله المازنى))،
ثقة، مترجم فى التهذيب ٦ : ٢١٩ .
وقد ثبت فى ترجمة ((هلال بن حصن)) - فى الكبير، وابن أبى حاتم، والثقات، والتعجيل ،
أنه روى عنه أيضاً ((أبو حمزة)). وشك فى صحة ذلك العلامة الشيخ عبد الرحمن اليمانى مصحح التاريخ
الكبير، واستظهر أن يكون صوابه ((أبو جمرة)»، يعنى نصر بن عمران الضبعى. ولكن يرفع هذا
الشك أنه فى المسند أيضاً ((أبو حمزة)). لاتفاقه مع ما ثبت فى التراجم.
((أعوز الرجل فهو معوز)»: ساءت حاله وحل عليه الفقر.
((أعنق الرجل إلى الشىء يعنق)): أسرع إليه إسراعاً.
(١) سياق الكلام: ((وفى الخبر ... الدلالة الواضحة ... ))
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة فى الموضعين: ((إلحافاً وغير إلحاف)) بالواو، وانظر التعليق
السالف رقم : ١ ص ٥٩٨ .
(٣) ((السؤال)) جمع سائل، على زنة ((جاهل وجهال)). والسياق: ((بنى الشره ...
عنهم )) .
(٤) فى المطبوعة: ((وقال: كان بعض القائلين يقول فى ذلك نظير قول القائل)) وهو كلام
شديد الخلل. وفى المخطوطة: ((وقال كاد بعض القائلين ... )) وسائره كالذى كان فى المطبوعة،
وهو أشد اختلالا وفساداً. وصواب العبارة ما استظهرته فأتيته . وهذا الذى حكاه أبو جعفر هو قول
الفراء فى معانى القرآن ١: ١٨١، كما سلف فى ص: ٥٩٨ التعليق : ١
٦٠٠
تفسير سورة البقرة : ٢٧٣
فلان))! ولعله لم يَرَ مثله أحداً ولا نظيراً .
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى معنى (الإلحاف)) قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
٦٢٢٩ - حدثنى موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((لا يسألون الناس إلحافاً))، قال : لا يلحفون فى المسألة .
٦٢٣٠ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((لا يسألون الناس إلحافاً))، قال: هو الذى يلح فى المسألة.
٦٢٣١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :
((لا يسألون الناس إلحافاً))، ذكر لنا أن نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول: إن
الله يحب الحليم الغنىّ المتعفف، ويبغض الغنىّ الفاحش البذيء السائل الملحف =
قال: وذكر لنا أن نبيّ اللّه صلى عليه وسلم كان يقول: إن الله عز وجل كره
لكم ثلاثاً : قيلاً وقالاً، (١) وإضاعةَ المال ، وكثرة السؤال . فإذا شئت رأيته فى
قيل وقال يومه أجمع وصدرَ ليلته. حتى يُلقى جيفةً على فراشه، لا يجعلُ اللّه له
من نهاره ولا ليلته نصيباً. وإذا شئت رأيته ذا مال [ينفقه] فى شهوته ولذاته وملاعبه، (٢)
وَيَعدِ له عن حقّ اللّه، فذلك إضاعة المال . وإذا شئت رأيته باسطاً ذراعيه يسأل
الناس فى كفيه ، فإذا أعطى أفرط فى مدحهم ، وإنُْنع أفرط فى ذَمهم.
٠
(٣)
(١) فى المطبوعة: ((قيل وقال)) وهو صواب، وهما فعلان من قولهم ((قيل كذا)) و((قال
كذا)»، وهو نهى عن القول بما لا يصح ولا يعلم. وأثبت ما فى المخطوطة، وهما مصدران بمعنى
الإشارة إلى هذين الفعلين الماضيين ، يجعلان حكاية متضمنة الضمير والإعراب ، على إجرائهما مجرى
الأسماء خلوين من الضمير، فيدخل عليهما حرف التعريف لذلك فيقال: ((القيل والقال)).
فى شهوته)) وبين الكلامين بياض، أما فى المطبوعة
(٢) فى المخطوطة: ((ذا مال
والدر المنثور ١: ٣٦٣، فساقه سياقاً مطرداً: ((ذا مال فى شهوته))، ولكنه لا يستقم مع قوله
بعد: ((ويعدله عن حق الله))، فلذلك وضعت ما بين القوسين استظهاراً حتى يعتدل جانبا هذه العبارة.
(٣) هذه النقط دلالة على أنه قد سقط من الناسخ كلام لا ندرى ما هو ، فى المخطوطة فى