Indexed OCR Text
Pages 501-520
٠٠١ تفسير سورة البقرة : ٢٦٠ قال أبو جعفر: وهذا القول الذى ذكرناه عن البصريين =: من أن معنى الضم فى ((الصاد)) من قوله: ((فصرهن إليك)) والكسر، سواء بمعنى واحد - وأنهما لغتان، معناهما فى هذا الموضع: فقطعهن - وأنّ معنى ((إليك)) تقديمها قبل ((فصرهن))، من أجل أنها صلة قوله ((فخذ)) =(١) أولى بالصواب من قول الذين حكينا قولهم من نحوییالکوفیین ، الذین أنکروا أن یکون للتقطيع فىذلك وجه مفهوم إلا على معنى القلب الذى ذكرت - (٢) لإجماع أهل التأويل على أن معنى قوله: (( فصرهن)) غير خارج من أحد معنيين: إما ((قطّعهن))، وإما ((اضمُمْهن إليك))، بالكسر قرئ ذلك أو بالضم . ففى إجماع جميعهم على ذلك = على غير مراعاة منهم كسر الصاد وضمها، ولا تفريق منهم بين معنى القراءتين، أعنى الكسر والضم = أوضح الدليل على صحّة قول القائلين من نحوبى أهل البصرة فى ذلك ما حكينا عنهم من القول، وخطأ قول نحوبى الكوفيين. لأنهم لو كانوا إنما تأولوا قوله: ((فصرهن)) بمعنى فقطعهن، على أنّ أصل الكلام ((فاصرهن))، ثم قلبت فقيل: ((فصرْهن)) بكسر (الصاد ))، لتحول ((ياء))، (( فاصرهن )» مكان رائه ، وانتقال رائه مكان يائه ، لكان لا شك - مع معرفتهم بلغتهم وعلمهم بمنطقهم - قد فصلوا بين معنى ذلك إذا قرئ بكسر صاده ، وبينه إذا قرئ بضمها . إذ كان غير جائز لمن قلب (فاصرٍ من)) إلى ((فصِرْهن)) أن يقرأه ((فصُرْهن)) بضم الصاد. وهم، مع اختلاف قراءتهم ذلك ، قد تأولوه تأويلاً واحداً على أحد الوجهين اللذين ذكرنا ، ففى ذلك أوضحُ الدليل على خطأ قول من قال إن ذلك إذا قرئ بكسر ((الصاد)) بتأويل: التقطيع، مقلوب من: ((صَرِى يَصْرَى)) إلى ((صاريصير)) = وجهل من زعم أن قول القائل: ((صار يصور))، ((وصار يصير)) غير معروف فى كلام العرب بمعنى : قطع . (١) قوله ((أولى بالصواب))، خبر قوله: ((وهذا القول الذى ذكرناه ... أولى بالصواب .. )) (٢) سياق العبارة: (( ... أولى بالصواب ... لإجاع جميع أهل التأويل ... )). ٠ ٥٠٢ تفسير سورة البقرة : ٢٦٠ ذكر من حضرنا قوله فى تأويل قول الله تعالى ذكره: ((فصرهن)» أنه بمعنى: فقطعهن : ٥٩٩٤ - حدثنا سليمان بن عبد الجبار قال، حدثنا محمد بن الصلت قال ، حدثنا أبو كدينة، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ((فصرهن))، قال : هى نبطيَّةً ، فشقُقْهن .(١) ٥٩٩٥ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة، عن أبى جمْرة، عن ابن عباس أنه قال فى هذه الآية: ((فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك))، قال: إنما هو مثلٌ. قال : قطعهن ، ثم اجعلهن فى أرباع الدنيا رُبعاً ههنا ورُبعاًههنا، ثم ادعهن يأتينك سعياً. (٢) ٥٩٩٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((فصرهن))، قال : قطعهن . ٥٩٩٧ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا حصين ، عن أبى مالك فى قوله: ((فصرهن إليك))، يقول: قطعهن . ٥٩٩٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم ، عن حصين ، عن أبى مالك مثله . ٥٩٩٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن يمان ، عن أشعث ، عن (١) الأثر: ٥٩٩٤ - ((سليمان بن عبد الجبار بن زريق الخياط)). قال ابن أبى حاتم: مثل عنه أبى فقال: صدوق ، وسمعت حجاج بن الشاعر يبالغ فى الثناء عليه ويذكره بالخير. مترجم فى التهذيب، وتاريخ بغداد ٩: ٥٢. و((((محمد بن الصلت بن الحجاج الأسدى)) مضى برقم: ٣٠٠٢. و((أبو كدينة)) هو: يحيى بن المهلب البجلى. مضى فى رقم ٤١٩٣ بغير ترجمة. قال ابن معين وأبو داود والنسائى : ثقة . مترجم فى التهذيب . (٢) الأثر: ٥٩٩٥ - ((أبو جمرة)) هو: قصر بن عمران بن عصام الضبعى. روى عن أبيه وابن عباس وابن عمر وغيرهم . وعنه شعبة وإبراهيم بن طهمان وايته علقمة وغيرهم . مترجم فى التهذيب. وقد مضى غير مترجم فى رقم: ٣٢٥٠، وسقط فى الطبع من اسمه راء ((حمرة)). وفى المطبوعة والخطوطة ((أبو حمزة)»، وهو خطأ. ٥٠٣ تفسير سورة البقرة : ٢٦٠ جعفر، عنسعید: (( فصرهن)، قال قال : جناح ذه عند رأس ذه ، ورأس ذه عند جناح ذه . ٢٨/٣ ٦٠٠٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن أبيه قال: زعم أبو عمرو، عن عكرمة فى قوله: (( فصرهن إليك ))، قال قال عكرمة : بالنبطيَّة ، قطّعهن . ٦٠٠١ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا إسرائيل ، عن يحيى، عن مجاهد: ((فصرهن إليك))، قال: قطعهن. ٦٠٠٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فصرهن إليك))، انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقاً ، (١) ثم اخلط لحومهن بريشهن. ٦٠٠٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فصرهن إليك))، قال : انتفهن بريشهن ولحومهن تمزيقاً . (١) ٦٠٠٤ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة: ((فصرهن إليك))، أُمر نبىُّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن ، ثم يخلط بين لحومهن وریشهن ودمائهن . ٦٠٠٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((فصرهن إليك))، قال فمزقهن . قال: أمر أن يخلط الدماء بالدماء، والريش بالريش، (( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً)). ٦٠٠٦ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال : سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا (١) هكذا جاء فى الموضعين، فى المخطوطة والمطبوعة، إلا أنها فى المطبوعة: ((انتفهن)) منقولة وفى المخطوطة: ((اسعهن)) غير منقوطة. وأنا أرى أن أقرأها: ((أشبعهن، ريثون ولحومهن تمزيقاً))، أو حرفاً يقارب هذا المعنى . ٠٠٤ تفسير سورة البقرة : ٢٦٠ عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك: ((فصرهن إليك))، يقول : فشققهن، وهو بالنبطية ((صرّى))، وهو التشقيق. ٦٠٠٧ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى: ((فصرهن إليك))، يقول قطعهن . ٦٠٠٨ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((فصرهن إليك))، يقول : قطعهن إليك ومزقهن تمزيقاً. ٦٠٠٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: «فصرهن إليك)) أى قطعهن. وهو ((الصَّوْر)) فى كلام العرب. ٠٠٠ قال أبو جعفر : ففیما ذ کرنا من أقوال من روینا قوله فی تأويل قوله: (( فصرهن إليك: أنه بمعنى: فقطعهن إليك، دلالةٌ واضحة على صحة ما قلنا فى ذلك ، وفساد قول من خالفنا فيه . وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ قرأ القارئ ذلك بضم ((الصاد)): ((فصُرْهن)) إليك))، أو كسرها ((فصِرْهن))، إذ كانتا لغتين معروفتين بمعنى واحد. (١) غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن أحبّهما إلىّ أن أقرأ به: ((فصُرْمن إليك»، بضم ((الصاد))، لأنها أعلى اللغتين وأشهرهما، وأكثرهما فى أحياء العرب. ٠٠٠ [وأما قول من تأوّل قوله: ((فصرهن إليك)» بمعنى: اضممهنّ إليك ووجّهن نحوك واجمعهن، فهو قولٌ قال به من أهل التأويل نفر قليل].(٢) (١) فى المطبوعة: ((أن كانت اللغتان معروفتين))، لم يحسن قراءة المخطوطة، لسرعة الكاتب فيما کتب وإهماله . (٢) هذا الذى بين القوسين زيادة استظهرتها من سياق التفسير، وهو رده على القول الأول الذى مضى فى ص ٤٩٦ س ٣ إلى س ٧ ، ولم يعد ثانية إلى ذكره . وكان مكانه فى المطبوعة: ((وعند نفر قليل من أهل التأويل أنها بمعنى: أوثق)). وهو تصرف من ناسخ قديم أو طابع. أما المخطوطة، فكان نصها هكذا متصلا بما قبله وما بعده. ((وأكثرهما فى أحياء العرب من أهل التأويل نفر قليل)) ذكر ٥٠٠ تفسير سورة البقرة : ٢٦٠ • ذكر من قال ذلك : ٦٠١٠ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبی قال ، حدثنی عى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((فصرهن إليك))، ((صرهن)): أوثِقْهُنَ". ٦٠١١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء قوله: ((فصرهن إليك))، قال: اضممهن إليك . ٦٠١٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : ((فصرهن إليك))، قال : اجمعهن. القول فى تأويل قوله ﴿ثُمَّأَيْسَلْ عَلَى كُلْ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ أَدْعُهُنَّ يَأْتِنَكَ سَعْاً﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً » . فقال بعضهم : يعنى بذلك: على كل ربع من أرباع الدنيا جزءاً منهن . · ذكر من قال ذلك : ٦٠١٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن أبى جمرة ، عن ابن عباس: ((ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً))، قال : اجعلهن فى أرباع الدنيا : ربعاً ههنا ، وربعاً ههنا ، وربعاً ههنا ، وربعاً ههنا ، (((ثم ادعهن يأتينك سعياً)).(١) من قال ذلك)). والذى استظهرته أقرب إلى سياق التفسير إن شاء الله. وهذا دليل آخر على عدة إهمال الناسخ فى كثير من المواضيع لعجلته وقلة حذره . (١). فى المطبوعة والمخطوطة: ((عن أبى حمزة))، وهو خطأً. انظر ما سلف من التعليق على الأثر: ٠٥٩٩٥ ٥٠٦ تفسير سورة البقرة : ٢٦٠ ٦٠١٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً))، قال : لما أوثقهن ذبحهن ، ثم جعل على كل جيل منهن جزءاً. ٣٩/٣ ٦٠١٥ - حدثنا بشرقال،حدثنا یزید قال، حدثناسعيد ،عن قتادة قال :ُمر نبى الله أن يأخذ أربعة من الطير فيذبحهن، ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن، ثم يجزئهن على أربعة أجبُل. فذكرلنا أنه شكل على أجتحتهن، (١) وأمسك برؤوسهن بيده ، فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة، والبَضعة إلى البَضعة، وذلك بعين خليل الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم. ثم دعاهن فأتيته سعياً على أرجلهن، ويلقى إلى كل طير برأسه. (٢) وهذا مثل آتاه الله إبراهيم، يقول: كما بعث هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة ، كذلك يبعث الله الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها. ٦٠١٦ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : ذبحهن ، ثم قطعهن ، ثم خلط بين لحومهن وريشهن ، ثم قسمهن على أربعة أجزاء ، فجعل على كل جبل منهن جزءاً . فجعل العظم يذهب إلى العظم، والريشة إلى الريشة، والبَضعة إلى البضعة، وذلك بعين خليل الله إبراهيم . ثم دعاهن فأتينه سعياً ، يقول : شدًّا على أرجلهن . وهذا مثل أراه الله إبراهيم، يقول : كما بعثتُ هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة ، كذلك يبعث الله الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها . ٦٠١٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحق ، عن بعض أهل العلم : أن أهل الكتاب يذكرون أنه أخذَ الأطيار الأربعة ، ثم قطَّع (١) لم أفهم لقوله: ((شكل على أجنحتهن)) معنى، ولعل فيها تصحيفاً لم أتبيته، ولعل معناه أنه نثر ريش أجتحتهن. ولم أجد الخبر فى مكان آخر . (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ويلقى كل طير برأسه))، والصواب زيادة ((إلى)). ٥٠٧ تفسير سورة البقرة : ٢٦٠ كل طير بأربعة أجزاء ، ثم عمد إلى أربعة أجبال فجعل على كل جبل ربعاً من من كل طائر . فكان على كل جبل ربع من الطاوس ، وربع من الديك ، وربع من الغراب، وربع من الحمام. ثم دعاهن فقال: ((تعالين بإذن الله كما کتتُن )، فوثب کل ربعمنها إلى صاحبه حتى اجتمعن ، فکان کل طائر كما كان قبل أن يقطعه . ثم أقبلن إليه سعياً كما قال اللّه. وقيل: يا إبراهيم ، هكذا يجمع الله العباد ويحيى الموتى للبعث من مشارق الأرض ومغاربها وشامها ويمنها ! فأراه اللّه إحياء الموتى بقدرته حتى عرف ذلك، يعنى : ما قال نمروذ من الكذب والباطل. (١) ٦٠١٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: « ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً))، قال: فأخذ طاووساً ، وحمامة ، وغراباً ، وديكاً. ثم قال : فرّقهن ، اجعل رأس كل واحد وجؤشوش الآخر وجناحى الآخر ورجلى الآخر معه . (٢) فقطعهن وفرقهن أرباعاً على الجبال ، ثم دعاهن فجئته جميعاً ، فقال الله: كما ناديتهن فجئنَك، فكما أحييت هؤلاء وجمعتهن بعد هذا، فكذلك أجمع هؤلاء أيضاً - يعنى الموتى . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ثم اجعل على كل جبل من الأجبال التى كانت الأطيار والسباع التى كانت تأكل من لحم الدابة التى رآها إبراهيم ميتة ، فسأل إبراهيم عند رؤيته إياها ، أن يريه كيف يحييها وسائر الأموات غيرها . وقالوا : كانت سبعة أجبال . • ذكر من قال ذلك : ٦٠١٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال : لما قال إبراهيم ما قال = عند رؤيته الدابة التى تفرقت الطيرُ (١) فى المطبوعة: ((بغير ما قال نمرود ... )) وفى المخطوطة: ((بعمر ما قال)) غير منقوطة، وصواب قراءته ما أثبت. وهذا تفسير للإشارة فى قوله: ((حتى عرف ذلك ». (٢) الجؤشوش: الصدر. يقال: ((مضى جؤشوش من الليل)) أى: صدر منه، مجاز من ذلك. ٥٠٨ تفسير سورة البقرة : ٢٦٠ والسباع عنها حين دنا منها، وسأل ربَّه ما سأل = قال: ((فخذ أربعة من الطير))، = قال ابن جريج : فذبحها = ثم اخلط بين دمائهن وريشهن ولحومهن ، (١) ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً حيث رأيت الطيرَ ذهبت والسباعَ . قال : فجعلهن سبعة أجزاء ، وأمسك رؤوسهن عنده ، ثم دعاهن بإذن الله، فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الأخرى ، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى ، وكل بَضْعة وكل عظم يطير بعضه إلى بعض من رؤوس الجبال ، حتى لقيت كل جثة بعضها بعضاً فى السماء ، ثم أقبلن یسعیْن ، حتى وصلت رأسها . ٦٠٢٠ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى قال: ((فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك))، ثم اجعل على سبعة أجبال ، فاجعل على كل جبل منهن جزءاً، ثم ادعهن يأتبنك سعياً . فأخذ إبراهيم أربعة من الطير فقطعهن أعضاء، لم يجعل عضوًا من طير مع صاحبه . ثم جعل رأس هذا مع رجل هذا ، وصدر هذا مع جناح هذا ، وقسّمهن على سبعة أجبال ، ثم دعاهن فطار كل عضو إلى صاحبه ، ثم أقبلن إليه جميعاً . ٠٠٠ وقال آخرون : بل أمره الله أن يجعل ذلك على كل جبل • ذكر من قال ذلك : ٤٠/٣ ٦٠٢١ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً))، قال: ثم بدُدهن على كل جبل ، يأتينك سعياً، وكذلك يُحبى اللّه الموتى. ٦٠٢٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد : ثم اجعلهن أجزاء على كل جبل ، ثم ادعهن يأتينك سعياً ، كذلك يحبى اللّه الموقى. هو مثل ضربه الله لإبراهيم . (١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((ثم خلط ... »، فعل ماض، والصواب ما أثبت. ٥٠٩ تفسير سورة البقرة : ٢٦٠ ٦٠٢٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا حجاج قال ، قال ابن جريج، قال مجاهد: ((ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً))، ثم بددهن أجزاءً على كل جبل = ((ثم ادعهن))، تعالين بإذن الله. فكذلك يُحبى الله الموقى . مثل ضربة اللّه لإبراهيم صلى اللّه عليه وسلم. ٦٠٢٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنى إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : أمره أن يخالف بین قوائمهن ورؤوسهن وأجنحتهن، ثم يجعل على كل جيل منهن جزءاً . ٦٠٢٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً))، فخالف إبراهيم بين قوائمهن وأجتحتهن . ٠.٠٠ قال أبو جعفر: وأولى التأويلات بالآية ما قاله مجاهد ، وهو أن الله تعالى ذكره أمرَ إبراهيم بتفريق أعضاء الأطيار الأربعة ، بعد تقطيعه إياهن ، على جميع الأجبال التى كان يصل إبراهيم فى وقت تكليف الله إياه تفريق ذلك وتبديد ها عليها أجزاء. لأن الله تعالى ذكره قال له : (( ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً، و((الكل)) حرف يدل على الإحاطة بما أضيف إليه، لفظه واحد ومعناه الجمع . (١) فإذا كان ذلك كذلك ، فلن يجوز أن تكون الجبال التى أمر الله إبراهيم بتفريق أجزاء الأطيار الأربعة عليها ، خارجةً من أحد معنيين: إما أن تكون بعضاً، أو جميعاً . (٢) فإن كانت ((بعضاً))، فغير جائز أن يكون ذلك البعض إلا ما كان لإبراهيم (١) انظر ما سلف فى معنى ((كل) ٣: ١٩٥. (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أو جمعاً))، والصواب ما أثبت، وسيأتى على الصواب بعد قليل فى المخطوطة . ٥١٠ تفسير سورة البقرة : ٢٦٠ السبيلُ إلى تفريق أعضاء الأطيار الأربعة عليه . = أو يكون ((جميعاً))، فيكون أيضاً كذلك . (١) وقد أخبر الله تعالى ذكره أنه أمره بأن يجعل ذلك على (( كل جبل))، وذلك إما كل جبل من أجبل قد عرفهن إبراهيم بأعيانهن، (٢) وإمَّا ما فى الأرض من الجبال . فأما قول من قال: ((إن ذلك أربعة أجبل))، وقول من قال: ((هن سبعة))، فلا دلالة عندنا على صحة شىء من ذلك، فنستجيز القول به ، وإنما أمر الله إبراهيم صلى الله عليه وسلم أن يجعل الأطيار الأربعة أجزاء متفرقة على كل جبل ، ليرى إبراهيم قدرته على جمع أجزائهن وهنّ متفرقات متبدِّدات فى أماكن مختلفة شتى، حتى يؤلف بعضهن إلى بعض ، فيعدن = كهيئتهن قبل تقطيعهن وتمزيقهن ، وقبل تفريق أجزائهن على الجبال = أطياراً أحياءً يطرن، فيطمئن قلب إبراهيم ، ويعلم أنّ كذلك جَمْعُ اللّه أوصال الموتى لبعث القيامة، (٣) وتأليفه أجزاءهم بعد البلى، وردّ كل عضو من أعضائهم إلى موضعه كالذى كان قبل الردى . (٤) قال أبو جعفر: و((الجزء)) من كل شىء هو البعض منه ، كان منقسماً جميعه عليه على صحة، أو غير منقسم. فهو بذلك من معناه مخالف معنى ((السهم)). لأن ((السهم)) من الشىء، هو البعض المنقسم عليه جميعه على صحة. ولذلك كثر استعمال الناس فى كلامهم عند ذكرهم أنصباء هم من المواريث: ((السهام)) دون (( الأجزاء)). (٥) ٠٠ (١) فى المطبوعة: ((جمعاً))، وأثبت ما فى المخطوطة. . قد عرفهن )» بغير (٢) فى المطبوعة: ((من كل جبل وقد عرفهن ... )) فى المخطوطة: (( .. واو. وقد زدت ((من أجبل)) حتى تستقيم العبارة، مستظهراً مما مضى. (٣) فى المطبوعة: ((أن كذلك يجمع الله ... )) وأثبت ما فى المخطوطة. (٤) فى المطبوعة: ((قبل الرد))، والصواب من المخطوطة. والردى: الهلاك. (٥) هذه تفرقة جيدة قلما تصيبها فى كتب اللغة ، فقيدها. ٥١١ تفسير سورة البقرة : ٢٦٠ وأما قوله: ((ثم ادعهن))، فإن معناه ما ذكرت آنفاً عن مجاهد ، أنه قال : هو أنه أمر أن يقول لأجزاء الأطيار بعد تفريقهن على كل جبل: (( تعالين بإذن اللّه)). ٥ فإن قال قائل: أمر إبراهيم أنيدعوهنّ وهن ممزّقاتأجزاء على رؤوس الجبال، أمواتاً أم بعد ما أحيين؟ فإن كان أمر أن يدعوهن وهن ممزقات لا أرواح فيهن ، فما وجه أمر من لا حياة فيه بالإقبال ؟ وإن كان أمر بدعائهن بعد ما أحيين ، فما كانت حاجة إبراهيم إلى دعائهن ، وقد أبصرهن يُنْشرن على رؤوس الجبال ؟ قيل: إن أمر الله تعالى ذكره إبراهيم صلى الله عليه وسلم بدعائهن وهن أجزاء متفرقات ، إنما هو أمر تكوين = كقول اللّه للذين مسخهم قرّدة بعد ما كانوا إنساً: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [سورة البقرة: ٦٥] = لا أمرَ عبادة، فيكون محالاً إلا بعد وجُود المأمور المتعبَّد . ٤١/٣ # ٢٦٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَأَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: ((واعلم))، يا إبراهيم، أن الذى أحى هذه الأطيار بعد تمزيقك إياهن ، وتفريقك أجزاءهن على الجبال ، فجمعهن وردّ إليهن الروح حتى أعادهن كهيئتهنّ قبل تفريقكَهُنّ = ((عزيز))، فى بطشه إذا بطش بمن بطش من الجبابرة والمتكبرة ، الذين خالفوا أمرَه ، وعصوا رُسله ، وعبدوا غيره ، وفى نقمته حتى ينتقم منهم = (( حكيم)) فى أمره . ٠ ٠ ٠ ٦٠٢٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحق : ((واعلم أن الله عزيز حكيم))، قال: عزيز فى بطشه، حكيم فى أمره . ٠١٢ تفسير سورة البقرة : ٢٦١٤٢٦٠ ٦٠٢٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع: ((واعلم أن الله عزيز)) فى نقمته = ((حكيم)) فى أمره . القول فى تأويل قوله ﴿مَثَلُ الْذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَ لَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَقَّتْ سَبْعَ سَنَبِلَ فِى كُلِّ سُبْلَةٍ مِاْلَةُ حَبَّةٍ﴾ قال أبو جعفر: وهذه الآية مردودة إلى قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضَاً حَنَا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَفًا كَثِرَةٌ وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [ سورة البقرة: ٢٤٥]. والآياتُ التى بعدها إلى قوله: ((مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ) ، من قصص بی إسرائیل وخبرهم مع طالوتوجالوت، وما بعد ذلك من نبأ الذى حاجّ إبراهيم مع إبراهيم، وأمْرٍ الذى مرّ على القرية الخاوية على عروشها، وقصة إبراهيم ومسألته ربّه ما سأل، مما قد ذكرناه قبل =(١) اعتراض من الله تعالى ذكره بما اعترضّ به من قصصهم بين ذلك ، احتجاجاً منه ببعضه على المشركين الذين كانوا يكذبون بالبعث وقيام الساعة = وحضًّاً منه ببعضه للمؤمنين على الجهاد فى سبيله الذى أمرهم به فى قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ وَأَعْلَمُوا أَنّ اللهَ سَمِيعٌ [سورة البقرة: ٢٤٤]، يعرّفهم فيه أنه ناصرهم وإن قل عددهم وكثر عدّد عَلِيمٌ﴾ عدوّهم، ويعدهم النصرة عليهم، ويعلّمهم سنته فيمن كان على منهاجهم من ابتغاء رضوان الله أنه مؤيدهم ، وفيمن كان على سبيل أعدائهم من الكفار بأنه خاذلهم ومفرُّق جمعهم ومُوهِنُ كيدهم - وقطعاً منه ببعضه عذرّ اليهود الذين كانوا بين ظهراً فىْ مُهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أطلع نبيّه عليه من خفى أمورهم (١) سياق الجملة: ((والآيات التى بعدها ... اعتراض من الله تعالى ... )) مبتدأ وخبره. ٠١٣ تفسير سورة البقرة : ٢٦١ ومكتوم أسرار أوائلهم وأسلافهم التى لم يعلمها سواهم ، ليعلموا أن ما أتاهم به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله، وأنه ليس بتخرّص ولا اختلاق، - وإعذاراً منه به إلى أهل النفاق منهم، ليحذروا بشكِّهم فى أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يُحلّ بهم من بأسه وسطوته مثل الذى أحلّهما بأسلافهم الذين كانوا فى القرية التى أهلكها فتركها خاوية على عروشها . ثم عاد تعالى ذكره إلى الخبر عن (الذى يقرض الله قرضاً حسناً،، وما عنده له من الثواب على قَرْضه، فقال: ((مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله))، يعنى بذلك: مثل الذين ينفقون أموالهم على أنفسهم فى جهاد أعداء اللّه بأنفسهم وأموالهم = ((كمثل حبة)) من حبات الحنطة أو الشعير أو غير ذلك من نبات الأرض التى تُسَنْبلَ رَيْعَها بذرها زارع (١)) = ((فأنبتت))، يعنى: فأخرجت- ((سبع سنابل فى كل سنبلة مئة حبة)) ، يقول: فكذلك المنفق ماله على نفسه فى سبيل الله، له أجره سبعمئة ضعف على الواحد من نفقته ، كما : - ٦٠٢٨ -حدثی موسی بن هرون قال،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مئة حبة))، فهذا لمن أنفق فى سبيل الله، فله أجرُه سبعمئة. (٢) ٦٠٢٩ - حدثنا یونس قال،أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله : (((مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء))، قال : هذا الذى ينفق على نفسه فى سبيل الله ويخرُج . (١) فى المطبوعة: ((تستبل سنبلة بذرها زارح))، وضع ((سنبلة)) مكان ((ريعها))، علنها محرقة. وربع البدر: فضل ما يخرج من البزر على أصله. وهو من ((الربع)) بمعنى الماء والزيادة. والمعنى: تسبل أعمالها زيادة وكثرة . (٢) فى المطبوعة: ((فله سبحة) بحذف ((أجره))، وفى المخطوطة: (فله سبجمعة) بياض بين الكلمتين، وأتممت العبارة من الدر المنثور ١: ٣٣٦، وفيه: «فله أجره سبعمئة مرة)). ج . (٣٣) ٥١٤ تفسير سورة البقرة : ٢٦١ ٦٠٣٠ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قوله: ((مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ٤٢/٣ فى كل سنبلة مئة حبة)) الآية، فكان من بايع النبى صلى الله عليه وسلم على الهجرة ورابط مع النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ولم يلق وجهاً إلا بإذنه، (١) كانت الحسنة له بسبعمئة ضعف ، ومن بايع على الإسلام كانت الحسنة له عشر أمثالها . . .. قال أبو جعفر : فإن قال قائل : وهل رأيتَ سنبلة فيها مئة حبة أو بلغتْك، فضرب بها مثلَ المنفق فى سبيل الله ماله؟ (٢) قيل : إن يكن ذلك موجوداً فهو ذاك، (٣) وإلا فجائز أن يكون معناه : كمثل سنبلة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مئة حبة، إنْ جَعل اللّه ذلك فيها. ويحتمل أن يكون معناه : فى كل سنبلة مئة حبة ، يعنى أنها إذا هى بذات أنبتت مئة حبة = فيكون ما حدث عن البذر الذى كان منها من المئة الحبة، مضافاً إليها، (١) فى المخطوطة: ((لم يلف وجهاً))، والذى فى المطبوعة لا بأس به، وإن كنت فى شك منه. وفى الدر المنثور ١: ٣٣٦ ((لم يذهب وجهاً)). (٢) فى هامش المخطوطة تعليق على هذا السؤال، وهو أول تعليق أجده على هذه النسخة بخط غير خط كاتبها ، وهو مغربى كما سيتبين مما كتب، وبعض الحروف مناً كل عند طرف الهامش ، فاجتهدت فى قراءتها : («أقول: بل ذلك ثابت محقّق مشاهدٌ فى البلاد، وأكثر منه. فإن سنيل تلك البلاد يكثر حبه وفروعه إلى ما يقارب الفتر . ولقد عدت من فروع حبة واحدة ثلاثة وستين فرعاً، وشاهدت قريباً من ذلك مراراً . فقد أرانى بعض أصحابى جملة من ذلك ... ، كان أقل ما عددناه للحبة ثلاثة عشر سنبلة إلى ما يبلغ أو يزيد على ما ذكرت أولاً من العدد. كتبه محمد بن محمود الجزائرى الحنفى)» ثم انظر ما قاله القرطبى وغيره فى سائر كتب التفسير. (٣) فى المخطوطة ((قيل قيل أن يكون ذلك موجود فهو ذاك)). وهو خطأً ولاشك، وما فى المطبوعة جيد فى السياق ٥١٥ تفسير سورة البقرة : ٢٦١ لأنه كان عنها . وقد تأوّل ذلك على هذا الوجه بعض أهل التأويل . · ذكر من قال ذلك : ٦٠٣١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك قوله : ((مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل فى كل سنبلة مئة حبة)) ، قال : كل سنبلة أنبتت مئة حبة ، فهذا لمن أنفق فى سبيل اللّه =: ((والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم)). ٠ القول فى تأويل قوله ﴿وَاللهُ يُضَعِفُ لِمِنْ يَشَآء) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: (( والله يضاعف لمن يشاء)». فقال بعضهم : والله يضاعف لمن يشاء من عباده أجرَ حسناته = يعد الذى أعطى غير منفق فى سبيله ، دون ما وعد المنفق فى سبيله من تضعيف الواحدة سبعمئة. فأما المنفق فى سبيله فلا ينقصه عما وعده من تضعيف السبعمئة بالواحدة . (١) • ذكر من قال ذلك : ٦٠٣٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو هير ، عن جويبر ، عن الضحاك قال : هذا يضاعف لمن أنفق فى سبيل الله - يعنى السبعمئة- (١) كانت هذه الجملة كلها فى المطبوعة: «والله يضاعف لمن يشاء من عباده أجر حسناته، بعد الذى أعطى المنفق فى سبيله من التضعيف الواحدة سبعمئة ، فأما المنفق فى غير سبيله فلا نفقة ما وعده من تضعيف السبعمنة بالواحدة)). وقد غيروا ما كان فى المخطوطة لأنه فاسد بلا شك وهذا نصه: ((واقه يضاعف لمن يشاء أجر حسناته ، بعد الذى أعطى المنفق فى سبيله من التضعيف الواحدة سبعمئة . فأما المنفقفى سبيله فلا ينفقه عما وعده من تضعيف السبعمنة بالواحدة)» . ولكنى استظهرت من سياق التفسير -بعد، أن الصواب غير ما فى المطبوعة، وأن فى الكلام تصحيفاً وسقطاً، أتمعته بما يوافق المعنى الذى قاله هؤلاء ، کما یتبین من كلام أبى جعفر فيما بعد. ٠١٦ تفسير سورة البقرة : ٢٦١ ((والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم))، يعنى لغير المنفق فى سبيله. وقال آخرون: بل معنى ذلك: والله يضاعف لمن يشاء من المنفقين فى سبيله على السبعمئة إلى ألفى ألف ضعف . وهذا قول ذكر عن ابن عباس من وجه لم أجد إسناده ، فتركت ذكره . ٠ ٠ ٥ قال أبو جعفر: والذى هو أولى بتأويل قوله: ((والله يضاعف لمن يشاء))، والله يضاعف على السبعمئة إلى ما يشاء من التضعيف ، لمن يشاء من المنفقين فى سبيله . لأنه لم يجر ذكر الثواب والتضعيف لغير المنفق فى سبيل الله ، فيجوز لنا توجيه ما وعد تعالى ذكره فى هذه الآية من التضعيف، إلى أنه عدة منه على العمل [ فى غير سبيله، أو ] على غير النفقة فى سبيل الله. (١) القول فى تأويل قوله ﴿وَأَلْهُ وَسِعٌ عَلِيمٌ ) ) قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: ((والله واسع))، أن يزيد من يشاء من خلقه المنفقين فى سبيله على أضعاف السبعمئة التى وعده أن يزيده = (٢) ((عليم)) من يستحق منهم الزيادة، كما : - ٦٠٣٣ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله : ((والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم))، قال: ((واسع)) أن يزيد من سعته = ((عليم))، عالم بمن يزيده . ٥ (١) زدت ما بين القوسين، لأنه مما يقتضيه سياق الكلام والتركيب. (٢) انظر تفسير ((واسع)) و((عليم)) فيما سلف ٢ : ٥٣٧، وانظر فهارس اللغة أيضاً. ٠١٧ تفسير سورة البقرة : ٢٦٢،٢٦١ وقال آخرون: معنى ذلك: ((والله واسع))، لتلك الأضعاف = ((عليم)) بما يتفق الذين ينفقون أموالهم فى طاعة الله . القول فى تأويل قوله ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِى سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَ يْبِعُونَ مَّا أَنْقُواْ مَنَّاوَلَا أَذَى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَامُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ( قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك : المعطى ما له المجاهدين فى سبيل الله معونةً لهم على جهاد أعداء الله . يقول تعالى ذكره : الذییعین المجاهدین فی سبيل الله بالإنفاق عليهم وفى حمُولاتهم وغير ذلك من مؤهم، (١ )ثم لم يتبع نفقته التى أنفقها عليهم، منًا عليهم بإنفاق ذلك عليهم ، ولا أذى لهم . فامتنانه به عليهم ، بأن يظهر لهم أنه قد اصطنع إليهم - بفعله وعطائه الذى أعطاهموه تقوية لهم على جهاد عدوهم - معروفاً، ويبدى ذلك إما بلسان أو فعل. وأما ((الأذى)) فهو شكايته إياهم بسبب ما أعطاهم وقوّاهم من النفقة فى سبيل الله، أنهم لم يقوموا بالواجب عليهم فى الجهاد، وما أشبه ذلك من القول الذى يؤذى به من أنفق عليه . وإنما شَرَّط ذلك فى المنفق فى سبيل الله، وأوجب الأجر لمن كان غير مان ولا مؤذٍ مَن أنفق عليه فى سبيل الله، لأن النفقة التى هى فى سبيل الله: ما ابتغى به وجه الله وطلب به ما عنده. (٢) فإذا كان معنى النفقة فى سبيل الله هوما وصفنا، فلا وجه من المنفق علی من أنفق علیه ، لأنه لا يدّ له قبله ولا صنیعة يستحق بها ٤٣/٣ (١) فى الخطرة والمطبوعة: ((الذين يعينون المجاهدين)) بالجميع، وسياق الجمل بعده بالإفراد، وهو غير جائز . (٢) فى المطبوعة: (وما ابتنى به))، والصواب ما فى المخطوطة. ،۔ ٧١٥ تفسير سورة البقرة : ٢٦٢ عليه - إن لم يكافئه عليها - المنَّ والأذى ، إذ كانت نفقته ما أنفق عليه احتساباً وابتغاءَ ثواب الله وطلبَ مرضاته ، وعلى الله مثوبته، دون من أنفق ذلك عليه . ٠٠٠ وبنحو المعنى الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : ٠ ٦٠٣٤ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : (( الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم)، (١) علم اللّه أن أناساً يمنُّون بعطيَّتهم، فكره ذلك وقدَّم فيه فقال: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٍ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَنْبَعُهَا أَذِّى وَالْهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ).(٢). ٦٠٣٥ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد: قال للآخرين = يعنى : قال اللّه للآخرين، وهم الذين لا يخرجون فى جهاد عدوهم =: ((الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى))، قال: فشرَط عليهم . قال: والخارجُ لم يشرُط عليه قليلاً ولا كثيراً - يعنى بالخارج، الخارجَ فى الجهاد الذى ذكر الله فى قوله: ((مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة)) الآية = قال ابن زيد: وكان أبى يقول: إن آ ذاك من يعطى من هذا شيئاً أو يقوِّى فى سبيل الله، (٣) فظننت أنه يثقل عليه سلامُك، فكفَّ سلامَك عنه. قال ابن زيد: فنهى عن خير الإسلام. (٤) قال: وقالت امرأة لأبى: يا أبا أسامة، تدلّنى على رجل يخرج فى سبيل الله حقًا، فإنهم لا يخرجون إلا (١) أتم الآية فى المطبوعة، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) فى المخطوطة: ((قول معروف ومعرفة))، وهو دال على كثرة سهو الناسخ فى هذا الموضع من الخطرطة كما أسلفت مراراً . (٣) فى المطبوعة: ((إن أذن لك أن تعطى من هذا شيئاً أو تقوى فقويت فى سبيل الله)) وهو غير مفهوم، وهو تصرف فيما كان فى المخطوطة، ونصه: ((إن أذن لك أن تععلى من هذا شيئاً أو تقوى تقوى فى سبيل الله )) .. واستظهرت صواب قراءتها كما أثبته ، وقد أشرت مراراً لكثرة سهو الناسخ فى هذا الموضع من کتابته. وانذى أثبته أشبه بما دل عليه سائر قوله . (٤) فى المطبوعة: ((فهو خير من السلام))، ولا معنى له. وفى المخطوطة ((فنهى خير من الإسلام)) . ٥١٩ تفسير سورة البقرة : ٢٦٢ ليأكلوا الفواكه !! عندى جعبة وأسُهمٌ فيها. (١) فقال لها: لا بارك الله لك فى جعبتك ولا فى أسهمك ، فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم ! قال : وكان رجل يقول لهم : اخرجوا و کلوا الفوا که ! ٦٠٣٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن جويبر، عن الضحاك قوله: ((لا يتبعون ما أنفقوا منًّا ولا أذى))، قال : أن لا يتفق الرجل ماله، خيرٌ من أن ينفقه ثم يتبعه منًّاً وأذى . ... وأما قوله: ((لهم أجرهم عند ربهم ))، فإنه يعنى: الذين ينفقون أموالهم فى سبيل اللّه على ما بيَّنَ. ((والهاء والميم)) فى ((لحم)) عائدة على ((الذين)). . . . ومعنى قوله: ((لهم أجرهم عند ربهم))، لهم ثوابهم وجزاؤهم على نفقتهم التى أنفقوها فى سبيل الله، ثم لم يتبعوها منًّاً ولا أذى. (٢) ٠٠٠ وقوله: (( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون))، (٣) يقول: وهم = مع ما لهم من الجزاء والثواب على نفقتهم التى أنفقوها على ما شرطنا = ((لاخوف عليهم)) عند مقدمهم على اللّه وفراقهم الدنيا ، ولا فى أهوال القيامة ، وأن ينالهم من مكارهها أو يصيبهم فيها من عقاب الله = ((ولا هم يحزنون)) على ما خلفوا وراءهم فى الدنيا. (٤) وهو أيضاً بلامعنى، وأظن الصواب ما أثبت. وذلك أن زيدبن أسلم قال: ((فكف عنه سلامك )) فنهاه عن أن يلقى عليه السلام. فعلق ابنه ابن زيد على قول أبيه أنه: ((نهى عن خير الإسلام)»، إشارة إلى ما رواه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: ((أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أى الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) فالسلام خير الإسلام، وهو ما نهى عنه ابن زيد من أوذى . (١) أخشى أن يكون الناسخ سها كماسها فيما سلف، وأن يكون صوابها ((وفيها أسهم))، والذى هنا مقبول . (٢) انظر معنى ((أجر)) فيما سلف ٢ : ١٤٨، ٥١٣. (٣) انظر تفسير: ((ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، فيما سلف ٢ : ١٤٨، ٥١٣. (٤) عند هذا الموضع انتهى المجلد الرابع من مخطوطتنا، وفى آخره ما نصه: ٥٢٠ تفسير سورة البقرة : ٢٦٣ القول فى تأويل قوله ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّنِ صَدَقَةٍ يَتْبُهَآ أَذَّى وَاللهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ) ) قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((قول معروف))، قولٌ جميل، ودعاءُ الرجل لأخيه المسلم (١) = ((ومغفرة))، يعنى: وسترٌ منه عليه لما علم من خَلَته وسوء حالته(٢) = ((خير)) عند الله = ((من صدقة )» يتصدقها علیه= ١ يتبعها أُذی) ، یعنی : یشتکیه علیها ، ويؤذيه بسببها ، كما :- ٦٠٣٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن ((آخر المجلد الرابع من كتاب البيان يتلوه فى الخامس إن شاء الله تعالى، القول فى تأويل قوله: ((قَوْلٌ معروفٌ ومَغْفِرِةٌ خيرٌ مِن صَدَقَةٍ يتبعها أَذّى والله غنىٌّ عَلَمٌ )) وكان الفراغُ منه فى شهر ذى الحجة سنة أربع عشرة وسبعمئة الحمد الله ربّ العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً )) ثم يبدأ الجزء الخامس ، وفى طرته . ((الجزء الخامس من جامع البيان فى تأويل القرآن تأليف الشيخ الإمام أبى جعفر محمد بن جرير الطبرى)) ثم يل ذلك نص وقف لله تعالى، استغنينا عن إثباته هنا. ثم يفتح الجزء: ((بسم الله الرحمن الرحيم رب أُعنْ )) (١) انظر تفسير ((المعروف)» فيما سلف ٣: ٣٧١، ٣٧٣/ ثم٤: ٥٤٧، ٧:٥/٥٤٨) ٤٤، ١٣٧٠٩٣٠٧٦ ٠ (٢) انظر تفسير ((المغفرة)) ٢: ١٠٩، ١١٠، وفهارس اللغة.