Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
بعد موتها))، أن أورميا لما خُرُّب بيت المقدس وحُرقت الكتب، وقف فى ناحية
الجبل فقال: ((أنّى يحيى هذه اللّه بعد موتها)). (١)
٥٨٩٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق ،
عمن لا يتّهم ، عن وهب بن منبه قال : هو أورميا.
٥٨٩٤ - حدثی محمد بن عسکر قال، حدثنا إسمعيل بن عبد الكريم قال،
سمعت عبد الصمد بن معقل ، عن وهب بن منبه ، مثله.
٥٨٩٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن
میمون ، عن قيس بن سعد ، عن عبد الله بن عبيد بن عمیر فی قول الله: ((أو
كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها)»، قال : كان نبيًّاً ، وكان
اسمه أورميا .
٥٨٩٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
قیس بن سعد ، عن عبد الله بن عبيد مثله .
٥٨٩٧ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى بكر بن
[مضر]، قال: يقولون ، والله أعلم، إنه أورميا. (٢)
٠
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب أن يقال: إنّ اللّه تعالى
ذکره عجّب نبيه صلى الله عليه وسلم ممن قال- إذ رأى قرية خاوية على عروشها -
((أنّى يحي هذه اللّه بعد موتها))، مع علمه أنه ابتدأ خلقها من غير شىء ، فلم
یقنعه علمه بقدرته على ابتدائها حتى قال: أنی یحییها الله بعد موتها ! ولا بیان عندنا
من الوجه الذى يصحّ من قبله البيانُ على اسم قائل ذلك. وجائزٌ أن يكون ذلك
(١) الأثر : ٥٨٩٢ - هو بعض الأثر السالف رقم : ٥٦٦١.
(٢) الأثر: ٥٨٩٧ - فى المطبوعة والمخطوطة بياض مكان ما بين القوسين وقد زدته استظهاراً من
الأسانيد السالفة، وقد مضت ترجة ((بكر بن مضر المصرى)) فى رقم: ٢٠٣١، وانظر هذا الإسناد فيا.
سيأت رقم : ٥٩٢٩ - ٠٥٩٤٩

٤٤٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
عُزَيْراً، وجائز أن يكون أورميا، ولا حاجة بنا إلى معرفة اسمه، إذ لم يكن المقصود
بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك ، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة
اللّه على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادتهم بعد فنائهم ، وأنه الذى بيده الحياة
والموت = من قريش ومن كان يكذب بذلك من سائر العرب = (١) وتثبيت الحجة
بذلك على من كان بين ظهرانَىْ مُهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهود بنى
إسرائيل، بإطلاعه نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم على ما يُزيل شكهم فى نبوته ،
ويقطعُ عذرهم فى رسالته، إذْ كانت هذه الأنباء التى أوحاها إلى نبيه محمد صلى الله
عليه وسلم فى كتابه، من الأنباء التى لم يكن يعلمها محمد صلى الله عليه وسلم وقومُهُ،
ولم يكن علم ذلك إلاّ عند أهل الكتاب، ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم وقومه
منهم، بل كان أميًّاً وقومه أمّيُّون. (٢) فكان معلوماً بذلك عند أهل الكتاب
من اليهود الذين كانوا بين ظهرانى مهاجَرٍه، أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم لم يعلم
ذلك إلا بوحى من اللّه إليه . ولو كان المقصودُ بذلك الخبر عن اسم قائل ذلك ،
لكانت الدلالة منصوبة عليه نصباً يقطع العذر ويزيل الشك ، ولكن القصد كان
إلى ذم قيله ، فأبان تعالى ذكره ذلك لخلقه .
واختلف أهل التأويل فى ((القرية)) التى مر عليها القائل: ((أنّى يحى هذه اللّه
بعد موتها)).
فقال بعضهم : هى بيت المقدس .
ذكر من قال ذلك :
٥٨٩٨ - حدثنى محمد بن سهل بن عسكر ومحمد بن عبد الملك قالا ، حدثنا
إسمعيل بن عبد الكريم قال، حدثنى عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن
(١) السياق: ((تعريف المنكرين ... من قريش ... )). وصياق ما بين الخلين: وإنما
المقصود بها تعريف المنكرين ... وتثبيت الحجة ... )).
(٢) يعنى بالأمى: الذى لا كتاب له، وانظر تفسير ((الأمى)) فيا سلف ٢: ٢٥٧ - ٢٥٩.

٤٤٣
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
منبه قال: لما رأى أورميا هدم بيت المقدس كالجبل العظيم، قال: ((أنّى يحبى
هذه اللّه بعد موتها)).
٥٨٩٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهب بن منبه قال : هی بیت المقدس .
٥٩٠٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنى ابن إسحق ،
عمن لا يتهم ، أنه سمع وهب بن منبه يقول ذلك .
٥٩٠١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال: ذكر لنا أنه بيت المقدس ، أتى عليه عزير بعد ما خرَّبه بُخْت نصّر
البابل .(١)
٥٩٠٢- حدثت عن الحسين قال: سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد
ابن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((أو كالذى مرّ على قرية وهى
خاوية على عروشها)) ، أنه مرّ على الأرض المقدسة.
٥٩٠٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عكرمة فى قوله: ((أو كالذى مر على قرية))، قال: القرية
بيت المقدس، مرّ بها عزيرٌ بعد إذخرَّبها بحت نصَّر.(١)
٥٩٠٤-حدثتعن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع:
((أو كالذى مر على قرية))، قال: القرية بيت المقدس، مرّ عليها عزير وقد
خربها بحت نصّر.
٢١/٣
وقال آخرون : بل هى القرية التى كان اللّه أهلك فيها الذين خرجوا من ديارهم
وهُم ألوف حذرَ الموت ، فقال لهم الله : موتوا .
• ذكر من قال ذلك :
(١) فى المطبوعة: ((بخنصر))، كلمة واحدة، وكذلك فى التاريخ وغيره، ولكن الخطوة فى
هذا الموضع وكل ما يليه كتبت كلمتين مفصولتين ، فأثبتها كما هى ، فهى صواب أيضاً.

تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
٥٩٠٥ - حدثی یونس قال،أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زید فی قول
اللّه تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينِ خَرَ جُوا مِنْ دِيارِ هِمْ وَهُمْ أَلُوفٌ﴾، قال:
قرية كان نزل بها الطاعون = ثم اقتصَّ قصتهم التى ذكرناها فى موضعها عنه، إلى أن
بلغ = ﴿ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا﴾، فى المكان الذى ذهبوا يبتغون فيه الحياة، (١)
فماتوا ثم أحياهم اللّه، ﴿إِنّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ولُكِنّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٣]. قال: ومر بها رجل وهى عظام تلوح، فوقف
ينظر فقال: ((أنَّى يحيى هذه اللّه بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه)) إلى قوله:
((لم يتسنه)). (٢)
٠٠٠
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك ، كالقول فى اسم القائل :
((أنّى يحيى هذه اللّه بعد موتها))، سواءً لا يختلفان.
القول فى تأويل قوله ﴿ وَرِيَ خَاوِيَةٌ عَى عُرُوشِها)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وهى خاوية ))، وهی خالية من
أهلها وسكانها .
يقال من ذلك: ((خوَت الدار تخوِى خوّاء وحُوِيًّا))، وقد يقال للقرية:
((خَوِيَت))، والأول أعرب وأفصح. وأما فى المرأة إذا كانت نُفَساء، فإنه يقال:
(خویتتخویخوی)) منقوصاً، وقد بقال فيها: (( خوتتخوى))، کما يقال فى
(١) فى الأثر السالف: ٥٦٠٨- ((ذهبوا إليه)) بزيادة ((إليه)).
(٢) الأثر : ٥٩٠٥ - هو بعض الأثر : ٠٦٠٨.

٤٤٥
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
الدار. وكذلك: (( خّوٍىّ الجوف يخوَى خوّى شديداً))، (١) ولو قيل فى الجوف
ما قيل فى الدار، وفى الدار ما قيل فى الجوف ، كان صواباً ، غير أن الفصيح
ما ذكرت .
٠
وأما ((العُرُوش))، فإنها الأبنية والبيوت واحدها ((عَرْش))، وجمع قليله
(أعرُش)).(٢) وكل بناء فإنه: ((عرش)). ويقال: ((عَرَش فلان داراً بعرِش ويعرُش
عرشاً))، (٣) ومنه قول الله تعالى ذكره: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِ شُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٣٧]،
يعنى يبنون، ومنه قيل: ((عريش مكة))، يعنى به: خيامها وأبنيتها . (٤)
وبمثل الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل :
٠
• ذكر من قال ذلك :
٥٩٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج، قال ابن عباس: ((خاوية))، خراب = قال ابن جريج :
بلغنا أن عُزيرًا خرج فوقف على بيت المقدس وقد خرَّبه بخت نصّر، (٥) فوقف
(١) فى المطبوعة: ((خواء شديداً))، والصواب من المخطوطة، هذا على أنه يقال فى ذلك أيضاً،
(خواء)) ممدوداً ، ولكن القصر أعلى .
(٢) هكذا جاء فى المخطوطة والمطبوعة: ((أعرش))، والذى نص عليه أصحاب اللغة ((أعراش))،
وكلاهما جمع قلة، ولم يذكروا (أعرش)) فيما رأيت، ولكنها قياس الباب، فإن ((فعل)) (بفتح فسكون)
يغلب على جمعه فى القلة ((أفعل)) (بضم العين) مثل فلس وأفلس، إلا أن يكون أجوف ، واوياً أو يائياً،
فإن الغالب فى قلته ((أفعال)) مثل ثوب وأثواب، وبيت وأبيات. فعن هذا يتبين أن نص الطبرى مصيح جار
على قياس اللغة، وأن جمعه على ((أمراش)) مما شذ عن بابه.
(٣) فى المطبوعة: ((عرش فلان يعرش ويعرش وعرش عريشاً))، وهو لا يستقيم، وإنما أراد
تصحيح ما كان فى المخطوطة فأفسده، إذ لم يحسن قراءته، وفى المخطوطة: ((عرش فلان إذا يعرش ويعرش عرشاً.
ولكنه كتب أولا (( بعرنشا)) غير منقوطة ثم عاد فوضع العين ((٥)) فى رأس الكلمة ((يعر)) فلما رأى المصحح
فى النص ((إذا)) حذفها، وتصرف فى سائره، ولم يحسن التصرف!
(٤) فى اللسان: ((العروش بيوت مكة)) وفى حديث ابن عمر: ((أنه كان يقطع التلبية إذا نظر
إلى عروش مكة)). قال ابن الأثير: ((بيوت مكة، لأنها كانت عيداناً تنصب ويظلل عليها، وقالوا:
وهی بیوت أهل الحاجة منهم .
(٥) انظر التعليق السالف ص : ٤٤٣ رقم : ٠١

٤٤٦
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
فقال: أبعد ما كان لك من القدس والمقاتلة والمال ما كان !! فحزن. (١)
٥٩٠٧ - حدثت عن الحسين قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد
ابن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((وهى خاوية على عروشها)»،
قال: هی خراب .
٥٩٠٨ - حدثتعن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قال : مرّ عليها عزير وقد خرَّبها بخت نصر .
٥٩٠٩ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((وهى خاوية على عروشها)) ، يقول: ساقطة على سُقُفِها .
٥
القول فى تأويل قوله ﴿قَلَ أَّى يُحْسِ هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهاَ
فَأَمَتَهُ اللهُ مِائَةَ عَامٍ﴾
قال أبو جعفر: ومعنى ذلك فيما ذُكر لنا: (٢) أنّ قائله لما مرَّ ببيت المقدس =
أو بالموضع الذى ذكر الله أنه مرّ به = خراباً بعد ما عهدهُ عامرًا قال: أنَّى يحيى
هذه الله بعد خرابها؟ (٣)
وقال بعضهم : (٤) کان قیله ما قال من ذلك شكًا فى قدرة الله على إحيائه،
(١) فى المطبوعة: ((من المقدس))، وهو خطأ صرف، والقدس: الطهر والتنزيه والبركة.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ومعنى ذلك فيما ذكرت أن ... )»، وهو لا يستقيم، وصواب
السياق ما أثبت .
(٣) فى المطبوعة: ذكر نص الآية ((بعد موتها))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو الصواب،
ليكون تفسيراً لقوله: ((بعد موتها))، كما يدل عليه السياق. وانظر تفسير ((الموت)) بمعنى: خراب
الأرض، ودثور عمارتها، فيما سلف ٣ : ٢٧٤.
(٤) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فقال بعضهم))، كأنه متصل بما قبله، ولو كان ذلك كذلك

٤٤٧
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
فأراه الله قُدرته على ذلك بضربه المثلّ له فى نفسه، ثم أراه الموضع الذى أنكر
قدرته علىعمارته وإحيائه ، أحییما رآه قبل خرابه، وأعمر ما كان قبل خرابه. (١)
٠٠٠
وذلك أن قائل ذلك كان - فيما ذكر لنا - عهده عامرًا بأهله وسكانه ، ثم
رآه خاوياً على عروشه قد باد أهله ، وشتّتهم القتل والسباء ، فلم يبق منهم بذلك
المكان أحدٌ ، وخربت منازلهم ودورهم فلم يبق إلا الأثر . فلما رآه كذلك بعد
الحال التى عهده عليها، قال: على أىّ وَجه يحيى هذه اللّه بعد خرابها فيعمُرها، (٢)
استنكارًا - فيما قاله بعض أهل التأويل - فأراه كيفية إحيائه ذلك بما ضربه له
فی نفسه، وفیا کان فى إدواته وفى طعامه ، (٣) ثم عرفه قدرته على ذلك وعلى غيره ،
یإظهاره على إحيائه ما کان عجباً عنده فى قدرة الله إحياؤه رأی عینه حتى أبصره
ببصره. (٤) فلما رأى ذلك قال: ((أعلمُ أنّ اللّه على كل شىء قدير)).
٠ ٥
۵
* و کان سبب قیله ذلك ، کالذی : -
٥٩١٠ - حدثنا ابن حميد قال،حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عمن لا يتهم،
عن وهب بن منبه اليمانى: أنه كان يقول: قال اللّه لأرميا حين بعثه نبيًّا إلى
٢٢/٣
لفسد سائر الكلام واضطرب، ولاحتاج الطبرى أن يذكر أقوال آخرين فيما يأتى ، ولكنه لم يفعل .
فالصواب الذى يقتضيه السياق ، فيما سبق بعد تصحيحه ، وفيما يستقبل ، يوجب ما أثبت .
(١) قوله: ((أحي ما رآه ... )) و ((أعمر ما كان ... ))، هو( أفعل)) التفضيل من ((الحياة))
و((العمارة))، وليسا فعلين، أى أحسن حياة، وأكثر عمراناً.
(٢) انظر تفسير ((أفى)) فيما سلف ٤: ٤١٣ - ٤١٦/وهذا الجزء٥: ٣١٢
(٣) فى المطبوعة: ((وقيا كان من شرابه وطعامه))، لم يحسن قراءة المخطوطة لتصحيفها. وفى
المخطوطة: ((وفيما كان من إداً وبه وطعامه))، وصواب هذه الجملة المصحفة ما أثبت. والإدارة (بكسر
الهمزة): هى إناء صغير من جلد يتخذ الماء، وجعها ((أداوى)) بفتح الواو، وزدت ((فى)) بين
((وطعامه)) لضرورتها فى السياق.
(٤) فى المطبوعة: ((بإظهاره إحياء ما كان عجباً. لرأى حينه))، وفى المخطوطة: «بإظهاره
إحيائه ما كان .... وسائره مثله. والصواب ما أثبت، وسياق العبارة: بإظهاره على إحيائه ذلك
رأى حينته))، بحلف اللام من ((لرأى))، ونصب ((رأى)) يقول: أظهره على إحياء ما أحي رأى العين.

٤٤٨
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
٠٠ ..
بنى إسرائيل: (١) ((يا أرميا، من قبل أنْ أخلقك اخترتك ، ومن قبل أن أصوّرك
فى رَحيم أمك قدّستك، (٢) ومن قبل أن أخرجك من بطنها طهّرتك، ومن قبل أن
تبلغ السعى نبَّتُك، (٣) ومن قبل أن تبلغ الأشُدَّ اخترتك، (٤) ولأمر عظيم اجتبيتك)).
فبعث الله تعالى ذكره أرميا إلى ملك بنى إسرائيل يسدّده ويرشده ويأتيه بالخبر
من اللّه فيما بينه وبينه . قال : ثم عظمت الأحداث فى بنى إسرائيل ، وركبوا
المعاصى، واستحلّوا المحارم، ونسوا ما كان اللّه صنع بهم، وما نجاهم من عدوّهم
سَنْحاريب. فأوحى الله إلى أورميا: (*) أن انت قومك من بنى إسرائيل، فاقصص
عليهم ما آمرك به، وذكرهم نعمتى عليهم ، وعرّفهم أحداثهم = ثم ذكر ما أرسل الله
به أرميا إلى قومه من بنى إسرائيل = (٦) قال: ثم أوحى الله إلى أرميا: إنّ مهلك
بنى إسرائيل بيافت - ويافثُ أهل بابل ، وهم من ولد يافث بن نوح - فلما سمع
أرميا وحىَ ربّه، صاح وبكى وشقّ ثيابه، ونبذ الرماد على رأسه، فقال: ملعون
يومٌ ولدت فيه، ويومٌ لُقِيت فيه التوراة، (٧) ومن شر أيامى يومٌ ولدت فيه ،
(١) انظر ما سلف فى ص ٤٤٠، وكتابتها هناك ((أورميا))، وهى هنا كما أثبتها. وستأتى
بعد أسطر على ما سلف .
(٢) فى تاريخ الطبرى: ((فى بطن أمك))، سواء.
(٣) فى المطبوعة: ((نبأتك))، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ. والأجود ترك الهمزة فيه، وحمله
على لفظ ((النبى)). ونباه: جعله نبياً أو كتبه عنده نبياً. و((تنبى الكذاب))، إذا ادعى النبوة.
(٤) فى التاريخ: ((اختبرتك))، وما فى التفسير، هو الجيد الصواب. وسيأتى اختلاف فى
بعض اللفظ لا أقيده حتى أجده صالحاً للتعيين .
(٥) أثبت ما فى المخطوطة فى هذا الموضع وانظر التعليق السالف رقم: ١
(٦) ما بين الخطين من كلام أبى جعفر، فقد قطع سياق الخبر، وانتقل إلى ما أراد، والذى يأتى
يبدأ فى تاريخه فى ج ١ : ٢٨٧ .
(٧) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لقيت التوراة))، وزدت ((فيه)) من التاريخ، وهى أجود. وفى
التاريخ: ((لقنت)) من التلقين، والذى فى المطبوعة والمخطوطة صواب جداً. لقى الشىء يلقاه (بتشديد القاف
والبناء للمجهول): علمه، ونبه إليه، ولقنه. فهما سواء فى المعنى، وبذلك جاء فى كتاب الله:
﴿وَمَا يُلَقَّهَ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَمَا يُلَفَّهَ إِلَّ ذُو حَظٍ عَظِيمٍ﴾

تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
فما أبْقِيتُ آخرَ الأنبياء إلا لما هو شر على!(١) لو أراد بى خيراً ما جعلنى آخر
الأنبياء من بنى إسرائيل! فمن أجلى تصيبهم الشُّقوة والهلاك! فلما سمع الله تضرّع
الخضر وبكاءه وكيف يقول، (٢) ناداه: أورميا! أشقَّ عليك ما أوحيت
إليك؟ قال . نعم يا رب، أهلكنى قبل أن أرى فى بنى إسرائيل ما لا أُسَرّ به، (٣)
فقال الله: وعزتى العزيزة ، (٤) لا أهلك بيت المقدس وبنى إسرائيل حتى يكون
الأمر من قبلك فى ذلك ! ففرح عند ذلك أورميا لما قال له ربه ، وطابت
نفسه، وقال : لا والذى بعث موسى وأنبياءه بالحق، لا آمر ربى بهلاك
بنى إسرائيل أبداً! (٥) ثم أتى ملكَ بنى إسرائيل وأخبره بما أوحى الله إليه، تفرح
واستبشر وقال: إن يعذّ بنا ربُّنا فيذنوب كثيرة قدّمناها لأنفسنا، وإن عفاعنا فبقدرته.
= ثم إنهم لبثوا بعد هذا الوحى ثلاث سنين، لم يزدادوا إلاّ معصية، وتمادوا
فى الشر، (٦) وذلك حين اقترب هلاكهم ، فقلَّ الوحىُ حين لم يكونوا يتذكرون
الآخرة، (٧) وأمسك عنهم حين ألهتهم الدنيا وشأنُها. فقال ملكهم: يا بنى إسرائيل،
انتهواعما أنتم عليه قبل أن يمسّكم بأسٌ من الله، وقيل أن يُبعث عليكم ملوكٌ
لا رحمة لهم بكم ، (٨) فإن ربكم قريب التوبة ، مبسوط اليدين بالخير ، رحيم بمن
(١) فى المخطوطة: (( إلا لما هو أثر على))، ولا بأس بها.
(٢) ((الخضر)) هو ((أرميا)) نفسه، فيما زعم وهب فى منبه راوى هذا الأثر، كما سلف ذلك
ه فى رقم : ٥٨٩١.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((أهلكنى فى بنى إسرائيل)) سقط منها ((قبل أن أرى))،
وأثبت صوايها من التاريخ .
(٤) فى التاريخ: ((وعزق وجلالى)) والذى فى المخطوطة والمطبوعة قسم عزيز قلما أصبته فيما قرأت.
(٥) ((لا آمر ربى)) ينى: لا أسأله ذلك ولا أدعوه. وهو مجاز من الأمر)) جيد عربى فصيح،
وقلما تصيبه فى كتب النة، وقلما تصيب الشاهد عليه. وذلك أنه إذا دعا قال: ((رب أهلكهم))،
فذلك دعاء ، وكل دعاء يقتضى هذا الفعل الأمر، وليس بأمر ته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . وهذا
الحجاز فى التى، أجود منه فى الإثبات. وانظر ما سيأتى فى الخير ص: ٤٥٠، وتعليق: ٤.
(٦) فى التاريخ: ((وتمادياً فى الشر»، وهو أجود.
(٧) فى المطبوعة: ((حتى لم يكونوا))، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ، وهو العربى الصحيح.
(٨) فى التاريخ: ((وقبل أن يبحث اله عليكم قيماً لا وحة لحم بكم)).
ج . (٢٩)

٤٥٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
تاب إليه!(١) فأبوا عليه أن ينزعوا عن شىء مما هم عليه. (٢) وإن الله ألقى فى قلب
بخت نصر بن نبوذراذان [ بن سنحاريب بن دارياس بن نمروذ بن فالغ بن عابر=
ونمروذ صاحب إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم، الذى حاجه فى ربّه] =(٣) أن يسير إلى
بيت المقدس ، ثم يفعل فيه ما كان جده سنحاريب أراد أن يفعله . فخرج فى
ستمئة ألف راية يريد أهل بيت المقدس. فلما فصّل سائراً ، أتى ملكَ بنى إسرائيل
الخبرُ: أن بخت نصر أقبلَ هو وجنوده يريدكم . فأرسل الملك إلى أرميا فجاءه ،
فقال: يا أرميا ، أين ما زعمت لنا أنّ ربنا أوحى إليك أن لا يُهلك أهل بيت
المقدس حتى يكون منك الأمرُ فى ذلك ؟(٤) فقال أرميا للملك، إنّ ربی لا يخلف
الميعاد ، وأنا به واثق .
= فلما اقترب الأجل ودنا انقطاع ملكهم ، وعزم اللّه على هلاكهم ، بعث
اللّه ملكاً من عنده فقال له: اذهب إلى أرميا فاستفته - وأمره بالذى يستفتيه فيه .
فأقبل الملك إلى أرميا، قد تمثّل له رجلاً من بنى إسرائيل ، (٥) فقال له أرميا :
من أنت؟ قال: أنا رجلٌ من بنى إسرائيل أستفتيك فى بعض أمرى! (٦) فأذن له ،
فقال الملك : يا نبيَّ اللّه، أتيتك أستفتيك فى أهل رَحِى ، وصلتُ أرحامهم بما
أمرنى الله به، لم آت إليهم إلا حَسَناً، ولم آلُهم كرامة، فلا تزيدهم كرامتى
إياهم إلا إسخاطً لى ، فأفتى فيهم با نبى اللّه؟ فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله،
(١) فى المطبوعة: ((رحيم من تاب عليه))، والصواب من المخطوطة والتاريخ.
(٢) ((نزع عن الشىء ينزع نزوعاً)): كف وانتهى.
(٣) فى المطبوعة ((بختنصر بن فعون بن زادان، والصواب من المخطوطة والتاريخ. وهذه الزيادة
بين القوسين، لم تكن فى المخطوطة، ولكنى زدتها من التاريخ، لحاجة الكلام إليها بعد فى ذكر سنحاريب،
وأنه جد بخت نصر. وقوله: ((بن نبوذراذان)) هو فى كتاب القوم (بن نبو بولا سّار) ، أما
((فبوذرازان))، فهو مذكور عندهم أنه رئيس حامية ((بنو خذ ناصر))، وهو ((بخت نصر)). وهذا
النسب قد ساقه الطبرى قبل هذا الموضع فى تاريخه ١: ٢٨٣ مع بعض الاختلاف.
(٤) الأمر: الدماء والسؤال. وانظر التعليق السالف ص: ٤٤٩، تعليق: ٤
(٥) فى المطبوعة ((وقد تمثل)) بالواو، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ، وهو جيد جداً.
(٦) فى المطبوعة: ((رجل ... )) بحذف ((أنا))، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ.

٤٥١
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
وصِلْ ما أمرك الله به أن تصل، وأبشر بخير. فانصرف عنه الملك ، فمكث أياماً ثم
أقبل إليه فى صورة ذلك الرجل الذى جاءه ، فقعد بين يديه ، فقال له أرميا :
من أنت ؟ قال : أنا الرجل الذى أتيتك فى شأن أهلى ! (١) فقال له نبى الله :
أو ما طَهُرت لك أخلاقهم بعد ، (٢) ولم تر منهم الذى تحب؟ فقال: يا نبى الله،
والذي بعثك بالحق ما أعلم كرامةً يأتيها أحدٌ من الناس إلى أهل رحمه إلا وقد أتيتها
إليهم، وأفضلَ من ذلك ! فقال النبى: ارجعْ إلى أهلك فأحسنْ إليهم ، أسأل
اللّه الذى يصلح عباده الصالحين أن يصلح ذات بينكم، (٣) وأن يجمعكم على
مرضاته ، ويجنُّبكم سخطه ! فقام الملك من عنده ، فلبث أياماً وقد نزل بخت نصر
وجنوده حول بيت المقدس أكثر من الجراد ، (٤) ففزع منهم بنو إسرائيل فزعاً
شديداً ، وشق ذلك على ملك بنى إسرائيل ، فدعا أرميا فقال : يا نبى الله ، أين
ما وعدك الله ؟ فقال : إنّى بربى واثق .
٢٣/٣
= ثم إن الملك أقبل إلى أرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس يضحك،
ويستبشر بنصر ربه الذى وعده ، فقعد بين يديه ، فقال له أرميا : من أنت ؟
قال : أنا الذى كنت استفتيك فى شأن أهلى مرتين ، (٥) فقال له النبي : أو لم
يأن لهم أن يفيقوا من الذى هم فيه ؟ فقال الملك: يا نبى الله، كل شىء كان
يصيبنى منهم قبلَ اليوم كنت أصبر عليه، وأعلم أنّ ما بهم فى ذلك سخطى، (٦) فلما
(١) فى التاريخ وحده: ((أتيتك أستفتيك فى شأن أهلى)).
(٢) يقال: ((رجل طاهر الأخلاق))، أى يتنزه عن دفس الأخلاق، ويكف عن الإثم.
(٣) فى التاريخ: ((واسأل الله))، بالواو فى أوله، وكأنه أمر الرجل. وأن يكون دعاء من
النبى له ، أقرب وأحسن .
(٤) فى المطبوعة: ((بجنوده))، وفى المخطوطة ((جنوده)) بغير واو، وأثبت ما فى التاريخ ،
وفيه أيضاً: ((بأكثر من الجراد)).
(٥) فى التاريخ: ((أتيتك فى شأن أهل ... ))
(٦) فى المطبوعة: ((أنما قصدهم فى ذلك تخطى))، وفى التاريخ: ((أن مآ لهم فى ذلك سخطى))
وفى المخطوطة: ((أنمانهم فى ذلك سخطى))، والأول تبديل النص، والآخران تصحيف، صوابه ما أثبت.

٤٥٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
أتيتهم اليوم رأيتهم فى عمل لا يرضى اللّه ولا يحبه الله. فقال النبى: على أى عمل
رأيتهم ؟ قال: يا نبي الله، رأيتهم على عمل عظيم من تَنخَط اللّه، فلو كانوا على
مثل ما كانوا عليه قبل اليوم لم يشتدَّ عليهم غضبى، (١) وصبرتُ لهم ورَجوتهم ،
ولكنى غضبتُ اليوم الله ولك، (٢) فأتيتك لأخبرك خبرهم، وإنى أسألك بالله الذى هو
بعثك بالحق إلاَّ ما دعوت عليهم ربَّك أن يهلكهم. (٢) فقال أرميا: ياملك السموات
والأرض ، (٤) إن كانوا على حق وصواب فأبقهم ، وإن كانوا على سخطك وعمل
لا ترضاه فأهلكهم! فلما خرجت الكلمة مِنْ فِى أرميا، أرسل الله صاعقة من
السماء فى بيت المقدس ، فالتهبَ مكان القُربان، وخُسف بسبعة أبواب من أبوابها .
فلما رأى ذلك أرميا صَاح وشق ثيابه، ونَبذ الرَّماد على رأسه فقال: يا ملك السماء
ويا أرحم الراحمين، أين ميعادك الذى وعدتنى؟ فنودى: أرميا ، إنه لم يصبهم الذى
أصابهم إلا بفُتياك التى أفتيتَ بها رسولنا ! فاستيقن النبى أنها فتياه التى أفتى بها
ثلاثَ مرات ، وأنه رسول ربه . فطار أرميا حتى خالط الوحوش .
= ودخل بخت نصر وجنوده بيت المقدس ، فوطىء الشأم ، وقتل بنى إسرائيل
حتى أفناهم ، وخرّب بيت المقدس . ثم أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم تُرسه
تراباً ثم يقذفه فى بيت المقدس ، فقذفوا فيه التراب حتى ملأوه. ثم انصرف راجعاً
إلى أرض بابل ، واحتمل معه سبايا بنى إسرائيل . وأمرهم أن يجمعوا من كان فى
بیت المقدس کلهم ، فاجتمع عنده کل صغیر و کبیر من بنى إسرائيل ، فاختار
يقال: ((مابك إلا مساءقى)،"، أى ما تريد إلا مساءق. فكذلك قوله: ((أن ما يهم فى ذلك مخطى))،
أن الذى يريدون فى فعلهم ذلك، مخطى واستثارة غضبى .
(١) فى المطبوعة وحدها: ((ولو كانوا ... )) بالواو لا بالفاء.
(٢) فى المطبوعة وحدها: ((ولكن غضبت ... ))
(٣) فى المطبوعة وحدها: ((الذى بعثك)) بحذف ((هو)).
(٤) فى المطبوعة وحدها: ((يا مالك السموات ... ».

٤٥٣
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
منهم سبعين ألف صبى .(١) فلما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسمهم فيهم ،
قالت له الملوك الذين كانوا معه : أيها الملك ، لك غنائمنا كلها ، واقسم بيننا هؤلاء
الصبيان الذين اخترتهم من بنى إسرائيل ! ففعل ، فأصاب كل واحد منهم أربعةُ
غلمة. وكان من أولئك الغلمان: (( دانیال)). و(( عزاریا))، و(( میشایل))،
و «حنانيا). (٢) وجعلهم بخت نصر ثلاث فرق، فثلثاً أقرَّ بالشام، وثلثاً سبى،
وثلثاً قتل. وذهب بآنية بيت المقدس حتى أقدمها بابل، (٣) وبالصبيان السبعين
الألف حتى أقدمهم بابل . (٤) فكانت هذه الوقعة الأولى التى أنزل الله تعالى ذكره
بينى إسرائيل، بإحداثهم وظلمهم . (٥)
= فلما ولی بخت نصر عنه راجعاً إلى بابل بمن معه من سبايا بنى إسرائيل ،
أقبل أرميا على حمار له، معه عصيرٌ من عنب فى زُكْرَة، وسَلَّة تین، (٦) حتى أتى
إيليا . فلما وقف عليها ورأى ما بها من الخراب ، دخله شك فقال: أنَّى يحيى هذه
اللّه بعد موتها؟ فأماته الله مئة عام، وحماره وعصيرُه وسلة تينه عنده حيث أماته
(١) فى المطبوعة: ((تسعين ألف صبى))، وفى المخطوطة: ((سبعين صبى)) بإسقاط ((ألف))،
أما فى التاريخ: ((فاختار منهم مئة ألف صبى))، ولكنه عاد بعد ذلك فروى ما سيأتى: ((وذهب بالصبيان
السبعين الألف))، فأخشى أن يكون ما فى التاريخ خطأ، صوابه «فاختار منهم سبعين ألف صبى من مئة
ألف صبى)).
(٢) ((عزريا))، ((ميشائيل)، ((حننيا)) هكذا رسم أسمائهم فى ((سفر دانيال))
الإصحاح الأول. وكان فى المطبوعة: ((مسايل))، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ. وفى التاريخ بعد هذا
الموضع تعداد هؤلاء الغلمان من أسباط بنى إسرائيل .
(٣) فى المطبوعة وحدها: ((بأسبية بيت المقدس))، وهو خطأ لا معنى له هنا.
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((التسعين الألف))، وهو يخالف ما مضى من الخبر فى المخطوطة
كما أسلفنا فى التعليق: ١، وأثبت ما فى التاريخ.
(٥) فى المطبوعة وحدها: ((الواقعة الأولى التى ذكرانه ... ))، ثم يلى ذلك فى المخطوطة والمطبوعة
!... تعالى ذكره ذبى الله بإحداثهم ... ))، والصواب من التاريخ.
(٦) الزكرة (بضم فسكون): زق صغير من أدم يجعل فيه الشراب. وفى التاريخ ((ركوة))،
والصواب ما فى التفسير، فإن ((الركوة)) (بكسر فسكون): إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء،
کالكوب لا كالزق .
هو

٤٥٤
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
اللّه، وأماتَ حماره معه. (١) فأعمى اللّه عنه العيون فلم يره أحد، ثم بعثه الله تعالى
فقال له : (( كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم ! قال : بل لبثتَ مئة عام
فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنَّه))، يقول: لم يتغير = ((وانظر إلى حمارك ولنجعلك
آية للناس وانظر إلى العظام كيف نتشزها ثم نكسوها لحماً))، فنظر إلى حماره باتصيل
بعضٌ إلى بعض -(٢) وقد كان مات معه - (٣) بالعروق والعصب ، ثم كسا
ذلك منه اللحمّ حتى استوى، (٤) ثم جرى فيه الروح فقام ينهق. ونظر إلى عصيره
وتينه ، فإذا هو على هيئته حين وضعه لم يتغير . فلما عاين من قدرة الله ما عاين
قال: ﴿أَعْلَ أَنّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾. ثم عمَّر الله أرميا بعد ذلك، فهو الذى
بُرَى بفلوات الأرض والبلدان
٢٤/٣
٥٩١١ - حدثنى محمد بن عسكر وابن زنجويه قالا، حدثنا إسمعيل بن
عبد الكريم قال ، حدثنى عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهب بن منبه يقول:
أوحى الله إلى أرميا وهو بأرض مصر: أن الحق بأرض إيليا، فإن هذه ليست لك
بأرضٍ مُقَامٍ، فركب حماره ، حتى إذا كان ببعض الطريق ومعه سلة من عنب
وتين ، وكان معه سقاءٌ جديدٌ فلأه ماء . فلما بدا له شخص بيت المقدس وما
(١) فى المطبوعة والخطوطة: ((ومات حماره ٠٠٠)، وأثبت ما فى التاريخ.
(٢) فى المطبوعة وحدها: ((يتصل بعضه إلى بعض)) وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ وما سيأتى
رقم: ٥٩٣٣، وفى التاريخ ((يتصل)) كالمطبوعة. وأما قوله: ((يا تصل)) وأصلها ((يفتعل)) من ((وصل»
فأصل الفعل ((اوتصل، يوتصل، فهو موتصل))، فلغة أهل الحجاز وقريش خاصة: أن لا تدغم هذه
الواو وأشباهها، وغيرهم يدغم فيقول ((ايتصل، ياتصل، فهو موتصل)) ومن ((وفق)) يقول: ((ايتفق
ياتفق، فهو موتفق)) وما أشبهه ذلك، وقد جرى الشافعى فى الرسالة على استعمال ذلك. انظر الفقرات رقم
٩٥، ٥٦٩، ٥٧٤، ٦٦٢، ١٢٧٥، ١٣٣٣، وتعليق أخى السيد أحمد على الفقرة رقم:
٩٥. وفى الحديث: ((كان اسم نبله عليه السلام: الموتصلة))، سميت بذلك تفاؤلا بوصولها إلى العذر.
وانظر التعليق على الأثر رقم : ٥٩٣٣ فيما سيأتى.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وقد مات معه)) بحذف ((كان)) وأثبت ما فى التاريخ، وما سيأتى
رقم : ٥٩٣٣ ٠
(٤) فى المطبوعة -: ((ثم كيف كى .... ، وصيأتى فى رقم: ٥٩٣٣، كما أثبته، وهو
الصواب .

٤٥٥
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
حوله من القُرى والمساجد، نظر إلى خراب لا يوصف، (١) فلما رأى هَدْمَ بيت
المقدس كالجبل العظيم قال: (٢) أنَّى يحيى هذه اللّه بعد موتها؟! وسار حتى تبوّأ
منها منزلاً، فربط حماره بحبل جديد، وعلّق سقاءه، وألقى اللّه عليه السُّبَات. فلما
نام نزَع الله روحه مئة عام، فلما مرّت من المئة سبعون عاماً، أرسل الله ملكاً إلى
ملك من ملوك فارس عظيم يقال له ((يوسك))، (٣) فقال: إن الله يأمرك أن تنفر
بقومك فتعمّر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتى تعود أعمرّ ما كانت. فقال الملك :
أنظرنى ثلاثة أيام حتى أتأهب لهذا العمل ، ولما يصلحه من أداة العمل . فأنظره
ثلاثة أيام ، فانتدب ثلاثمئة قهرمان ، ودفع إلى كل قَهْرمان ألف عامل وما
يصلحه من أداة العمل. (٤) فسار إليها قهارمته ومعهم ثلثمئة ألف عامل. (٥) فلما
وقعوا فى العمل، ردَّ اللّه روح الحياة فى عين أرميا وآخِرُ جسده ميت. (٦) فنظر
إلى إيليا وما حولها من القرى والمساجد والأنهار، والحرُوث تعمل وتعمّر وتتجدد، (٧)
حتى صارت كما كانت. وبعد ثلاثين سنة تمام المئة ، رد إليه الروح ، فنظر إلى
طعامه وشرابه لم يتسنّه ، ونظر إلى حماره واقفاً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب ،
ونظر إلى الرُّمة فى عنق الحمارلم تتغير جديدة، (٨) وقد أتىعلىذلك ربحُ مئة عام،
(١) فى المطبوعة والمخطوطة ((ونظر إلى خراب)) والصواب حذف هذه الواو، وانظر التعليق التالى.
(٢) فى المطبوعة: ((ورأى هدم ... ))، وفى المخطوطة: ((فلما رأى))، وسياق المعنى يقتضى
إثبات ما فى المخطوطة، وحذف الواو من ((ونظر)) كما سلف فى التعليق قبله.
(٣) لم أعرف صحة هذا الاسم ولم أجده فى كتاب آخر.
(٤) القهرمان: من أمناء الملك وخاصته، كالخازن والوكيل الحافظ لما تحت يده، والقائم بأمور
الرجل .
(٥) فى المطبوعة: ((قهرمته))، والقهارمة جمع قهرمان.
(٦) فى المطبوعة: ((وأخر جسده ميتاً))، والصواب ما فى المخطوطة فى هذا الموضع، وفيما سيأتى
فى المخطوطة والمطبوعة رقم: ٥٩٣٨ وقوله: ((آخر)» هنا بمعنى: الباقى بعد رده الروح فى رأسه. وهو
مجاز عربى لا يعاب . وانظر التعليق على رقم : ٥٩٣٨ فيما سيأتى بعد.
(٧) هكذا فى المطبوعة والمخطوطة: ((والحروث))، وأخشى أن يكون الصواب: ((والحراث)) جمع
حارث ، وهو الذى يحرث الأرض .
(٨) الرمة ( بضم الراء، أو كسرها، وتشديد الميم): قطعة من حيل يقيد به الأسير، أو يوضع

٤٥٦
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
وبرد مئة عام، وحرَّ مئة عام، لم تتغير ولم تنتقض شيئاً، (١) وقد نحل جسم أرميا من البلى،
فأنبت اللّه له لحماً جديداً، ونشر عظامه وهو ينظر، فقال له الله: ((انظر إلى طعامك
وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف نُنْشِزِها
ثم نكسوها لحماً فلما تبين لهُ قال أعلم أن الله على كل شىء قدير)). (٢)
٥٩١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول فى قوله: ((أنّى يحيى هذه اللّه بعد
موتها)): أن أرميا لما خُرّب بيت المقدس وحُرَّقت الكتب، وقف فى ناحية الجبل
فقال: ((أنَّى يحيى هذه اللّه بعد موتها، فأماته الله مئة عام ))، ثم رد الله من رد من
بنى إسرائيل على رأس سبعين سنة من حين أماته، يعمرونها ثلاثين سنة تمام المئة.
فلما ذهبت المئة ردّ اللّه روحه، وقد عمّرت على حالها الأولى، فجعل ينظر إلى
العظام كيف تلتام بعضها إلى بعض ، (٣) ثم نظر إلى العظام كيف تكسى عصباً
ولحماً، فلما تبين له ذلك قال: ((أعلم أن الله على كل شىء قدير))، فقال الله
تعالى ذكره: ((انظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنَّه))، قال : فكان طعامه تيناً
فى عنق البعير، وأصحاب اللغة يقولون: هى القطعة المالية . ولكنه هنا استعملها بغير هذه الصفة، بل وصفها
بأنها رمة جديدة ، وهوجيد لا بأس به .
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((لم تنتقص)) بالصاد المهملة، وهو خطأ، والصواب ما أثبت.
انتقض الحبل وغيره، فسد ما أبرمت منه وضعفت قواه وبليت. وقوله: ((شيئاً))، أى قليلا ولا كثيراً ،
وهو تعبير كثير جيد فى العربية .
١
(٢) الأثر: ٥٩١١ - ((محمد بن عسكر))، هو: محمد بن سهل بن عسكر البخارى، مضت
ترجمته فى رقم: ٥٥٩٨. و((ابن زنجويه)) رجلان: محمد بن عبد الملك بن زنجويه البغدادى، روى
عنه الأربعة وعبد الله بن أحمد وآخرون. مات سنة ٢٥٨. وهو ثقة كثير الخطأ.
والآخر : حميد بن مخلد بن قتيبة الأزدى، روى عنه أبو داود، والنسائى، وأبو زرعة، وأبو حاتم
وغيرهم. كان حسن الفقه، وكتب ورحل ، وكان رأساً فى العلم، قال أبو عبيد القاسم بن سلام: (( ما قدم
علينا من فتيان خراسان مثل ابن زنجويه وابن شبويه)). اختلف فى وفاته بين سنة ٢٤٧، إلى سنة ٢٥١.
وأعلن هذا هو شيخ الطبرى ، ولعل فيما يأتى ما يرجح تعيينه إن شاءاته .
(٣) التأم الشىء يلثم، والتام يلتام (بتسبيل الهمزة): إذا انضم بعضه إلى بعض واجتمع.

٤٥٧
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
فیمِكتل، وقلّة فيها ماء . (١)
٥٩١٣ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها))، وذلك أن عُزَيْراً
مرّ جائياً من الشأم على حمار له معه عصيرٌ وعنب وتين. فلما مرّ بالقرية فرآها، وقف
علیها وقلّب يده وقال : کیف یحیی هذه اللّه بعد موتها ؟ = لیس تكذيباً منه وشكًّا =
فأماته الله وأمات حماره فهلكا، ومرّ عليهما مئة سنة. ثم إن الله أحيى عزيزاً فقال
له : كم لبثت؟ قال : لبثت يوماً أو بعض يوم ! قيل له : بل لبثت مئة عام !
فانظر إلى طعامك من التين والعنب، وشرابك من العصير = ((لم يتسنَّه))، الآية .
القول فى تأويل قوله { ثُمَّ بَنَّهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِقْتُ يَوْماً
أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَلَ بَل لَّبِقْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ثم بعثه))، ثم أثاره حيًّاً من
بعد مماته .
٠٠
وقد دلنا على معنى ((البعث))، فيما مضى قبل. (٢)
٠٠٠
وأما معنى قوله (( كم لبثت))، فإن ((كم)) استفهام فى كلام العرب عن مبلغ
العدد، (٣) وهو فى هذا الموضع نصب؛ ((لبثت))، وتأويله: قال اللّه له :
(١) الأثر: ٥٩١٢ - قد مضى مبتوراً فى رقم ٥٦٦١، وانظر التعليق عليه هناك. و((المكتل))
(بكسر الميم): الزبيل الذى يحمل فيه التمر أو العنب أو غيرهما .
(٢) انظر ما سلف ٢ : ٨٤، ٨٥.
(٢) انظر ما سلف فى معنى ((كم)) فى هذا الجزء٥: ٣٥٢
٤

.. -
٤٥٨
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
كم قدرُ الزمان الذى لبثتَ ميتاً قبل أن أبعثك من مماتك حيًّا ؟ قال المبعوث بعد
مماته : لبثتُ ميتاً إلى أن بعثنى حيًّاً يوماً واحداً أو بعض يوم .
٠
٠
وذكر أن المبعوث هو أرميا، أو عزيرٌ ، أو من كان - ممن أخبر الله عنه
هذا الخبر .
وإنما قال: ((لبثت يوماً أو بعض يوم))، لأن اللّه تعالى ذكره كان قبض
رُوحه أول النهار، ثم ردّ إليه روحه آخر النهار بعد المئة العام ، فقيل له : (( كم
لبثت))؟ قال: ((لبثت يوماً))، وهو يرى أنّ الشمس قد غربت . فكان ذلك
عنده يوماً ، لأنه ذكر أنه قُبض روحه أوّل النهار ، وسئل عن مقدار لبثه ميتاً
آخر النهار، وهو يرى أن الشمس قد غربت، فقال: ((لبثت يوماً))، ثم رأى
بقية من الشمس قد بقيت لم تغرب، فقال: ((أو بعض يوم))، بمعنى : بل بعض
يوم، كما قال تعالى ذكره: ﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِنَّةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾
[سورة الصافات: ١٤٧]، بمعنى: بل يزيدون. (١) فكان قوله: ((أو بعض يوم))،
رجوعاً منه عن قوله: ((لبثت يوماً)).
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل
· ذکر من قال ذلك :
٥٩١٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( ثم بعثه قال كم لبثتَ قال لبثت يوماً أو بعض يوم))، قال: ذكر لنا
أنه مات ضُحى، ثم بعثه قبل غيبوبة الشمس، فقال: ((لبثت يوماً))، ثم التفت
فرأى بقية من الشمس فقال: ((أو بعض يوم))، فقال: ((بل لبثت مئة عام))!
٥٩١٥ - حدثنا الحسن بن يحي قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر،
(١) انظر ما سلف فى ((أو)) بمعنى ((بل))٢ : ٢٣٥ - ٢٣٧.
٢٥/٣

٤٠٩
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
عن قتادة: ((أنّى يحيى هذه اللّه بعد موتها))، قال: مر على قرية فتعجَّب فقال :
((أنّى يحى هذه اللّه بعد موتها))، فأماته الله أوّلَ النهار، فلبث مئة عام ، ثم بعثه
فى آخر النهار، فقال: ((كم لبثت))؟ قال: ((لبثت يوماً أو بعض يوم))؟
قال: ((بل لبثت مئة عام)).
٥٩١٦ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، قال، قال الربيع: أماته الله مئة عام ثم بعثه، قال: ((كم لبثت)) ؟
قال: ((لبثت يوماً أو بعض يوم))؟ قال: ((بل لبثت مئة عام)).
٥٩١٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج: لما وقفَ على بيت المقدس وقد خرّبه بخت نصر، قال: ((أنّی
يحى هذه اللّه بعد موتها)) ؟ كيف يعيدها كما كانت؟ فأماته الله. قال: وذكر لنا
أنه مات ضُحى، وبعث قبل غروب الشمس بعد مئة عام، فقال: ((كم لبثت))؟
قال: ((يوماً))، فلما رأى الشمس قال: ((أو بعض يوم)).
٥
٠
القول فى تأويل قوله ﴿فَأَ نظُرْ إِلَى طَعَمِكَ وَقَرَائِكَ لَمْ يَسَنَّهْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فانظر إلى طعامك وشرابك لم
يتسنَّه))، لم تغيِّرِه السّنون التى أنت عليه .
وكان طعامه - فيما ذكر بعضهم - سلة تين وعنب ، وشرابه قلة ماء.
وقال بعضهم: بل كان طعامه سلة عنب وسلة تين ، وشرابه زِقًّاً من عصير. (١)
وقال آخرون: بل كان طعامه سلة تين، وشرابه دنّخر - أو: زُكْرَةَ خمر.(٢)
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((زق)) بالرفع، والنصب أجود.
(٢) الزكرة (بضم فسكون) : سقاء صغير من أدم يجعل فيه شراب أو عل.

٤٦٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
وقد ذكرنا فيما مضى قول بعضهم فى ذلك ، (١) ونذكر ما فيه فما يستقبل
إن شاء الله .
وأما قوله: ((لم يتسنَّه)) ففيه وجهان من القراءة :
أحدهما: ((لَّ يَتَسَنَّ)) بحذف ((الهاء)) فى الوصل، وإثباتها فى الوقف. ومن
قرأه كذلك فإنه يجعل الهاء فى ((يتسنَّه)). زائدة صلة، (٢) كقوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ
اقْتَدِهْ﴾ [سورة الأنعام: ٩٠]، وجعل ((تفعّت)) منه: (٣) ((تسنَّيتُ تسنَّياً))،
واعتل فى ذلك بأن ((السنة)) تجمع ((سنوات))، فيكون ((تفعلت)) على صحة. (٤)
ومن قال فى ((السنة)) ((سنينة))، فجائز على ذلك - وإن كان قليلاً = أن
يكون ((تسنَّيت)(٥) ((تفعيَّلت)) بدلت ((النون)) ((ياء)) لما كثرت النونات، كما
قالوا: ((تظنّيت)) وأصله ((الظن)). وقد قال قوم: هو مأخوذ من قوله: ﴿مِنْ حَأٍ
مَسْئُونٍ﴾ [سورة الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣]، وهو المتغير. وذلك أيضاً، إذا كان كذلك ،
فهو أيضاً مما بُدّلت نونه ياء . (٦)
وهو قراءة عامة قرأة الكوفة .
٠
٠
٠
(١) يعنى الآثار التى سلفت فى خبر ((الذى مر على القرية)).
(٢) ((صلة)) أى زيادة وحشوا بمعنى الإلغاء، انظر ما سلف ١: ١٩٠، ٤٠٥، تعليق: ٤/
٤٠٦ تعليق : ٢ ثم: ٥٤٨.
(٣) فى المطبوعة: ((فعلت)) وهو خطأ، وأما المخطوطة، فقد كتب الناسخ هذه الكلمة مضطربة
فلم يحسن ناشر المطبوعة أن يقرأها على وجهها، وسيأتى بعد قليل جداً ذكر ((تفعلت))، هذه، مما يدل
على صواب قراءتنا.
(٤) فى المطبوعة: ((على نهجه)) والصواب فى المخطوطة: ((على سجه))، ولكنها لما كانت
غير منقوطة تصرف الطابع فيها ما شاء !! وفى معانى القرآن الفراء واللسان ((على صحة) فلذلك أثبتها منهما.
(٥) فى المطبوعة: ((تسننت)) بالنوفات، والصواب ما أثبت من المخطوطة، ومعانى القرآن الفراء.
(٦) هذا برمته من كلام الفراء فى معانى القرآن ١: ١٧٢، ١٧٣ والان (سنة) مع قليل من
الخلاف فى بعض المفظ . .