Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
القول فى تأويل قوله ﴿فَقَدِ أُسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْنَى)
قال أبو جعفر: ((والعروة))، فى هذا المكان، مَثَلّ للإيمان الذى اعتصم
به المؤمن ، فشبهه فى تعلُّقه به وتمستُّكه به ، بالمتمسك بعروة الشىء الذى له عروة
يُتمسّك بها، إذْ كان كلّ ذى عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته.
وجعل تعالى ذكره الإيمان الذى تمسَّك به الكافر بالطاغوت المؤمن بالله ، من
أوثق عرى الأشياء بقوله: ((الوثقى)).
٠٠ ٠
و((الوثقى))، ((فُعلى)) من ((الوثاقة)). يقال فى الذكر: ((هو الأوثق))، وفى
الأنثى: ((هى الوثقى))، كما يقال: ((فلان الأفضل، وفلانة الفضلى)).
٠ ٠
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٥٨٤٧ - حدثنى محمد بن عمرو ، قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((بالعروة الوثقى))، قال : الإيمان.
٥٨٤٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٥٨٤٩ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قال: ((العروة الوثقى))، هو الإسلام.
٥٨٥٠ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ،
عن أبى السوداء ، عن جعفر - يعنى ابن أبى المغيرة - عن سعيد بن جبير قوله :
((فقد استمسك بالعروة الوثقى))، قال: لا إله إلا الله. (١)
(١) الأثر: ٥٨٥٠، ٥٨٥١ - ((أبو السوداء))، هو: ((عمرو بن عمران النهدى))، روى
عن المسيب بن عبد خير ، وأبى مجلز، وعبد الرحمن بن باسط والضحاك بن مزاحٍ، وروى عنه حفص
ابن عبد الرحمن بن سوقة والسفيافان. ثقة ، مترجم فى التهذيب .

٤٢٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
٥٨٥١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان،
عن أبى السوداء النهدى ، عن سعيد بن جبير مثله .
٥٨٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((فقد استمسك بالعروة الوثقى))، مثله.
٥
القول فى تأويل قوله ﴿لاَ أَنفِصَامَ لَمَا﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((لا انفصام لها))، لا انكسار لها .
(((والهاء والألف))، فى قوله: ((لها)) عائدة على ((العروة)).
#
ومعنى الكلام : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ، فقد اعتصم من طاعة
اللّه بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانَه إياه ، وإسلامَه عند حاجته إليه فى أهوال
الآخرة، كالمتمسك بالوثيق من عُرَى الأشياء التى لا يخشى انكسار عُراها. (١)
٠
وأصل ((الفصم)) الكسر، ومنه قول أعشى بن ثعلبة :
وَمَبْسِعَهَاَ عَنْ شَتِيتِ النََّتِ غَيْرِ أَكَلَّ وَلَا مُنْفَعِمْ(٢)
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((كالتمسك بالوثيق))، والصواب الذى يقتضيه السياق ما أثبت.
(٢) ديوانه: ٢ من قصيدة من جيد شعر الأعثى، وقبله أبيات من تمام معناه:
أَمِ الخَبْلُ وَاهِ بَها مُنْجَدِمْ؟
أَتَهْجُرُ غَانِيَةً أَمْ تُلِمْ ؟
أَمِ الرّشْدُ أَحْجَى ؟ فَإِنَّ أمره!
سَتْفَُهِ عِلْمُهُ إِنْ عَلِمْ
تَبَّنَ، ثُمَّ اتَهَى إِذْ قَدُمْ
كَمَا راشِدٍ تَجِدَنَّ امرء!
وَكُلِّ نَصِيحٍ لَهُ بَّهِمْ
عِصَى الْمُشْفِقِينَ إِلَى غَيَّةٍ
وَإِلاَّ مِقَبَ اْرِئٍ قد أَتِمْ
وَمَا كَانَ ذَلِكَ إلا الصَّبَاً

٤٢١
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
القول فى تأويل قوله ﴿فَقَدِ أُسْتَمْتَكَ بِالْمُرْوَةِ الْوُثْقَ)
قال أبو جعفر: ((والعروة))، فى هذا المكان، مَثَلّ للإيمان الذى اعتصم
به المؤمن ، فشبهه فى تعلُّقه به وتمستُّكه به ، بالمتمسك بعُروة الشىء الذى له عروة
يُتمسَّك بها، إذْ كان كلّ ذى عروة فإنما يتعلق من أراده بعروته.
وجعل تعالى ذكره الإيمان الذى تمسَّك به الكافر بالطاغوت المؤمن بالله ، من
أوثق عرى الأشياء بقوله: ((الوثقى)).
...
و((الوثقى))، ((فُعلى)) من ((الوثاقة)). يقال فى الذكر: ((هو الأوثق))، وفى
الأنثى: ((هى الوثقى))، كما يقال: ((فلان الأفضل، وفلانة الفضلى)).
...
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٥٨٤٧ - حدثنى محمد بن عمرو ، قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((بالعروة الوثقى))، قال: الإيمان.
٥٨٤٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٥٨٤٩ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قال: ((العروة الوثقى))، هو الإسلام.
٥٨٥٠ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ،
عن أبى السوداء ، عن جعفر - يعنى ابن أبى المغيرة - عن سعيد بن جبير قوله :
((فقد استمسك بالعروة الوثقى))، قال: لا إله إلا الله. (١)
(١) الأثر: ٥٨٥٠، ٥٨٥١ - ((أبو السوداء))، هو: ((عمرو بن عمران النهدى))، روى
عن المسيب بن عبد خير، وأبى مجلز، وعبد الرحمن بن باسط والضحاك بن مزاحٍ، وروى عنه حفص
ابن عبد الرحمن بن سوقة والسفيانان . ثقة ، مترجم فى التهذيب .

٤٢٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥٦
٥٨٥١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان،
عن أبى السوداء النهدى ، عن سعيد بن جبير مثله .
٥٨٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((فقد استمسك بالعروة الوثقى))، مثله.
٠
القول فى تأويل قوله ﴿لاَ أَنفِصَامَ لَمَا﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((لا انفصام لها))، لا انكسار لها .
((والهاء والألف))، فى قوله: ((لها)) عائدة على ((العروة)).
٠٠٠
ومعنى الكلام : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ، فقد اعتصم من طاعة
اللّه بما لا يخشى مع اعتصامه خذلانَه إياه، وإسلامَه عند حاجته إليه فى أموال
الآخرة ، كالمتمسك بالوثيق من عُرَى الأشياء التى لا يخشى انكسار عُراها. (١)
وأصل ((الفصم)) الكسر ، ومنه قول أعشى بنى ثعلبة:
وَمَبْسِعَهَا عَنْ شَتِتِ النَّبَاتِ غَيْرِ أَكَنَّ وَلَا مُنْفَعِمْ(٢)
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: (( كالتمسك بالوثيق))، والصواب الذى يقتضيه السياق ما أثبت.
(٢) ديوانه: ٢ من قصيدة من جيد شعر الأعشى، وقبله أبيات من تمام معناه:
أَمِ الخَبْلُ وَاهٍ بَهَا مُنْجَذِمْ؟
أَتَهْجُرُ غَانِيَّةً أَمْ تُلِمْ ؟
أَمِ الرّشْدُ أَحْجَى ؟ فَإِنَّ أُمرء!
سَيَنْقَهُهِ عِلْمُهُ إِنْ عَلِمْ
تَبَّيَّنْ، ثُمَّ اتَهَى إِذْ قَدُمْ
كَمَاً راشِدٍ تَجِدَنَّ امرء!
وَكُلِّ نَصِيرٍ لَهُ يَتِهِمْ
عصَى الْمُشْفِقِينَ إِلَى غَيِّهِ
وَإِلاَّ عِقَبَ امْرِئْ قد أَتْمْ
وَمَا كَانَ ذَلِكَ إِلا الصَّبَاً

٤٢٧
تفسير سورة البقرة : ٢٥٧
يدل على أن الآية معناها الخصوص، وأنها - إذْ كان الأمر كما وصفنا - نزلت
فيمن كفر من النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وفيمن آمن بمحمد صلى الله
عليه وسلم من عبدة الأوثان الذين لم يكونوا مقرًّين بنبوة عيسى، وسائر الملل التى
کان أهلها يكذّب بعيسى .
فإن قال قائل : أو كانت النصارى على حقّ قبل أن يبعث محمد صلى الله
٠
عليه وسلم فكذً بوا به ؟
قيل : من كان منهم على ملّة عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم ، فكان
على حقّ، وإياهم عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِالله
وَرَسُولِهِ﴾ [سورة النساء: ١٣٧].
٠
١٦/٣
فإن قال قائل : فهل يحتمل أن يكون قوله: (( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت
يخرجونهم من النور إلى الظلمات))، أن يكون معنيًّا به غيرُ الذين ذكر مجاهد
وعبدة : (١) أنهم عُنوا به، من المؤمنين بعيسى ، أو غير أهل الرِّدة فى الإسلام؟(٢)
قيل : نعم ، يحتمل أن يكون معنى ذلك والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ،
يحولون بينهم وبين الإيمان ، ويضلُّونهم فيكفرون ، فيكون تضليلهم إياهم حتى
يكفروا ، إخراجاً منهم لهم من الإيمان ، يعنى صدّهم إياهم عنه ، وحرمانهم إياهم
خيره، وإن لم يكونوا كانوا فيه قبل ، كقول الرجل: ((أخرجنى والدى من ميراثه))،
إذا مَلَك ذلك فى حياته غيرُه، فحرمه منه حظّه =(٣) ولم يملك ذلك القائل هذا
(١) فى المطبوعة: ((مجاهد وغيره)). وهى فى المخطوطة: ((عبده)) غير منقوطة وإنما عنى عبدة
ابن أبي لبابة، كما فى الآثار السالفة ، وما بعدها .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((الردة والإسلام)) وهو هنا عطف لا يستقيم، فإنه إنما عنى المرتدة
عن الإسلام .
(٣) فى المطبوعة: ((فحرمه منه خطيئة))، وهو كلام خلو من المعنى. وفى المخطوطة: ((فحرمه منه
حطه)، غير منقوطة، وكلها فاسدة. فإن المعنى: إذا ملك الميراث غير أبيه، فحرمه حفظه من ميراث
أيه . والحظ : النصيب .
۔

٤٢٨
تفسير سورة البقرة : ٢٥٧
الميراث قطُّ فیخرج منه ، ولکنه لما حُرِمه وحیل بينه وبينما کان یکون له لو لم
◌ُحرَّمَه، قيل ((أخرجه منه))، وكقول القائل: ((أخرجنى فلان من كتيبته ))،
يعنى : لم يجعلنى من أهلها، ولم يكن فيها قط قبل ذلك. فكذلك قوله: ((يخرجونهم
من النور إلى الظلمات))، محتملٌ أن يكون إخراجهم إياهم من الإيمان إلى الكفر
على هذا المعنى ، (١) وإن كان الذى قاله مجاهد وعبدة أشبه بتأويل الآية. (٢)
. .
٠
فإن قال لنا قائل: وكيف قال: (( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم
من النور))، فجمع خبر ((الطاغوت)) بقوله: ((يخرجونهم))، و((الطاغوت))
واحد ؟
قيل: إن ((الطاغوت)) اسم لجماعٍ وواحدٍ، وقد يجمع ((طواغيت)). وإذا
جعل واحده وجمعه بلفظ واحد ، كان نظير قولهم: ((رجل عدل ، وقوم عدل ))
و ((رجل فِطر وقوم فطر))، (٣) وما أشبه ذلك من الأسماء التى يأتى موحَّداً فى اللفظ
واحدُها وجمعها ، (٤) وكما قال العباس بن مرداس :
فَقُلْنَا: أَسْلِمُوا، إنَّا أَخُوَكُمْ! فَقَدْ بَرِثَتْ مِنَ الإِحَنِ الصُّدُورُ(٥)
(١) فى المطبوعة: ((يحتمل)) بالياء فى أوله، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة مناً: ((مجاهد وغيره))، وهو خطأ، وانظر التعليق السالف:
ص : ٤٢٧ تعليق: ١ .
(٣) أى رجل مفطر ، وقوم مفطرون .
(٤) فى المطبوعة: ((التى تأتى موحدة فى اللفظ ... ))، وفى المخطوطة: ((التى يأتى موحد فى
اللفظ)، والصواب ما أثبت.
(٥) سيرة ابن هشام ٤: ٩٥ واللسان (أخو) ومجاز القرآن ١: ٧٩، من قصيدة له طويلة فى

٤٢٧
تفسير سورة البقرة : ٢٥٧
يدل على أن الآية معناها الخصوص، وأنها - إذْ كان الأمر كما وصفنا - نزلت
فيمن كفر من النصارى بمحمد صلى الله عليه وسلم، وفيمن آمن بمحمد صلى الله
عليه وسلم من عبدة الأوثان الذين لم يكونوا مقرّين بنبوة عيسى، وسائر الملل التى
كان أهلها يكذِّب بعيسى .
فإن قال قائل: أو كانت النصارى على حقّ قبل أن يبعث محمد صلى الله
٠
٥
عليه وسلم فكذًّبوا به؟
قيل : من كان منهم على ملّة عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم ، فكان
على حقّ، وإياهم عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِالله
وَرَسُولِهِ﴾ [سورة النساء: ١٣٧].
٠٠
فإن قال قائل: فهل يحتمل أن يكون قوله: (( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ١٦/٣
يخرجونهم من النور إلى الظلمات))، أن يكون معنيًّا به غيرُ الذين ذكر مجاهد
وعبدة: (١) أنهم عُنوا به، من المؤمنين بعيسى، أو غير أهل الرِّدة فى الإسلام؟(٢)
قيل : نعم ، يحتمل أن يكون معنى ذلك والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ،
يحولون بينهم وبين الإيمان ، ويضلُّونهم فيكفرون ، فيكون تضليلهم إياهم حتى
يكفروا ، إخراجاً منهم لهم من الإيمان ، يعنى صدّهم إياهم عنه ، وحرمانهم إياهم
خيره، وإن لم يكونوا كانوا فيه قبل، كقول الرجل: ((أخرجنى والدى من ميراثه))،
إذا مَلَك ذلك فى حياته غيرُهُ، فحرمه منه حظّه =(٣) ولم يملك ذلك القائل هذا
(١) فى المطبوعة: ((مجاهد وغيره)). وهى فى المخطوطة: ((عبده)) غير منقوطة وإنما فى عبدة
ابن أبي لبابة ، كما فى الآثار السالفة ، وما بعدها .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((الردة والإسلام)) وهو هنا عطف لا يستقيم، فإنه إنما عى المرقدة
عن الإسلام .
(٣) فى المطبوعة: ((فحرمه منه خطيئة))، وهو كلام خلو من المعنى. وفى المخطوطة: ((فحرمه منه
حله)، غير منقوطة، وكلها فاسدة. فإن المعنى: إذا ملك الميراث غير أبيه، فحرمه حفظه من ميراث
أيه . والحظ : النصيب .

٤٢٨
تفسير سورة البقرة : ٢٥٧
الميراث قطُّ فیخرج منه ، ولكنه لما حُرِمه وحيل بينه وبين ما كان يكون له لو لم
◌ُحرَّمَه، قيل ((أخرجه منه))، وكقول القائل: ((أخرجنى فلان من كتيبته))،
يعنى : لم يجعلنى من أهلها، ولم يكن فيها قط قبل ذلك. فكذلك قوله: ((يخرجونهم
من النور إلى الظلمات))، محتملٌ أن يكون إخراجهم إياهم من الإيمان إلى الكفر
على هذا المعنى، (١) وإن كان الذى قاله مجاهد وعبدة أشبه بتأويل الآية. (٢)
٠٠ ٠
فإن قال لنا قائل: وكيف قال: (( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم
من النور))، فجمع خبر ((الطاغوت)) بقوله: ((يخرجونهم))، و((الطاغوت))
واحد ؟
قيل: إن ((الطاغوت)) اسم لجماعٍ وواحدٍ، وقد يجمع ((طواغيت)). وإذا
جعل واحده وجمعه بلفظ واحد، كان نظير قولهم: ((رجل عدل، وقوم عدل))
و ((رجل فطر وقوم فطر))، (٣) وما أشبه ذلك من الأسماء التى يأتى موحَّداً فى اللفظ
واحدُها وجمعها ، (٤) وكما قال العباس بن مرداس :
فَقُلْنَاَ: أَسْلِمُوا، إنَّا أَخُوَكُمْ! فَقَدْ بَرِثَتْ مِنَ الإِحَنِ الصُّدُورُ(٥)
(١) فى المطبوعة: ((يحتمل)) بالياء فى أوله، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة معاً: ((مجاهد وغيره))، وهو خطأ، وانظر التعليق السالف:
ص : ٤٢٧ تعليق: ١ .
(٣) أى رجل مفطر، وقوم مفطرون.
(٤) فى المطبوعة: ((التى تأتى موجدة فى اللفظ ... ))، وفى المخطوطة: ((التى يأتى موحد فى
اللفظ )، والصواب ما أثبت .
(٥) سيرة ابن هشام ٤: ٩٥ واللسان ( أخو) ومجاز القرآن ١: ٧٩، من قصيدة له طويلة فى

٤٢٩
تفسير سورة البقرة : ٢٥٨،٢٥٧
٢٥٧
القول فى تأويل قوله ﴿أُوْ لَكَيْكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خُلِدُونَ﴾ (
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك: هؤلاء الذين كفروا = (( أصحاب
النار )) ، أهلُ النار الذين يخلدون فيها - يعنى فى نار جهنم - دون غيرهم من أهل
الإيمان ، إلى غير غاية ولا نهاية أبداً. (١)
٠
٠
القول فى تأويل قوله ﴿أَّ تَرَإِلَى الَّذِى خَآَجَّ إِبْرَّهِمَ فِ رَبِّهِ
أَنْ ،اللهُ اللهُ الْتُلْكَ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم فى
ربه))، ألم تر، يا محمد، بقلبك(٢) = ((الذى حاج إبراهيم))، يعنى: الذى خاصم (٢)
يوم حنين ، وفى هزيمة هوازن، ويذكر قارب بن الأسود وفراره من بنى أبيه، وذا الخمار وحبسه قومه
الموت ، وبعد البيت :
كَأَنَّ القَوْمَ - إِذْ جَاؤُوا إِلَيْئاً
مِن الْبَغْضَاءِ بَعْدَ السَّلْمِ - عُورُ
وهو يخاطب هوازن بن منصور بن عكرمة ، إخوة سليم بن منصور ، وهم قوم العباس بن مرداس
السلمى. وهذا البيت يجعلونه شاهداً على جمع ((أخ)» بالواو والنون كقول عقيل بن علفة المرى:
وَكُنْتُ لَهُمْ كَشَرٌ بَنِى الأَخِينَاَ
وَكَانَ بَنُو فَزَارَةٌ شَرَّ عَمْ
فقوله: ((أخوك))، أى: إخوتكم. فهذا وجه آخر غير الذى استشهد له الطبرى بهذا البيت.
والشاهد على قول الطيرى ما جاء فى الأثر: ((أنتم الوالد ونحن الولد)). والإحن جمع إحنة: وهى الحقد
الغالب .
(١) انظر تفسير ((أصحاب النار))((وخالدون)) فيما سلف ٢ : ٢٨٦، ٢٨٧ / ٤: ٣١٧.
(٢) انظر تفسير ((الرؤية)) فيما سلف ٣: ٧٥ - ٣/٧٩: ١٦٠/ وهذا الجزء: ٢٦٦، ٢٩١
(٣) انظر معنى ((حاج)) فيما سلف ٣ : ١٢١ - ٢٠٠.

٤٣٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥٨
((إبراهيم))، يعنى: إبراهيم نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم = ((فى رَبُّه أن آتاه الله
الملك))، يعنى بذلك: حاجَّه فخاصمه فى ربّه، لأنّ اللّه آتاه الملك.
٠
وهذا تعجيبٌ من الله تعالى ذكره نبيَّه محمداً صلى الله عليه وسلم، من الذى
حاج إبراهيم فى ربه . ولذلك أدخلت (( إلى )) فى قوله: (( ألم تر إلى الذی حاج )) ،
وكذلك تفعل العرب إذا أرادت التعجيب من رجل فى بعض ما أنكرتْ من فعله ،
قالوا: ((ما ترى إلى هذا))؟! والمعنى: هل رأيت مثلَ هذا، أو كهذا؟! (١)
. ..
وقيل: إنّ ((الذى حاج إبراهيم فى ربه)) جباركان ببابل يقال له: نُمروذ بن
كنعان بن کُوش بن سام بن نوح = وقيل : إنه نمروذ بن فالخ بن عابر بن شالخ
ابن أرفخشذ بن سام بن نوح .
ذكر من قال ذلك :
٠
٥٨٦١ - حدثنى محمد بن عمرو، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن
أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: ((ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم فى ربه أن
آتاه الله الملك))، قال: هو نمروذ بن كنعان .
٥٨٦٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
٥٨٦٣ - حدثنی المثی قال، حدثنا أبو نعيم، عن سفيان ، عن لیث، عن
مجاهد مثله .
٥٨٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن النضر بن عربىّ ، عن
مجاهد مثله . (٢)
(١) انظر معانى القرآن الفراء ١ : ١٧٠ .
(٢) الأثر: ٥٨٦٤ - ((النضر بن عربى الباهل)) مضت ترجمته فى: ١٣٠٧، وكان فى
المطبوعة والمخطوطة: ((بن عدى))، وهو خطأ.

٤٣١
تفسير سورة البقرة : ٢٥٨
٥٨٦٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((ألم ترإلى الذى حاجًّ إبراهيم فى ربه))، قال: كنا نُحَدَّث أنه ملك يقالله نمروذ، (١)
وهو أول ملك تجبرَّ فى الأرض ، وهو صاحب الصرح بيابل .
٥٨٦٦ - حدثنا الحسن بن یحیی قال، أخبرنا عبد الرزاققال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة قال : هو اسمه نمروذ، وهو أول من تجبرَّ فى الأرض ، حاجًّ إبراهيم
فى ربه .
٥٨٦٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((ألم تر إلى الذى حاجًّ إبراهيم فى ربه أن آتاه الله
الملك))، قال: ذُكر لنا أن الذى حاج إبراهيم فى ربه كان ملكاً يقال له نمروذ ،
وهو أول جبّار تجبّر فى الأرض ، وهو صاحب الصرح ببابل .
١٧/٣
٥٨٦٨ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى
قال: هو نمروذ بن كنعان .
٥٨٦٩ - حدثتنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : هو
نمروذ .
٥٨٧٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق مثله .
٥٨٧١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر
قال ، أخبرنی زید بن أسلم بمثله .
٥٨٧٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج ، عن .
ابن جريج قال : أخبرنى عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهداً يقول: هو نمروذ =
قال ابن جريج : هو نمروذ ، ويقال إنه أول ملك فى الأرض .
٠
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((كنا نتحدث))، وما أثبت هو الصواب.

٤٣٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥٨
القول فى تأويل قوله ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَّاهِيمُ رَبِى الَّذِى يُحْسِ وُعِتُ
قَالَ أَنَاْ أُخْسٍ وَأُمِيتُ قَلَ إِبْرَ اهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ اْلْمَشْرِقِ
فَأْتِ بِهَا مِنَ الْتَغْرِبِ فَبُهْتَ الَّذِ كَفَرَ وَاللهُ لاَيَهْدِى الْقَوْمَ الَّظَّلِنَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: ألم تر، يا محمد، إلى الذى حاج
إبراهيم فى ربه حين قال له إبراهيم: ((ربى الذى يحيى ويميت))، يعنى بذلك :
ربى الذى بيده الحياة والموت ، يحيى من يشاء ويميتُ من أراد بعد الإحياء . قال :
أنا أفعل ذلك ، فأحيى وأمِيت، أستحيى من أردتُ قتله فلا أقتله ، فيكون ذلك
منى إحياءً له = وذلك عند العرب يسمى ((إحياء))، كما قال تعالى ذكره :
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [سورة المائدة: ٣٢] = وأقتُل آخر،
فيكون ذلك منى إماتة له . قال إبراهيم صلى الله عليه وسلم : فإن الله الذى هو ربی
يأتى بالشمس من مشرقها، فأت بها - إن كنتَ صادقاً أنك إلهٌ - من مغربها! قال
الله تعالى ذكره: ((قُبهت الذى كفَرَ))، يعنى: انقطع وبطلت حجته .
يقال منه: (( بُهِتَ يُبْهَتُ بَهْتاً)). وقد حكى عن بعض العرب أنها تقول بهذا
المعنى: ((بَهِت)). ويقال: ((بَهَتُّ الرجل)) = إذا افتريت عليه كذباً = ((بهتا
و ◌ُهتاناً وبَهَاتة)).(١)
وقد روى عن بعض القرأة أنه قرأ: ﴿ فَبَهَتَ الَّذِى كَفَر)، بمعنى: فبهتِ
إبراهيمُ الذى كفر .
(١) ((بهاتة))، مصدر لم أجده فى كتب اللغة، وهو صحيح فى القياس.

٤٣٣
تفسير سورة البقرة : ٢٥٨
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٥٨٧٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة فى
قوله : ((إذ قال إبراهيم ربّ الذی یحی ويميت قال أنا أحی وأميت))، وذ کر لنا
أنه دعا برجلين فقتل أحدهما واستحىّ الآخر ، فقال: أنا أحبى هذا ! أنا أستحى
من شئت ، وأقتل من شئت! قال إبراهيم عند ذلك: (( فإن اللّ یأتی بالشمس من
المشرق فأت بها من المغرب))، ((فبهت الذي كفر والله لا يهدى القوم الظالمين)).
٥٨٧٤ - حدثی المثی قال، حدثنا أبوحذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن
أبى نجيح ، عن مجاهد قال: ((أنا أحبى وأميت))، أقتل من شئت وأستحبى
من شئت ، أدعه حيًّا فلا أقتله . وقال : ملك الأرضَ مشرقَها ومغربها أربعةُ.
نفر : مؤمنان وكافران ، فالمؤمنان : سليمان بن داود وذو القرنين ، والكافران :
◌ُخْتنصّر ونمروذ بن كنعان ، لم يملكها غيرهم .
....
٥٨٧٥ - حدثنا الحسنبنیحی قال ،أخبرنا عبدالرزاق قال،أخبرنا معمر ، عن
زيد بن أسلم: أول جبار كان فى الأرض نمروذ، (١) فكان الناس يخرجون فيمتارون
من عنده الطعام ، فخرج إبراهيم يمتار مع من يمتار ، فإذا مرّ به ناسٌ قال : من
ربكم ؟ قالوا : أنت ! حتى مرّ إبراهيم، قال: من ربك ؟ قال : الذى يُحِى
ويميت؟ قال: أنا أحبى وأميت ! قال إبراهيم: فإن الله يأتى بالشمس من المشرق
فأت بها من المغرب ! فبُهت الذى كفر. قال: فردَّه بغير طعام . قال : فرجع
إبراهيم إلى أهله، (٢) فمرّ على كثيب أعفر، (٣) فقال: ألاَّ آخذ من هذا، فَآتى به
(١) فى التاريخ: ((نمرود)) بالدال المهملة، وفى المخطوطة كذلك، إلا أنها لا تعجم المعجم.
وكلاهما جائز، بالدال المهملة والذال المعجمة .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((على أهله))، والجيد ما فى تاريخ الطبرى، وهو ما أثبت.
(٣) فى المطبوعة: ((على كثيب من رمل أعفر)) بهذه الزيادة، وليست فى المخطوطة ولا فى التاريخ
والأعفر : الرمل الأحمر ، أو تخالفه الحمرة .
ج . (٢٨)

٤٣٤
تفسير سورة البقرة : ٢٥٨
أهلى ، (١) فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم ! فأخذ منه فأتى أهله . قال : فوضع
متاعه ثم نام، فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته، فإذا هى بأجود طعام رآه أحد، (٢)
فصنعت له منه فقرَّبته إليه، وكان عتَهِد أهلَه ليس عندهم طعام ، (٣) فقال:
من أين هذا؟ قالت : من الطعام الذى جئت به ! فعلم أن الله رزقه ، فحمد الله .
ثم بعثَ اللّه إلى الجبار ملكاً: أنْ آمن بى وأتركك على ملكك! قال : وهل ربِّ
غيرى ؟ ! فجاءه الثانية فقال له ذلك ، فأبى عليه . ثم أتاه الثالثة فأبى عليه ، فقال
له الملك: اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام! فجمع الجبار جموعه، فأمر الله الملَك
ففتح عليه باباً من البعوض ، فطلعت الشمس فلم يروها من كثرتها ، فبعثها الله
عليهم فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ، فلم يبق إلاّ العظام، والملك كما هو لم
يصبه من ذلك شىء. فبعث اللّه عليه بعوضة فدخلت فى مَنْخِره ، فمكث أربعمئة
سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحمُ الناس به من جمع يديه وضرب بهما رأسه . وكان
جبَّاراً أربعمئة عام ، فعذبه الله أربعمئة سنة كمُلكه وأماته اللّه. (٤) وهو الذى بنى
صرحاً إلى السماء، فأتى اللّه بنيانه من القواعد، وهو الذى قال الله: ﴿فَأَتِى اللهُ
"بُنْيَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ﴾(٥) [سورة النحل: ٢٦].
١٨/٣
٥٨٧٦ - حدثی یونس قال أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى عبد الرحمن بن
زيد بن أسلم فى قول الله: ((ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم فى ربه))، قال : هو
نمروذ، كان بالموصل والناس يأتونه، فإذا دخلوا عليه قال: من ربكم؟ فيقولون: أنت!
(١) فى التاريخ: ((هلا)) (بفتح الهاء وتشديد اللام) وهما سواء، ((ألا)) أيضاً مشددة اللام.
(٢) فى المطبوعة: ((فإذا هى بأجود طعام رأته))، والذى أثبت نص المخطوطة والتاريخ،
فليت شعرى لم غيره المغيرون فى الطبع ! !
(٣) الأثر: ٥٨٧٥ - فى المطبوعة: ((وكان عهده بأهله أنه ليس عندهم طعام))، وأثبت
ما فى المخطوطة. والتاريخ، وعجب لهؤلاء المبدلين، استبدلوا الركيك الموضوع، بالجزل المرفوع !! والأثر
فى تاريخ الطبرى ١ : ١٤٨.
(٤) فى المطبوعة: ((ثم أماته الله))، وأثبت ما فى الخطوطة والتاريخ.
(٥) فى المخطوطة: ((فأتى الله بنيانه من القواعد))، ثم أراد أن يصححها، فكررها كما هى، ولم
يضرب على الأولى .

٤٣٥
تفسير سورة البقرة : ٢٥٨
فيقول أميروهم. (١) فلما دخل إبراهيم ومعه بعير خرج يمتار به لولده ، قال :
فعرضهم كلهم فيقول : من ربكم ؟ فيقولون: أنت ! فيقول: أميروهم ! (١) حتى
عرض إبراهيم مرتين ، فقال : من ربك!؟ قال: ربى الذى يحيى ويميت ! قال :
أنا أحيي وأميت ، إن شئت قتلتك فأمَتُّك، وإن شئت استحييتك . قال إبراهيم:
فإن اللّه يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب !! ((فبُهت الذى كفر والله
لا يهدى القوم الظالمين)). قال : أخرجوا هذا عنّى فلا تميروه شيئاً! فخرج القوم
كلهم قد امتاروا، وحُوالِقًا إبراهيم يصطفقان، (٢) حتى إذا نظر إلىسواد جبال
أهله قال: لَيحزُنَّ صبيتى إسماعيل وإسحق! (٣) لو أنى ملأت هذين الجُوالقين
من هذه البطحاء ، فذهبت بهما ، قرَّت عينا صبيتى، حتى إذا كان الليل أهرقته!
قال: فملأهما ، ثم خيّطهما، ثم جاء بهما. فترامى عليهما الصبيّان فرحاً، وألقى
رأسه فى حجر سارَة ساعةً ، ثم قالت: ما يجلسنى! قد جاء إبراهيم تعباً لغياً، (٤)
لو قمت فصنعت لهُ طعاماً إلى أن يقوم ! قال: فأخذت وسادة فأدخلتها مكانها ،
وانسلَّتْ قليلاً قليلاً لئلا توقظه . قال : فجاءت إلى إحدى الغرارتين ففتقتها ،
فإذا حُوَّارَى من النقىّ لم يروا مثله عند أحد قط، (٥) فأخذت منه فعجنته وخبرته، (٦)
فلما أنتت توقظ إبراهيم جاءته حتى وضعته بين يديه ، فقال : أى شىء هذا
(١) فى المطبوعة: ((ميروهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهما صواب. ماره يميره، وأماره: إذا
أتاهم بالميرة ( وهى الطعام المجلوب )، ومار القوم وأمارهم أيضاً: إذا أعطاهم الميرة .
(٢) الجوالق ( بضم الجيم، وكسر اللام أو فتحها )، وجمعه جوالق وجوالقات ، وهو وعاء
من الأوعية، نسميه ونحرفه اليوم ((شوال)). واصطفق الشىء: اضطرب، يعنى من فراغهما.
(٣) فى المطبوعة: ((ليحزننى))، والصواب ما فى المخطوطة.
(٤) لغب: قد أعبى أشد الإعياء. من الغوب. وأكثرما يقولون: لاغب، أما ((لغب))، فهو
قليل فى كلامهم ، وهوهنا اتباع .
(٥) الحوارى (بضم الحاء وتشديد الواو، والراء مفتوحة): وهو لباب الدقيق الأبيض وأخلصه
وأجوده. والنّى: وهو البر إذا جرى فيه الدقيق .
(٦) فى المطبوعة: ((فطحنته ومجنته))، وفى المخطوطة: ((فعجنته وعجنته))، واستظهرت أن
تكون كما أثبتها .

٤٣٦
تفسير سورة البقرة : ٢٥٨
يا سارة ؟ قالت : من جوالقك، لقد جئت وما عندنا قليل ولا كثير ! قال :
فذهب ينظر إلى الجوالق الآخر فإذا هو مثله ، فعرف من أين ذاك .
٥٨٧٧ - حدثی المثی قال ، حدثنا إسمق ، قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع قال : لما قال له إبراهيم : ربّى الذى يحي ويميت ! قال
هو - يعنى نمروذ: فأنا أحبى وأميت! فدعا برجلین فاستحیی أحدهما وقتل الآخر،
قال: أنا أحبى وأميتُ ! = قال: أى أستحيى من شئت- فقال إبراهيم: فإن الله يأتى
بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب! ((فبُهت الذى كفر والله لا يهدى القوم
الظالمين » .
٥٨٧٨ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قال : لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك ، ولم يكن قبل ذلك
دخل عليه ، فكلمه وقال له : من ربك؟ قال: ربى الذى يحيي ويميت ! قال .
نمروذ: أنا أحبى وأميت! أنا أدخل أربعة نفر بيتاً فلا يُطعمون ولا يُسقوْن، حتى
إذا هلكوا من الجوع أطعمت اثنين وسقيتهما فعاشا ، وتركت اثنين فماتا . فعرف
إبراهيم أن له قدرة بسلطانه وملکه علی أن یفعل ذلك ، قال له إبراهيم : فإن ربی
الذى يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب! فبُهت الذى كفر، وقال:
إن هذا إنسان مجنون ! فأخرجوه ، ألا ترون أنه من جنونه اجترأ على آلهتكم فكسرها،
وأنّ النار لم تأكله .! وخشى أن يفتضح فى قومه - أعنى نمروذ = وهو قول الله تعالى
ذكره: ﴿وَ تِلْكَ حُجْتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [سورة الأنعام: ٨٣]، فكان
يزعم أنه ربٌ = وأمر بإبراهيم فأخرج .
٥٨٧٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الخسین قال ، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج قال ، أخبرنى عبد الله بن كثير ، أنه سمع مجاهداً يقول ، قال : أنا
أحيي وأميت ، أحبى فلا أقتل ، وأميت من قتلت = قال ابن جريج . كان أتى

٤٣٧
تفسير سورة البقرة : ٢٥٨
برجلين فقتل أحدهما وترك الآخر ، فقال : أنا أحبى وأميت . قال : أقتل فأميت
من قتلت ، وأحيى = قال: أستحيى = فلا أقتل .
١٩/٣
٥٨٨٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن إسحق
قال: ذكر لنا، والله أعلم، أن نمروذ قال لإبراهيم فيما يقول: أرأيت إلهك هذا
الذى تعبُد وتدعو إلى عبادته ، (١) وتذ کر من قدرته التى تعظمه بها على غيره ،
ما هو ؟ قال له إبراهيم: ربى الذى يحي ويميت. قال نمروذ: فأنا أحبى وأميت!
فقال له إبراهيم : كيف تحيى وتميت ؟ قال : آخذ رجلين قد استوجبا القتل فى
حكمى ، فأقتل أحدهما فأكون قد أمتُّه، وأعفو عن الآخر فأتركه، وأكون قد
أحييته ! فقال له إبراهيم عند ذلك : فإن اللّه يأتى بالشمس من المشرق فأت بها
من المغرب ، أعرِفْ أنه كما تقول! فبُهت عند ذلك نمروذ ولم يرجع إليه شيئاً ،
وعرف أنه لا يطيق ذلك. يقول تعالى ذكره: ((فبُهت الذى كفر)»، يعنى وقعت
عليه الحجة = يعنى نمروذ .
٠
قال أبو جعفر: وقوله: ((والله لا يهدى القوم الظالمين))، يقول: والله لا يهدى
أهل الكفر إلى حجةٍ يُدحضون بها حجة أهل الحق عند المحاجّة والمخاصمة، لأن
أهل الباطل حججهم داحضة .
٠٠
وقد بينا أن معنى ((الظلم)) وضع الشىء فى غير موضعه، (٢) والكافرُ وضع
جحوده ما جحد فى غير موضعه ، فهو بذلك من فعله ظالمٌ لنفسه .
٠٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال ابن إسحق .
(١) فى المطبوعة: ((الذى تعبده وتدعو إلى عبادته))، وفى المخطوطة ((انذى تعبدونه وتدعو ... ))
وصواب قراءتها ما أثبت .
(٢) انظر تفسير (الظلم)) فيما سلف ١: ٥٢٣، ٥٢٤/ ٢: ٣٦٩، ٥١٩، ثم أخيراً ما سلف.
قريباً : ٣٨٤ .

٤٣٨
تفسير سورة البقرة : ٢٥٨، ٢٥٩
٥٨٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن إسحق :
((والله لا يهدى القوم الظالمين))، أى: لا يهديهم فى الحجة عند الخصومة، لما هم
عليه من الضلالة .
القول فى تأويل قوله ﴿أَوْ كَاَلِّى مَرَّ عَى قَرَّةٍ)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((أو كالذى مرّ على قرية))،
نظير الذى عنى بقوله: ((ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم فى ربه))، من تعجيب
محمد صلى الله عليه وسلم منه .
وقوله: ((أو كالذى مرعلى قرية)) عطف على قوله: ((ألم تر إلى الذى حاج
إبراهيم فى ربه))، وإنما عطف قوله: ((أو كالذى)) على قوله: ((إلى الذى حاج
إبراهيم فى ربه))، وإن اختلف لفظاهما، لتشابه معنبيهما. لأن قوله: ((ألم ترإلى
الذى حاج إبراهيم فى ربه))، بمعنى: هل رأيتَ، يا محمد، كالذى حاج إبراهيم فى
ربه؟ = ثم عطف عليه بقوله: ((أو كالذى مر على قرية)). لأن من شأن العرب
العطفَ بالكلام على معنى نظير له قد تقدمه ، وإن خالف لفظه لفظه.
وقد زعم بعض نحوبى البصرة أن ((الكاف)) فى قوله: ((أو كالذى مر على
قرية))، زائدةً، وأن المعنى: ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم، أو الذى مرّ على قرية.
وقد بينا فيما مضى قبل أنه غير جائز أن یکون فی کتابالله شیء لا معنى
له، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (١)
٠
(١) انظر ما سلف ١: ٤٣٩ - ٤٤١ / ٢: ٣٣١، ٤٠٠.

٤٣٩
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
واختلف أهل التأويل فى ((الذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها)).
فقال بعضهم : هو عُزيْر.
• ذكر من قال ذلك :
٥٨٨٢ -حدثنا محمد بن بشارقال ، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن أبي إسحق، عن ناجية بن كعب: ((أو كالذى مر على قرية وهى خاوية
على عروشها))، قال : عزير . (١)
٥٨٨٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا أبو
خزيمة قال ، سمعت سلمان بن بريدة فى قوله: (( أو كالذى مر على قرية)) ،
قال : هوعزير .
٥٨٨٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(( أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها))، قال: ذكر لنا أنه عزير.
٥٨٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة [ مثله] . (٢)
٥٨٨٦ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه قوله :
((أو كالذى مر على قرية))، قال: قال الربيع: ذكر لنا، والله أعلم، أن الذى
أتى على القرية هو عزیر.
٥٨٨٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عكرمة: ((أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها))،
قال : عزير .
(١) الأثر: ٥٨٨٢ - ((فاجية بن كعب الأسدى)) روى عن على، وعمار بن ياسر، وعبدالـ
ابن مسعود . روى عنه أبو إنحق السبيعى، وأبو حسان الأعرج، ويونس بن أبى إمحق. مترجم فى
التهذيب، والكبير ١٠٧/٢/٤، وابن أبي حاتم ٤٨٦/١/٤.
(٢) الزيادة بين القوسين لا بد منها .

٤
تفسير سورة البقرة : ٢٥٩
٥٨٨٨ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((أو كالذى مر على قرية))، قال : عزير.
٥٨٨٩ - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ يقول، أخبرنا عبيد بن
سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: (( أو كالذى مر على قرية وهى
خاوية على عروشها )) ، إنه هو عزير .
٥٨٩٠ - حدثی یونس قال، قال لنا سلم الخواص: کان ابن عباس يقول:
هو عزير. (١)
وقال آخرون: هو أورميا بن حلقيا، (٢) وزعم محمد بن إسحق أن أورميا ،
هو الخضر .
٥٨٩١ - حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنا ابن إسحق
قال : اسم الخضر = فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بنى إسرائيل - أورميا بن
حلقيا ، وكان من سبط هرون بن عمران. (٣)
· ذكر من قال ذلك :
٢٠/٣
٥٨٩٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا
عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول فى قوله: ((أنّى يحى هذه اللّه
(١) الأثر: ٥٨٩٠ - ((يونس))، هو يونس بن عبد الأعلى سلفت ترجمته مراراً. و(علم
الخواص)، هو: مهم بن ميمون الخواص الرازى الزاهد، من كبار الصرفية. دفن كتبه ، وكان يحدث
من حفظه فيغلط . قال ابن حبان : كان من كبار عباد أهل الشام، غلب عليه الصلاح ، حتى غفل
عن حفظ الحديث وإتقانه، فلا يحتج به. مترجم فى لسان الميزان، وفى الجرح ٢٦٧/١/٢. وكان فى
المطبوعة: ((سالم الخواص))، وهو خطأ، والصواب من الخطوة.
(٢) هوفى كتاب القوم (إرميا). وكان فى المطبوعة مثله، ولكنى أثبت ما فى المخطوطة، لأنه
مضى عليه فى جميع ما يأتى، وكذلك كان يرسم فى غيره من الكتب. انظر ((سفر أرميا)) فى كتابهم.
(٣) هذا القول رده الطبرى ونقضه فى تاريخه ١: ١٩٤، وما قبلها.