Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
إشى =(١) وكانوا فى العسكر فقال: اذهب فزوَّدْ إخوتك، (٢) وأخبرنى خبر"
الناس ماذا صنعوا؟ فجاء إلى إخوته وسمع صوتاً: إن الملك يقول: من يبرز لجالوت!
فإن قتله أنكحه الملك ابنته . فقال داود لإخوته : ما منكم رجل ببرُز الجالوت فيقتله
وينكح ابنة الملك ؟ فقالوا : إنك غلام أحمق ! ومن يطيق جالوت ، وهو من بقية
الجبّارين !! فلما لم يرهم رغبوا فى ذلك قال: فأنا أذهبُ فأقتُلُه ! فانتهروه وغضبوا
عليه ، فلما غفلوا عنه ذهب حتى جاء الصائحَ فقال : أنا أبرز لحالوت ! فذهب
به إلى الملك ، فقال له : لم يجبنى أحدٌ إلا غلامٌ من بنى إسرائيل، هو هذا !
قال : يا بنى، أنت تبرُز الحالوت فتقاتله ! قال: نعم. قال : وهل آنست من
نفسك شيئاً؟ قال: نعم، كنت راعياً فى الغنم فأغارَ علىّ الأسد، فأخذتُ بلَحْبَيْه
ففككتهما . فدعا له بقوس وأداة كاملة ، فلبسهما وركب الفرسَ ، ثم سار منهم
قريباً ، ثم صرفَ فرسه، فرجع إلى الملك ، فقال الملك ومن حوله: جَبُن الغلام !
فجاء فوقف على الملك ، فقال: ما شأنك؟ قال داود: إنْ لم يقتُله اللّه لى، لم
بقتله هذا الفرس وهذا السلاح ! فدعنی فأقاتل کما أريد . فقال: نعم يا بنىّ. فأخذ
داود مخلاته فتقلّدها، وألقىفيها أحجارًا ، وأخذ مقلاعه الذی کان یرعیبه، (٣)
ثم مضى نحو جالوت. فلما دنا من عسكره قال : أين جالوت يبرُزُ لى ؟ فبرز
له على فرس عليه السلاح كله ، فلما رآه جالوت قال : إليك أبرز؟! قال : نعم.
قال: فأتّيتنى بالمقلاع والحجر كما يؤتى إلى الكلب ! قال: هو ذاك . قال: لا جرم
أنى سوف أقسَّم لحمك بين طير السماء وسباع الأرض! قال داود: أو يقسَّ اللّهُ
لحمك ! فوضع داود حجراً فى مقلاعه ثم دوّره فأرسله نحو جالوت، فأصاب أنف
البيضة التى على جالوت حتى خالط دُماغه، فوقع من فرسه. فمضى داود إليه فقطع
٣٩٩/٢
(١) هذه الجملة المعترضة ثابتة فى المخطوطة، وحذفت من المطبوعة.
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فرد إعوتك))، وليس صحيحاً، بل الصحيح أنه أرسله بزاد إلى
إشوته كما سلف فى الآثار الماضية، وكأن الصواب ((فزود))، أو ((بزاد إخوتك)).
(٢) مكنا فى المخطوطة والمطبوعة، وأجدر أن يقال: ((يرمى به)).

٣٦٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
رأسه بسيفه ، فأقبل به فى مخلاته، ويسَلَبه يجرُّه، حتى ألقاه بين يدى طالوت،
ففرحوا فرحاً شديداً . وانصرف طالوت، فلما كان داخل المدينة سمع الناس يذكرون
داود ، فوجد فى نفسه. (١) فجاءه داود فقال : أعطنى امرأتى ! فقال : أتريد
ابنة الملك بغير صداق؟ فقالَ داود: ما اشترطتَ علىّ صداقاً، ومالى من شىء !!
قال: لا أكلفك إلاّ ما تطيق، أنت رجل جرىء، وفى جبالنا هذه جراحة يحتربون
الناس ، (٢) وهُمُ غُلْفٌ، فإذا قتلت منهم منتى رجل فأتنى بغُلّفهم.(٣) فجعل
كلما قتل منهم رجلاً نظم غُلْفته فى خيط ، حتى نظم منتى غلفة . ثم جاء بها إلى
طالوت فألقى بها إليه. (٤) فقال: ادفع إلىّ امرأتى، قد جئت بما اشترطت. فزوجه
ابنته ، (٥) وأكثر الناس ذكرَ داود، وزاده عند الناس عجباً. (٦) فقال طالوت
لابنه : لتقتلن داود ! قال: سبحان اللّه، ليس بأهلِ ذلك منك ! قال: إنك
غلام أحمق ! ما أراه إلا سوف يُخرِجِك وأهلَ. بتك من المُلك! فلما سمع ذلك من
أبيه انطلق إلى أخته فقال لها: إنى قد خفت أباك أن يقتُل زوجك داود، فمريه أن
يأخذ حذره ويتغيَّب منه. فقالت له امرأته ذلك، فتغيَّب. فلما أصبحَ أرسل طالوت
من يدعو له داود ، وقد صنعت امرأته على فراشه كهيئة النائم ولحَّفته . فلما جاء
(١) وجد فى نفسه: أى غضب، فلم يظهر غضبه، وحده على ما أصاب من ذكر الناس له.
(٢) الجراحة: فبط الشام. واحتربه: استلبه وانتهبه، يقول: هم لصوص يستلبون الناس
وينهوهم .
(٣) الغلف (بضم فسكون) جمع ((أغلف))، وهو الذى لم يختن. وأما ((فأتى بغلفهم)) فهو جمع
غلفة (بضم فسكون) : وهى الغرلة التى يقع عليها الكتاب.
(٤) فى المخطوطة: ((متى غلفة إلى طالوت))، وما بينهما بياض، وقد تركت ما فى المطبوعة على
حاله، لأنه سياق لا بأس به، إلا أنه كان فيها: ((ثم جاء بهم إلى طالوت فألتى إليه))، فيجملتها
كماترى .
(٥) فى المخطوطة: ((قد ... وأكثر الناس)) ما بعد (قد)) بياض، وتركت ما فى المطبوعة على
حاله ، لوفائه بالسياق .
(٦) كأنها فى المخطوطة تقرأ: ((ورأوه عند الناس حبباً))، ولكنى لم أستطع تحققها، فتركت
ما فى المطبوعة كما هو ، فهو قريب المعنى .

٣٦٣
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
رسول طالوت قال: أين داود ؟ ليجب الملك ! فقالت له: بات شاكياً ونام الآن،
ترونه على الفراش. فرجعوا إلى طالوت فأخبر وه ذلك ، فمکث ساعة ثم أرسل إليه،
فقالت : هو نائم لم يستيقظ بعد. فرجعوا إلى الملك فقال : انتونى به وإن كان نائماً .
فجاؤوا إلى الفراش فلم يجدوا عليه أحداً ، فجاؤوا الملك فأخبروه، فأرسل إلى ابنته
فقال : ما حملك على أن تكذبين ؟ قالت : هو أمرنى بذلك ، وخفت إن لم أفعل
أمرَه أن يقتلنى ! وكان داود فارًّا فى الجبل حتى قُتل طالوتُ وملك داود بعده .
٥٧٤٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال: كان طالوت أميرًاً على الجيش، فبعث ٤٠٠/٢
أبو داود مع داود بشىء إلى إخوته ، فقال داود لطالوت: ماذا لى فأقتُلَ جالوت؟ قال:
لك ثلث مُلكى، وأنكحك ابنتى.(١) فأخذ مخلاته فجعل فيها ثلاث مَرْوات ، (٢)
ثم سمَّى حجارته تلك: ((إبراهيم، وإسحق، ويعقوب))، ثم أدخل يده فقال:
باسم إلى وإله آبائى إبراهيم وإسحق ويعقوب! فخرج على ((إبراهيم))، فجعله
فى مِرْجمته، فخرقت ثلاثاً وثلاثين بيضةً عن رأسه ، وقتلت ثلاثين ألفاً من ورائه .
٥٧٤٤ - حدثی موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قال: عبرَ يومئذ النهر مع طالوت أبُو داود فيمن عبر، مع ثلاثة عشر ابناً له ،
وكان داود أصغرَ بنيه. فأتاه ذات يوم فقال: يا أبتاه، ما أربى بقَذَّافى شيئاً
إلاَّ صرعته! فقال: أبشرْ يا بنى! فإن الله قد جعل رزقك فى قذًّافتك. ثم أتاه
مرة أخرى فقال: يا أبتاه ، لقد دخلتُ بين الجبال فوجدتُ أسداً رابضاً ، فركبتُ
عليه فأخذتُ بأذنيه، فلم يَهِجْنى! (٣) قال: أبشر يا بنى !فإنّ هذا خير يُعطيكه
(١) فى المطبوعة: ((ثلث مالى))، والذى فى المخطوطة: ((ثلث ملى))، فرجحت أنها « ملكى))
لما سيأتى فى الأثر رقم : ٥٧٤٤ ، ٥٧٤٧ .
(٢) مروات جمع مروة، والمرو: حجارة بيض براقة، تكون فيها النار، والمر وأصلب الحجارة ..
(٣) حاج الشىء يهيجه: أزعجه ونفره. يعنى: لم يزصبنى عن مكانى منه.

٣٦٤
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
اللّه. ثم أتاه يوماً آخر فقال: يا أبتاه إنى لأمشى بين الجبال فأسبِّح، فما يبقى
جبل إلاّ سبَّح معى! فقال: أبشر يا بنى! فإنّ هذا خير أعطاكهُ اللّه. وكان
داود راعياً، وكان أبوه خلَّفه يأتى إليه وإلى إخوته بالطعام. (١) فأتى النبيّ (٢) [ عليه
السلام] بقَرْن فيه دُهن، (٣) وسَنَوَّرٍ من حديد، (٤) فبعث به إلى طالوت فقال: إن
صَاحبكم الذى يقتل جالوت يُوضّع هذا القرن على رأسه فيغْلى حتى يدَّهن منه،
ولا يسيل على وجهه، يكونُ على رأسه كهيئة الإكليل، ويدخل فى هذا السَّنَوَّر
نيملأه. (٤)فدعا طالوت بنى إسرائيل فجر بهم به ، فلم يوافقه منهم أحد .(*)فلمافرغوا،
قال طالوت لأبى داود : هل بقى لك من ولد لم يشهدنا ؟ قال : نعم ! بقى ابنى
داود ، وهو يأتينا بطعام. (٦) فلما أتاه داود، مرّ فى الطريق بثلاثة أحجار فكلّمنهُ
وقلن له : خذنا يا داودُ تقتل بنا جالوت! قال: فأخذهنّ فجعلهنّ فى مخلاته.
وكان طالوت قال : من قتل جالوت زوَّجته ابنتى وأجريت خاتمه فى مُلكى . فلما
جاء داود، وضَعوا القرنَ على رأسه فغلى حتى ادَّمنَ منه، وليس السَّنْوَّرَ فملأه =
وكان رجلاً مِسْقاماً مُصْفَارًّا -(٧) ولم يلبسه أحدٌ إلا تقلقل فيه. فلما لبسه داود
(١) فى تاريخ الطبرى: ((يأتى أبيه وإلى إخوته))، والصواب ما فى التفسير.
(٢) قوله: ((فأتى النبى ... )) إلى آخر الكلام، يوهم القارئ أنه منقطع، وليس كذلك،
فإن الطبرى كعادته يقسم الأثر ويجزئه فى مواضع من تفسيره. وهذا الأثر الذى هنا، تتمة الآثار السالفة:
٥٧٢٠، ٥٧٣٢، كما أشرنا إليه فى التعليق هناك، وكما سنشير إليه بعد. والنبى هو شمعون، كما مضى
فى تلك الآثار .
(٣) انظر تفسير ((القرن)» فيما سلف: ٣٠٧، تعليق: ١.
(٤) فى المطبوعة: ((وبثوب من حديد)) ومثله فى الدر المنثور، وهو خطأ، وفى المخطوطة فى
المواضع الآتية كلها، وفى تاريخ الطبرى، وتفسير البغوى: ((وتنور من حديد)»، والتنور : نوع
من الكوافين، وهو لا يصلح هنا. أما ((السنور)) (بفتح السين والنون والواو المشدة المفتوحة): فهو
لبوس من قد (وهو الجلد المدبوخ) يلبس فى الحرب كالدرع. ورجح ذلك ما روى آنفاً ص: ٣٥٨،
أن داود أتى بدرع فقدفها فى عنقه. وما سياقى فى رقم : ٥٧٤٦ ، ٥٧٤٧.
(٥) فى المخطوطة والمطبوعة: ((فبربهم فلم يوافقه)) بإسقاط ((به))، وأثبت ما فى التاريخ.
(٦) فى المطبوعة: ((بطعامنا))، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ.
(٧) رجل مسقام، وامرأة مسقام أيضاً: كثير السقم لا يكاد يبراً. مصفار من قولهم: أصفار
لوفه : غلبته الصفرة ، وذلك من المرض والضعف .

٣٦٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
تضايق الثوب عليه حتى تنقّض. (١) ثم مشى إلى جالوت- وكان جالوت من أجسم
الناس وأشدهم = فلما نظر إلى داود قُذف فى قلبه الرعبُ منه ، فقال له : يا فتى!
ارجع، فإنى أرحمُك أن أقتلك! قال داود: لا ، بل أنا أقتلك ! فأخرجَ الحجارة
فجعلها فى القذّافة، كلما رفع منها حجراً سَّه، (٢) فقال: هذا باسم أبى إبراهيم،
والثانى: باسم أبى إسحق، والثالث: باسم أبى إسرائيل. ثم أدار القدّافة فعادت الأحجار
حجراً واحداً، ثم أرسله فصكَّ به بين عينى جالوت، فنقبت رأسَه فقتلته، (٣)
ثم لم تزل تقتل كلّ إنسان تصيبه، تنفُذ منه حتى لم يكن يحيى لها أحدٌ . فهزموهم
عند ذلك ، وقتل داودُ جالوت ، ورجع طالوت ، فأنكح داود ابنته، وأجرى خاتمه
فى مُلكه . فمال الناس إلى داود فأحبوه. فلما رأى ذلك طالوت وجّد فى نفسه
وحسده ، فأراد قتله . فعلم به داود أنه يُريد به ذلك ، فسجَّى له زِقَّخر فى
مضجعه ، (٤) فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود ، فضرب الزّقَّ ضربة
فخرقه ، فسالت الخمر منه، فوقعت قطرة من خمر فى فيه ، فقال : يرحم الله داود!
ما كان أكثر شربه للخمر !! ثم إن داودَ أتاه من القابلة فى بيته وهو نائم ، فوضع ٤٠١/٢
سهمین عند رأسه ، وعند رجليه ، وعن يمينه وعن شماله سهمین سهمین، (٥) ثم نزل.
فلما استيقظ طالوت بَصُر بالسهام فعرفها، فقال: يرحم الله داود ! هو خير منى ،
ظفرت به فقتلتُه ، وظفر بى فكفَّ عنى ! ثم إنه ركب يوماً فوجده يمشى فى البرية
(١) يقال: تنقضت الغرفة وغيرها: تشققت، وسمع لها نقيض، وهو صوت التكسر والتشقق.
وكان فى المطبوعة: ((ينقض)) بالياء التحتية، والصواب من المخطوطة والتاريخ.
(٢) زدت ((منها)) من التاريخ.
(٣) فى المطبوعة: ((فنقب رأسه فقتله))، والصواب من التاريخ، ومن المخطوطة على بعض الخطأ
فيها .
(٤) مجى الشىء والميت: غطاء ومد عليه ثوباً. والزق (بكسر الزاى): جلد الشاة يسلخ من
رجل واحدة، ومن قبل رأسه وعنقه ، ثم يعالج حتى يكون سقاء، وكانوا أكثر ما يتخذونه الخمر.
(٥) فى المخطوطة والمطبوعة: ((سبعين)) مرة واحدة، وأثبت ما فى التاريخ، وهو الصواب ..
وقوله بعد: «ثم نزل))، زيادة من التاريخ ليست فى المخطوطة ولا المطبوعة.

٣٦.٦
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
وطالوت على فرس ، فقال طالوت : اليوم أقتلُ داود ! = وكان داودُ إذا فزع
لا يدرك - فركض على أثره طالوت، ففزع داود فاشتدَّ فدخل غاراً، (١) وأوحى
اللّه إلى العنكبوت فضربت عليه بيتاً. فلما انتهى طالوت إلى الغار، نظر إلى بناء
العنكبوت فقال: لو كان دخل ههنا لحرق بيت العنكبوت ! !فخيل إليه، (٢) فتركه.(٣)
٥٧٤٥ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن الربيع قال: ذكر لنا أن داود حين أتاهم كان قد جعل معه مخلاة
فيها ثلاثة أحجار ، وأن جالوت برز لهم فنادى: ألا رجلٌ لرجل! فقال طالوت:
من يبرُز ١) ؟ وإلا برزتُ له . فقامَ داود فقال: أنا ! فقام له طالوت فشد عليه
درعه ، فجعل يراه يشخص فيها ويرتفع، (٤) فعجب من ذلك طالوت، فشد عليه
أداته كلها = وأن داودَ رماهم بحجر من تلك الحجارة، فأصاب فى القوم ، ثم رمى
الثانية بحجر، فأصاب فيهم، ثم رمى الثالثة فقتل جالوت. فآتاهُ الله الملك والحكمة
وعلَّمه مما يشاء ، وصار هو الرئيس عليهم ، وأعطوه الطاعة .
٥٧٤٦ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنی ابن زيد فى
قول الله تعالى ذكره: ﴿أَلَمَّ تَرَ إلَى الْمَلَامِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ)، فقرأ حتى بلغ
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَهُ عَلِيمٌ بِالَّالِنَ)، قال:
أوحى الله إلى نبيهم: أن فى ولد فلان رجلا يقتل اللّه به جالوت، ومن علامته هذا القرن
تضعه على رأسه فيفيض ماء. فأتاه فقال: إن الله أوحى إلىّ أنّ فى ولدك رجلاً
(١) اشتد: عدا عدواً سريعاً. والشد: العدو السريع.
(٢) قوله: ((خيل إليه))، يعنى دخلته الشبهة فى أمره، لما أشكل عليه. ولم أجد هذا التعبير
بنصه فى كتب اللغة، ولكنه صحيح العربية، من قولهم: ((أخال الشىء)): أى اشتبه.
(٣) الأثر: ٥٧٤٤ - هو تمام الآثار السالفة التى أشرت إليها فى التعليق على الأثرين: ٥٧٢٠،
٥٧٣٢، كما أشرت إليه آنفاً فى التعليقات القريبة. وهو فى الدر المنثور ١: ٣١٩، وتفسير البغوى
(بهامش أبن كثير) ١: ٦٠٤ - ٦٠٨، بغير هذا اللفظ، وإن كان قريباً منه.
(٤) شخص يشخص شخوصاً: ارتفع وحلا .

٣٦٧
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
يقتل الله به جالوت!(١) فقال: نعم يا نبى الله! قال: فأخرجله اثنى عشر رجلاً
أمثال السَّوارى، (٢) وفيهم رجل بارع عليهم، (٣) فجعل يعرضهم على القَرْن فلا
يرى شيئاً، فيقول لذلك الجسيم: ارجع! فيردُّدُه عليه. فأوحى الله إليه: إنا لا
تأخذ الرجال على صُوّرهم ، ولكنا نأخذهم على صَلاح قلوبهم . قال : ياربُ ، قد
زعم أنه ليس له ولدٌ غيره ! فقال : كذب ! فقال : إنّ ربّى قد كذّبك!
وقال : إنّ لك ولداً غيرَهم! فقال: قد صدق يا نبى الله، (٤) لى ولدٌ قصيرٌ
استحييت أن يراه الناس ، فجعلته فى الغنم ! قال : فأين هو ؟ قال : فى شعب
كذا وكذا ، من جبل كذا وكذا . فخرج إليه ، فوجد الوادی قد سال بینه وبین
البقعة التى كان يُريح إليها، (٥) قال: ووجده يحمل شاتين شاتين يجيز بهما السيل ولا
يخوض بهما السَّيل.(٦) فلما رآه قال: هذا هو لاشك فيه ! هذا يرحم البهائم ،
فهو بالناس أرْحم ! قال: فوضَع القرنَ على رأسه ففاض . (٧) فقال له: ابن أخى!
هل رأيتَ ههنا من شىء يُعجبك؟(٨)قال: نعم، إذا سبَّحت سبَّحت معى الجبال،
(١) فى المطبوعة: ((أن فى ولد فلان .... · مرة أخرى، والصواب من المخطوطة والتاريخ.
(٢) السوارى جمع السارية: وهى الأسطوانة، من حجارة أو آجر، وفى الحديث أنه نهى أن
يصلى بين السوارى، وهى أسطوانة المسجد ، وذلك فى صلاة الجماعة ، من أجل انقطاع الصف .
(٣) برع يبرع فهو بارع: ثم فى كل فضيلة وجمال، وفاق أصحابه فى العلم وغيره . ويقال:
امرأة بارعة: فائقة الجمال والعقل . وكل مشرف يفوق ويعلو، فهو بارع وفارع . وفى التاريخ
(((بارع)) بحذف ((عليهم))، وهما سواء، وسيأتى وصفه بعد قليل بأنه ((الجسيم))، وهما بمعنى متقارب.
(٤) فى المطبوعة: ((صدق)) بإسقاط ((قد))، وهى فى المخطوطة والتاريخ.
(٥) فى المخطوطة والمطبوعة: ((بينه وبين التى يريح ... ))، والصواب من التاريخ. وأراح غنمه
وإبله يريحها إراحة . ردها إلى مراحها حيث تأوى إليه ليلا . والمراح (بضم الميم): مأوى الإبل والغم .
وهو من الرواح ، وهو السير بالعشى.
(٦) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يحمل شاتين، يجوز بهما، ولا يخوض)) بإسقاط ((شاتين))
((الثانية)) وأسقطت المطبوعة: (السيل)) الأولى، فأثبت ما فى التاريخ وهو الصواب. يقال: ((جاز
المكان وأجازه)) بمعنى واحد. وفى حديث الصراط: ((فأكون أنا وأمتى أول من يجيز عليه)) بضم الياء.
(٧) عند هذا الموضع انتهى ما رواه الطبرى فى تاريخه من هذا الأثر الطويل ١: ٢٤٧.
(٨) أعجبه الأمر يعجبه . استخرج عجبه به، إذ يراه أمراً حبيباً.

٣٦٨
تفسير سورة البقرة ٢٥١٠
وإذا أتى النَّمير أو الذئب أو السبع أُخذَ شاة، قُمتُ إليه فأفتح ◌َحَيْه عنها فلاَ يهِيجُنى!
قال: وألفی معه صُفْنَه .(١) قال فمرّ بثلاثة أحجار یتتزى بعضها على بعض، (٢) كل
واحد منها يقول : أنا الذى يأخذ! ويقول هذا: لا! بل إياى يأخذ! ويقول الآخر
مثل ذلك. قال : فأخذهنَّ جميعاً فطرحهن فى صُفْنِه. فلما جاء مع النبى صلى
الله عليه وسلم وخرجوا، قال لهم نبيهم: ((إن الله قد بعث لكم طالوتَ ملكاً))،
فكان من قِصة نبيهم وقيصتهم ما ذكر الله فى كتابه، وقرأ حتى بلغ: ((والله مع
الصابرين)). قال: واجتمع أمرهم وكانوا جميعاً، وقرأ: ((وانصرنا على القوم
الكافرين)). (٣) وبرز جالوت على بِرْذَوْن له أبلقَ، فى يده قوس نُشَّاب، (٤)فقال:
من يبرُزُ؟ أبرزوا إلىّ رَأسَكم !قال: ففَظِع به طالوت، (*) قال: فالتفت إلى
أصحابه فقال: منْ رجل يكفينى اليوم جالوت؟ فقال داود: أنّا. فقال: تعال !قال:
٤٠٢/٢
(١) فى المطبوعة، أسقط بين الكلامين: ((قال))، وهى لابد منها، لأن الحديث غير متصل،
كما سترى الذى يليه: «قال فر ... »، يعنى داود. والصفن (بضم فسكون): خريطة الراعى ،
یکون فيها طعامه وزاده وما يحتاج إليه .
(٢) فى المطبوعة: ((يأثر بعضها على بعض))، وهو كلام بلا معنى. وفى المخطوطة: ((سعرى))
غير منقوطة وهذا صواب قراءتها. وانتزى فلان على فلان وتنزى عليه: إذا تسرع إليه بالشر وتواثبا .
من ((النزو))، وهو الوثب .
(٣) عند هذا الموضع انتهى جزء من التقسيم القديم الذى نقلت عنه نسختنا، وفيها مائصه:
(( يتلوه : وبرز جالوتُ علی برخون أبلق فی یده قوس نشاب
وصلى الله على محمد النبى وآله وسلم كثيرًا ))
ثم بعد ذلك :
« بسم الله الرحمن الرحيم
رب پسر))
(٤) فى المطبوعة: ((قوس ونشاب))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٥) أنظمه الأمر، وفظع به فطاعة وفظاً (بفتحتين) واستفظمه وأفظمه: رآه نظيماً، نهاك
وغلبه ، فلم يثق بأن يطيقه .

٣٦٩
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
فنزع درعاً له فألبسه إياها. قال: ونفخ اللّه من روحه فيه حتى ملأه. قال: فرمى بنُشَّابة
فوضعها فى الدرع. قال: فكسرها داود ولم تضِرّه شيئاً، ثلاث مرات، ثم قال
له: خذ الآن! فقال داود: اللهم اجعله حجراً واحداً. قال: وسمّى واحداً
إبراهيم، وآخر إسحق، وآخر يعقوب. قال: فجمعهنّ جميعاً فكنّ حجراً واحداً.
قال: فأخذهنّ وأخذ مقلاعاً، فأدارها ليرمى بها فقال: أترمينى كما يُرمى السبع
والذئب ؟ ارمنى بالقوس ! فقال: لا أرميك اليوم إلاّ بها!فقال له : مثل ذلك
أيضاً ، فقال: نعم! وأنت أهون علىّ من الذئب! فأدارها وفيها أمرُ اللّه وسُلطانُ
الله . قال: فخلى سبيلها مأمورةً . قال: فجاءت مُظِلّة فضربتبين عينيه حتى
خرجت من قفاه، (١) ثم قتلت من أصحابه وراءه كذا وكذا ، وهزمهم الله .
٥٧٤٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال : لما قطعوا ذلك = يعنى النهر الذى قال اللّه فيه مخبراً عن قيل
طالوت لجنوده: ((إن" اللّه مبتليكم بنهر)) = وجاء جالوت، وشقَّ على طالوت قتاله،
فقال طالوت للناس : لو أن جالوت قُتل ، أعطيت الذى يقتله نصف مُلكى،
وناصفته كلّ شيء أملكه! فبعث الله داود = وداودُ يومئذ فى الجبل رَاعِى غنم ،
وقد غزّا مع طالوت تسعة إخوة لداود، وهم أبدُّ منه، (٢) وأغنى منه، (٣) وأعرف
فىالناس منه، وأوجه عند طالوت منه، فغزوا وتر کوه فی غنمهم = فقال داود حین
ألقى الله فى نفسه ما ألقى، وأكرمه: لأستودعنَّ ربى غنمى اليوم، ولآتين الناس، (٤)
فلأنظرنّ ما الذى بلغنى من قول الملك لمن قتل جالوت! فأتى داودُ إخوته ، فلاموه
(١) أظل الشىء يظل: أقبل ودنا. وفى حديث مالك: ((فلما أظل قادماً حضرفى بنى)).
(٢) فى المطبوعة: ((أند منه))، ولا يظهر لها معنى. وفى المخطوطة ((أمد)) غير منقوطة، وقرأتها
كذلك من (البدد))، وهو عرض ما بين المنكبين، وعظم الخلق، وتباعد ما بين الأعضاء . وهذه صفة
إخوته كما سلفت فى آثار ماضية. هذا على أنهم يقولون فى الصفة: ((رجل أبد، وامرأة بداء)).
(٣) فى المطبوعة: ((وأعتى منه))، وفى المخطوطة: ((وأعنى منه))، وكأن الصواب ما أثبت.
(٤) فى المخطوطة: ((ولا /ببر))، فى سطرين، وكأن الصواب ما فى المطبوعة.
ج . (٢٤)

٣٧٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
حين أتاهم، فقالوا: لم جئت ؟ قال: لأقتل جالوت، فإن اللّه قادرٌ أن أقتله.(١)
فسخروا منه = قال ابن جريج، قال مجاهد: کان بعث أبو داود مع داود بشىء إلى
إخوته، فأخذ مخلاة فجعل فيها ثلاث مَرْوات، ثم سماهنّ ((إبراهيم)) و ((إسحق))
و ((يعقوب)) - قال ابن جريج، قالوا : وهو ضعيفٌ رَثُّ الحال ، فمر بثلاثة
أحجار فقلن له : خذنا يا داود فقاتل بنا جالوت ! فأخذهن داود وألقاهن فى
مخلاته . فلما ألقاهن سمع حجراً منهن يقول لصاحبه : أنا حجر هرون الذى قتل
بى ملك كذا وكذا . قال الثانى : أنا حجر موسى الذى قتل بى ملك كذا وكذا .
قال الثالث : أنا حجر داود الذى أقتلُ جالوت ! فقال الحجران : يا حجر
داود ، نحن أعوان لك! فصرن حجراً واحداً . وقال الحجر: یا داود ، اقذف بى،
فإنّى سأستعين بالريح = وكانت بيضته ، فيما يقولون والله أعلم ، فيها ستمثة
رطل = (٢) فأقع فى رأس جالوت فأقتله ! - قال ابن جريج ، وقال مجاهد : سمى
واحداً إبراهيم، والآخر إسحق، والآخر يعقوب، وقال: باسم إلهى وإله آبائى إبراهيم
وإسحق ويعقوب !وجعلهنّ فى مِرْجَمته - قال ابن جريج: فانطلق حتى نفذ إلى
طالوت (٣) فقال: إنك قد جعلت لمن قتل جالوت نصف مُلكك ونصف كل
شىء تملكه ! أفلى ذلك إن قتلته ؟ قال: نعم ! والناس يستهزئون بداود ، وإخوة
داودَ أشدُّ مَنْ هنالك عليه. وكان طالوتُ لا ينتدِب إليه أحدٌ زعم أنه يقتل جالوت
إلا ألبسه درعاً عنده، فإذا لم تكن قدَراً عليه نزعها عنه. (٤) وكانت درعاً سابغة من
دروع طالوت ، فألبسها داود، فلما رأى قَدْ رها عليه أمرَه أن يتقدم. فتقدم داود فقام
مقاماً لا يقوم فيه أحد ، وعليه الدرع. فقال له جالوت : ويحك! من أنت ؟ إنّى
٤٠٣/٢
(١) (قادر)) من قولهم: ((قدر الله الشىء وقدره)، قضاه.
(٢) ما بين الخلين، كلام معترض بين كلام الحجر. والضمير فى ((بيضته))، لجالوت.
(٣) قوله: ((فانطلق)) الضمير لداود.
(٤) القدر ( بفتحتين، وفتح وسكون): المقدار، أى على مقداره وعلى قدره .

٣٧١
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
أرحمُك! ليتقدم إلىّ غيرُك من هذه الملوك! أنتَ إنسانٌ ضعيفٌ مسكين !
فارجع . فقال داود : أنا الذى أقتلك بإذن الله، ولن أرجع حتى أقتلك ! فلما
أبى داود إلاّ قتاله ، تقدم جالوت إليه ليأخذه بيده مقتدراً عليه ، فأخرج الحجر
من المخلاة، فدعا رَبَه ورَماه بالحجر، فألقت الريح بيضته عن رأسه ، فوقع الحجر
فى رأس جالوت حتى دخل فى جوفه فقتله = قال ابن جريج ، وقال مجاهد :
لما رمی جالوت بالحجر خرق ثلاثاً وثلاثین بیضة عن رأسه ، وقتلت من ورائه ثلاثین
ألفاً، قال الله تعالى: ((وقتل داودُ جالوت)). فقال داود لطالوت: فٍ لى بما
جعلت .(١) فأبى طالوت أن يعطيه ذلك . فانطلق داودُ فسكن مدينة من مدائن
بنى إسرائيل حتى مات طالوت . فلما مات عمد بنو إسرائيل إلى داودَ فجاؤوا به
فلَّكوه ، وأعطوه خزائن طالوت ، وقالوا : لم يقتُل جالوتَ إلا نبىّ ! قال اللّه:
((وقتل داودُ جالوت وآتاه الله الملك والحكمةَ وعلَّمه مما يشاءُ)).
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَاتَمُ اللهُ الْمُلْكَ وَاَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ
يِمَّا يَشَآءُ ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك: وأعطى اللّه داودَ الملك والحكمة
وعلمه مما يشاء = ((والهاء)) فى قوله: ((وآتاه الله))، عائدة على داود = ((والملك))
السلطان (٢) = ((والحكمة))، النبوة. (٣) وقوله: ((وعلمه مما يشاء)»، يعنى: علّمه صنعة
الدروع والتقديرَ فى السَّرْد، كما قال اللّه تعالى ذكره: ﴿ وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةً لَبُوسٍ
(١) فى المطبوعة: ((وف بما جعلت))، وفى المخطوطة ((ولى بما جعلت))، وصواب قراءتها ما أثبت
وقوله: ((ف)) هو الأمر من قولهم: ((وفى له بالشىء ين)». أمر على حرف واحد.
(٢) انظر تفسير ((الملك، فيما سلف ١٤٨:١ - ٢/١٨٥٠: ٤٨٨/ وهذا: ١١ ٣١٢،٣، ٣١٤
(٣) انظر تفسير ((الحكمة)) فيما سلف ٣: ٨٧: ٨٨، ٢١١/ وهذا: ١٧،١٦

٣٧٢
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
لَكُ لِتُحْصِيَكُ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [ سورة الأنبياء:
٠ ٠
وقد قيل إن معنى قوله: ((وآتاه الله الملك والحكمة))، أن اللّه آتّى داودَ ملك
طالوت ونبوّة أشمويل .
• ذكر من قال ذلك :
٥٧٤٨ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى قال: مُلِّك داودُ بعد ما قتل طالوتَ، وجعله اللّه نبيًّاً، وذلك قوله: ((وآتاه
الله الملك والحكمة))، قال: الحكمة هى النبوة، آتاه قيوّة شمعون وملك طالوت.
٥
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ أُقْهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْتَلَمِنَ) (٥)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: ولولا أنّ اللّه يدفع ببعض الناس=
وهم أهل الطاعة له والإيمان به = بعضاً، وهم أهلُ المعصية لله والشرك به - كما
دفعَ عن المتخلِّفين عن طالوتَ يوم جالوت من أهل الكفر بالله والمعصية له ، وقد
أعطاهم ما سألوا ربّهم ابتداءً: من بعثة ملك عليهم ليجاهدوا معه فى سبيله = بمن
جاهد معه من أهل الإيمان بالله واليقين والصبر، جالوت وجنوده=(١) ((لفسدت
الأرض))، يعنى: لهلك أهلها بعقوبة اللّه إياهم، ففسدت بذلك الأرض =(٢) ولكن
الله ذو منٌّ على خلقه وتطوُّلِ عليهم ، بدفعه بالبَرُّ من خلقه عن الفاجر، وبالمطيع
عن العاصى منهم ، وبالمؤمن عن الكافر .
(١) سياق هذه الجملة ((كما دفع عن المتخلفين عن جالوت ... بمن جاهد معه ... جالوت
وجنوده))، على دأب أبى جعفر فى الفصل الطويل المتتابع.
(٢) انظر معنى ((الفساد)) فيما سلف ١: ٢٨٧، ٤/٤١٦: ٢٣٩، ٢٤٣، ٢٤٤.

٣٧٣
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
وهذه الآية إعلامٌ من اللّه تعالى ذكره أهل النفاق الذين كانوا على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، المتخلفين عن مشاهده والجهاد معه للشكّ الذى
فى نفوسهم ومرض قلوبهم ، والمشركين وأهلِ الكفر منهم ، وأنه إنما يدفع عنهم
معاجلتهم العقوبة على كفرهم ونفاقهم بإيمان المؤمنين به وبرسوله، الذين هم أهل
البصائر والجدّ فى أمر الله، وذوو اليقين بإنجاز الله إياهم وعدَه على جهاد أعدائه
وأعداء رسوله ، من النصر فى العاجل ، والفوز بجنانه فى الآجل .(١)
٠٠٠
وبنحو ذلك قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٤٠٤/٢٠
٥٧٤٩ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض
لفسدت الأرض))، يقول: ولولا دفع اللّه بالبَرُّ عن الفاجر، (٢) ودفعُه ببقية
أخلاف الناس بعضهم عن بعض = (٣) ((لفسدت الأرض))، بهلاك أهلها.
٥٧٥٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت
الأرض ))، يقول: ولولا دفاع اللّه بالبَرُّ عن الفاجر، وببقية أخلاف الناس
بعضهم عن بعض، (٣) لهلك أهلها .
٥٧٥١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن حنظلة ، عن أبى مسلم
قال : سمعت عليًا يقول: لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم .
(١) فى المطبوعة: ((فى الآخرة))، وفى المخطوطة: ((فى الأخر))، ولو شاء أن يجعلها على ذلك
لقال: ((من النصر فى العاجلة، والفوز بجنائه فى الآخرة)). ولكنى أجده تصحيف ما أثبت.
(٢) فى المطبوعة: ((بالبار))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المخطوطة والدر المنثور ١: ٣٢٠ ((أخلاق الناس))، والأعلاف جمع خلف، بمعنى.
الذين خلقوا الصالحين من أهل البر والصلاح والتقوى.

٣٧٤
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
٥٧٥٢ - حدثی المثنی قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،.
عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت
الأرض))، يقول: لهلك من فى الأرض .
٥٧٥٣ - حدثنا أبو حميد الحمصى أحمد بن المغيرة قال ، حدثنا يحيى بن
سعید قال ، حدثنا حفص بن سلمان ، عن محمد بن سوقة،عن وبرة بن عبدالرحمن،
عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الله ليدفع بالمؤمن
الصالح عن مئةِ أهلِ بيت من جيرانه البلاءَ، ثم قرأ ابن عمر: ((ولولا دفع الله
الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض )) . (١)
٥٧٥٤ - حدثنى أحمد أبو حميد الحمصى قال، حدثنا يحيى بن سعيد قال ،
حدثنا عثمان بن عبد الرحمن ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال :
(١) الحديث : ٥٧٥٣ - أحمد بن المغيرة، أبو حميد الحمصى - شيخ الطبرى: هو أحمد
ابن محمد بن المغيرة بن سيار، نسب هنا إلى جده. وهو ثقة، روى عنه النسائى ووثقه . وترجمه ابن أبى
حاتم ٧٢/١/١، باسم: ((أحمد بن محمد بن سيار))، وقال: ((كتبت عنه، وهو صدوق ثقة)).
يحيى بن سعيد : هو العطار الأنصارى ، أبو زكريا، الشامى الحمصى . ضعفه ابن معين وغيره.
وقال أبو داود: ((جائز الحديث)). وقال محمد بن مصفى الحمصى الحافظ: ((حدثنا يحيى بن سعيد العطار،
ثقة)). فهذا بلديه وتلميذه يوثقه، والظن أن يكون أعرف به من غيره . وترجمه البخارى فى الكبير ٢/٤/
٢٧٧، فلم يذكر فيه جرحاً . وجازف ابن حبان - فى كتاب المجروحين - مجازفة شديدة دون برهان،
فقال: ((كان ممن يروى الموضوعات عن الأثبات، والمعضلات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به
بحال، ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار لأهل الصناعة)).
حفص بن سليمان: هو الأسدى البزاز الكوفى القارئ، صاحب ((قراءه حفص)) المعروفة،
التى يقرأ لها الناس بمصر وغيرها. وهو ضعيف جداً، متروك الحديث، على إمامته فى القراءة. وقد
بينت ضعفه مفصلا فى شرح المسند : ١٢٦٧ .
محمد بن سوقة - بضم السين المهملة - الننوى الكوفى العابد: ثقة متفق عليه .
وبرة بن عبد الرحمن: تابعى ثقة معروف ، أخرج له الشيخان وغيرهما .
والحديث ذكره ابن كثير ١ : ٦٠٦ ٦٠٧، عن هذا الموضع. وقال: ((وهذا إسناد ضعيف.
فإن يحيى بن سعيد هذا: هو العطار الحمصى، هوضعيف جداً)).
وذكره السيوطى ١: ٣٢٠، ونسبه لابن جرير، وابن عدى"، (بسند ضعيف)).
وذكره الذهبى فى الميزان، فى ترجمة ((يحيى بن سعيد العطار)) ٣: ٢٩٠ - من يحمي هذا، بهذا
الإسناد .

٣٫٧٥
تفسير سورة البقرة : ٢٥١
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليُصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد
ولدِهِ، وأَهلَ دُوَيْرَتَه ودُويْراتٍ حوله، ولا يزالون فى حفظ الله ما دام فيهم.(١)
٠٠
قال أبو جعفر: وقد دلنا على قوله: ((العالمين))، وذكرنا الرواية فيه. (٢)
٠٠٠
وأما القرأة، فإنها اختلفت فى قراءة قوله: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم
ببعض ).
فقرأته جماعة من القرأة: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ﴾ على وجه المصدر، من قول القائل:
(١) الحديث : ٥٧٥٤ - عثمان بن عبد الرحمن: هكذا ثبت فى المطبوعة، وكذلك فى نقل ابن
كثير إياه عن هذا الموضع. فإن يكنه يكن ((عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبى وقاص المدفى»،
فهو من هذه الطبقة، ولكنه لم يذكر فى شيوخ ((يحيى بن سعيد العطار))، ولا فى الرواة عن ((محمد بن
المنكدر)). ولم نجد فيما رأينا من تراجم من اسمه ((عثمان بن عبد الرحمن)) - من يستقيم به الإسناد غيره.
وهذا الرقاسى: ضعيف جداً، رماء ابن معين بالكذب. وقال أبو حاتم: ((متروك الحديث،
ذاهب الحديث، كذاب)). وقال البخارى فى الضعفاء، ص: ٢٥: ((تركوه)).
والراجح - عندى - أن اسم هذا الراوى محرف فى نسخ الطبرى. وأكاد أجزم أن صوابه ((عنبسة
ابن عبد الرحمن)) فهو الذى يروى عن محمد بن المنكدر، ويروى عنه يحيى بن سعيد العطار .
وقد يزيد ذلك : أن كاتب المخطوطة رسم هذا الاسم بدون ألف بعد الميم - على الكتبة القديمة -
((عثمن)). ولكن يظهر أنه كتبه على تردد، عن نسخة غير واضحة الرسم. لأنه بسط آخر الكلمة
فكتب النون مبسوطة كأنها سين، ثم اشتبه عليه الاسم ، فاصطنع الحرف المبسوط جعله فوقاً . وتغيير
الحرفين قبله سهل: ينقط النون بثلاث نقط فتصير ثاء مثلثة، ثم يدير قبرة الباء فتكون ميما . ويخرج
الاسم من ((عنبسة)) إلى (عثمن)).
وأياً ما كان الراوى هنا ((عمان) أو ((عنبسة)) - فالحديث واهى الإسناد منهار، لا تقوم له قائمة.
فإن «عنيسة بن عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص)): ضعيف جداً.
قال أبو حاتم: ((هو متروك الحديث، كان يضع الحديث)).
واسم بعه ((عنبسة)) كاسمه. ووقع فى التهذيب محرفاً((عيينة)). وهو خطأ طبيعى.
والحديث ذكره ابن كثير ١: ٦٠٧، وقال: ((وهذا أيضاً غريب ضعيف، لما تقدم أيضاً)) !
يريد أضعف («يحيى بن سعيد المطار)). وقد بينا فى الحديث السابق أنه غير ضعيف.
وذكره السيولی ١: ٣٢٠، ونسبه الطبرى ((بسند ضعيف))، ثم لم ينسبه لغير الطبرى.
(٢) انظر ما ملف ١ : ١٤٣ - ٢/١٤٦: ٢٣- ٢٦.

٣٧٦
تفسير سورة البقرة ٢٥١
(( دفعَ اللّه عن خلقه فهو يدفع دفعاً)). واحتجت لاختيارها ذلك، بأن الله تعالى
ذكره هو المتفرِّد بالدفع عن خلقه . ولا أحد يُدافعه فيغالبه .
٠ ٠
وقرأت ذلك جماعة أُخَرَ من القرأة: (١) ﴿وَلَوْ لَا دِفَعُ اُللهِ النَّاسَ﴾ على وجه المصدر،
من قول القائل: (( دافع الله عن خلقه فهو بُدافع مدافعة ودفاعاً)) واحتجت لاختيارها
ذلك بأن كثيراً من خلقه يعادون أهل دين الله وولايته والمؤمنين به ، فهم بمحاربتهم
إياهم ومعاداتهم لهم، لله مُدافعون بظنونهم، (٢) ومغاليون بجهلهم، واللّه مُدافعهم
عن أوليائه وأهل طاعته والإيمان به .
٠
٠
قال أبو جعفر : والقول فى ذلك عندى أنهما قراءتان قد قرأت بهما القرأة،
وجاءت بهما جماعة الأمة ، وليس فى القراءة بأحد الحرفين إحالةُ معنى الآخر .
وذلك أن من دافع غيره عن شىء فمدافعه عنه بشىء دافع. (٣) ومى امتنع المدفوع
من الاندفاع، فهو لدافعه مدافع. (٤) ولا شك أن جالوت وجنوده كانوا بقتالهم
طالوت وجنوده محاولين مغالبة حزب الله وجنده ، وكان فى محاولتهم ذلك محاولة
مغالبة اللّه ودفاعه عما قد تضمن لهم من النُّصرة. وذلك هو معنى ((مدافعة اللّه))
عن الذين دافع اللّه عنهم بمن قاتل جالوت وجنوده من أوليائه. فبيِّنَّ إذاً أن سَواء"
قراءةُ من قرأ : (٥) ﴿وَلَوْ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ . وقراءة من قرأ:
﴿وَلَوْلاَ دِفَاعُ اللهِ الناس بعضهم ببعض). فى التأويل والمعنى.
٠
(١) فى المطبوعة: ((جماعة أخرى من القراء))، وأثبت ما فى المخطوطة
(٢) فى المطبوعة: ((مدافعون بباطلهم))، وأثبت ما فى المخطوطة
(٣) فى المطبوعة: ((فمدافعه عنه دافع))، وفى المخطوطة. ((فدافعه عنه ليس دافع)) غير واضحة،
والصواب ما أثبت وذلك لأن الله دافع الكفار عما تضمن المؤمنين من النصرة ببعض الناس فصح إذاً
أن عبارة الطبرى تقتضى أن تكون الكلمة ((بشىء))
(٤) فى المطبوعة: ((لمدافعه مدافع)، والصواب من الخطورة
(٥) فى المطبوعة: ((فتبين إذاً))، والصواب من المخطوطة

٣٧٧
تفسير سورة البقرة : ٢٥٢
القول فى تأويل قوله تعالى { تِلكَ ،ايَتُ اللهِ تَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقْ
٢٥
وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِنَ)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((تلك آيات الله))، (١) هذه الآيات
التى اقتصَّ اللّه فيها أمرّ الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ، وأمرَ
الملأ من بنى إسرائيل من بعد موسى الذين سألوا نبيَّهم أن يبعث لهم طالوتَ
ملكاً ، وما بعدها من الآيات إلى قوله: (( والله ذو فضل على العالمين)).
ويعنى بقوله: (( آيات الله))، حججه وأعلامه وأدلته .(٢)
...
يقول الله تعالى ذكره: فهذه الحجج التى أخبرتك بها ، يا محمد ، وأعلمتُك =
من قدرتى على إماتة من هَرب من الموت فى ساعة واحدة وهم ألوف ، وإحيائى ٤٠٥/٢
إياهم بعد ذلك، وتمليكی طالوت أمر بنى إسرائيل بعد إذْ كان سَقَّاء أو دَبَّاغاً
من غير أهل بيت المملكة ، وسلبى ذلك إياه بمعصيته أمرى، وصَرْ فى مُلكه إلى
داود لطاعته إياى ، ونصرتى أصحابَ طالوت مع قلة عددهم وضَعْفٍ شوكتهم على
جالوت وجنوده مع كثرة عددهم وشدة بطشهم =(٣) حججیعلی من جحد نعمنی ،
وخالف أمرى ، وكفر برسولى من أهل الكتابين التوراة والإنجيل ، العالمين بما
اقتصصت عليك من الأنباء الخفية التى يعلمون أنهامن عندى، (٤) لم تتخرَّصها ولم
تتقوَّلها أنت يا محمد، لأنك أمىٌّ ولست ممن قرأ الكتب فيلتبس عليهم أمرُك ،
ويدَّعوا أنك قرأت ذلك فعلمته من بعض أسفارهم = ولكنها حججى عليهم أتلوها
(١) انظر مجىء ((ذلك)) و((تلك)) بمعنى: ((هذا، وهذه)، فيما سلف ١: ٢٢٥ - ٢٢٧/
٣ : ٣٣٥ ٠
(٢) انظر تفسير (الآية)) فيما سلف ١: ١٠٦، ثم هذا الجزء: ٣٣٧ والمراجع فى التعليق هناك.
(٣) فى المطبوعة: ((حجيج على من جحد))، وأثبت ما فى المخطوطة. والسياق: ((فهذه الحجج ...
چچیی )).
(٤) فى المخطوطة: ((من الأنباء الخصبه)) غير منقوطة ولا بيئة، وما فى المطبوعة محميح المعنى.

٣٧٨
تفسير سورة البقرة : ٢٥٣،٢٥٢
عليك، يا محمد ، بالحقّ اليقين كما كان، لازيادة فيه ولا تحريف ولا تغيير شىء
منه عما كان = ((وإنك)) يا محمد ((لمن المرسلين))، يقول: إنك لمرسَل متَّبع فى
طاعتى وإيثار مرضاتى على هواك ، فسالكٌ فى ذلك من أمرك سبيلَ من قبلك
من رسلى الذين أقاموا على أمرى، وآثروا رضاى على هواهم ، ولم تغيّرهم الأهواء
ومطامع الدنيا ، كما غيّر طالوتَ هواه وإيثارُه ملكه على ما عندى لأهل ولايتى ،
ولكنك مؤثر أمرى كما آثره المرسلون الذين قبلك.
القول فى تأويل قوله تعالى (تِيَ الرُّسُلُ فَضِّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
مِنْهُم مَّنْ كُلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجْتٍ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((تلك))، الرسلَ الذين قصَّ اللّه
قَصّصهم فى هذه السورة ، كموسى بن عمران، وإبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحق ،
ويعقوب ، وشمويل ، وداود ، وسائر من ذكر نبأهم فى هذه السورة . يقول تعالى
ذكره : هؤلاء رُسلى فضّلت بعضهم على بعض، فكلَّمت بعضَهم = والذى كلمته
منهم موسى صلى الله عليه وسلم = ورفعتُ بعضهم درجات على بعض، بالكرامة
ورفعة المنزلة ، كما : -
٥٧٥٥ ۔۔ حدثی محمد بنعمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عیسی،
عن ابن أبى نجيح ، عن نجاهد فى قول الله تعالى ذكره: (( تلك الرسل فضّلنا
بعضهم على بعض)) ، قال: يقول : منهم من كلَّم اللهُ ، ورفع بعضهم على بعض
درجات . يقول: كلم الله موسى، وأرسل محمداً إلى الناس كافة.
٥٧٥٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد بنحوه .

٣٧٩٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥٣
ومما يدل على صحة ما قلنا فى ذلك : =
٥٧٥٧ - قولُ النبى صلى الله عليه وسلم: ((أعْطِيتُ خمساً لم يُعْطهن
أحدٌ قبلى: بُعثتُ إلى الأحمر والأسود، ونُصرت بالرُّعب، فإن العدوّ لِيُرْعَب
منى على مسيرة شهر، وجعلت لى الأرضُ مسجداً وطَهورًا، وأحِلَّت لى الغنائم
ولم تحلّ لأحد كان قبلى، وقيل لى: سل تُعْطَه، فاختبأنها شفاعة لأمتى ،
فهى نائلةٌ منكم إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئاً)).(١)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَءَاتَيْاَ عِيسَى ابْنَ مَرْتَمَ الْبَيِنْتِ وَأَيَّدْتَّهُ
يُوجِ الْقُدُسِ﴾
قال أبوجعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: (٢) ((وآتينا عيسى بن مريم البينات))،
وآتينا عيسى بن مريم الحججَ والأدلة على نبوته: (٣) من إبراء الأكمه والأبرص
وإحياء الموتى وما أشبه ذلك، مع الإنجيل الذى أنزلته إليه، فبينت فيه ما فرضتُ عليه.
ويعنى تعالى ذكره بقوله: ((وأيَّدناه))، وقويناه وأعنَّاه =(٤)(( بروح القدس))،
يعنى بروح اللّه، وهو جبريل. وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم فى معنى « روح
(١) الأثر: ٥٧٥٧ - ساقه بغير إسناد، وقد اختلفت ألفاظه، وهو من حديث ابن عباس فى
المستندرقم: ٢٧٤٢، والمسند ٥ : ١٦٢،١٦١،١٤٨،١٤٧،١٤٥ ( حلبى) والمستدرك ٢: ٤٢٤
ورواه مسلم بغير هذا اللفظ ٥ : ٣، والبخارى، (الفتح ١: ٣٦٩، ٤٤٤) مواضع أخرى. وهو
حديث صحيح .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ينى تعالى ذكره بذلك))، وهو لا يستقيم.
(٣) انظر تفسير ((البينات)) فيما سلف ٢: ٣١٨ /٤: ٢٧١، والمراجع هناك، وانظر
فهرس اللنة .
(٤) انظر تفسير ((أيد، فيما سلف ٢ : ٣١٩، ٣٢٠.

٣٨٠
تفسير سورة البقرة : ٢٥٣
القدس))، والذى هو أولى بالصواب من القول فى ذلك فيما مضى قبل، فأغنى ذلك
عن إعادته فى هذا الموضع . (١)
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أُقْتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم
مِّنِّ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبِنْتُ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك: ولو أراد الله =((ما اقتتل الذين
٣/٣ من بعدهم))، (٢) يعنى: من بعد الرسل الذين وصفهم بأنه فضَّل بعضهم على بعض
ورفع بعضهم درجات ، وبعد عيسى ابن مريم ، وقد جاءهم من الآيات بما فيه
مُزُدّجر لمن هداه الله ووفّقه .
موىمد
٥٠٠
ويعنى بقوله: ((من بعد ما جاءتهم البينات))، يعنى: من بعد ما جاءهم من
آيات الله ما أبان لهم الحق وأوضح لهم السبيل.
٠ ٠
وقد قيل إن ((الهاء)) و((الميم)) فى قوله: (( من بعدهم )) ،من ذكر موسى
وعيسى .
• ذكر من قال ذلك :
٥٧٥٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((ولو شاء اللّه ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات )،
يقول : من بعد موسى وعيسى .
(١٠) انظر ما سلف ٢ : ٣٢٠ - ٣٢٣.
(٢) فى المطبوعة، أتم الآية: ((من بعد ما جامتهم البيئات))، وأثبت ما فى المخطوطة.