Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
فإن قال لنا قائل: فما معنى قوله - إن كان الأمر على ما وصفت -: ((وحمله
وفصاله ثلاثون شهراً))، وقد ذكرت آنفاً أنه غير جائز أن يكون ما جاوز حد الله
تعالى ذكره ، نظيرَ ما دون حده فى الحكم ؟ وقد قلت : إن الحمل والفصال قد
یجاوزان ثلاثین شهراً ؟
قيل: إن الله تعالى ذكره لم يجعل قوله: ((وحمله وفصاله ثلاثون شهراً))، حدًّا
تعبد عباده بأن لا يجاوزوه ، کما جعل قوله: (( والوالدات یرضعن أولادهن حولین
كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة))، حدًّا لرضاع المولود الثابت الرضاع، (١) وتعبد
العبادَ بحمل والديه عند اختلافهما فيه ، وإرادة أحدهما الضرار به . وذلك أن
الأمر من اللّه تعالى ذكره إنما يكون فيما يكون للعباد السبيلُ إلى طاعته بفعله والمعصية
بتركه. (٢) فأما ما لم يكن لهم إلى فعله ولا إلى تركه سبيل، فذلك مما لا يجوز الأمر به
ولا النهى عنه ولا التعبّدُ به.
فإذا كان ذلك كذلك ، وكان الحملُ مما لا سبيل للنساء إلى تقصير مدته
ولا إلى إطالتها ، فيضعنه متى شئْن ، ويتركن وضعه إذا شئن = كان معلوماً أن
قوله: ((وحمله وفصاله ثلاثون شهراً))، إنما هو خبر من الله تعالى ذكره عن أن من
خَلْقه من حملته أمه وولدته وفصَلته فى ثلاثين شهراً = لا أمرٌ بأن لا يُتجاوز فى مدة
حمله وفصاله ثلاثون شهراً ، لما وصفناه. وكذلك قال ربنا تعالى ذكره فى كتابه :
﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانَا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرْهَا وَهْلُه
وَفِصَالَهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً﴾(٢)[ سورة الأحقاف: ١٥
(١) فى المطبوعة: ((لوضاع المولود التام الرضاع))، وهو أيضاً كلام بلا معنى مفهوم ، غيروا
ما فى المخطوطة كما أثبتناه، ظناً منهم بأنه هو غير مفهوم !! وعى بقوله: ((الثابت الرضاع»، أى الذى
ثبت له أنه ((يرضع))، كما سيتبين من سياق كلامه بعد.
(٢) أى: وإلى المعصية بتركه .
(٣) هنا آخر التقسيم القديم الذى نقلت عنه نسختنا. ونص ما بعده :
((وصلّى الله على محمد النبي وآله وصحبه وسلم كثيرا)»

٤٢
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
(١)فإن ظن ذو غباء أن اللّه تعالى ذكره إذْ وَصف أن من خلْقُه منْ حملته
أمه ووضعته وَفصلته فى ثلاثين شهراً، فواجبٌ أن يكون جميعُ خلقه ذلك صفتُهم =
وأن ذلك دلالةٌ على أن حَمل كل عباده وفصاله ثلاثون شهراً = (٢) فقد يجب أن یکون
كل عباده صفتهم أن يقولوا إذا بلغوا أشُدَّهم وبلغوا أربعين سنة: ﴿رَبِّ أَوْزِغْنِى
أَنْ أَشْكُرُ نِعْمَتَكَ أَّتِى أَنْتَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَالِدِىَّ وَأَنْ أَعْمَلِ صَالِحًا تَرْضاهُ﴾
[سورة الأحقاف: ١٥]، على ما وَصَف الله به الذى وُصِف فى هذه الآية. (٣)
وفى وُجُودنا منْ يستحكم كفرُه باللّه، (٤) وكفرانه نِعَمَ ربه عليه، وجرأته على
والديه بالقتل والشتم وضروب المكاره ، عند استكماله الأربعين من سنيه وبلوغه
أشُدَّه=(٥) ما يُعلم أنه لم يعن اللّه بهذه الآية صفة جميع عباده، بل يُعلم أنه إنما وصف
بها بعضاً منهم دون بعض، وذلك ما لا ينكره ولا يدفعه أحد . لأن من يولد من الناس
لسبعة أشهر، (٦) أكثر ممن يولد لأربع سنين ولسنتين؛ كما أن من يولد لتسعة أشهر،
أكثر ممن يولد لستة أشهر ولسبعة أشهر .
#
قال أبو جعفر : واختلفت القرأة فى قراءة ذلك ، فقرأه عامة أهل المدينة
(١) أول التقسيم القديم ، ونص ما قبله :
((بسم الله الرحمن الرحيم
رب أعن با كريم)»
(٢) قوله: ((فقد يجب)) جواب قوله: ((فإن ظن ذو غباء ... )).
(٣) يعنى أن آية سورة الأحقاف معنى بها خاص من الناس دون عام، كما يدل على ذلك
ظاهر تلاوتها .
(٤) وجد الشىء يجده وجوداً. وقوله: ((من يستحكم)) مفعول به المصدر.
(٥) السياق: ((فى وجودنا من يستحكم كفره بالله ... ما يعلم ... ))، مبتدأ مؤخر.
(٦) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لتسعة أشهر))، والصواب، أثبت كما يدل عليه سياق الحجة.
٣٠٠/٢

٤٣
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
والعراق والشام: ((لمن أراد أن يتم الرضاعةَ)): ((الياء)) فى ((يتم)) ونصب
((الرضاعة)) - بمعنى: لمن أراد من الآباء والأمهات أن يُتم رضاع ولده .
وقرأه بعض أهل الحجاز: ((لمن أراد أن تَتِمَّ الرضاعةُ))! ((التاء)) فى ((تم)،
ورفع ((الرضاعة)) بصفتها. (١)
.. .
. قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك عندنا، قراءة من قرأ بـ ((الياء))
فى ((يتم) ونصب ((الرضاعة)). لأن الله تعالى ذكره قال: ((والوالداتُ يُرضعن
أولادهن)، فكذلك هنّ يتممنها إذا أردن هن والمولودُ له إتمامها = وأنها القراءةُ (٢)
التى جاء بها النقل المستفيضُ الذى ثبتت به الحجة ، دون القراءة الأخرى .
...
وقد حکی فی ((الرضاعة )) سماعاً من العرب کسر (( الراء)) التی فيها . فإن تکن
صحيحة، (٣) فهى نظيرة ((الوكالة والوكالة) و((الدَّلالة والدّلالة))، و((مهرت الشىء
مهارة وميهارة )) - فيجوز حينئذ ((الرَّضاع)) و((الرَّضاع))، كما قيل: ((الحصاد،
والحصاد)). وأما القراءةُ فبالفتح لا غيرُ.
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالْمَعْرُوفٍ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وعلى المولود له))، وعلى آباء
الصبيان للمراضع = ((رزقهن))، يعنى : رزقُ والدتهن.
٥
(١) يعنى بقوله: ((بصفتها))، أى بالفعل اللازم الذى هوصفة لها فتقول: رضاعة قامة.
(٢) ((وأنها القراءة ... )) معطوف على قوله: ((لأن الله تعالى ذكره قال .. ))
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإن تكن ... ))، والجيد هنا الفاء.

٤٤
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
ويعنى! ((الرزق)): ما يقوتهن من طعام ، وما لا بد لهنَّ من غذاء ومطعم .
...
و(كسوتهن))، ويعنى بـ ((الكسوة)): الملبس.
ويعنى بقوله: ((بالمعروف))، بما يجب لمثلها على مثله، إذ كان اللّه تعالى
ذكره قد علم تفاوت أحوال خلقه بالغنى والفقر ، وأن منهم الموسع والمقتر وبين ذلك .
فأمر كلاً أن ينفق على من لزمته نفقته من زوجته وولده على قدر میسرته، كما
قال تعالى ذكره: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ
مَا آتَاهُ اللهُ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّ مَا آتَهَا) [ سورة الطلاق: ٧]، وكما : -
٤٩٧٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
جويبر ، عن الضحاك فى قوله: (( والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن
أراد أن يتم الرّضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف))، قال: إذا طلق
الرجل امرأته وهى ترضع له ولداً ، فتراضيا على أن تُرضع حولين كاملين ، فعلى
الوالد رزق المرضع والكسرة بالمعروف على قدر الميسرة، لا تُكلف نفساً إلا وسعها.
٤٩٧١ - حدثنى على بن سهل الرملى قال حدثنا زيد = وحدثنا ابن حميد
قال ، حدثنا مهران = عن سفيان قوله: ((والوالدات یرضعن أولادهن حولين
كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة ))، والتمام الحولان، و((على المولود له)) = على
الأب طعامها وكسوتها بالمعروف.(١)
٤٩٧٢ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قوله: ((وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف))، قال: على الأب.
٠
(١) الأثر: ٤٩٧١ - انظر إسناد الأثر السالف: ٤٩٥٥، والآتى : ٤٩٧٣.

٤٥
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لَا تُكَلَّهُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْتَهَاَ)(١)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: لا تحمَّل نفسٌ من الأمور إلا
ما لا يضيقُ عليها، ولا يتعذر عليها وجوده إذا أرادت . وإنما عنى الله تعالى ذكره
بذلك : لا يوجب اللّه على الرجال من نفقة من أرضع أولادهم من نسائهم البائنات
منهم، إلاّ ما أطاقوه ووجدوا إليه السبيل، كما قال تعالى ذكره: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ
مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ﴾ [سورة الطلاق: ٧]، كما : -
٤٩٧٣ -- حدثنا ابن حميد قال ،حدثنا مهران = وحدثی علی قال ، حدثنا
زيد =جميعاً، عن سفيان: ((لا تُكلف نفسٌ إلا وسعها))، إلاّ ما أطاقت. (٢)
...
٣٠٦/٢
((والوُسْع)) (الفُعْل) من قول القائل: ((وسِعَنى هذا الأمر فهو يسعنى سبعة)) -
ويقال: ((هذا الذى أعطيتك وُسْعى))، أى: ما يتسع لى أن أعطيك، فلا
يضيقُ على إعطاؤكه = و((أعطيتك من جُهْدى))، إذا أعطيته ما يجهدك فيضيق
عليك إعطاؤه .
فمعنى قوله: (( لا تكلف نفسٌ" إلا وسعها))، هوما وصفت: من أنها لا تكلَّف
إلاما يتسع لها بذل ما كُلفت بذله، فلا يضيق عليها ولا يَجْهَدَها = لا ما ظنَّه جهلةُ
أهل القدر من أن معناه : لا تكلف نفس إلا ما قد أعطيت عليه القدرة من
الطاعات. لأن ذلك لو كان كما زعمتْ، لكان قوله تعالى ذكره: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا
لَكَ الأَمْثَلَ فَضَلُّوا فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾ [سورة الإسراء: ٤٨ / وسورة الفرقان: ٩]،
- إذا كان دالاً على أنهم غير مستطيعى السبيل إلى ما كُلِّفوه =
واجباً أن يكون القوم فى حال واحدة ، قد أعطوا الاستطاعة على
(١) فى المخطوطة: ((لا يكلف الله نفساً إلا وسعها))، عجل الناسخ فأخطأ التلاوة.
(٢) الأثر: ٤٩٧٣ - انظر إسناد الأثرين السالفين : ٤٩٥٥، ٤٩٧١.

٤٦
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
ما مُنعوها عليه . وذلك من قائله إن قاله، إحالةٌ فى كلامه، ودعوى باطلٍ لأُ يخِيل
بُطوله. (١) وإذْ كان بيِّناً فسادُ هذا القول، فمعلوم أن الذى أخبر تعالى ذكره أنه
كلَّف النفوس من وُسعها، غيرُ الذى أخبر أنه كلَّفها مما لا تستطيع إليه السبيل.
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لَا تُضَارًّ وَلِيَةُ بِوَلَيِهَا وَلَا
مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَيْهِ ﴾
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأه عامة قرأة أهل الحجاز
والكوفة والشام: ((لا تضارَّ والدة بولدها)) بفتح ((الراء))، بتأويل: لا تضارَرْ(٢)
= على وجه النهى، وموضعه إذا قرئ كذلك - جزمٌ، غير أنه حُرّك، إذْ تُرِك
التضعيف بأخف الحركات، وهو الفتح. ولو حُرك إلى الكسر كان جائزاً، إتباعاً
لحركة لام الفعل حركةَ عينه. وإنشئت فلأنّ الجزم إذا حُرِّك حُرّك إلى الكسر.(٣)
#
(١) قوله: ((دعوى باطل)) هى هنا بالإضافة، لا صفة لدعوى. ويقال فى غير هذا: ((دعوى
باطل وباطلة)) على الوصف. و((البطول)) مصدر ((بطل)) كما أسلفنا فى الجزء ٤: ٥٢٣، تعليق: ٣
و((أخال الشىء يخيل)): اشتبه، يقال: ((هذا الأمر لا يخيل على أحد)) أى: لا يشكل. و(( هو
شىء مخيل))، أى : مشكل .
(٢) فى المخطوطة: ((لا تضارن)) بالنون فى آخره، وهو خطأ.
(٣) هكذا جاءت هذه الفقرة فى المخطوطة والمطبوعة. وهى فاسدة كلها بلا شك، ومناقضة لما سيأتى
فى كلام الطبرى فى ص: ٥١ إلى ص: ٥٢ ولست أرتاب فى أن الكلام قد سقط منه شىء، تخطاه
ناسخ قديم ، فاضطرب ما أراد الطيرى أن يقوله، ثم ما قاله بعد، اضطراباً شديداً . والذى استظهرته من
قراءة كلامه من أول تفسير الآية إلى آخرها فى ص : ٥٤، يوجب أن يكون سياق كلامه هنا هكذا :
((لاختلفت القَرَأة فى قراءة ذلك. فقرأه عامة قرأة أهل الحجاز والكوفة والشام:
((لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِها))، بفتح ((الراء))، على ما لم يسمّ فاعِلُه، بتأويل:

٤٧
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
وقرأ ذلك بعضُ أهل الحجاز وبعض أهل البصرة: ((لا تضارَّ والدة بولدها ))،
رفعٌ. (١) ومن قرأه كذلك لم تحتمل قراءته معنى النهى، ولكنها تكون [ على معنى ]
الخبر، (٢) عطفاً بقوله: ((لا تضار)) على قوله: ((لا تكلف نفسٌ" إلا وسعها)). (٣)
وقد زعم بعض نحونى البصرة أن معنى من رفع: ((لا تضارُّ والدة بولدها)»، هكذا
فى الحكم : - أنه لا تضار والدة بولدها - أى: ما ينبغى أن تضارَّ. فلما حذفت
(ينبغى))، وصار ((تضار)) فى موضعه، صار على لفظه، واستشهد لذلك بقول الشاعر: (٤)
لا تُضَارَرْ، على وجه النهى. وموضعه إذا قرئَ كذلك جزْمٌ، غير أنّه حُرّك
- إذْ تُرك التضعيف بحركة الراء الأولى.
وزعم بعضُ من قرأه كذلك، أنّ قراءة من قرأ: ((لا تُضارً)) بفتح ((الراء))
على ما شُتمى فاعله، بتأويل: لا تُضَارِرْ، على وجه النّعى. وموضعه إذا قرئّ
كذلك جزءٌ، غير أنّه حُرّك - إذ تُرك التضعيفُ - بأخفّ الحركات، وهو
الفتح. ولو حُرِّك إلى الكسرِ كان جائزاً، إتباعاً لحركة لام الفعل حركة عينه.
وإن شئتَ، فلأن الجزم إذا حُرِّك، حُرّك إلى الكَسْرِ. وهذا خطأ فى التأويل)).
ولعل بعض النساخ القدماء ، سقط من نسخه شىء ثم جاء آخر ، فلم يستطع أن يفهم ما كتبه ،
ولا أن يعرف موضع السقط فيه ، فتصرف فى كتابته على هذا الوجه الذى ثبت فى مخطوطتنا وفى جميع
المطبوع . وهو خطأ لا ريب فيه . وتناقض ظاهر، لا يقع فى مثله أبو جعفر، فضلا عما فيه من الاختلال
الشديد . وسأبين فى التعليقات التالية ما يربط الكلام الآتى بهذه الجملة التى استظهرتها .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: مكان ((رفع))، ((فعل))، وهو تحريف لا شك فيه، كما يدل
عليه السالف والآتى. وكما تدل عليه القراءة. وفى المخطوطة قبله: ((لا تضارر)).
(٢) فى المطبوعة: ((ولكنها تكون بالخبر عطفاً))، وكان فى المخطوطة: ((ولكنها تكون الخبر
عطفاً)) بغير باء الجر . والسياق يدل على ضرورة ما أثبت من الزيادة بين القوسين .
(٣) فى المخطوطة: ((لا تكلف نفساً))، كما وقع فى الآية فى ص: ٤٥ تعليق: ١.
(٤) لأبى اللحام التغلبى، وهو سريع بن عمرو (وعمرو هو اللحام) بن الحارث بن مالك بن
ثعلبة بن بكر بن حبيب ويقال اسمه ((حريث)). وهو جاهلى، النقائض: ٤٥٨، وشرح المفضليات :
٤٣٤، والخزانة ٣: ٦١٣ - ٦١٥. وفى سيبوية ١: ٤٣١، ونسبه الشنتمرى لعبد الرحمن بن أم.
الحكم ، ولم أجد نسبته إليه فى مكان آخر . ولأبى اللحام شعر فى ديوان عمرو بن كلثوم .

٤٨
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
عَلَى الْحَكَمِ التَأْتِيِّ يَوْماً إِذَا قَفَى قَضِيَتَهُ، أَنْ لاَ يَجُورَ وَيَقْصِدُ(١)
فزعم أنه رفع ((يقصد)) بمعنى ((ينبغى)). والمحكىّ عن العرب سماعاً غير الذى
قال. وذلك أنه روى عنهم سماعاً: ((فتصنعَ ماذا))، إذا أرادوا أن يقولوا: ((فتريد أن
تصنع ماذا))، فينصبونه بنيّة ((أن)). وإذا لم ينووا ((أن)) ولم يريدوها، قالوا:
((فتريدُ ماذا))، فيرفعون ((تريد))، لأنه لا جالبَ [((أن )) قبله ، كما كان له جالب
قبل ((تصنع)). فلو كان معنى قوله: ((لا تضار)) إذا قرئ رفعاً بمعنى: (( ينبغى أن
لا تضار)) أو ((ما ينبغى أن تضار))، ثم حذف ((ينبغى)) و ((أن)) وأقيم (( تضار))
مقام ((ينبغى))، لكان الواجب أن يقرأ- إذا قرئ بذلك المعنى - نصباً لا رفعاً، ليُعلم
بنصبه المتروكُ قبله المعنىُّ المراد، كما فعل بقوله: ((فتصنع ماذا))، ولكن معنى
ذلك ما قلنا إذا رفع على العطف على ((تكلف)): (٢) ليست تكلف نفس إلا
وُسعها، وليست تضار والدة بولدها . يعنى بذلك: أنه ليس فى ذلك فى دين الله
وحُكمه وأخلاق المسلمين .
٠ ٥
قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب فى ذلك قراءةُ من قرأ بالنصب ،
لأنه نهىٌ من الله تعالى ذكره كُلّ واحد من أبوى المولود عنمضارَة صاحبه له، حرام
عليهما ذلك بإجماع المسلمين . فلو كان ذلك خبراً ، لكان حراماً عليهما
ضرارُهما به كذلك. (٣)
٥
(١) سيبويه ١: ٤٣١ الخزانة ٣: ٦١٣ - ٦١٥، وشرح شواهد المغنى: ٢٦٣. وقال
صاحب الخزانة: ((البيت من قصيدة عدتها تسعة عشر بيتاً لأبى اللحام التغلبى أوردها أبو عمر و الشيبانى
فى أشعار تغلب له ، وانتخبها أبو تمام ، فأورد منها خمسة أبيات فى مختار شعر القبائل ، وهذا أولها :
◌َمِرْتُ وَأَطْوَلْتُ التَّفَكُّرَ خَالِيَاً وَسَاءَلْتُ حَتَّى كَادَ عُمرِىَ يَنْفَدُ
(٢) فى المطبوعة: ((لا تكلف)) بزيادة ((لا)) وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) فى المخطوطة والمطبوعة: ((لكان حرام)) بالرفع، والأجود ما أثبت.

٤٩
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
وبما قلنا فى ذلك - من أن ذلك بمعنى النهى - تأوَّله أهل التأويل.
• ذكر من قال ذلك :
٤٩٧٤ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( لا تضار والدة بولدها)) ، لا تأبى أن ترضعه ليشقّ
ذلك على أبيه ، ولا يضار الوالد بولده، فيمنع أمه أن ترضعه ليحزُنَها .
٤٩٧٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله.
٤٩٧٦ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا ٣٠٧/٢
سعید ، عن قتادة قوله : « لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده )) ، قال : نهى
الله تعالى عن الضرار وقدَّم فيه، فنهى اللّه أن يضار الوالد فينتزع الولد من أمِّه،
إذا كانت راضية بما كان مسترضعاً به غيرها = ونهيت الوالدة أن تقذف الولد إلى
أبيه ضراراً .
٤٩٧٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: (( لا تضار والدة بولدها))، ترمى به إلى أبيه ضراراً =
(( ولا مولود له بولده)»، يقول: ولا الوالد، فینتزعه منها ضراراً، إذا رضيت من أجر
الرضاع ما رضى به غيرُها ، فهى أحق به إذا رضيت بذلك .
٤٩٧٨ - حدثتعن عمار قال،حدثنا ابن أبى جعفر ،عن أبيه،عن يونس،
عن الحسن: (( لا تضار والدة بولدها))، قال: ذلك إذا طلقها، فليس له أن يضارّها
فينتزع الولد منها ، إذا رضيت منه بمثل ما يرضى به غيرها = وليس لها أن تضارَّه
فتكلفه ما لا يطيق ، إذا كان إنساناً مسكيناً ، فتقذف إليه ولده .
٤٩٧٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((لا تضار والدة بولدها))، لا تضار أم بولدها ولا أب
بولده. يقول: لا تضارأم بولدها فتقذفه إليه إذا كان الأب حيًّا، أو إلى عصبته
ج . (٤)

٥٠
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
إذا كان الأب ميتاً. ولا يضارّ الأبُ المرأةَ إذا أحبت أن ترضع ولدها ولا ينزعه. (١)
٤٩٨٠ - حدثنى موسى قال، حدثناعمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى:
(لا تضار والدة بولدها))، يقول: لا ينزع الرجل ولده من امرأته فيعطيه غيرها بمثل
الأجر الذى تقبله هى به = ولا تضار والدة بولدها، فتطرح الأم إليه ولده، تقول :
(( لا أليه ساعة))، تُضِيعه، (٢) ولكن عليها من الحق أن ترضعه حتى يطلب مرضعاً.
٤٩٨١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى الليث
قال، حدثنى عقيل، عن ابن شهاب- وسئل عن قول الله تعالى ذكره ((والوالدات
يرضعن أولادهنّ حولين كاملين)) إلى ((لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده )»،
قال ابن شهاب : والوالداتُ أحقُّ برضاع أولادهن ما قبلن رضاعهن بما يعطى
غيرهن من الآجر ، وليس للوالدة أن تضارَّ بولدها فتأبىرضاعه،مضارّة وهی تعطی
عليه ما يعطى غيرُها من الأجر. وليس للمولود له أن ينزع ولده من والدته مضارًا
لها ، وهى تقبل من الأجر ما يعطاه غيرها .
٤٩٨٢ ۔۔ حدثنا ابن حمید قال، حدثنا مھران ۔۔ وحدثی علی قال ، حدثنا
زيد = جميعاً، عن سفيان فى قوله: ((لا تضار والدة بولدها))، لا ترم بولدها إلى
الأب إذا فارقها، تضارُّه بذلك = ((ولا مولود له بولده))، ولا ينزع الأب منها ولدها
يضارُّها بذلك.
٤٩٨٣ - حدثییونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((( لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده)»، قال: لا ينتزعه منها وهى تحبُّ أن
ترضعه فيضارُّها، ولا تطرحه عليه وهو لا يجد من ترضعه، ولا يجد ما يسترضعه به .
٤٩٨٤ - حدثنا عمرو بن علی الباهلی قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثی
(١) فى المطبوعة: ((((ولا ينتزعه))، وهما سواء، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((يقول لا إليه ساعة تضعه))، وهو فى المخطوطة غير منقوط، ورأيت
الصواب أن تكون هكذا قراءة الجملة، مع جعل ((بصعه)) ((تضيعه))، أى تضيعه بتركها إياه.

تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
ابن جريج، عن عطاء فى قوله: ((لا تضار والدة بولدها)»، قال: لا تدَعَنْه
ورضاعته، من شَنَآنها مضارَّةً لأبيه، (١) ولا يمنعها الذى عنده مضارة لها .
٠٠٠
وقال بعضهم: ((الوالدة)) التى نهىّ الرجلَ عن مضارّتها: ظِئْرُ الصبى.(٢)
• ذكر من قال ذلك :
٤٩٨٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال ، حدثنا هرون
النحوى قال ، حدثنا الزبير بن الخِرِّيت، عن عكرمة فى قوله: ((لا تضار والدة
بولدها))، قال: هى الظهر. (٣)
٠٠
فمعنى الكلام: لا يُضارِرْ والدُ مولود والدته بمولوده منها، ولا والدةُ مولود والده
بمولودها منه. ثم ترك ذكر الفاعل فى ((يضار))، فقيل: لاتضارَرْ والدة بولدها
ولا مولود له بولده، (٤) كما يقال إذا نُهى عن إكرام رجل بعينه فيما لم يسمَّ فاعله، ولم
يقصد بالھیعن إ کرامہ قصد شخص بعينه: «لا یُکرمعمرو ،ولا يجلس إلىأخيه)»،
ثم تُرك التضعيف فقيل: ((لا تضارّ)) فحركت الراء الثانية التى كانت مجزومة -
لو أظهر التضعيف - بحركة الراء الأولى. (٥)
(١) فى المطبوعة والمخطوطة ((من شأنها))، والصواب ما أثبت، والشنآن: البغض والكره.
(٢) الظئر: العاطفة على ولد غير ولدها، المرضعة له.
(٣) الأثر: ٤٩٨٥ - ((مسلم بن إبراهيم الأزدى الفراهيدى))، روى عنه البخارى، وأبو داود،
ويحيى بن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم، ثقة صدوق. مات سنة ٢٢٢. و((هرون النحوى))
و ((هرون الأعور)) هو: هرون بن موسى الأزدى العتكى - النحوى الأعور صاحب القراءات، كان ثقة
مأموناً. و((الزبير بن الخريت)) (بكسر الخاء وتشديد الراء المكسورة ). ثقة . وكان فى المطبوعة
والمخطوطة: ((الزبير بن الحارث))، هو خطأ صرف .
(٤) فى المطبوعة: ((لا تضار والدة ... )) كنص الآية، ولكنه أراد التضعيف هنا، كما يظهر
من السياق ، والصواب من المخطوطة .
(٥) من هذا الموضع أخذت ما زدته هناك ص : ٤٦، ٤٧ تعليق: ٣ فى التعليق على الجملة
المضطربة التى بينت اضطرابها .

٥٢
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
وقد زعم بعض أهل العربية أنها إنما حركت إلى الفتح فى هذا الموضع ، لأنه
آخِر الحركات. (١) وليس للذى قال من ذلك معنَى. لأن ذلك إنما كان جائزاً
أن يكون كذلك ، لو كان معنى الكلام : لا تضارِرْ والدة بولدها ، (٢) وكان
المنهىُّ عن الضرار هى الوالدة . على أن معنى الكلام لو كان كذلك ، لكان الكسر
فى ((تضار)) أفصح من الفتح، والقراءة به كانت أصوب من القراءة بالفتح ، كما
أن: ((مُدَّ بالثوب)) أفصح من ((مُدَّبه)). (٣) وفى إجماع القرأة على قراءة: ((لا
تضارَّ )) بالفتح دون الكسر، دليل واضح على إغفال من حكيتُ قوله من أهل
العربية فى ذلك . (٤)
فإن كان قائل ذلك قاله توهماً منه أن معنى ذلك: لا تضارِرْ والدة، (٥) وأنّ
(الوالدة) مرفوعة بفعلها، وأن ((الراء)) الأولى حظها الكسر، فقد أغفل تأويل الكلام، (٤)
وخالف قول جميع من حكينا قوله من أهل التأويل. وذلك أن الله تعالى ذكره تقدَّم
إلی کل أحد (٦) من أبوى المولود بالهی عن ضرار صاحبه بمولودهما = لا أنه نهى كل
واحد منهما عن أن يضار المولود . وكيف يجوز أن ينهاه عن مضَارَّة الصبىّ،
(١) فى المطبوعة: ((لأنه أحد الحركات))، وهو كلام لا معنى له، والصواب ما أثبت، وقد
مضى فى مكان ما من التفسير مثل هذا الخطأ، ولم أستطع أن أعثر عليه بعد. وقوله: ((آخر الحركات))
معناه: أخفها. فالضم أثقل الحركات، ثم الكسر ، ثم الفتح أخفها وآخرها. وأما السكون فلا يعد فى الحركات.
وهذا الذى قاله الطبرى هنا دليل قاطع على فساد الجملة التى كانت فى ص: ٤٦، ٤٧ (تعليق : ٣)
وأنه لا يجعل علة الفتح فى معنى النهى: ((أنه حرك إذ ترك التضعيف بأخف الحركات، وهو الفتح))،
ودليل على أن الصواب ما استظهرته فى التعليق. وسيظهر ذلك بيناً فى رده الذى يأتى بعقب هذه الجملة .
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((لا تضارن))، وهو كلام لا معنى له. والصواب ما أثبت (بضم
التاء وكسر الراء الأولى، وسكون الأخيرة).
(٣) انظر شرح الشافية ٢ : ٢٤٣.
(٤) إغفاله: دخوله فى الغفلة، كما أسلفنا فى ١: ١٥١، تعليق: ١، وكذلك معنى قوله فى
الموضع الثانى ((أغفل))، أى: دخل فى الغفلة.
(٥) فى المطبوعة: ((لا تضار)) براء مشددة، والصواب من المخطوطة. وقوله ((مرفوعة بفعلها))،
أى أنه فعل لازم، مثل ((قاتل الرجل)).
(٦) فى المطبوعة: ((كل واحد)»، وهما قريبين. وقوله: تقدم إلى كذا بكذا، أى أمر بأمر
أو نهى.
٢٠٨/٢

٥٣
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
والصبيّ فی حال ما هو رضيع - غیرُ جائز أن يكون منه ضرار لأحد ؟ فلو كان
ذلك معناه، لكان التنزيل: لا تُضَرُّ والدة بولدها. (١)
٠ ٥
وقد زعم آخرون من أهل العربية أن الكسر فى (( تضارّ )» جائز. (٢) والكسر
فى ذلك عندى فى هذا الموضع غير جائز، (٣) لأنه إذا كسر تغير معناه عن معنى :
(لاتضارَرْ) - (٤) الذى هو فى مذهب ما لم يسمَّ فاعله - إلى معنى ((لا تضارِرْ))، (٥)
الذى هو فى مذهب ما قد ◌ُِى فاعله. (٦)
۵
قال أبو جعفر: فإذا كان الله تعالیذ کره قد نهی كل واحد من أبوى المولود عن مضارة
صاحبه بسبب ولدهما ، فحق على إمام المسلمين = إذا أراد الرجل نزع ولده من أمه بعد
بينونتها منه، وهى تحضنه وتكفله وتُرضعه، بما يحضنه به غيرها ويكفُله به ويُرضعه
من الأجرة = (٧) أن يأخذ الوالد بتسليم ولدها، ما دام محتاجاً الصبىّ، إليها فى
ذلك بالأجرة التى يُعطاها غيرها / وحقّ عليه = إذا كان الصبى لا يقبل ثدى غير
(١) فى المخطوطة: ((لا تضار)) كنص الآية، وهى خطأ بلا شك.
(٢) هو الفراء فى معانى القرآن ١: ١٤٩، وعنى الفراء برأيه هذا أنه لما سكنت الراء الأولى
الإدغامهما فى الثانية الساكنة ، التقى ساكنان ، فكسر ، لأن الكسر هو الأصل فى التقاء الساكنين .
هذا ما أجازه .
(٣) فى المطبوعة: ((والكسر فى ذلك عندى غير جائز فى هذا الموضع)) وأثبت ما فى المخطوطة.
(٤) فى المطبوعة: ((لا تضار))، والصواب التضعيف هنا للبيان، كما فى المخطوطة.
(٥) فى المخطوطة والمطبوعة: ((لا تضار)) والصواب ما أثبت العلمة فى التعليق السالف.
(٦) هذه الفقرة من كلام أبى جعفر فى رد من قال بالكسر، تدل دلالة واضحة أيضاً على فساد
الجملة الأولى التى صححناها فى ص: ٤٦، ٤٧ تعليق: ٣، وهى تبين لك عن صواب ما استظهرت أنه أصل
كلام الطبرى .
(٧) فى المخطوطة والمطبوعة: ((وترضعه))، والصواب بالياء كما أثبت، وسياق الجملة: ((فحق
على إمام المسلمين ... أن يأخذ الوالد)) وما بينهما فصل الحال. وقوله: ((ما دام محتاجاً الصبى)» حال
أخرى معترضة، وسياق الكلام ((بتسليم ولدها ... إليها فى ذلك)).

٥٤
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
والدته ، أو کان المولود له لا يجد من يرضع ولده وإن كان يقبل ثدى غير أمه،
أو كان معدماً لا يجد ما يستأجر به مرضعاً ، ولا يجد من يتبرع عليه برضاع
مولوده. (١) = أن يأخذ والدته البائنة من والده برضاعه وحضانته. (٢) لأن الله تعالى
ذكره إنْ حرّم على كل واحد من أبويه ضرار صاحبه بسببه، (٣) فالإضرار به أحرى أن
يكون محرَّماً ، مع ما فى الإضرار به من مضارة صاحبه .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى ((الوارث)) الذى عنى الله تعالى
ذكره بقوله: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، وأى وارث هو: ووارث من هو ؟
فقال بعضهم: هو وارث الصبى . وقالوا معنى الآية : وعلى وارث الصبىّ إذا
کان [ أبوه ] ميتاً ، (٤) مثل الذی کان على أبيه فىحياته .
. ذكر من قال ذلك :
٤٩٨٦ - حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة : ( وعلى الوارث مثل ذلك))، علی وارث الولد .
٤٩٨٧ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ما يتبرع عليه))، وهو خطأ فاسد، لأنه يريد أنه لم يجد من
يتفضل عليه ويتطوع برضاع مولوده. وسياق هذه الجملة أيضاً: ((وحق عليه ... أن يأخذ والدته))،
كما فى الفقرة السالفة .
(٢) فى المخطوطة: ((أن يأخذ والدته الثانية من والدته البائنة من والده))، وقد أصابت المطبوعة
الصواب، فحذفت ((الثانية من والدته))، فهو تصحيف وتكرار .
(٣) فى المطبوعة: ((لأن الله تعالى ذكره حرم)) بإسقاط ((إن))، والواجب إثباتها كما جاءت فى
المخطوطة.
(٤) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها، وإلا اختل الكلام، ويدل على وجودها ما بعده.

تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
السدى: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، على وارث الولد.
٤٩٨٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
معمر، عن قتادة: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، قال: وعلى وارث الصبى مثل
ما على أبيه .
#
ثم اختلف قائلو هذه المقالة فى وارث المولود، الذى ألزمه اللّه تعالى مثل الذى وصف.
فقال بعضهم : هو وارث الصبى من قبل أبيه من عصبته ، كائناً من كان ،
أخاً کان، أو عمّا، أو ابن عم، أو ابن أخ.
• ذكر من قال ذلك :
٤٩٨٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن
جريج : أن عمرو بن شعيب أخبره : أنّ سعيد بن المسيب أخبره : أن عمر بن
الخطاب رضى الله عنه = قال: فى قوله: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، قال (١) = ٣٠٩/٢٠
وقف بنى عمّ منفوس كلالةً بالنفقة عليه، مثل العاقلة. (٢)
٤٩٩٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال،حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: أن الحسن كان يقول: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، على العصبة.
٤٩٩١ - حدثنا عمرو بن على قال، حدثنا عبد الله بن إدريس وأبو عاصم
(١) هذه الجملة بين الخطين، من كلام عمرو بن شعيب. بمعنى أن سعيد بن المسيب أخبره فى
قوله تعالى: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، أن عمر بن الخطاب حبس. وهذا بين من سياق التحديث.
(٢) الأثر: ٤٩٨٩ - فى المخطوطة ((قال: وقف بنى هم منفوس بنى عمه كلالة بالنفقة)).
وأما الذى فى المطبوعة، فكأنه من نص الدر المنثور ١ : ٢٨٨، أجتلبه المصحح من هناك ، وهذا
قص الدر والمطبوعة: ((حبس بنى عم على منفوس كلالة بالنفقة عليه))، وقد رأيت أن أقرأها كما أثبتها
وكما فى المحلى بهذا الإسناد ١٠: ١٠٢. والمخطوطة - كما قلت مراراً مضطربة فى هذا القسم منها لعجلة
الكاتب ، كما ظهر فى كثرة التصحيحات السالفة. وانظر الأثر رقم : ٤٩٩١ والتعليق عليه.
يقال : هو ابن عمه كلالة ( بالنصب)، وابن عم كلالة (بالإضافة). أى من بنى العم الأباعد ،
وهم العصبة وإن بعدوا . والعاقلة : هم عصبة الرجل وقرابته من قبل الأب الذين يعطون دية القتل.

تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
قالا ، حدثنا ابن جريج ، عن عمرو بن شعيب ، عن سعيد بن المسيب قال :
وقف عمر بنی عم منفوس كلالةً برضاعه.(١)
٤٩٩٢ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية ، عن يونس : أن
الحسن كان يقول: إذا توفى الرجل وامرأته حامل ، فنفقتها من نصيبها ، ونفقة
ولدها من نصيبه من ماله إن كان له ، فإن لم يكن له مال فنفقته على عصبته .
قال: وكان يتأول قوله: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، على الرجال .
٤٩٩٣ - حدثنا عمرو بن على قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال ،
حدثنا هشيم ، عن يونس ، عن الحسن قال : على العصبة الرجال، دون النساء .
٤٩٩٤ - حدثنا أبو كريب وعمرو بن على قالا ، حدثنا ابن إدريس قال ،
حدثنا هشام، عن ابن سيرين : أتى عبدَ الله بن عتبة مع اليتيم وليُّه ، ومع اليتيم
من يتكلم فى نفقته ، فقال لولىّ اليتيم : لو لم يكن له مال لقضيتُ عليك
بنفقته، لأن الله تعالى يقول: ((وعلى الوارث مثل ذلك)). (٢)
٤٩٩٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال ، حدثنا
أيوب، عن محمد بن سيرين قال: أتى عبد الله بن عتبة فى رضاع صبى، فجعل
رضاعه فى ماله ، وقال لوليه: لو لم يكن له مال جعلنا رضاعه فى مالك ، ألا تراه
يقول: ((وعلى الوارث مثل ذلك))؟(٢)
٤٩٩٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم فى
قوله: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، قال: على الوارث ما على الأب، إذا لم يكن للصبى
مال . وإذا كان له ابن عم أو عصبة ترثه ، فعليه النفقة .
(١) الأثر: ٤٩٩١ - انظر الأثر السالف: ٤٩٨٩، وفى المطبوعة هنا ((ابن عم على منفوس))
بزيادة ((على))، وأثبت ما فى المخطوطة وانظر سنن البيهتى ٧: ٤٧٨ - ٤٧٩، والمحلى ١٠ : ١٠٢.
(٢) الأثران: ٤٩٩٤، ٤٩٩٥ - انظر الأثر التالى رقم: ٥٠٠٤. والذى فى المخطوطة فى
الأثر الأول: ((أن أما عبد الله)) بياض بين الكلمتين، وغير منقوط، وفى المطبوعة: ((أنه أتى عبد الله))،
وظنى أن الناسخ قد كرر، وأن الصواب ما أثبت، كمافى الأثر الذى يليه .

٥.٧
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
٤٩٩٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، قال: الولىُّ مَنْ
كان .
٤٩٩٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن
أبی بشر ورقاء ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٤٩٩٩ - حدثنى المثى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٥٠٠٠ - حدثنا عبد الله بن محمد الحنفى قال، حدثنا عبد الله بن عثمان
قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا يعقوب - يعنى ابن القاسم - عن عطاء وقتادة ..
فى يتيم ليس له شىء ، أيُجبر أولياؤه على نفقته ؟ قالا: نعم، ينفق عليه حتى
يُدرك. (١)
٥٠٠١ - حدثت عن يعلى بن عبيد، عن جويبر ، عن الضحاك قال :
إن مات أبو الصبىّ والصبى مال، أخِذ رضاعه من المال . وإن لم يكن له مال ،
أخذ من العصبة. فإن لم يكن للعصبة مال ، أجبرت عليه أمه .
٥
٠
٥
وقال آخرون منهم : بل ذلك على وارث المولود مَنْ كان، من الرجال
والنساء .
ذكر من قال ذلك :
٥
٥٠٠٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة أنه كان يقول: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، على وارث المولود ما كان على
(١) الأثر: ٥٠٠٠ - عبد الله بن محمد بن يزيد أبو محمد الحشى المروزى صاحب عبدان.
مكن بغداد. قال الخطيب: ((كان ثقة))، وتوفى سنة ٢٧٥ مترجم فى تاريخ بغداد ١٠: ٨٥
و ((عبدان))، لقب «عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبى رواد الأزدى، روى عنه البخارى. مات
سنة ٢٢٠. مترجم فى التبهديب . وانظر الأثر الآتى برقم : ٥٠٠٩.

٥٨
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
الوالد من أجر الرضاع ، إذا كان الولد لا مال له ، على الرجال والنساء على قدر
ما يرثون .
٥٠٠٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الزهرى: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أغرم ثلاثة ، كلّهم يرث
الصبى، أجر رضاعه .
٥٠٠٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن أيوب، عن ابن سيرين: أن عبد الله بن عتبة جعل نفقة صبيّ من
ماله ، وقال لوارثه : أما إنه لو لم يكن له مال أخذناك بنفقته ، ألا ترى أنه
يقول: ((وعلى الوارث مثل ذلك)).(١)
٥
وقال آخرون منهم : هو مِن ورثته، مَنْ كان منهم ذا رحم محرم للمولود ،
فأما من كان ذا رحم منه وليس بمحرم ، كابن العم والمولى ومن أشبههما ، فليس
من عناه اللّه بقوله: ((وعلى الوارث مثل ذلك)). والذين قالوا هذه المقالة:
أبو حذيفة وأبو يوسف ومحمد.
٥
وقالت فرقة أخرى: بل الذى عنى الله تعالى ذكره بقوله: ((وعلى الوارث
مثل ذلك)) ، المولود نفسه .
• ذكر من قال ذلك :
٣١٠/٢
٥٠٠٥ - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصرى قال ، حدثنا
أبو زرعة وهبُ اللّه بن راشد قال أخبرنا حيوة بن شُريح قال ، أخبرنا جعفر بن
ربيعة. أن بشير بن النضر المزنى- وكان قاضياً قبل ابن حُجيرة فى زمان عبدالعزيز-
كان يقول: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، قال: الوارث هو الصبى. (٢)
(١) الأثر: ٥٠٠٤ - بإسناده فى المحلى ١٠٣:١٠، وانظر الأثرين السالفين: ٤٩٩٤، ٤٩٩٥.
(٢) الأثر: ٥٠٠٥ - ((أبو زرعة وهب الله بن راشد المصرى)) مضت ترجمته بتفصيل فى
رقم: ٢٣٧٧. وكان فى المطبوعة هنا ((حدثنا أبو زرعة وعبد الله بن راشد)) كما كان هناك أيضاً،

٥٩
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
٥٠٠٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا عبد الله بن يزيد المقرى قال، أخبرنا
حيوة. قال، أخبرنا جعفر بن ربيعة، عن قبيصة بن ذؤيب: ((وعلى الوارث
مثل ذلك )) ، قال : هو الصبى .
٥٠٠٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
حيوة بن شريح قال ، أخبرنى جعفر بن ربيعة: أن قبيصة بن ذؤيب كان يقول :
الوارث هو الصبى = يعنى قوله: ((وعلى الوارث مثل ذلك)).(١)
٥٠٠٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك ، عن
جويبر، عن الضحاك: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، قال: يعنى بالوارث ، الولد
الذی یرضع .
قال أبو جعفر: وتأويل ذلك على ما تأوّله هؤلاء: وعلى الوارث المولود ، مثل
ما کان على المولود له .
وقال آخرون : بل هو الباقى من والدى المولود ، بعد وفاة الآخر منهما.
« ذكر من قال ذلك :
٥٠٠٩ - حدثنى عبد الله بن محمد الحنفى قال، أخبرنا عبد الله
ابن عثمان قال ، أخبرنا ابن المبارك قال ، سمعت سفيان يقول فى
والصواب هنا من المخطوطة . وجعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة الكندى أبو شرحبيل المصرى .
قال أحمد: ((كان شيخاً من أصحاب الحديث ثقة)). توفى سنة ١٣٦. مترجم فى التهذيب. و(( بشير
ابن النضر المزنى)) مترجم فى كتاب القضاة الكندى : ٣١٣ - ٣١٤ توفى سنة ٦٩، وكان فى المطبوعة
والمخطوطة ((بشر بن نصر))، وهو خطأ، وقد روى هذا الأثر بإسناده قال: ((حدثنا محمد بن يوسف،
قال حدثنى محمد بن ربيع الجيزى، قال حدثنى أبى، قال حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد ... )).
و((ابن حجيرة)) هو: ((عبد الرحمن بن حجيرة الخولانى))، مترجم فى كتاب القضاة: ٣١٤ - ٣٢٠،
توفى سنة ٨٣، وكان فقيها من أفقه الناس.
(١) الأثران: ٥٠٠٦، ٥٠٠٧ - انظر المحل ١٠: ١٠٣، وروايته هناك: ((رضاع
الصبى » .

٦٠
تفسير سورة البقرة : ٢٣٣
صبيّ له عمّ وأمّ وهى ترضعه، قال: يكون رضاعُه بينهما، ويُرفع عن العم بقدر
ما ترث الأم ، لأن الأم تجبر على النفقة على ولدها. (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ مِثْلُ ذَلِكَ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((مثل ذلك)).
فقال بعضهم : تأويله : وعلى وارث الصبى بعد وفاة أبويه، (٢) مثل الذى
كان على والده من أجر رضاعه ونفقته ، إذا لم يكن للمولود مال .
« ذكر من قال ذلك :
٥٠١٠ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم ، عن مغيرة ، عن
إبراهيم فى قوله: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، قال : على الوارث رضاعُ الصبى.
٥٠١١ - حدثنا عمروبن على ومحمد بن بشار قالا ، حدثنا عبد الرحمن قال ،
حدثنا أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، قال :
أجر الرضاع .
٥٠١٢ - حدثنا عمروبن على قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان ،
عن مغيرة، عن إبراهيم: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، قال : الرضاع.
٥٠١٣ - حدثنا عمرو بن علی قال،حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا أبو عوانة،
عن المغيرة، عن إبراهيم فى قوله: ((وعلى الوارث مثل ذلك))، قال: أجر
الرضاع .
(١) الأثر: ٥٠٠٩ - انظر إسناد الأثر السالف رقم: ٥٠٠٠، وفى المطبوعة: ((ويدفع
عن العم))، والصواب من المخطوطة.
(٢) فى المطبوعة: ((على الوارث الصبى))، وأثبت ما فى المخطوطة.