Indexed OCR Text

Pages 1-20

تراث الإسلام
تفسير الطبري
جَامِعُ البيان عَنْ تَأْوِيلِ آَى القرآن
لأبي جعفر محمدبن جرير الطبرىّ
٢٢٤ - ٣١٠ هـ
راجَعَهُ وخَچأحاديثه
حَقْقَه وَعَلَّق خَواشيه
أحمد محمد شاكر
محمود محمد شاكر
الطبعة الثانية
الناشر
مكتبة ابن تيمية
القاهرة ت ٨٦٤٢٤٠

تفسير الطبرى

1
1
:
!
:
--
:
:
1

البَمُ الْحَاشِرَة
فيه
تفسير سورة البقرة
من ٢٣١ - ٢٧٤
والآثار من ٤٩٠٩ - ٦٢٣٤

بِسْ ◌ِقْهِرَمِ اَلَيْهِ
سبحانك اللهم وبحمدك ، بك أستَعينُ ، وعليك أنوَكَّل ، وإليك
ألجأ، ومِنْك أستنزل رحمتك، وفيكَ أجاهِدُ أعداءك، والخير كُلُه
بيديك. وأشهد أنّه هو الله ربى لا إلهَ إلا هو وحده لا شريك لَهُ،
تبارك اسمُهُ ، وتعالى جدُّه، وأشهدُ أنّ مَمّداً عبدُهُ ورسولُه، أنزل عليه
الكتابَ فرقَناً بين الحقِّ والباطِلِ، فَأَيَد بالحقّ أهلَ طاعته ، وخذل
بالباطِلِ أهل معصيته ، وجعل العاصى محنةً للمطيع ، وأمر المطيع بالصبر
على محنته . ثم كافأ المحسن بإحسانه، والمسىء بإِساءته، جمل الجنَّة
مأوَّى لمن خافَ مقامَ ربّه فأطاعَه، والنَّار مستقرًّا لمن أعْرَضَ عن
ذكرهٍ فعصاهُ .
اللهُمَّ إنى أبرأُ إليك من كُلِّ طاغٍ لم يخشَ نَذِيرَ ربّه ففجر ، ومن
كُلّ عادٍ لم يرهب عذابَ الآخرة فبَغَى وتجبَّر. وأبرأ إليك من معين
على باطِلٍ لا ترضاهُ، ومن مؤيّد لإثمِ قد نهيت عنه . وأستجيرُ بربّ
لا يخذلُ المستجير به ، من زمان قد غشيناً، الخائفُ فيه من عقابٍ
ربّه قليل، والمستمسك بهدى رُلِ قابضٌ على أمثالِ الجمر . أطبقت
علينا فيه فِتْنٌ كقطع الليل المُظْر، فارت فى سوادها خُطَى السائرين ،
وتذبذبت فى دياجيرها أبصارُ السَّرين، ونبتت تحت ظلمتها نوابتُ
تنطِقُ ألسنتها بالحَوَى والضلالة، لا يعصُها عاصم عن الكذبِ على ربّها

٦
وعلى كتابه العربىّ المبين ، تقولُ فيه بغير عِلٍ، وتتلمَّبُ ببيانه بغيرِ
وَرَع، تحتطبُ لدنياها فى حَبْل سلطانٍ تخافه وجبّارٍ ترجوه، وتتطلَّبَ
فى الناسِ الذَّكْرَ، بالبِدَع تستحدثُها ابتغاء مرضاةِ الحاكمين ، أو التماسَ
إعجابِ المفتونين. فاللهُمَّ اعصمنا حيث لا عاصِمَ إلّا أنتَ، واجعَلْ
هذا الكتابَ نبراسنا الذى نهتدى به ، واكتبنا عندك فى الشُّهداء فى
يومٍ كيومِ بَدْرٍ، تَفَصِلِ فيه بين من أمَّعَ سَبِيلَكَ فَاَمنَ ، وبين من
اتّبع السُّبُل خلافاً على هُدَاك فكفر، واعفُ عنا واغْفِرِ لنا وَارْحمنا ،
أنتَ مولاناً فأَنصُرنا على القومِ الكافرين ؟
محمود محمد شاكر

القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذَا طَقْتُ الفِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَمُنَّ
فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّ حُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ ◌ُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا
لَتَعْتَدُوا ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بذلك: ((وإذا طلقتم))، أيها الرجال
نساءكم = ((فبلغن أجلهن))، يعنى: ميقاتَهن الذى وقَّتُّه لهن، من انقضاء الأقراء
الثلاثة، إن كانت من أهل القُرء، (١) وانقضاء الأشهر، إن كانت من أهل الشهور
=((فأمسكوهن))، يقول: فراجعوهن إن أردتم رجعتهن فى الطلقة التى فيها
رَجَعة : وذلك إما فى التطليقة الواحدة أو التطليقتين، كما قال تعالى ذكره :
(الطَّلاَقُ مَرَّنَانِ فَإِسْتَكٌ بِمَعْروفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)).
= وأما قوله: ((بمعروف))، فإنه عنى: بما أذن به من الرجعة، من الإشهاد على
الرجعة قبل انقضاء العِدّة ، دون الرجعة بالوطء والجماع . لأن ذلك إنما يجوز
للرجل بعد الرجعة ، وعلى الصحبة مع ذلك والعشرة بما أمر الله به وبيَّته لكم أيها
الناس = (أو سرحوهن" بمعروف))، يقول: أو خلوهن" يقضين تمام عدتهنّ وينقضى
بقية أجلهن الذى أجلته لهنّ لعددهن ، بمعروف . يقول: بإيفائهن تمام
حقوقهن عليكم ، (٢) على ما ألزمتكم لهنّ من مهر ومتعة ونفقة وغير ذلك من
حقوقهنّ" قبلكم = ((ولا تمسكوهن" ضراراً لتعتدوا)) = يقول: ولا تراجعوهن،
٢٩٤/٢
(١) فى المطبوعة: ((من أهل الأقراء))، وهى صواب، ولكن لا أدرى لم غير ما فى المخطوطة.
(٢) فى المخطوطة: ((بإنفاقهن))، وهو فساد من الناسخ العجل، كما أسلفت.

٨
تفسير سورة البقرة : ٢٣١
إن راجعتموهنّ فى عد دهن، مضارةً لهن، لتطوّلوا عليهنّ مدة انقضاء عددهنّ،
أو لتأخذوا منهنّ بعض ما آتيتموهن بطلبهن الخُلع منكم ، لمضارتكم إياهن،
بإمساككم إياهنّ، ومراجعتكموهنّ ضراراً واعتداءً".
وقوله: ((لتعتدوا))، يقول : لتظلموهن بمجاورتكم فى أمرهن حدودى التى
بيَّتها لكم.
وبمثل الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٤٩٠٩ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن منصور ، عن أبى
الضحى، عن مسروق: ((ولا تُمسكوهن ضراراً))، قال: يطلقها، حتى إذا كادت
تنقضى راجعها ، ثم يطلقها ، فيدعُها حتى إذا كادت تنقضى عدنها راجعها ،
ولا يريد إمساكها: فذلك الذى يُضارُّ ويتخذ آيات اللّه هُزُواً.
٤٩١٠ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا ابن علية ، عن أبى رجاء
قال : سئل الحسن عن قوله تعالى: ((وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن
بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا))، قال: كان الرجل
يطلق المرأة ثم يراجعها ، ثم يطلقها ثم يراجعها ، يُضارُّها، فها هم اللّه عن ذلك.
٤٩١١ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
، عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((وإذا طلقتم النساء فيلغن
أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف))، قال: نهى اللّه عن الضَّرار
= ((ضراراً))، أن يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها عند آخر يوم يبقى من الأجل،
حتى يفى لها تسعة أشهر، ليضارها به .
٤٩١٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد بنحوه - إلا أنه قال: نهى عن الضرار ، والضرارُ فى

تفسير سورة البقرة : ٢٣١
الطلاق أن یطلق الرجل امرأته ثم یراجعها = وسائر الحدیث مثلحديثمحمد بنعمرو.
٤٩١٣ - حدثی محمد بنسعد قال،حدثنا أبی قال،حدثی عمی قال،حدثی
أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ((وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن" فأمسكوهن"
بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا))، كان الرجل يطلق
امرأته ثم يراجعها قبل انقضاء عدتها ، ثم يطلقها . يفعل ذلك يضارُّها وَيَعضُلها،
فأنزل الله هذه الآية . (١)
٤٩١٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ"
بمعروف أو سرحوهنّ بمعروف ولا تمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا))، قال: كان
الرجل يطلق امرأته تطليقة واحدة ، ثم يدعها ، حتى إذا ما كاد تخلو عدتها
راجعها ، ثم يطلقها، حتى إذا ما كاد تخلو عدتها راجعها . (٢) ولا حاجة له فيها،
إنما يريد أن يضارَّما بذلك. فهى الله عن ذلك وتقدَّم فيه، (٣) وقال: ((ومن
يفعل ذلك فقد ظلم نفسه)).
٤٩١٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى الليث ، عن
يونس، عن ابن شهاب قال: قال الله تعالى ذكره: ((وإذا طلقتم النساء فبلغن
أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو مرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا))،
فإذا طلق الرجلُ المرأةَ وبلغت أجلها، فليراجعها بمعروف أو ليسرُّحها بإحسان،
ولا يحلُّ له أن يراجعها ضراراً، وليست له فيها رغبة ، إلاّ أن يضارَّها.
٤٩١٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن
معمر، عن قتادة فى قوله: ((ولا ممسكوهن ضراراً لتعتدوا))، قال: هو فى الرجل
(١) عضل المرأة يعضلها: لم يحسن عثرتها، ليضطرها بذلك إلى الاقتداء منه بمهرها الذى أمهرها.
(٢) خلا الشىء يخلو خلواً: منى وانقضى.
(٣) قوله: ((تقدم فيه))، أى أمرهم بأمره فيه ونهاهم عن فعله، وزجرهم.
:

١٠
تفسير سورة البقرة : ٢٣١
يحلف بطلاق امرأته ، فإذا بقى من عدتها شىء راجعها، يضارُّها بذلك ويطوّل
عليها ، فنهاهم الله عن ذلك
٢٩٥/٢
٤٩١٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا إسمعيل بن أبى
أويس ، عن مالك بن أنس، عن ثور بن زيد الديلى: أن رجلا كان يطلق إمرأته
ثم يراجعها ، ولا حاجة له بها ولا يريد إمساكها ، كما يطوّل عليها بذلك العدة
ليضارَّها، فأنزل الله تعالى ذكره: ((ولا تُمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك
فقد ظلم نفسه))، يُعظِّ ذلك. (١)
٤٩١٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ الفضل بن
خالد قال ، حدثنا عبيد بن سليمان الباهلى قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله :
((ولا تمسكوهن ضراراً))، هو الرجل يطلق امرأته واحدة ثم يراجعها ، ثم يطلقها ثم
يراجعها، ثم يطلقها، ليضارها بذلك ، لتختلع منه .
٤٩٢٠ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((وإذا طلقتم النساء فبلغهن أجلهنّ" فأمسكوهنّ بمعروف أو سرُّحوهن
بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آیات
اللّه هُزُواً))، قال: نزلت فى رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار، (٢) طلق
امرأته ، حتى إذا انقضت عدتها إلاّ يومين أو ثلاثة ، راجعها ، (٣) ثم طلقها ،
ففعل ذلك بها حتى مضت لها تسعة أشهر، مُضارَّةً يضارُّها، فأنزل الله تعالى
ذكره: (( ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ».
٤٩٢١ - حدثنى العباس بن الوليد قال ، أخبرنى أبى قال ، سمعت عبد العزيز
(١) الأثر: ٤٩١٧ - الموطأ: ٥٨٨، بلفظه، إلا قوله: ((يعظم ذلك)) فإنها فيه ((يعظهم
الله بذلك)). وفى المطبوعة: ((ليعظم ذلك)).
(٢) فى المطبوعة: ((ثابت بن بشار))، والصواب من المخطوطة، والدر المنثور ١: ٢٨٥،
وأسد الغابة، وذكر الخبر، ونسبه إلى الطبرى وابن المنذر .
(٣) فى المطبوعة: ((أو ثلاثاً)) والصواب من المخطوطة.

1
١
تفسير سورة البقرة : ٢٣١.
يُسأل عن طلاق الضرار فقال: يطلّق ثم يراجع، ثم يطلق ثم يراجع ، فهذا الضرار
الذى قال الله: ((ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا».
٤٩٢٢ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا فضيل
ابن مرزوق، عن عطية: ((ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا))، قال: الرجل يطلق
امرأته تطليقة ، ثم يتركها حتى تخيض ثلاث حِيض، ثم يراجعها ، ثم يطلقها
تطليقةً ، ثم يمسك عنها حتى تحيض ثلاث حيض، ثم يراجعها = (( لتعتدوا ))،
قال: لا يطاول عليهنّ.
قال أبو جعفر: وأصل ((التسريح))، من ((سَرْح القوم))، وهو ما أطلق من
نَعَمهم الرعى. يقال للمواشى المرسلة للرعمى: ((هذا سَرْح القوم))، يراد به مواشيهم
المرسلة للرعمى. ومنه قول الله تعالى، ذكره: ﴿وَاَلْأَنَْمَ خَلَقَهَاَ لَكُمْ فِيهَاَ دِفْ×
وَمَنَافِعُ وَمِنْهَاَ تَأْكُلُونَ . وَلَكُمْ فِيهَا بَالٌ حِينَ تُرِيِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾
[سورة النحل: ٦،٥]، يعنى بقوله: ((حين تسرحون))، حين ترسلونها الرعى.
فقيل للمرأة إذا خلاً ها زوجها فأبانها منه: ((سرَّحها))، تمثيلا لذلك؛ ((تسريح))
المسرِّح ماشيته الرعى ، وتشبيهاً به .(١)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى (وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ
٢
١٠
قسا )
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : ومن يراجع امرأته - بعد طلاقه
إياها فى الطلاق الذى له فيه عليها الرجعة = ضراراً بها، ليعتدى حدًّ اللّه فى أمرها،
(١) هذا دليل آخر على أن الطبرى كان أحياناً يرجى تفسير كلمة أو ينساها، لرغبته فى
الاختصار وإلا فقد مضى ((التسريح)) آنفاً فى الآية: ٢٢٩، ولم يبينه هناك.

١٢
تفسير سورة البقرة : ٢٣١
((فقد ظلم نفسه))، يعنى: فأكسبها بذلك إنما، وأوجب لها من اللّه عقوبة بذلك.
وقد بينا معنى (( الظلم)) فيما مضى ، وأنه وضع الشىء فى غير موضعه، وفعل
ما ليس للفاعل فعله .(١)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَا تَتَّخِذُوَاْ ،َآَيَتِ اللهِ هُزُوَا﴾
قال أبو جعفر : یعنی تعالى ذكره: ولا تتخذوا أعلام الله وفُصُوله بین حلاله
وحرامه، وأمره ونهيه، فى وحيه وتنزيله = استهزاءً ولعباً، فإنه قد بيَّن لكم فى تنزيله
وآى كتابه ، ما لكم من الرجعة على نسائكم ، فى الطلاق الذى جعل لكم عليهن
فيه الرجعة ، وما ليس لكم منها ، وما الوجه الجائز لكم منها ، وما الذى لا يجوز ،
وما الطلاق الذی لکم عليهن فيه الرجعة ، وما لیس لكم ذلك فيه ، و کیف وجوه
ذلك ، رحمة منه بكم ونعمة منه عليكم، ليجعل بذلك لبعضكم = من مكروه ، إن
كان، فيه من صاحبه ما يؤذيه - المخرَجَ والمخلَصَ بالطلاق والفراق، (٢) وجعل ما جعل
لكم عليهن من الرجعة سبيلاً لكم إلى الوصول إلى ما نازعه إليه ودعاه إليه هواه، بعد
فراقه إياهن منهن، لتدركوا بذلك قضاء أوطاركم منهن، إنعاماً منه بذلك عليكم،
لا لتتخذوا ما بينتلکم من ذلك فی آی کتابی وتنزیلی - تفضّلا منى ببيانه عليكم
(١) انظر مراجع ((الظلم)) فيما سلف ٤: ٥٨٤، تعليق رقم: ٢
(٢) فى المخطوطة والمطبوعة: ((ليجعل بذلك لبعضكم من مكروه إن كان فيه من صاحبه مما هو
فيه المخرج ... ))، وهى جملة لا تكاد تستقيم، وأظن أن الناسخ العجل فى هذا القسم من الكتاب،
قد عجل كعادته، فنقل ((ما يؤذيه)) ((مما هو فيه)) جعل ((الياء)) هاء، وشبك الذال فى الياء وجعلها
فاء . وسياق الجملة: ((ليجعل بذلك لبعضكم المخرج والمخلص ... من مكروه إن كان - فيه من صاحبه
ما يؤذيه)) - أى: فى هذا المكروه من صاحبه أذى له، وجملة ((فيه من صاحبه ما يؤذيه))، صفة لقوله:
(مكروه)».

١٣
تفسير سورة البقرة : ٢٣١
وإنعاماً ورحمة منى بكم - لعباً وُخْريًّا.
٢٩٦/٢
وبمعنى : ما قلنا فى ذلك قال ، أهل التأويل .
• ذكر من قال ذلك :
٤٩٢٣ - حدثیعبد الله بن أحمد بن شبّویہ قال، حدثنا أبی قال، حدثنا
أيوب بن سلمان قال ، حدثنا أبو بكر بن أبى أويس ، عن سليمان بن بلال ،
عن محمد بن أبى عتيق وموسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، عن سليمان بن أرقم :
أن الحسن حدثهم: أنّ الناس" كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطلق
الرجل أو يعتق فيقال : ما صنعت ؟ فيقول: إنما كنت لاعباً ! قال رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم: من طلَّق لاعباً أو أعتق لاعباً فقد جاز عليه = قال الحسن:
وفيه نزلت: (( ولا تتخذوا آيات اللّه هُزُوًا.(١)
٤٩٢٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ،
(١) الحديث: ٤٩٢٣ - عبد الله بن أحمد بن شبويه: مضى فى: ١٩٠٩ - أبوه ((أحمد بن
محمد بن ثابت بن عمّان الخزاعى، أبو الحسن بن شبويه)): ثقة، روى عنه ابن معين - وهو من أقرانه -
وأبو زرعة وأبو داود ، وغيرهم .
أيوب بن سليمان بن بلال التيمى : ثقة من شيوخ البخارى . يروى عن أبيه بواسطة ابن أبى أويس .
أبو بكر بن أبى أويس: هو عبد الحميد بن عبد الله بن عبد اللّه المدنى الأعشى، مضى فى: ٤٣٣٣.
سليمان بن بلال : مضى فى ٤١، ٤٣٣٣.
محمد بن أبى عتيق : هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق ، نسب إلى
((أبى عتيق)) كنية جده (محمد بن عبد الرحمن)). وهو ثقة، أخرج له البخارى فى صحيحه.
سليمان بن أرقم، أبو معاذ البصرى: ضعيف جداً، قال البخارى: ((تركوه)). وقال ابن معين:
((ليس يسوى فلساً، وليس بشىء)). وقال أبو زرعة: ((ضعيف الحديث، ذاهب الحديث)). وهو
من تلاميذ الزهرى ، ولكن الزهرى يروى عنه أحياناً ، كما فى هذا الإسناد .
وهذا الحديث ضعيف ، لإرساله ، إلى ضعف راويه سليمان بن أرقم .
وقد جاء هذا الحديث المرسل بإسناد أجود من هذا - على إرساله - : فرواه ابن أبى حاتم ، عن عصام
بن رواد، عن آدم بن أبي إياس، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن . ذكره ابن كثير ١ : ٥٥٥.
ثم أشار إلى إسناد الطبرى هنا .
وذكره السيوطى ١ : ٢٨٦، وزاد نسبته لابن أبي شيبة .

١٤
تفسير سورة البقرة : ٢٣١
عن أبيه ، عن الربيع فى قوله: ((ولا تتخذوا آيات الله هزوا))، قال: كان
الرجل يطلّق امرأته فيقول : إنما طلقتُ لاعباً ! ويتزوج أو يعتق أو يتصدق
فيقول: إنما فعلت لاعباً! فنُهوا عن ذلك، فقال تعالى ذكره: ((ولا تتخذوا
آيات اللّه هُزُواً »
٤٩٢٥ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا إسحق بن منصور، عن عبد السلام
ابن حرب ، عن يزيد بن عبد الرحمن ، عن أبى العلاء ، عن حميد بن عبد الرحمن ،
عن أبى موسى : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب على الأشعريّين - فأتاه
أبو موسى فقال: يا رسول الله، غضبت على الأشعريين! فقال : يقول أحدكم :
(((قد طلقت، قد راجعت)) !! ليس هذا طلاق المسلمين، طلقوا المرأة فى قُبْل عدتها.
٤٩٢٦ -- حدثنا أبو زيد، عن ابن شبة قال، حدثنا أبو غسان النهدى قال،
حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن يزيد أبى خالد - يعنى الدالانى - عن
أبى العلاء الأودى ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبى موسى الأشعرى ، عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: لمَ يقول أحدكم لامرأته: ((قد طلقتك ، قد
راجعتك))؟ ليس هذا بطلاق المسلمين، طلّقوا المرأة فى قُبْل طهرها. (١)
(١) الحديثان: ٤٩٢٥، ٤٩٢٦ - إسحق بن منصور السلولى - فى الإسناد الأول: ثقة،
أخرج له الأمة الستة .
و((أبو زيد عن ابن شبة)) - فى الإسناد الثانى: لم أجد فى هذه الطبقة من يعرف بأبى زيد،
ولا فى التى فوقها من يعرف بابن شبة. والظاهر أنه شيخ واحد، محرف عن ((أبى زيد عمر بن شبة)).
أبو غسان النهدى : هو مالك بن إسماعيل بن درهم ، مضى فى : ٢٩٨٩ .
يزيد بن عبد الرحمن - فى الإسناد الأول: هو ((يزيد أبو خالد الدالانى)». فى الإسناد الثانى .
مضت ترجمته فى: ٨٧٥. ووقع فى الإسناد الثانى - هنا - ((عن يزيد بن أبى خالد))، وزيادة ((بن))
خطأ .
أبو العلاء الأودى : هو داود بن عبد الله الأودى الزعافرى. وهو ثقة، وثقه أحمد ، وابن معين،
وغيرهما. وأخطأ من خلط بينه وبين ((داود بن يزيد الأودى، عن ابن إدريس)). ((الزعافرى)): نسبة
إلى ((الزعافر))، وهم بطن من ((أود)).
حميد بن عبد الرحمن الحميرى البصرى : تابعى ثقة، أخرج له الأمة الستة .

١٥٠
تفسير سورة البقرة : ٢٣١
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَذْ كُرُواْ نِعَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ
وَمَآ أَنْزَلَ عَلَيْكُمُ مِنَ الْكِتَّبِ وَالْحِكْمَةِ ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك: واذكروا نعمة الله عليكم بالإسلام
الذی أنعم علیکم به فهداكم له ، وسائر نعمه التى خصكم بها دون غيركم من
سائر خلقه، فاشكروه على ذلك بطاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه، واذكروا أيضاً
مع ذلك ما أنزل عليكم من كتابه، وذلك: القرآن الذى أنزله على نبيه محمد صلى
اللّه عليه وسلم، (١) وإذ كروا ذلك فاعملوا به واحفظوا حدوده فيه = و((الحكمة))،
يعنى: وما أنزل عليكم من الحكمة ، وهى السّين التى علمكموها رسول الله
صلى الله عليه وسلم وسنّها لكم.
والحديث رواه أيضاً البيهقى ٧ : ٣٢٣، من طريق العباس بن محمد الدورى، عن مالك بن إسماعيل،
وهو أبو غسان النهدى، عن عبد السلام بن حرب، به . وآخره عنده: ((طلقوا المرأة فى قبل طهرها)).
وقوله فى الإسناد الثانى: ((أنه قال: لم يقول أحدكم لامرأته)) - فى المطبوعة (لحم)) بدل (ولم)).
والظاهر أنها خطأ ، فصححناه من رواية البيهقى .
وإسنادا الطبرى هذان صميحان. وكذلك إسناد البيهقى. ونقله ابن كثير ١: ٥٥٤، عن إسناد
الطبرى الأولى، ثم أشار إلى الثانى . وفقله السيوطى ١: ٢٨٥ - ٢٨٦، ونسبه لابن ماجة، وابن جرير ،
والبيبقى. ثم نقله بنحوه ٦: ٢٣٠، ونسبه لعبد بن حميد، وابن مردويه .
ورواية ابن ماجة ليست بهذا اللفظ، ولا من هذا الوجه. فرواه ابن ماجة: ٢٠١٧ ، عن
محمد بن بشار ، عن مؤمل بن إسمعيل ، عن سفيان، عن أبي إسحق ، عن أبي بردة ، عن أبى موسى ،
مرفوعاً: ((ما بال أقوام يلعبون بحدود الله؟ يقول أحدهم: قد طلقتك، قد راجعتك، قد طلقتك !! ).
وقال البوصيرى فى زوائده: ((إسناده حسن، مؤمل بن إسمعيل اختلف فيه، فقيل: ثقة . وقيل: كثير
الخطأ، وقيل: منكر الحديث)).
وقد أخطأ البوصيرى من وجهين - فإن مؤمل بن إسمعيل ثقة، كما بينا فى: ٢٠٥٧. ثم هو لم ينفرد
بروايته حتی یمل به .
فقد رواه البيهقى ٧ : ٣٢٢، من طريق موسى بن مسعود الهدى، عن سفيان، وهو الثورى،
بهذا الإسناد. ثم رواه أيضاً من طريق مؤمل بن إسمعيل، عن الثورى. وموسى بن مسعود: ثقة، كما
بينا قى : ٢٨٠، ١٦٩٣ .
(١) فى المطبوعة: ((من كتابه ذلك القرآن))، وهو سهو من الكاتب والصواب من المخطوطة

١٦
تفسير سورة البقرة : ٢٣١
وقد ذكرت اختلاف المختلفين فى معنى ((الحكمة)) فيما مضى قبل فى قوله :
﴿وَيُعَلَّهُمُ الْكِتَابَ وَالْحَكْمَةَ﴾ (١) [ سورة البقرة: ١٢٩]، فأغنى عن إعادته فى
هذا الموضع. (٢)
٥
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يَسِطُكُ بِهِ وَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَعْلَمُواْ
أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (٦)
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بقوله: (( يعظكم به ))، يعظكم بالكتاب
الذى أنزل عليكم = والهاء التى فى قوله: (( به))، عائدة على الكتاب .
((واتقوا الله))، يقول: وخافوا اللّه = فيما أمركم به وفيما نها كم عنه فى كتابه الذى
أنزله عليكم، وفيما أنزله فبيَّنه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم لكم = أن تضيعوه
وتتعدوا حدوده ، فتستوجبوا ما لا قِبل لكم به من أليم عقابه ونكال عذابه .
وقوله: ((واعلموا أن الله بكل شىء عليم))، يقول: واعلموا أيها الناس أن
ربكم = الذى حدّ لكم هذه الحدود ، وشرع لكم هذه الشرائع ، وفرض عليكم
هذه الفرائض، فى كتابه وفى تنزيله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم = بكل ما أنتم
عاملوه - من خير وشر، وحسن وسيئء ، وطاعة ومعصية - عالمٌ لا يخفى عليه من
ظاهر ذلك وخفيّه، وسرّه وجهره، شىء، وهو مجازيكم بالإحسان إحساناً
وبالسيىء سيّئاً، إلا أن يعفو ويصفح ، فلا تتعرضوا لعقابه وتظلموا أنفسكم. (٣)
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ويعلمكم الكتاب))،، وصوابها هنا ما أثبت.
(٢) انظر ما سلف ٣ : ٨٧، ٨٨ ٠
(٣) فى المطبوعة: ((ولا تظلموا أنفسكم))، والصواب من المخطوطة بحذف ((لا)).

١٧
تفسير سورة البقرة : ٢٣٢
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَ إِذا ◌َلَّقْتُمُ الْسَآءَ قَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ
فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنِكِحْنَ أَزْوُجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ﴾
قال أبو جعفر: ذُكرأن هذه الآية نزلت فى رجل كانت له أختٌ كان
زوَّجها من ابن عمّ لها فطلَّقها، وتركها فلم يراجعها حتى انقضت عدَّتها، ثم
خطبها منه، فأبى أن يزوجها إياه ومنعها منه، وهى فيه راغبة .
٥ ٥
ثم اختلف أهل التأويل فى الرجل الذى كان فعل ذلك، فنزلت فيه هذه الآية.
فقال بعضهم كان ذلك الرجل: ((مَعقيل بن يسار المُزَنى)).
ذكر من قال ذلك :
٤٩٢٧ ۔۔ حدثنى محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد،
عن قتادة ، عن الحسن ، عن معقل بن يسار قال : كانت أخته تحتَ رجل
فطلَّقها، ثم خلا عنها ، (١) حتى إذا انقضت عدتها خطبها، فحَمِىَ معقل من
ذلك، أنَفاً، (٢) وقال: خلاعنها وهو يقدر عليها !! (١) فحال بينه وبينها، فأنزل
الله تعالی ذ کره: « وإذا طلقتم النساء فبلغنأجلهن فلاتعضُلوهن أن ینکحن أزواجهن
إذا تراضوا بينهم بالمعروف)). (٣)
(١) خلا عن الشىء: تركه . وهذا الفعل الثلاثى قلما تصيبه واضحاً فى كتب اللغة، ولكنه عربى
معرق . وقد جاء فى ثنايا العبارة فى مادة ( خلا) من لسان العرب، وأتى به واضحاً الشيرازى فى معيار
اللغة . والرواية الآتية تدل على صحة معناه كذلك. وهكذا جاء فى مخطوطة الطبرى ومطبوعته ((خلا)) ثلاثياً فى
الموضعين، وجاء فى رواية البخارى التى سنذكرها بعد ((خَلَى عَنْها )) فى الموضعين، وهى بمعناها .
(٢) قال ابن حجر فى الفتح: ((حى - بكسر ثانية، وأنفاً، بفتح الهمزة والنون، أى
ترك الفعل غيظاً وترفعاً)) وحمى: أخذته الحمية، وهى الأنفة والغيرة .
(٣) الأثر: ٤٩٢٧ - أخرجه البخارى بروايته عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى ( الفتح
٩ : ٤٢٥ - ٤٢٦)، وفى رواية البخارى زيادة: («فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ عليه،
فترك الحمية واستقاد لأمر الله)). وستأتى فى مرسل قتادة الآتى برقم: ٤٩٣٠، وسأشرحها فى التعليق هناك.
ج، ( ٢)
٢٩٧/٢

١٨
تفسير سورة البقرة : ٢٣٢
٤٩٢٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن الفضل بن دَلْهَم ،
عن الحسن ، عن معقل بن يسار : أن أخته طلَّقها زوجها، فأراد أن يراجعها ،
فمنعها معقل، فأنزل الله تعالى ذكره: ((وإذا طلقتم النساء فبلغنَ أجلهن فلا
تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن)) إلى آخر الآية. (١)
٤٩٢٩ - حدثنا محمد بنعبد الله المحرّمیّ قال،حدثنا أبو عامر قال ، حدثنا
عبّاد بن راشد قال ، حدثنا الحسن قال ، حدثنى معقل بن يسار قال : كانت
لى أخت تُخطب وأمنعها الناسَ، حتى خطب إلىّ ابنُ عم لى فأنكحتها، فاصطحبا
ما شاء اللّه ، ثم إنه طلقها طلاقاً له رجعة ، ثم تركها حتى انقضت عدتها ، ثم
خُطبت إلىّ ، فأتانى يخطبها مع الخطاب، فقلت له: خُطبت إلىّ فمنعتها الناس ،
فآ ثرتك بها ، ثم طلقت طلاقاً لك فيه رجعة، فلما خُطبت إلىّ أتيتنى تخطيها مع
الخطاب! والله لا أنكحها أبداً! قال: ففىّ نزلت هذه الآية: ((وإذا طلقتم
النساء فبلغن أجلهن فلا تعضُلوهنّ أن ينكحنْ أزواجهن إذا تراضوا بينهم
بالمعروف))، قال: فكفَّرت عن يمينى، وأنكحتُها إياه. (٢)
٤٩٣٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ فلاتعضلوهن أن ینکحن أزواجهن إذا
(١) الأثر: ٤٩٢٨ - أخرجه الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٨٠ وقال: ((هذا حديث صحيح
الإسناد. ولم يخرجاه))، وعقّب عليه الذهبى فقال: ((الفضل، ضعفه ابن معين، وقواه غيره)). بيد أن
ابن أبى حاتم ذكر فى ترجمته فى الجرح والتعديل ٦١/٢/٣: ((سئل يحيى بن معين عن الفضل بن دلم
فقال: حديثه صالح)) وانظر الاختلاف فى أمر الفضل فى ترجمته فى التهذيب.
(٢) الأثر: ٤٩٢٩ - ((محمد بن عبد الله بن المبارك القرشى المخرمى)) (بضم الميم وفتح الخاء
وتشديد الراء المكسورة، نسبة إلى ((المخرم))، وهى محلة كانت ببغداد، بين الرصافة ونهر المعلى.
توفى ببغداد سنة ٢٦٠، قال النسائى: ((كان أحد الثقات، ما رأينا بالعراق مثله)). وقال الدارقطى:
(( ثقّة جليل متقن)). وقد مضت رواية الطبرى عنه رقم: ٣٧٣٠. وكان فى المطبوعة: ((المخزومى)).
وهذا الأثر ، أخرجه البخارى بروايته عن عبيد الله بن سعيد، عن أبى عامر العقدى ، ولم يذكر
إلا صدر الخبر، ليثبت به تحديث الحسن عن معقل لقوله: ((حدثنى معقل بن يسار)) (فتح البارى
٨ : ١٤٣). وأخرجه أبو داود، بروايته عن محمد بن المفى، عن أبي عامر العقدى، وهو مختصر.

١٩
تفسير سورة البقرة : ٢٣٢
تراضوا بينهم بالمعروف))، ذكر لنا أن رجلا طلق امرأته تطليقة، ثم خلاعنها
حتى انقضت عدتها ، ثم قرَّب بعد ذلك يخطبها = والمرأة أخت معقل بن يسار =
فأنِف من ذلك معقلُ بن يسار، وقال : خلا عنها وهى فى عدتها ، ولو شاء
راجعها ، ثم يريد أن يراجعها وقد بانتْ منه ! فأبى عليها أن يزوجها إياه. وذُكر
لنا أن نبى الله، لما نزلت هذه الآية، دعاه فتلاها عليه، فترك الحمية واستقاد
لأمر الله . (١)
٤٩٣١ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
يونس ، عن الحسن قوله تعالى: ((وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ فلا تعضلوهن))،
إلى آخر الآية ، قال : نزلت هذه الآية فى معقل بن يسار . قال الحسن: حدثنى
معقل بن يسارُ أنها نزلت فيه ، قال : زوَّجت أختاً لى من رجل فطلَّقها، حتى
إذا انقضت عدتها جاء يخطُبها، فقلت له: زوَّجتك وفَرَشتُك أختى وأكرمتك، ثم
طلّقتها، ثم جئت تخطبها !لا تعود إليك أبداً! قال: وكان رجُل صدق لا بأس به،
وكانت المرأة تحب أن ترجعَ إليه، قال الله تعالى ذكره: ((وإذا طلقتم النساء
فبلغن أجلهنَّ فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنّ إذا تراضوا بينهم بالمعروف)).
قال ، فقلت : الآن أفعل یا رسول الله ! فزوَّجتُها منه. (٢)
(١) الأثر: ٤٩٣٠ - هو إسناد الطبرى الدائر فى التفسير، من تفسير قتادة، بيد أنه
من معنى رواية قتادة عن الحسن ، رقم : ٤٩٢٧، وفى آخر الزيادة التى أشرنا إليه فى رواية البخارى
للأثر السالف. و((الحمية)) الأنفة والغضب. واستقاد للشىء، أذعن وأطاع، من «قاد الدابة يقودها)) ..
أى ألقى بقياده غير جامح ولا معاند .
(٢) الأثر: ٤٩٣١ - أخرجه البخارى. قال: ((حدثنا أحمد بن أبى عمر، قال حدثنا أبى،
قال حدثنى إبرهيم، عن يونس)) و((أحمد بن أبى عمر)) هو: أحمد بن حفص بن عبد الله بن راشد .
و ((إبراهيم)" هو: ((إبراهيم بن طهمان، و((يونس)) هو: يونس بن عبيد (الفتح ٩: ١٦٠) وقد
استقصى الكلام فيه الحافظ ابن حجر، ثم ذكره فى ( الفتح ٨: ١٤٣)، وأخرجه الحاكم فى المستدرك
٢ : ١٧٤، والبيبقى فى السنن ٧ : ١٣٨، كلاهما من طريق أحمد بن حفص بمثل رواية البخارى،
وهى مثل رواية الطبرى، وإن كان فيها خلاف فى بعض اللفظ، كما أشار إليه الحافظ فى الفتح ،
وذكر « فيه من الروايات .

٢٠
تفسير سورة البقرة : ٢٣٢
٤٩٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا أبو بكر
الهذلى ، عن بكر بن عبد الله المزنى قال : كانت أخت معقل بن يسار تحت
رجُل فطلَّقها، فخطب إليه فمنعها أخوها، (١) فنزلت: ((وإذا طلقتم النساء فبلغن
أجلهن)) إلى آخر الآية .
٤٩٣٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ فلا تعضلوهن
أن ينكحن أزواجهن)) الآية ، قال : نزلت فى امرأة من مزينة طلقها زوجُها
وأُبِينت منه، فنكحها آخر، فعضَلها أخوها معقلُ بن يسار، يُضارُّها خيفةَ أن
ترجع إلى زوجها الأول = قال ابن جريج ، وقال عكرمة : نزلت فى معقل بن
يسار. قال ابن جريج: أخته جمل ابنة يسار، كانت تحت أبى البدَّاح، (٢)
طلَّقها ، فانقضت عدتها ، فخطبها ، فعضلها معقل بن يسار .
٢٩٨/٢
٤٩٣٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: (( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا
تعضلوهن" أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف))، نزلت فى امرأة من
مزينة طلَّقها زوجُها، فعضلها أخوها أن ترجع إلى زوجها الأول = وهو معقل بن
يسار أخوها .
وههنا خلاف لم يذكره الحافظ فى قوله: ((فرشتك أختى))، فهكذا هو فى المخطوطة والمطبوعة، وفى
المستدرك والذهبى جميعاً، وفى سائر الروايات ((أفرشتك))، وهما صواب فى العربية جميعاً. من قولهم: («فرشت
فلاناً بساطاً وأفرشته إياه)): إذا بسطته له. وفرش له أخته وأفرشها له: جعلها له فراشاً. والفراش كناية
عن المرأة .
(١) فى المخطوطة: ((إخوتها))، والذى فى المطبوعة أحرى بالصواب، لمشاكلته سائر الروايات.
(٢) فى المطبوعة: ((جميل)) بوزن التصغير، كما قال ابن حجر فى الفتح والإصابة (٩: ١٦٠)
والذى فى المخطوطة مضبوط بالقلم ((حمل)) بضم الجيم. وقد ذكرها فيه أيضاً وفى الإصابة (بضم أوله وسكون
الميم). وقال ابن حجر أنه وقع فى تفسير الطبرى (جميل))، ولكن هذه المخطوطة شاهدة على اختلاف نسخ
الطبرى. واختلف فى اسمها واسم ((أبى البداح)) اختلاف طويل، فراجعه فى فتح البارى ٩: ١٦٠، والإصابة.
وسيأتى فى رقم: ٤٩٣٦ أن اسمها ((فاطمة)).