Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
; ((الصدُّ عن سبيل الله)) مرفوع بقوله: ((أكبر عند الله)). وقوله: ((وإخراج
أهله منه)) عطف على ((الصد)). ثم ابتدأ الخبر عن الفتنة فقال: ((والفتنة أكبر
من القتل))، يعنى الشرك أعظم وأكبرُ من القتل، (١) يعنى: منْ قتل ابن الحضرمىّ
الذى استنكرتم قتله فى الشهر الحرام .
٠
قال أبو جعفر: وقد كان بعض أهل العربية يزعم أن قوله: ((والمسجد
الحرام)) معطوف على (( القتال))، وأن معناه: يسألونك عن الشهر الحرام ، عن
قتال فيه، وعن المسجد الحرام، فقال الله جل ثناؤه: ((وإخراجُ أهلِه منه أكبر
عند الله)) من القتال فى الشهر الحرام. (٢)
وهذا القول، مع خروجه من أقوال أهل العلم، قولٌ لا وجه له . لأن القوم
لم يكونوا فى شك من عظيم ما أتى المشركون إلى المسلمين فى إخراجهم إياهم من منازلهم
بمكة ، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إخراج المشركين
إياهم من منازلهم، وهل ذلك كان لهم؟ بل لم يدَّع ذلك عليهم أحدٌ من المسلمين، ولا
أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وإذا كان ذلك كذلك ، فلم
يكن القوم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عمدًّا ارتابوا بحكمه، (٢) كارتيابهم
فى أمر قتل ابن الحضرمى، إذ ادَّعوا أن قاتله من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم قتله فى الشهر الحرام ، فسألوا عن أمره لارتيابهم فى حكمه . فأما إخراجُ
المشركين أهل الإسلام من المسجد الحرام ، فلم يكن فيهم أحدٌ شاكًّا أنه كان
ظلماً منهم لهم، فيسألوا عنه . ولا خلاف بين أهل التأويل جميعاً أن هذه الآية نزلت
(١) انظر معنى ((الفتنة)) فيما سلف ٣: ٥٦٥، ٥٦٦ / ثم ٥٧١،٥٧٠، وفهرس اللغة فى الأجزاء
السالفة .
(٢) هذه مقالة الفراء فى معانى القرآن ١: ١٤١.
(٣) فى المطبوعة: ((وإذا كان ذلك كذلك، ولم يكن القوم سألوا رسول الله ... )) والصواب
ما أثبت ، وإلا اختل الكلام اختلالا شديداً .

٣٠٢
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سبب قتل ابن الحضرمى وقاتله.
• ذكر الرواية عمن قال ذلك :
٤٠٨٢ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحق
قال ، حدثنى الزهرى ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قال : بعث رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم عبد اللّه بن جحش فى رجب مَفْفَلَه من بدر الأولى ، وبعث
معه بثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد . وكتب له كتاباً ،
وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ، ثم ينظر فيه فيمضى لما أمره ، ولا يستكره
من أصحابه أحداً .
= وكان أصحابُ عبد الله بن جحش من المهاجرين . من بنى عبد شمس :
أبو حذيفة [ بن عتبة ] بن ربيعة - (١) ومن بنى أمية،- بن عبد شمس، ثم من
حلفائهم : عبد الله بن جحش بن رئاب ، وهو أمير القوم ، وعكاشة بن محصن
ابن حُرثان أحد بنى أسد بن خزيمة - ومن بنى نوفل بن عبد مناف : عتبة بن
غزوان ، حلیف لهم - ومن بنی زهرة بن کلاب : سعد بن أبى وقاص ۔۔ ومن بنی
عدى بن كعب : عامر بن ربيعة ، حليف لهم ، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف
ابن عرین(٢) بن ثعلبة بن یربوع بن حنظلة،وخالد بن البکیر ،أحد بی سعد بن
ليث ، حليف لهم - ومن بنى الحارث بن فهر : سهيل بن بيضاء
= فلما سار عبدُ اللّه بن جحش يومين ، فتح الكتاب ونظر فيه ، فإذا فيه :
((إذا نظرت فى كتابى هذا، (٣) فسرْ حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف،
(١) الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام، ونص ابن هشام: ((أبو حذيفة بن عتبة بن
ربيعة بن عبد شمس - ومن حلفائهم: عبد اللّه بن جحش)) بإسقاط: ((ومن بنى أمية)) فتركت ما فى
الطبرى على حاله ، لأنه صحيح المعنى أيضاً .
(٢) فى المطبوعة: (( ... عبد الله بن مناة بن عويم))، وأثبت ما فى نص ابن هشام وهو
الموافق لما أجمعت عليه كتب السير والأنساب .
(٣) فى المطبوعة: ((إذا نظرت إلى كتابى ... ))، وأثبت ما فى ابن هشام وتاريخ الطبرى،
وهو الصواب .

٣٠٣
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
فترصَّد بها قريشاً وتعلَّمْ لنا من أخبارهم)) . فلما نظر عبد الله بن جحش فى الكتاب
قال: ((سمعاً وطاعة))، ثم قال لأصحابه: قد أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن أمضى إلى نخلة ، فأرصد بها قريشاً حتى آتيه منهم بخبر ، وقد نهانى أن أستكره
أحداً منكم ، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ، ومن كره ذلك
فليرجع ، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فمضى ومضى معه
أصحابه، فلم يتخلَّف عنه [منهم ] أحد. وسلك على الحجاز، حتى إذا كان بمعدن
فوق الفُرع يقال له بُحْران، (١) أضلّ سعد بن أبى وقاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما
كانا عليه يعتقِبانه، (٢) فتخلَّفا عليه فى طلبه . ومضى عبد الله بن جحش وبقية
أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عيرٌ لقريش تحمل زبيباً وأدماً وتجارةً من تجارة
قريش ، (٣) فيها منهم : عمرو بن الحضرمى، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ، وأخوه
نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزوميان ، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة .
فلما رآهم القوم هابوهم ، وقد نزلوا قريباً منهم . فأشرف لهم عكاشة بن محصن ،
وقد كان حلق رأسه ، فلما رأوه أمنوا وقالوا: مُمّار! فلا بأس علينا منهم . (٤)
وتشاور القوم فيهم، وذلك فى آخر يوم من جمادى، (٥) فقال القوم: والله لئن تركتم
القومَ هذه الليلة ليدخُلُنَّ الحرم فليمتنعُنَّ به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلهم فى
٢٠٣/٢
(١) فى المطبوعة: ((نجران))، وهو خطأ صرف.
(٢) ((يعتقبانه)): أى يركبه هذا عقبة وهذا عقبة، أى هذا نوبة وهذا نوبة.
(٣) العير: القافلة من الإبل والحمير والبغال تخرج الميرة، فيمتار عليها. والأدم جمع أديم:
وهو الجلد المدبوغ .
(٤) عمار: معتمرون. والاعتمار والعمرة زيارة البيت الحرام، وأداء حقه، فى أى شهر كان. وهو
غير الحج. يقال عنه ((اعتمر))، ولم يسمع ((عمر))، ولكن جاء (عمار)) جمع ((عامر)) على هذا الثلاثى
المتروك .
(٥) هكذا فى المطبوعة: ((آخريوم من جمادى))، وفى نص ابن هشام وتاريخ الطبرى،
( آخر يوم من رجب))، وهو أصح النصين، ولم أغيرها ، لأنه سيأتى بعد ما يدل على أن الرواية هنا
.هكذا .

٣٠٤
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
الشهر الحرام ! فتردّد القوم فهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا عليهم ، وأجمعوا على
قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم . فرمى واقدُ بن عبد الله التميمى عمرو بن
الحضرمىّ بسهم فقتله، واستأسرّ عثمان بن عبد اللّه والحكم بن كيسان، وأفلت
نوفل بن عبد الله فأعجزهم .
= وقدم عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله
صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وقد ذكر بعض آل عبد اللّه بن جحش: أنّ عبد اللّه
ابن جحش قال لأصحابه: إنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمتم الخِمُس.
وذلك قبل أن يُفرضُ الخمس من الغنائم ، فعزل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
مُمس العير ، وقسم سائرها على أصحابه . فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام ! فوقف العير والأسيرين ، وأبى أن يأخذ
من ذلك شيئاً . فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، سُقْط فى أيدى القوم،
وظنوا أنهم قد هلكوا ، وعنَّفهم المسلمون فيما صنعوا وقالوا لهم: صنعتم ما لم تؤمروا
به ، وقاتلتم فى الشهر الحرام ولم تؤمروا بقتال ! وقالت قريش: قد استحلّ محمد
وأصحابه الشهر الحرام ، فسفكوا فيه الدمَ، وأخذوا فيه الأموال ، وأسروا [ فيه
الرجال ]! (١) فقال من يردُّ ذلك عليهم من المسلمين ممن كان بمكة : إنما أصابوا
ما أصابوا فى جمادى! (٢) وقالت يهود - تتفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه
وسلم -: عمرو بن الحضرمى قتله واقد بن عبد الله!((عمرو))، عمرت الحرب!
و ((الحضرمىّ))، حَضَرَت الحربُ! و((واقد بن عبد اللّه))، وقدت الحرب! فجعل
الله عليهم ذلك وبهم .
= فلما أكثر الناسُ فى ذلك، أنزل الله جل وعز على رسوله: « يسألونك عن
(١) الزيادة بين القوسين من نص ابن هشام، وتاريخ الطبرى.
(٢) انظر ص: ٣٠٣ التعليق: ٥، ونص ابن هشام والطبرى ((فى شعبان)»

٣٠٥
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
الشهر الحرام قتال فيه))، أى: عن قتال فيه ((قل قتال فيه كبيرٌ) إلى قوله: ((والفتنة أكبر
من القتل)) ، أى: إن كنتم قتلتم فى الشهر الحرام، فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به،
وعن المسجد الحرام، وإخراجُكم عنه إذا أنتم أهله وولاته، أكبرُ عند اللّه من قتل
من قتلتم منهم، ((والفتنة أكبر من القتل))،أى: قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه
حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، وذلك أكبر عند الله من القتل= ((ولا يزالون يقاتلونكم
حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا)) ، أى : هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه
غير تائبين ولا نازعين. فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرَّج اللّه عن المسلمين
ما كانوا فيه من الشَّفَق، (١) قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم العيرّ والأسيرين. (٢)
٤٠٨٣ ۔۔ حدثی موسی بن هرون قال ،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط عن السدى: (( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبيرٌ)) ،
وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية - وكانوا سبعةَ نفر - وأمَّر
عليهم عبد اللّه بن جحش الأسدى، وفيهم عمار بن ياسر ، وأبو حذيفة بن عتبة
ابن ربيعة ، وسعد بن أبى وقاص ، وعتبة بن غزوان السلمی حليف لبنى نوفل ،
وسهيل بن بيضاء ، وعامر بن فهيرة ، وواقد بن عبد اللّه اليربوعى ، حليفٌ لعمر
ابن الخطاب. وكتب مع ابن جحش كتاباً وأمره أن لا يقرأه حتى ينزل [ بطن ]
مَكَل ، (٣) فلما نزل ببطن ملل فتحّ الكتاب، فإذا فيه : أن سِرْ حتى تنزل بطن
نخلة ، (٤) فقال لأصحابه : من کان یرید الموت فليمضِ ولیوص ، فإنى موصٍ
وماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم . فسار وتخلّفعنه سعد بن أبى وقاص
(١) الشفق ( بفتح الشين والفاء) والإشفاق : الخوف والحذر .
(٢) الأثر: ٤٠٨٢ - هو نص ابن هشام فى السيرة عن ابن إسحق ٢: ٢٥٢ - ٢٥٤، ورواه
الطبرى فى تاريخه ٢ : ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٣) الزيادة بين القوسين من رواية الطبرى فى تاريخه .
(٤) فى تاريخه: ((بطن نخل)) فى هذا الموضع منه، وفيما يليه ((بطن نخلة)).
ج : (٢٠)

٣٠٦
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
وعتبة بن غزوان، أضلاً راحلةً لهما، فأتيا بُحران يطلبانها، (١) وسار ابن جحش إلى
بطن نخلة ، فإذا هم بالحكم بن كيسان، وعبد الله بن المغيرة ، والمغيرة بن عثمان ،
عمرو بن الحضرمى، فاقتتلوا ، فأسَرُوا الحكم بن كيسان ، وعبد الله بن المغيرة ،
وانفلت المغيرة، وقُتل عمرو بن الحضرمىّ، قتله واقد بن عبد الله . فكانت أوّل
غنيمة غنمها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
= فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما غنموا من الأموال ، أراد أهل مكة أن
يفادوا بالأسيرين ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : حتى ننظر ما فعل صاحبانا !
فلما رجع سعد وصاحبه فادَى بالأسيرين . ففجر عليه المشركون وقالوا : محمد
يزعم أنه يتّبع طاعة الله، وهو أول من استحلَّ الشهر الحرام ، وقتل صاحبنا فى
رجب ! فقال المسلمون: إنما قتلناه فى جمادى ! - وقيل: فى أول ليلة من
رجب ، وآخر ليلة من جمادى - وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل رجب . فأنزل
الله جل وعز يعيِّر أهل مكة: ((يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه
كبير)) لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل فى الشهر الحرام،
حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمداً وأصحابه، وإخراجُ أهل المسجد الحرام منه،
حين أخرجوا محمداً، أكبر من القتل عند اللّه، والفتنة - هى الشرك .. أعظم عند الله
من القتل فى الشهر الحرام، فذلك قوله: (( وصد عن سبيل الله وكفرٌ به والمسجد
الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند اللّه والفتنة أكبر من القتل)).(٢)
٤٠٨٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعانى قال، حدثنا المعتمر بن
سليمان التيمى، عن أبيه: أنه حدثه رجل ، عن أبى السوار ، يحدثه عن جندب
ابن عبد اللّه، عن سول الله صلى الله عليه وسلم: أنه بعث رَهطاً، فبعثَ عليهم
٢٠٤/٢
(١) فى المطبوعة: ((نجران))، وهو خطأ، مضى مثله ص: ٣٠٣ والصواب من التاريخ.
(٢) الأثر: ٤٠٨٣ - رواه الطبرى فى تاريخه ٢ : ٢٦٣ - ٢٦٤.

٣٠٧
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
أبا عبيدة . فلما أخذ لينطلق ، بكى صَّبابةً إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
فبعث رجلاً مكانه يقال له عبد اللّه بن جحش ، وكتب له كتاباً ، وأمره أن
لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ كذا وكذا: «ولا تكرهّن أحداً من أصحابك على السير
معك)). فلما قرأ الكتاب استرجعَ وقال: سمعاً وطاعة لأمر الله ورسوله ! فخبّرهم
الخبر وقرأ عليهم الكتاب ، فرجع رجلان ومضى بقيتهم . فلقوا ابن الحضرمى فقتلوه ،
ولم يدروا ذلك اليوم : أمن رَجب أو من جمادى؟ فقال المشركون للمسلمين :
فعلتم كذا وكذا فى الشهر الحرام !فأتوا النبى صلىالله عليه وسلم فحد توه الحديث،
فأنزل الله عز وجل: ((يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ
وصدٌّ عن سبيل اللّه وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر عند اللّه والفتنة
أكبرُ من القتل)) - والفتنة هى الشرك". وقال بعضُ الذين - أظنه قال -: كانوا
فى السرية: والله ما قتله إلا واحد ! فقال : إن يكن خيراً فقد ولیت ! وإن يكن
ذنباً فقد عملت !(١)
٤٠٨٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه)» ،
قال : إن رجلا من بني تميم أرسله النبى صلى اللّه عليه وسلم فى سرية ، فمرّ بابن
الحضرمىّ يحمل خمراً من الطائف إلى مكة ، فرماه بسهم فقتله . و کان بین قریش
ومحمد عَقْدٌ، فقتله فى آخر يوم من جمادى الآخرة وأول يوم من رجب، فقالت
قريش: فى الشهر الحرام! ولنا عهد! فأنزل الله جل وعز: ((قتالٌ فيه كبير وصدّ
عن سبيل اللّه وكُفر به)) وصد عن المسجد الحرام ((وإخراجُ أهله منه أكبر
عند الله)) من قتل ابن الحضرمىّ، والفتنة كفرٌ بالله، وعبادة الأوثان أكبر من
هذا كله .
(١) الأثر: ٤٠٨٤ رواه الطبرى فى تاريخه ٢: ٢٦٤ - ٢٦٥ - وسيأتى تمامه برقم: ٤١٠٢

٣٠٨
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
٤٠٨٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ،
عن الزهرى وُعثمان الجزريّ، وعن مقسم مولى ابن عباس قال: لقى واقد بنُ عبد اللّه
عمرو ابنَ الحضرمىّ فى أول ليلة من رجب ، وهو يرى أنه من جمادى ، فقتله ،
وهو أول قتيل من المشركين. فعيّر المشركون المسلمين فقالوا : أتقتلون فى الشهر
الحرام ! فأنزل الله: (( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير
وصدّ عن سبيل اللّه وكفرٌ به والمسجد الحرام)) - يقول: وصد عن سبيل اللّه وكفرٌ
بالله = ((والمسجد الحرام)) = وصد عن المسجد الحرام = ((وإخراج أهله منه أكبر
عند الله))، من قتل عمرو بن الحضرمىّ = ((والفتنة))، يقول: الشرك الذى أنتم فيه
أكبر من ذلك أيضاً = قال الزهرى وكان النبى صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا يحرّم
القتالَ فى الشهر الحرام، ثم أحِلّ [ له] بعدُ.(١)
٤٠٨٧ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ
فيه قل قتالٌ فيه كبير )) ، وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
وردُّوه عن المسجد الحرام فى شهر حرام ، ففتح الله على نبيه فى شهر حرام من العام
المقبل. فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتالَ فى شهر حرام،
(١) الحديث : ٤٠٨٦ - هذا حديث مرسل، مروى بإسنادين عن اثنين من التابعين، هما:
الزهرى ومقسم مولى ابن عباس .
فرواه معمر عن الزهرى ، ورواه عن عثمان الجزرى عن مقسم . وهو ثابت فى تفسير عبد الرزاق ،
ص: ٢٦. وزدنا منه [الواو]، فى قوله: ((ومن مقسم))، وكلمة [ له] فى آخر الحديث
فى قوله (( ثم أحل [ له] بعد)).
وعثمان الجزرى: هو ((عثمان بن ساج))، ترجم له ابن أبى حاتم ١٥٣/١/٣، وهو غير «عمان
ابن عمرو بن ساج.)) الذى ترجم له ابن أبى حاتم ١٦٢/١/٣. وقد خلط بينهما الحافظ المزى فى
التهذيب ، وتعقبه الحافظ ابن حجر. وانظر ما كتبنا فى ذلك ، فى شرح المسند : ٢٥٦٢.
مقسم - بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين - : هو ابن بجرة ، مولى عبد اللّه بن الحارث بن
نوفل، وإنما قيل له ((مولى ابن عباس)» الزومه له . وهو تابعى ثقة.

٣٠٩
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
فقال الله جل وعز: ((وصدَّ عن سبيل اللّه وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراج أهله
منه أكبر عند الله)) من القتل فيه = وأنّ محمداً بعث سرية ، فلقوا عمرو بن
الحضرمى وهو مقبل من الطائف آخر ليلة من جمادى ، وأول ليلة من رجب- وأن
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أنّ تلك الليلة من جمادى، وكانت
أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجلٌ منهم واحدٌ = وأنّ المشركين أرسلوا يُعيرونه
بذلك فقال الله جل وعز: ((يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه
كبير)) وغير ذلك أكبر منه، ((صد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج
أهله منه)» إخراجُ أهل المسجد الحرام أكبر من الذى أصاب محمدٌ، والشرك
باله أشدّ .
٤٠٨٨ - حدثنا أحمد بن إحتى قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان،
عن حصين، عن أبى مالك: قال لما نزلت: ((يسألونك عن الشهر الحرام قتال
فيه قل قتالٌ فيه كبير)) إلى قوله: ((والفتنة أكبرُ من القتل))، استكبروه . فقال:
والفتنة = الشرك الذى أنتم عليه مقيمون - أكبر مما استكبرتم .
٤٠٨٩ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن حصين ، عن أبى مالك الغفارى قال: بعث رسول الله صلى الله
عليه وسلم عبد اللّه بن جحش فى جيش ، فلقى ناساً من المشركين ببطن نخلة ،
والمسلمون يحسبون أنه آخر يوم من جمادى وهو أول يوم من رجب، فقتل المسلمون
ابنَ الحضرمىّ، فقال المشركون: ألستم تزعمون أنكم تحرِّمون الشهر الحرام والبلد
الحرام ، وقد قتلتم فى الشهر الحرام! فأنزل الله: ((يسألونك عن الشهر الحرام قتال
فيه قل قتالٌ فيه)) إلى قوله ((أكبر عند اللّه)) من الذى استكبرتم من قتل ابن
الحضرمى، و((الفتنة)) التى أنتم عليها مقيمون، يعنى الشرك ـ ((أكبر من القتل)).
٤٠٩٠ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
٢٠٠/٢

٣١٠
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
قتادة قال: وكان يسميها(١) - يقول: لفى واقدُ بن عبد اللّه التميمى عمرو بن
الحضرمى ببطن نخلةَ فقتله .
٤٠٩١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قلت لعطاء قوله: (( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه » ،
فيمن نزلت ؟ قال : لا أدرى - قال ابن جريح: وقال عكرمة ومجاهد: فى عمرو
ابن الحضرمى . قال ابن جريج، وأخبرنا ابن أبى حسين، عن الزهرى ذلك أيضاً .
٤٠٩٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال: قال مجاهد: (( قل قتال فيه كبيرٌ وصد عن سبيل اللّه وكفر به
والمسجد الحرام))، - قال: يقول: صدٌ عن المسجد الحرام ((وإخرج أهله
منه)) - فكل هذا أكبر من قتل ابن الحضرمى - ((والفتنة أكبر من القتل)) - كفرٌ
باللّه وعبادة الأوثان ، أ کبرُ من هذا كله .
٤٠٩٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال ، سمعت أبا معاذ الفضل
ابن خالد ، قال أخبرنا عبيد بن سليمان الباهلى ، قال سمعت الضحاك بن مزاحم
يقول فى قوله: (( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ فيه كبير ))، كان
أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قتلوا ابن الحضرمى فى الشهر الحرام ، فعيّر المشركون
المسلمين بذلك، فقال الله: قتال فى الشهر الحرام كبير ، وأكبر من ذلك صد
عن سبيل الله وكفرٌ به، وإخراجُ أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام.
٠٠٠
قال أبو جعفر : وهذان الخيران اللذان ذكرناهما عن مجاهد والضحاك ،
ينبئان عن صحة ماقلنا فى رفع ((الصد)) و((الكفر به))، (٢) وأن رافعه «أكبر عند الله)).
وهما يؤكدان صحّة ماروينا فى ذلك عن ابن عباس، ويدلان على خطأ من زعم أنه
مرفوعٌ على العطف على (( الكبير ))، وقولٍ من زعم أن معناه: وكبيرٌ صدّ عن سبيل
(١) هكذا فى المطبوعة، وأظن الصواب: ((وكان يسميهما)).
(٢) فى المطبوعة ((فى رفع الصد به))، والصواب ما أثبت.

٣١١
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
اللّه، وزعم أن قوله: ((وإخراجُ أهله منه أكبر عند الله))، خبر منقطع عما قبله
مبتدأ .
٤٠٩٤ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسمعيل
ابن سالم، عن الشعبى فى قوله: (( والفتنة أكبر من القتل))، قال : يعنى به
الكفر .
٤٠٩٥- حدثنا بشربن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: (( وإخراجُ أهله منه أكبر عند اللّه)) من ذلك. ثم عيَّر المشركين بأعمالهم
أعمال السوء فقال: ((والفتنة أكبر من القتل))، أى: الشرك بالله أكبر من القتل.
٠
وبمثل الذى قلنا من التأويل فى ذلك روى عن ابن عباس :
٤٠٩٦ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثی أبی قال، حدثی عمی قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لما قتل أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم
عمرو بن الحضرمى فى آخر ليلة من جمادى وأول ليلة من رجب، أرسل المشركون
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيّرونه بذلك، فقال: ((يسألونك عن الشهر
الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ))، وغيرُ ذلك أكبر منه: ((صدّ عن سبيل الله
وكفرٌ به والمسجد الحرام وإخراجُ أهله منه أكبر )من الذى أصابَ محمدٌ صلى
الله عليه وسلم .
قال أبو جعفر : وأما أهل العربية فإنهم اختلفوا فى الذى ارتفع به قوله :
(( وصدّ عن سبيل الله)).
فقال بعض نحوبى الكوفيين: فى رفعه وجهان: أحدهما ، أن يكون ((الصدّ)
مردوداً على ((الكبير))، يريد: قل القتالُ فيه كبيرٌ وصد عن سبيل الله وكفرٌ

٣١٢
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
به. وإن شئت جعلت ((الصد )) (( کبیراً)، یرید به : قل القتالُ فیہ کبیر ، و کبیرٌ
الصدُّ عن سبيل الله والكفر به. (١)
٠
قال أبو جعفر: قال فأخطأ - يعنى الفراء - فى كلا تأويليه . وذلك أنه
إذا رفع ((الصد)) عطفاً به على ((كبير))، يصير تأويل الكلام : قل القتالُ فى
الشهر الحرام كبيرٌ وصدٌّ عن سبيل اللّه، وكفرٌ باللّه. وذلك من التأويل خلافُ
ما عليه أهل الإسلام جميعاً . لأنه لم يدَّع أحد أن الله تبارك وتعالى جعل القتال فى
الأشهر الحرم كفراً باللّه، بل ذلك غير جائز أن يُتَوَهَّم على عاقل يعقل ما يقولُ
أن يقوله . وكيف يجوز أن يقوله ذو فطرة صحيحة، والله جل ثناؤه يقول فى أثر
ذلك: (( وإخراجُ أهله منه أكبرُ عند اللّه))؟! فلو كان الكلام على ما رآه جائزاً فى
تأويله هذا، لوجب أن يكون إخراج أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام، كان أعظمَ
عند الله من الكفر به، وذلك أنه يقول فى أثره: ((وإخراجُ أهله منه أكبر عند اللّه)).
وفى قيام الحجة بأن لا شىء أعظمُ عند الله من الكفر به ، ما يُبين عن خطأ هذا
القول .
٢٠٦/٢
وأما إذا رفع ((الصد))، بمعنى ما زعم أنه الوجه الآخر - وذلك رفعه بمعنى :
وكبير صدّ عن سبيل اللّه، ثم قيل: ((وإخراجُ أهله منه أكبرُ عند اللّه)) - صار
المعنى إلى أن إخراجَ أهل المسجد الحرام من المسجد الحرام، أعظمُ عند الله من الكفر
بالله والصدّ عن سبيله، وعن المسجدالحرام. ومتأوَّل ذلك كذلك، داخل من الخطأ فى
مثل الذى دخل فيه القائل القولَ الأوّل: (٢)من تصييره بعض خلال الكفر أعظم عند الله
(١) هو قول الفراء، كما سيأتى بعد فى النص، وانظر معانى القرآن ١: ١٤١. وقد رد الطبرى
كلام الفراء رداً حكيما ، وأظهر الفساد الذى ينطوى عليه قول من يقول فى القرآن ، وهو لا يحكم النظر
فى أحكام الله، فيظن كل جائز فى العربية والنحو، جائزاً أن يحمل عليه كتاب الله. وردود الطبرى
تعلم المرء كيف يتخلق بأخلاق أهل العلم والإيمان، من الأناة والتوقف والصبر والورع ، أن تزل قدم
فى هوة من الضلال والجهالة وسوء الرأى .
(٣) فى المطبوعة: ((داخل من الخطأ مثل ... )) سقطت ((فى)) من ناسخ فيما أرجح.

٣١٣
تفسير سورة البقرة :٢١٧٧
من الكفر بعينه. وذلك مما لا يخيل على أحدٍ خطأه وفسادُه (١).
٠
وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول القول الأول فى رفع ((الصد))،
ويزعم أنه معطوف به على ((الكبير))، ويجعل قوله: ((وإخراج أهله )) مرفوعاً على
الابتداء . وقد بينا فسادَ ذلك وخطأ تأويله .
٠
٠ ٠
قال أبو جعفر : ثم اختلف أهل التأويل فى قوله: (( يسألونك عن الشهر
الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌ))، هل هو منسوخٌ أم ثابت الحكم ؟
فقال بعضهم : هو منسوخ بقول الله جل وعز: ﴿وقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةٌ
كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةٍ﴾ [سورة التوبة: ٣٦]، وبقوله: ﴿اقْتُلُوا المُشْرِكِينَ ﴾
[ سورة التوبة: ٥]
.
ذكر من قال ذلك :
٠
٤٠٩٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال : قال عطاء بن ميسرة: أحلَّ القتالَ فى الشهر الحرام فى ((براءة))
قوله: ﴿فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [سورة التوبة: ٣٦]:
يقول: فیهن وفی غیرهن . (٢)
٤٠٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن الزهرى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، فيما بلغنا، يحرّم القتال
فى الشهر الحرام، ثم أحيلَّ بعد. (٣).
(١) أخال الشىء يخيل: اشتبه. يقال: ((هذا الأمر لا يخيل على أحد))، أى: لا يشكل على
أحد. و((شىء نخيل))، أى مشكل.
(٢) الأثر: ٤٠٩٧ - ((عطاءبن ميسرة)) هو عطاء بن أبى مسلم الخراسانى يقال اسم أبيه («عبدالله»،
ويقال ((ميسرة)). مات سنة ١٣٥، وانظر الاختلاف فيه، والإشكال فى أمره وأمر عطاء بن أبي رباح
فی الهذیب فی ترحمته .
(٣) الأثر: ٤٠٩٨ - هو بعض الأثر السالف: ٤٠٨٦. وانظر التعليق عليه .

٣١٤
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
وقال آخرون : بل ذلك حكم ثابتٌ = لا يحلّ القتال لأحدفى الأشهر الحرم
بهذه الآية ، لأن الله جعل القتال فيه كبيراً .
• ذكر من قال ذلك :
٤٠٩٩- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاجٌ، عن
ابن جريج، (١) قال: قلت لعطاء: (( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتالٌ
فيه كبيرٌ))، قلت : ما لهم! وإذ ذاكلا يحل لهم أن يغزوا أهل الشرك فى الشهر الحرام،
ثم غزوهم بعد فيه؟ فحلف لى عطاء بالله: ما يحل للناس أن يغزوا فى الشهر الحرام،
ولا أن يقاتلوا فيه، وما يستحب . قال: ولا يدعون إلى الإسلام قبل أن يقاتلوا ،
ولا إلى الجزية ، تركوا ذلك .
#
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك ما قاله عطاء بن ميسرة :
من أن النهى عن قتال المشركين فى الأشهر الحرم منسوخ بقول الله جل ثناؤه :
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ الله أَثْنَ عَشَرِ شَهْراً فِى كتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمُوَاتِ
وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَةٌ حُرُمٌ ذُلِكَ الدِّينُ القَُّ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَ قَاتِلُوا
المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةَ﴾ [سورة التوبة: ٣٦].
وإنما قلنا ذلك ناسخٌ لقوله: (( يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ
فيه كبيرٌ))، لتظاهر الأخبار عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه غزّا هوازن بحُنين
وثقيفاً بالطائف ، وأرسل أبا عامر إلى أوْطاس لحرب من بها من المشركين ، فى
بعض الأشهر الحرم، وذلك فى شوال وبعض ذى القعدة ، وهو من الأشهر الحرم .
فکان معلوماً بذلك أنه لو كان القتالُ فیهن حراماً وفیه معصية ، کان أبعد الناس
من فعله صلى الله عليه وسلم.
(١) فى المطبوعة: (( ... من ابن جريج، عن مجاهد، قال قلت لعطاء ... ))، فقوله:
(( من مجاهد، خطأً وزيادة مفسدة، فحلقتها. وانظر الأثر السالف رقم : ٤٩٠١.

٣١٥
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
وأخرى، أن جميعَ أهل العلم بسِيَرِ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا تتدافع
أنّ بيعة الرضوان على قتال قريش كانت فى ذى القعدة، وأنه صلى الله عليه وسلم
إنما دعا أصحابه إليها يومئذ ، لأنه بلغه أن عثمان بن عفان قتله المشركون إذ أرسله
إليهم بما أرسله به من الرسالة، فبايع صلى اللّه عليه وسلم على أن يناجز القوم الحرب
ويحاربتهم، حتى رجع عثمان بالرسالة، جرى بين النبى صلى الله عليه وسلم وقريش
الصلح ، فكفَّ عن حربهم حينئذ وقتالهم. وكان ذلك فى ذى القعدة ، وهو من
الأشهر الحرم .
فإذْ كان ذلك كذلك، فبيِّنَّ صحةُ ما قلنا فى قوله: (( يسألونك عن الشهر
الحرام قتالٍ فيه قل قتالٌ فيه كبيرٌأ، وأنه منسوخ.
فإن ظنّ ظانّ أن النهى عن القتال فى الأشهر الحرم كان بعد استحلال النبى
صلى اللّه عليه وسلم إياهن لما وصفنا من حروبه، فقد ظنّ جهلاً. وذلك أن هذه
الآية - أعنى قوله: (( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه)) - فى أمر عبد الله بن
جحش وأصحابه ، وما كان من أمرهم وأمر القتيل الذى قتلوه ، فأنزل الله فى أمره
هذه الآية فى آخر جمادى الآخرة من السنة الثانية من مَقْدَم رسول الله صلى الله عليه
وسلم المدينةَ وهجرته إليها ، وكانت وقعةُ ◌ُحنين والطائف فى شوال من سنة ثمان
من مقدمه المدينة وهجرته إليها ، وبينهما من المدة ما لا يخفى على أحد .
٠٠٠
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿وَلَ يَاُونَ يَتْلُوْنَكُمْ حَى
يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِيِكُمْ إِنِ اُسْتَظَمُواْ ﴾
قال أبو جعفر : یعنی تعالى ذكره : ولا يزال مشرکو قریش يقاتلونكم حتى
يردوكم عن دينكم إن قدروا على ذلك ، كما : -

٣١٦
تفسير سورة البقرة : ٢١٧
٤١٠٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق قال ،
حدثنى الزهرى ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير: (( ولا يزالون يقاتلونكم
حتى يردُّوكم عن دينكم إن استطاعوا))، أى: هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غيرُ
تائبين ولا نازعين = يعنى : على أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يردُ وهم إلى الكفر،
كما كانوا يفعلون بمن قدروا عليه منهم قبل الهجرة. (١)
٢٠٧/٢
٤١٠١- حدثنى محمد بن عمرو قال،حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((ولا يزالون يقاتلونكم حتى
يردُوكم عن دينكم إن استطاعوا)) ، قال : كفار قريش.
٠
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنَكُمْ عَن
دِينِهِ فَيُّمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَكَ حَبِطَتْ أَعْمُّلُهُمْ فِى الَّنْيَ وَالْأَخِرَةِ
وَأَوْلَّكَ أَصْحَبُ الثَّارِ هُمْ فِيهاَ خْلِدُونَ )(١)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((ومن يرتدد منكم عن دينه )، من يرجع
منكم عن دينه، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَرْتَدًا عَلَى آثَارِ هِمَا قَصَصاً﴾ [سورة الكهف: ٦٤]
يعنى بقوله: ((فارتدً))، رجعا. ومن ذلك قيل: ((استردّ فلان حقه من فلان)»،
إذا استرجعه منه . (٢)
٠
وإنما أظهر التضعيف فى قوله: ((يرتدد)) لأن لام الفعل ساكنة بالجزم ، وإذا
(١) الأثر: ٤١٠٠ - هو بعض الأثر السالف: ٤٠٨٢. والكلام. من أول قوله: ((يعنى:
على أن يفتنوا ... )) ليس فى سيرة ابن هشام، ولا فى تاريخ الطبرى. فإما أن يكون من كلام الطبرى ،
أو من كلام ابن حميد، أو بعض رواة الأثر .
(٢) انظر ما سلف ٣: ١٦٣، وفهارس اللغة فيما سلف، ردد))

٣١٧
تفسير سورة البقرة : ٢١٨،٢١٧
سكّنت فالقياس ترك التضعيف ، وقد تضعَّف وتدغم وهى ساكنة ، بناء على
التثنية والجمع .
٠٠٠
وقوله: ((فيمت وهو كافر)) ، يقول : من يرجع عن دينه دين الإسلام،
(فيمت وهو كافر))، فيمت قبل أن يتوب من كفره ، فهم الذين حبطت أعمالهم .
٠٠٠
يعنى بقوله: ((حبطت أعمالهم))، بطلت وذهبت. وبُطولها: ذهابُ ثوابها،
وبطول الأجر عليها والجزاء فى دار الدنيا والآخرة .
...
وقوله : ((وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ))، یعنی : الذين ارتدُّوا عن دينهم
فاتوا علی کفرهم ، هم أهل النار المخفَّدون فيها . (١)
٠٠٠
وإنما جعلهم ((أهلها)) لأنهم لا يخرجون منها ، فهم سكانها المقيمون فيها ،
كما يقال: ((هؤلاء أهل محلة كذا))، يعنى : سكانها المقيمون فيها .
...
ويعنى بقوله: ((هم فيها خالدون))، هم فيها لا بثون لَبْئاً، من غير أمَد
ولا نهاية. (٢)
القول فى تأويل قوله عز ذكره ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ،امَنُواْ وَالَّذِينَ
هَاجَرُواْ وَجْهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللهِ أُوْلَّكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ) )
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ذكره: إنّ الذين صدّقوا بالله وبرسوله وبما
جاء به = وبقوله: ((والذين هاجروا))، الذين هجروا مُساكنة المشركين فى أمصارهم
(١) انظر معنى ((أصحاب النار)) فيما سلف ٢: ٢٨٦
(٢) انظر معنى ((خالد) فيما سلف ٢: ٢٨٦ - ٢٨٧، وفهارس اللغة.

٣١٨
تفسير سورة البقرة : ٢١٨
ومجاورتهم فى ديارهم، فتحولوا عنهم وعن جوارهم وبلادهم، (١) إلى غيرها هجرة ...
... (٢) لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه. وأصل المهاجرة: ((المفاعلة))من هجرة
الرجل الرجلَ الشحناء تكون بينهما، ثم تستعمل فى كل من هجر شيئاً لأمر كرهه
منه. وإنما سمى المهاجرون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مهاجرين)) ،
لما وصفنا من هجرتهم دورَهم ومنازلهم كراهةٌ منهم النزول بين أظهر المشركين وفى
سلطانهم ، بحيث لا يأمنون فتنتهم على أنفسهم فى ديارهم - إلى الموضع الذى
يأمنون ذلك .
وأما قوله: ((وجاهدوا)) فإنه يعنى : وقاتلوا وحاربوا.
٠
٠
٠٠٠
وأصل ((المجاهدة)) ((المفاعلة)) من قول الرجل: ((قد جَهَد فلان فلاناً على
كذا)) - إذا كَرَبَه وشقّ عليه - ((يجهده جهداً)). فإذا كان الفعل من اثنين،
كل واحد منهما يكابد من صَاحبه شدة ومشقة، قيل: ((فلانٌ يجاهد فلاناً))-
يعنى: أن كل واحد منهما يفعل بصاحبه ما يجهده ويشق عليه - ((فهو يُجاهده
مجاهدة وجهاداً) .
وأما ((سبيل الله))، فطريقه ودينه. (٣)
٠٠
(١) كان الكلام فى المطبوعة متصلا بما بعده فى موضع هذه النقط، ولكنه لا يستقيم ولا يطرد.
ففصلت بين الكلامين. وظنى أن سياق الكلام وتمامه: (( فتحوَّلوا عنهم وعن جوارهم وبلادهم
إلى غيرها هجرة، لما كرهوا من كفرهم وشركهم، وإيثاراً لجوار المؤمنين من أصحاب
محمد صلى الله عليه وسلم))، وسياق الكلام يدل على ذلك.
(٢) مكان هذه النقط خرم لا شك فيه، كأن ناسخاً أسقط سطراً أو سطرين، وكان صدر
الكلام فيما أتوم : ((هجر المكان يهجره هجراً وهجراناً وهجرة: کرهه فخرج منه،
تاركاً لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه)) - أو كلاماً هذا معناه.
(٣) انظر معنى ((سبيل الله)) فيما سلف ، ٢: ٣/٤٩٧: ٥٦٤، ٥٨٣

٣١٩
تفسير سورة البقرة : ٢١٨
فمعنى قوله إذاً: ((والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله))، والذين تحوَّلوا
من سلطان أهل الشرك هجرةً لهم، وخوفَ فتنتهم على أديانهم ، وحاربوهم فى دين
اللّه ليدخلوهم فيه وفيما يرضى الله=( أولئك يرجون رحمة الله))، أى: يطعمون أن يرحمهم
اللّه فيدخلهم جنته بفضل رحمته إياهم .
= ((والله غفور))، أى ساتر ذنوب عباده بعفوه عنها، متفضل عليهم بالرحمة. (١)
٠٠
٠ ٠
وهذه الآية أيضاً ذ کر أنها نزلت فى عبد الله بن جحش وأصحابه .
• ذكر من قال ذلك :
٤١٠٢ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان ، عن
أبيه، أنه حدثه رجل، عن أبى السَّوار، يحدثه عن جندب بن عبد الله قال : لما
كان من أمر عبد الله بن جحش وأصحابه وأمر ابن الحضرى ما كان ، قال بعض
المسلمين : إن لم يكونوا أصابوا فى سفرهم - أظنه قال : - وِزْراً، فليس لهم فيه
أجر". فأنزل الله: ((إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله أولئك
يرجون رحمة الله والله غفور رحيم)). (٢)
٤١٠٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق قال ، حدثنى
الزهرى ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير قال: أنزل الله عز وجل القرآن
بما أنزلَ من الأمر ، وفرَّج الله عن المسلمين فى أمر عبد اللّه بن جحش وأصحابه
- يعنى : فى قتلهم ابن الحضرمى - فلما تجلى عن عبد اللّه بن جحش وأصحابه
ما كانوا فيه حين نزل القرآن ، طمعوا فى الأجر ، فقالوا : يا رسول الله، أنطمعُ
أن تكون لنا غزوة نُعْطى فيها أجرَ المجاهدين؟ فأنزل الله عز وجل فيهم: ((إن"
الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفورٌ.
٢٠٨/٢
(١) انظر معنى ((غفور)) فيما سلف من مراجعه فى فهارس اللغة (غفر).
(٢) الأثر: ٤١٠٢ - هو من تمام الأثر السالف رقم : ٤٠٨٤، وهو بتمامه فى الدر المنثور
١٠ : ٢٥٠

٣٢٠
تفسير سورة البقرة: ٥٢١٨ ٢١٩
رحيمٌ)). فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء. (١)
٤١٠٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قال: أثنى الله على أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحسنَ الثناء
فقال: ((إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله
والله غفورٌ رحيم))، هؤلاء خيارُ هذه الأمة. ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون،
وأنه من رجا طلب ، ومن خاف هرب .
٤١٠٥ -حدثت عنعمار قال ،حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع ، مثله .
القول فى تأويل قوله عز ذكرُه ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَآلْمَيْسِرِ
قُلْ فِيهَآَ إِنْ كَبِيرٌ وَمَنْفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْهُمَا أَ كْبَرُ مِنْ تَغْهِاَ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بذلك جل ثناؤه : يسألك أصحابك يا محمد عن الخمر
وشُربها .
و((الخمر)) كل شراب غمّر العقل فستره وغطى عليه. وهو من قول القائل:
((حَمَرت الإناء)) إذا غطيته، و((غير الرجل))، إذا دخل فى الحَمَر. ويقال: ١ هو
فى مُمار الناس وغُمارهم))، يراد به دخل فى عُرْض الناس. ويقال للضبع: (( خامرى
أم عامر»، أى استترى. وما خامر العقل من داء وسكر فخالطه وغَمَرَه فهو ((خمر)).
(١) الأثر: ٣١٠٣ - سيرة ابن هشام ٢: ٢٥٥، وهو تمام الأثر السالف: ٤٠٨٢. وكان
فى المطبوعة هنا: ((فوفقهم الله من ذلك ... ))، والصواب ما لمثبت من ابن هشام.