Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
فتأويل الآية إذاً: فمن فرض الحج فى أشهر الحجّ فأحرم فيهن ، فلا يرفث عند
النساء فيُصرَّح لهنّ بجماعهن، ولا يُجامعهُن، ولا يفسق بإتيان ما نهاه اللّه فى حال
إحرامه بحجه : من قتل صيد، وأخذ شعر، وقلم ◌ُظفر، وغير ذلك مما ◌َحَرّم الله
عليه فعله وهو 'محرم.
٠
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَلاَ جِدَالَ فِىِ الْحَجْ)
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى ذلك .
فقال بعضهم : معنى ذلك : النهىُ عن أن يجادل المحرم أحداً .
ثم اختلف قائلو هذا القول .
فقال بعضهم : نهی عن أن يجادل صاحبه حتى يغضبه .
.• ذكر من قال ذلك :
٣٦٧٠ - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا إسحق ، عن شريك ،
عن أبى إسحق، عن أبى الأحوص، عن عبد الله: ((ولا جدال فى الحج)، قال:
أن تُماری صاحبك حتى تغضبه .
٣٦٧١ - حدثنا عبد الحميد قال، حدثنا إسحق ، عن شريك ، عن أبى
إسحق، عن التميمى قال: سألت ابن عباس عن ((الجدال))، فقال: أن تمارىّ
صاحبك حتى تغضبه .
٣٦٧٢ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عيينة ، عن خصيف، عن
مقسم، عن ابن عباس قال : الجدال أن مماری صاحبك حتى تغضبه .
٣٦٧٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن أبى زائدة ، عن عبد الملك
ابن سليمان ، عن عطاء قال : الجدال أن يمارى الرجل أخاه حتى يغضبه .

١٤٢
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
٣٦٧٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن سالم
الأفطس، عن سعيد بن جبير: ((ولا جدال فى الحج))، قال: أن تَمْحَنَ
صاحبك حتى تغضبه .(١)
٣٦٧٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا هرون ، عن عمرو ، عن شعیب
ابن خالد ، عن سلمة بن كهيل قال: سألت مجاهداً عن قوله: (( ولا جدال فى
الحج)) ، قال : أن ممارى صاحبك حتى تغضبه.
٣٦٧٦ - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، حدثنا إسحق ، عن ابن جريج،
عن عمرو بن دينار قال : الجدال هو أن تمارى صاحبك حتى تغضبه .
٣٦٧٧ - حدثنا ابن بشار قال، حدثناحماد بن مسعدة قال ، حدثنا عوف ،
عن الحسن قال : الجدال المراء .
٣٦٧٨ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا إسرائيل ،
عن أبى إسحق، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : الجدال أن تجادل صاحبك
حتى تغضبه .
٣٦٧٩ - حدثنا أحمد بن إسحق قال ،حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل،
عن سالم ، عن سعيد بن جبير قال: الجدال أن تصخب [ على ] صاحبك. (٢)
٣٦٨٠ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد ، عن سفيان ، عن منصور ،
عن مجاهد: ((ولا جدال فى الحجّ))، قال: المراء.
(١) أنا فى شك من هذه اللفظة: ((تمحن))، وإن كان لها وجه فى العربية، من قولهم: محنت
الفضة : إذا أذبتها بالنار لتختبرها ، ومحن الفرس بالعدو: جهده ، ومحنه بالسوط : ضربه . كل هذا
صالح فى مجاز المماراة والمخاصمة. ولكنى أظن صوابها: ((تمحك)) من قولهم: محكه ، إذا نازعه فى
الكلام وتمادى حتى يغضبه، ومنه حديث على: ((لا تضيق به الأمور، ولا تملكه الخصوم)). والمحك:
المشارة والمنازعة فى الكلام، واللجاج والتمادى عند المساومة والغضب وغيرها .
(٢) الزيادة بين القوسين لابد منها، والصخب الصياح والجلبة ، صخب يصخب صعباً ، وهو
فعل غير متعد . وسيأتى فى الآثار الآتية : أن الجدال هو الصخب والمراء .

١٤٣
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
٣٦٨١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق = وحدثنى أحمد
ابن حازم قال، حدثنا أبو نعيم = قالا : حدثنا حسين بن عقيل، عن الضحاك
قال: الجدال أن تمارى صاحبك حتى تغضبه .
٣٦٨٢ - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا واقد
الخلقانى ، عن عطاء قال : أما الجدال ، فتاری صاحبك حتى تغضبه .(١)
٣٦٨٣ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر، عن أبيه ، عن
الربيع قال : الجدال المراء، أن تمارى صاحبك حتى تغضبه .
٣٦٨٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا المعلى بن أسد قال ، حدثنا خالد ،
عن المغيرة ، عن إبراهيم قال : الجدالُ المراء .
٣٦٨٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا المعلى قال ، حدثنا عبد العزيز ، عن
موسى بن عقبة ، قال : سمعت عطاء بن يسار يحدث نحوه .
٣٦٨٦ - حدثی ابن المثی قال ، حدثنا محمد بن أبى جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم بمثله .
١٥٩/٢
٣٦٨٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا
حماد ، عن الحجاج، عن عطاء بن أبى رباح قال : الجدال ، أن يمارى بعضهم
بعضاً حتى يغضبوا .
٣٦٨٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
(١) الخبر: ٣٦٨٢ - واقد الخلقانى: هو ((واقد بن عبد الله الخلقانى الكوفى الحنظل)).
ترجمه البخارى فى الكبير ٤ / ٢ / ١٧٣، وقال: ((سمع عطاء)). وترحمه ابن أبى حاتم ٤ /٣٣/٢،
وزاد أنه ((بياع الغنم))، وأنه ((روى عنه وكيع، ومروان الفزارى، وأبو نعيم))، وأنه سأل عنه أباه ،
فقال: ((شيخ محله الصدق)). وله رواية فى المسند: ٥٣٩ ((عمن رأى عثمان بن عفان))، ولكنه نسب
فيه (التميمى)). و((الحنظل)): تميمى أيضاً. وقد وهم فيه الحسينى، وتعقبه الحافظ فى التعجيل:
٤٣٥ - ٤٣٦، فأحسن بيانه. و((الخلقانى))، قال ابن الأثير فى الباب: (( بضم الخاء [ يعنى
المعجمة ] وسكون اللام وفتح القاف وفى آخرها نون: هذه النسبة إلى بيع الخلق من الثياب وغيرها)).

١٤٤
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
يحيى بن بشر، عن عكرمة: ((ولا جدال))، الجدالُ الغضب، أن تُغضب
عليك مسلماً ، إلا أن تستعتبَ مملوكاً فتعظه من غير أن تغضبه ، ولا إثم عليك
إن شاء الله تعالى فى ذلك .(١)
٣٦٨٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنى أبى ، عن النضر بن عربى ، عن
عكرمة ، قال : الجدال أن تمارى صاحبك حتى يُغضبك أو تُغضبه .
٣٦٩٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ،
أخبرنا معمر، عن الزهرى وقتادة قالا : الجدالُ هو الصخب والمراء وأنت 'محرم.
٣٦٩١ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا محمد بن بكر قال، أخبرنا ابن
جريج قال ، قال عطاء : الجدال ما أغضب صاحبك، من الجدل .
٣٦٩٢ - حدثنى على قال، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية ، عن
على، عن ابن عباس: ((ولا جدال فى الحج))، قال: الجدال المراء والملاحاة
حتى تغضب أخاك وصاحبك ، فهى الله عن ذلك .
٣٦٩٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى، عن خصيف، عن مقسم، عن ابن عباس قال: الجدال أن يمارى صاحبك
حتى تغضبه .
٣٦٩٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى ، عن منصور، عن إبراهيم قال : الجدال المراء .
٣٦٩٥ - حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن
الزهرى وقتادة قالا : هو الصخَب والمراء وأنت محرم .
(١) الأثر: ٣٦٨٨ - فى تفسير ابن كثير ١: ٤٦٠، وفيه ((ولا بأس عليك إن شاء الله)).
وفى المطبوعة هنا ((ولا أمر عليك))، ولعل الصواب ما أثبت. واستعبه: رده عن الإساءة، يعنى
تأديبه .

١٤٥
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
٣٦٩٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور ، عن إبراهيم :
(( ولا جدال فى الحج ))، كانوا يكرهون الجدال .
٠٠٠
وقال آخرون منهم: ((الجدال)) فى هذا الموضع، معناه: السباب.
• ذكر من قال ذلك :
٣٦٩٧ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرنى يونس : أن
نافعاً أخبره أن عبد الله بن عمر كان يقول: الجدال فى الحج: السباب والمراءُ
والخصومات .
٣٦٩٨ - حدثنى المثنى قال،حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن
محمد بن إسحق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : الجدال السباب والمنازعة .
٣٦٩٩ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : الجدال السباب .
٣٧٠٠ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد = وحدثنى يعقوب قال، حدثنا
ابن علية = جميعاً ، عن سعيد ، عن قتادة قال : الجدال السباب .
٠
وقال آخرون منهم : بل عنى بذلك خاصًا من الجدال والمراء ، وإنما عنى
الاختلافَ فيمن هو أثمُّ حجًّا من الحجّاج .
• ذكر من قال ذلك :
٣٧٠١ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى أبو صخر ،
عن محمد بن كعب القرظى قال: ((الجدال))، كانت قريش إذا اجتمعت بمنى
قال هؤلاء: ((حجُّنا أتم من تحجكم!))، وقال هؤلاء: ((حجنا أتم من تحجكم!)).
ج ؛ (١٠)

١٤٦
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
وقال آخرون منهم : بل ذلك اختلافٌ كان يكون بينهم فى اليوم الذى فيه
الحج ، فهوا عن ذلك .
• ذكر من قال ذلك :
٣٧٠٢ - حدثیالمثی قال، حدثنا الحجاج قال ، حدثنا حماد ، عن جبر
ابن حبيب ، عن القاسم بن محمد أنه قال: الجدال فى الحج أن يقول بعضهم :
((الحج اليوم!))، ويقول بعضهم: ((الحجّ غداً!)).
٠ ٠٠
وقال آخرون: بل اختلافهم ذلك فى أمر مَوَاقف الحج أيُّهم المصيبُ
مَوْقفَ إِبراهيم.
• ذكر من قال ذلك :
٣٧٠٣ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله:
(ولا جدال فى الحج ))، قال : كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون ، كلهم
يدَّعى أن موقفه موقف إبراهيم، فقطعه الله حين أعلم نبيّه صلى اللّه عليه وسلم بمناسكهم.
٠ ٠
وقال آخرون: بل قوله جل ثناؤه: ((ولا جدال فى الحجّ)، خبرٌ من الله تعالى
عن استقامة وقت الحج على ميقات واحد لا يتقدّمه ولا يتأخره ، وبُطول فعل
النسیء . (١)
ذكر من قال ذلك :
٣٧٠٤ - حدثنا ابن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن قال،حدثنا سفيان ،
عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد فى قوله: ((ولا جدال فى الحج ))، قال :
قد استقام الحج ولا جدالَ فيه .
(١) ستأتى صفة (النسىء)) فى الأثر: ٣٧٠٥، وقوله: ((بطول)) مصدر بطل الشىء بطولا
وبطلاناً. وقد أكثر الطبرى من استعماله، انظر ما سلف ٢: ٤٢٦ ثم الجزء ٣: ٢٠٥، تعليق: ٦،
والتعليق فيهما .

١٤٧
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
٣٧٠٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، أخبرنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد. (( ولا جدالَ فى الحج ))، قال :
لا شهر يُنسأ ، ولا شك فى الحج، قد بُيِّن. كانوا يُسقطون المحرَّم ثم يقولون:
((صفران)) لصفر وشهر ربيع الأول، ثم يقولون: ((شهراً ربيع)) لشهر ربيع الآخر
وُجمادى الأولى، ثم يقولون: (( جماديان)) لجمادى الآخرة ولرجب، ثم يقولون
لشعبان: ((رجب))، ثم يقولون لرمضان: ((شعبان))، ثم يقولون لشوال: (( رمضان))،
ويقولون لذى القعدة: (شوال))، ثم يقولون لذى الحجة: ((ذا القعدة))، ثم يقولون
للمحرَّم: (( ذا الحجة))، فيحجون فى المحرم . ثم يأتتفون فيحسُبون على ذلك
عِدَّةً مستقبلةً على وَجه ما ابتدأوا، (١) فيقولون: ((المحرم وصفر وشهرا ربيع))،
فيحجونَ فى المحرَّم ليحجوا فى كل سنة مرتين ، فيسقطون شهراً آخر فيعدُّون على
العدّة الأولى، فيقولون: ((صفران، وشهرَا ربيع)) نحو عدتهم فى أول ما أسقطوا.
١٦٠/٢
٣٧٠٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد نحوه .
٣٧٠٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال: صاحب النسىء الذى ينسأ لهم أبو ثُمامة، رجل
من بنى كنانة .
٣٧٠٨ - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال ، أخبرنا ابن إسحق ، عن أبى بشر ،
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد: (( ولا جدال فى الحج ))، قال : لا شبهة فى الحج،
قد بيَّن الله أمر الحج .
٣٧٠٩ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدى:
((ولا جدال فى الحج))، قال : قد استقام أمر الحج ، فلا تجادلوا فيه .
٣٧١٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
(١) استأنف الشىء وائتنفه: أخذ أوله وابتدأ .. من قولهم: أنف الشىء، أى أوله.

١٤٨
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( ولا جدال فى الحج))، قال: لا شهرَ يُنسأ،
ولا شك فى الحج ، قد بُيِّن .
٣٧١١ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن أبى زائدة ، عن العلاء بن
عبد الكريم ، عن مجاهد: (ولا جدال فى الحج))، قال: قد عُلم وقت الحج ،
فلا جدال فيه ولا شك .
٣٧١٢ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا سفيان ،
عن عبد العزيز والعلاء، عن مجاهد قال: هو شهر معلومٌ لا تنازُع فيه .
٣٧١٣ - حدثنا أحمد قال ، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا إسرائيل ، عن
سالم، عن مجاهد: ((ولا جدالَ فى الحج))، قال: لا شك فى الحج .
٣٧١٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا هشيم قال، أخبرنا
حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس: ((ولا جدال فى الحج))، قال : المراء
بالحج .
٣٧١٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ، ((ولا جدال فى الحج))، فقد تبيَّن الحج.
قال : كانوا يحجون فى ذى الحجة عامين ، وفى المحرَّم عامين ، ثم حجوا فى صفرَ
عامين . وكانوا يحجون فى كل سنة فى كل شهر عامين ، ثم وافقت حجةُ أبى
بكر من العامين فى ذى القعدة قبل حجة النبي صلى الله عليه وسلم بسنة، ثم حج
النبى صلى الله عليه وسلم من قابل فى ذى الحجة ، فذلك حين يقول رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)).
٣٧١٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد
فى قوله: ((ولا جدال فى الحج))، قال: بيّن اللّه أمر الحج ومعالمه، فليس فيه كلام.
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال فى قوله: ((ولا جدال فى الحج)) بالصواب،

١٤٩
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
قولُ من قال: معنى ذلك : قد بطل الجدال فى الحج ووقته ، واستقام أمره ووقته
على وقت واحد ، ومناسك متفقة غير مختلفة ، ولا تنازع فيه ولا مراء. وذلك أنّ
اللّه تعالى ذكره أخبرَ أن وَقتَ الحج أشهر معلوماتٌ؛ ثم نَفى عن وقته الاختلاف
الذى كانت الجاهلية فى شركها تختلف فيه .
وإنما اخترنا هذا التأويل فى ذلك ، ورأيناه أولى بالصواب مما خالفه ، لما قد
قدمنا من البيان آنفاً فى تأويل قوله: ((ولا فسوق))، أنه غير جائز أن يكون الذى
خص بالنهى عنه فى تلك الحال [ إلا ما هو ] مُطلقُ مُباح فى الحال التى يخالفها، (١)
وهیحالالإحلال. وذلكأن حُكم ما خص به منذلك حكم حال الإحرام، إن كان
سواءً فیه حال الإحرام وحال الإحلال ، فلا وجه الخصوصه به حالاً دون حال،
وقد عمّ به جميع الأحوال . وإذا كان ذلك كذلك، وكان لا معنى لقول القائل
فی تأويل قوله: (( ولا جدال فی الحج)) ، أنّ تأويله: لا تمار صاحبك حتى تغضبه،
إلاّ أحد معنيين :
إما أن يكون أراد : لاتماره بباطل حتى تغضبه ، فذلك ما لاوجه له . لأن الله
عز وجل قد نهى عن المراء بالباطل فى كلّ حال، محرماً كان الممارى أو محلاًّ.
فلا وجه الخصوص حال الإحرام بالمنهى عنه ، الاستواء حال الإحرام والإحلال فى
نهى الله عنه .
أو يكون أراد: لاتماره بالحقّ، وذلك أيضاً ما لا وجه له . لأن المحرم لو رأى
رجلاً يروم فاحشةً ، كان الواجب عليه مراءه فى دفعه عنها، أو رآه يحاول ظلمه
والذهابَ منه بحقّ له قد غصبه عليه، كان عليه مراؤه فيه وجداله حتى يتخلصه
منه . والجدال والمراء لا يكون بين الناس إلا من أحد وجهين: إما من قِبَل ظُلم ،
وإما من قبَل حق . فإذا كان من أحد وجهيه غير جائز فعله بحال ، ومن الوجه
الآخر غير جائز تركه بحال ، فأىّ وجوهه التى خُصّ بالنهى عنه حالُ الإحرام؟
(١) هذه الزيادة لابد منها حتى يستقيم الكلام. وكان فى الأصل أيضاً: ((أنه غير جائزأن يكون
الله خص .. »، واستقامة الكلام تقتضى ما أثبت .

٠.
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
وكذلك لا وجه لقول من تأوَّل ذلك أنه بمعنى السباب ، لأن الله تعالى ذكره
قد تهى المؤمنين بعضَهم عن سباب بعض ، على لسان رسوله عليه السلام فی کل
حال ، فقال صلى الله عليه وسلم:
٣٧١٧ - ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفرٌ).(١).
= فإذا كان المسلم عن سبِّ المسلم منهيًا فى كل حال من أحواله، محرماً كان
أو غير محرم ، فلا وجه لأن يقال: لا تسبه فى حال الإحرام إذا أحرمت = وفيما
رُوى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخبر الذى :-
١٦١/٢
٣٧١٨ - حدثنا به محمد ابن المثنى قال، حدثنى وهب بن جرير قال ،
حدثنا شعبة، عن سيار، عن أبى حازم، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : منْ حَج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، خَرَج مثل يَوم ولدته أمه.
٣٧١٩ - حدثنى على بن سهل قال ، حدثنا حجاج قال ، حدثنا شعبة،
عن سيار، عن أبى حازم ، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه. (٢)
(١) الحديث: ٣٧١٧ - رواه الطبرى بغير إسناد. وهو حديث صحيح ثابت من روايات كثيرة .
فرواه أحمد فى المسند : ٣٦٤٧، من حديث عبد الله بن مسعود. وكذلك رواه الشيخان ، والترمذى،
والنسائى، وابن ماجة. وانظر بقية أرقامه فى المسند، فى الاستدراك : ٨٨٦. وثبت أيضاً من رواية
صحابة آخرين، انظر الفتح الكبير ٢ : ١٥٠ - ١٥١.
(٢) الحديث: ٣٧١٨ - ٣٧٢٠ ((سيار)): بفتح السين وتشديد الياء: مضت ترجمته فى :
٠٣٩
أبو حازم: هو الأشجعى، واسمه ((سلمان)) مولى عزة الأشجعية. وهو تابعى ثقة، أخرج له
أصحاب الكتب الستة. وليس ((أبو حازم)) هنا - ((أبا حازم سلمة بن دينار صاحب سهل بن سعد))،
فإن سلمة لم يسمع من أبى هريرة ، كما نص عليه الحافظ فى الفتح ٣ : ٣٠٢.
والحديث رواه أبو داود الطيالسى: ٢٥١٩، عن سيار ومنصور - كلاهما عن أبى حازم.
ورواه أحمد فى المسند: ٩٣٠٢ (٢: ٤١٠ حلى)، والبخارى ٣: ٣٠٢ - ٣:٣، كلاهما
من طريق شعبة ، عن سيار ، به .
وسيأتى مرة رابعة، من طريق شعبة عن سيار : ٣٧٢٥ .

١٥١
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
٣٧٢٠ - حدثنا أحمد بن الوليد قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة ، عن سيار، عن أبى حازم، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم ،
مثل حديث ابن المثنى ، عن وهب بن جرير .
٣٧٢١ - حدثنی ابن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة،
عن منصور ، عن أبى حازم ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم
مثله أيضاً .
٣٧٢٢ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال ، حدثنا شعبة قال ،
أخبرنى منصور قال ، سمعت أبا حازم يحدث ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى
اللّه عليه وسلم ، نحوه .(١)
٣٧٢٣ - حدثنا تميم بن المنتصر قال ، أخبرنا إسحق قال ، أخبرنا محمد بن
عبيد اللّه، عن الأعمش ، عن أبى حازم ، عن أبى هريرة قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : من حجّ هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق ، خرج من ذنوبه
کما ولدته أمه . (٢)
٣٧٢٤ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع وأبو أسامة ، عن سفيان ،
عن منصور ، عن أبى حازم ، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
(١) الحديثان : ٣٧٢١، ٣٧٢٢ - منصور: هو ابن المعتمر . وقد سمع منصور هذا الحديث
من أبى حازم ، كما صرح بذلك فى الإسناد الثانى . فانتفت بذلك شبهة عدم سماعه هذا الحديث منه .
كما سيأتي بيانه فى : ٣٧٢٦، ٣٧٢٧.
والحديث من هذا الوجه - رواه الطيالسى: ٢٥١٩، عن شعبة - كما أشرنا من قبل.
ورواه أيضاً أحمد فى المسند: ٩٣٠٠ (٢: ٤١٠ حلبي)، والبخارى ٤: ١٧ (فتح) - كلاهما
من طريق شعبة ، عن منصور .
(٢) الحديث: ٣٧٢٣ - هو فى معنى الأحاديث قبله وبعده. وقد رواه الدارقطنى فى سننه، ص:
٢٨٢، من طريق حجاج بن أرطاة، عن الأعمش، بهذا الإسناد، بلفظ: ((من حج أو اعتمر،
فلم يرفث ولم يفسق، يرجع كهيئته يوم ولدته أمه)). فزاد الحجاج بن أرطاة لفظ ((أو اعتمر)).
وأشار الحافظ فى الفتح ٣: ٣٠٢ - إلى رواية الدارةعلى هذه، وقال: ((لكن فى الإسناد إلى
الأعمش ضعف )) .

١٥٢
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
وسلم، فذكر مثله - إلا أنه قال: رجع كما ولدته أمه . (١)
٣٧٢٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو أسامة ، عن شعبة ، عن
سيار، عن أبى حازم، عن أبى هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فذكر نحوه - إلا أنه قال : رجع إلى أهله مثل يوم ولدته أمه .
٣٧٢٦ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا يحيى بن أبى بكير ، عن
إبراهيم بن طهمان، عن منصور ، عن هلال بن يساف، عن أبى حازم ، عن
أبى هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذكر نحوه - إلا أنه قال:
رجع إلى أهله مثل يوم ولدته أمه .
٣٧٢٧ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا يحيى بن أبى بكير ، عن
إبراهيم بن طهمان ، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن أبى حازم ، عن
أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حج هذا البيت - يعنى
الكعبة - فلم يرفث ولم يفسق ، رجع کیوم ولدته أمه .(٢)
(١) الحديث : ٣٧٢٤ - سفيان: هو الثورى. والحديث - من هذا الوجه - رواه أحمد فى
المسند : ١٠٢٧٩ (٢: ٤٨٤ حلى)، عن وكيع وعبد الرحمن بن مهدى ، كلاهما عن سفيان.
وكذلك رواه البخارى ٤: ١٧ ( فتح)، عن محمد بن يوسف - وهو الفريابى - عن سفيان.
وقد رواه أحمد أيضاً : ٧٣٧٥ (٢: ٢٤٨ حلبى)، عن سفيان، عن منصور. وسفيان هنا:
هو ابن عيينة .
(٢) الحديثان: ٣٧٢٦، ٣٧٢٧ - هما إسناد واحد مكرر لحديث واحد. لم يذكر لفظه
كاملا فى أولهما ، وذكره فى ثانيهما . ولا أدرى سبب هذا ؟
يعقوب بن إبرهيم: هو الدورق الحافظ، مضى مراراً، آخرها: ٣٢٢٣. يحيى بن أبى بكير - بضم
الباء الموحدة وفتح الكاف - الأسدى القيسى: ثقة معروف، أخرج له أصحاب الكتب الستة ، مات
سنة ٢٠٨ أو ٢٠٩. ووقع فى المطبوعة هنا ((يحيى بن أبي كثير)). وهو خطأ، فإن ابن أبى كثير قديم
الوفاة مات سنة ١٢٩ أو ١٣٢. ويعقوب الدورق ولد سنة ١٦٦، فلا يعقل أن يروى عنه.
وإبرهيم بن طهمان الخراسانى : ثقة صحيح الحديث ، أخرج له الأئمة الستة منصور : هو
ابن المعتمر ، كما مضى فى بعض الأسانيد السابقة .
هلال بن يساف - ويقال: إساف - الأشجعى الكوفى : تابعى ثقة كبير ، لعله أقدم من
أبى حازم. و((يساف)): بكسر الياء التحتية وفتح السين المهملة مخففة. وكذلك ((إساف)) بالهمزة
بدل الياء. ووقع فى المطبوعة هنا فى الإسنادين ((هلال بن يسار)). وهو خطأ صرف.

١٥٣
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
٣٧٢٨ - حدثنا الفضل بن الصباح قال، حدثنا هشيم بن بشير ، عن سیار ،
عن أبى حازم، عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: من حجّ
لّه فلم يرفث ولم يفسق ، رجع کھیئته یوم ولدته أمه .(١)
٠
٠
(٢) - دلالة واضحة على أن قوله: ((ولا جدالَ فى الحج))، بمعنى النفى عن الحج
بأن يكون فى وقته جدال ومراء ، دون النهى عن جدال الناس بينهم فيما يعنيهم من
الأمور أو لا يعنيهم .
وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنه من حج فلم يرفث ولم يفسق ، استحقّ
من الله الكرامة ما وصف أنه استحقه بحجه ، تاركاً للرفث والفسوق اللذين نھی
اللّه الحاج عنهما فى حجه ، من غير أن يضم إليهما الجدال. فلو كان الجدالُ
الذى ذكره الله فى قوله: ((ولا جدال فى الحج))، مما نهاه الله عنه بهذه الآية ــ على
نحو الذى تأوّل ذلك من تأوّله: مِنْ أنه المراء والخصومات أو السباب وما أشبه ذلك-
لما كان صلى الله عليه وسلم ليخص باستحقاق الكرامة التى ذكر أنه يستحقها الحاج
والحديث - من هذا الوجه - رواه البيهقى فى السنن الكبرى ٥: ٢٦٢، من طريق محمد بن إسماعيل
الصائغ ، عن يحيى بن أبى بكير ، بهذا الإسناد .
ومنصور قد سمع هذا الحديث من أبى حازم مباشرة ، كما صرح بذلك فى الرواية الماضية : ٣٧٢٢.
فقال الحافظ فى الفتح ٤: ١٧ ((فانتنى بذلك تعليل من أعله بالاختلاف على منصور. لأن البيهقى
أورده من طريق إبرهيم بن طهمان ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، عن أبى حازم ، زاد فيه
رجلا . فإن كان إبرهيم حفظه، فلعله حمله منصور عن هلال ، ثم التى أبا حازم فسمعه منه ، فحدث به
على الوجهين)) .
ونزيد هنا أن الحديث رواه أيضاً، أحمد فى المسند : ١٠٤١٤ (٢ : ٤٩٤ حلبي)، عن جرير ،
عن منصور، عن أبى حازم. وكذلك رواه مسلم ١ : ٣٨٢، من طريق جرير.
ورواه مسلم أيضاً من طريق أبي عوانة ، وأبى الأحوص ، ومسعر ، والثورى ، وشعبة - كلهم عن
منصور، عن أبى حازم . وكذلك رواه النسائى ٢: ٣ - ٤، من طريق الفضيل بن عياض، عن
منصور ، به .
(١) الحديث: ٣٧٢٨ - رواه أحمد فى المسند: ٧١٣٦، عن هشيم، بهذا الإسناد. وكذلك
رواه مسلم ١ : ٣٨٢ - ٣٨٣، عن سعيد بن منصور، عن هشيم، به. وانظر ما سيأتى رقم: ٣٩٥٩
(٢) أول هذا الكلام فى ص ١٥٠، فوله: ((وفيما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الخبر ... دلالة))، وفصلت بين الخبر والمبتدأ الأحاديث المتتابعة.

١٠١
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
الذی و صف أمره، باجتناب خلتین مما نهاه الله عنه فیحجه، دون الثالثة التی هی
مقرونة بهما . ولكن لما كان معنى الثالثة مخالفاً معنى صاحبتيها = فى أنها خبرٌ
على المعنى الذى وصفنا، وأن الأخريين بمعنى النهى الذى أخبر النبي صلى الله عليه
وسلم أن مجتنبهما فى حجه مستوجب ما وصف من إكرام الله إياه ، مما أخبر أنه
مکرمه به - إذ كانتا بمعنى النهى-(١) وكان المنتهى عنهما لله مطيعاً بانتهائه عنهما =
ترك ذكر الثالثة، (٢) إذ لم تكن فى معناهما، وكانت مخالفةً سبيلُها سبيلهما.
٠٠٠
فإذا كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بالقراءة من القراءات، المخالفةُ بين
إعراب ((الجدال)) وإعراب ((الرفث والفسوق))، ليعلم سامعُ ذلك - إذا كان من
أهل الفهم باللغات - أن الذى من أجله ◌ُخولف بين إعرابيهما اختلافُ معنييهما.
وإن كان صواباً قراءة جميع ذلك باتفاق إعرابه على اختلاف معانيه ، إذ كانت
العرب قد تُتبع بعضَ الكلام بعضاً بإعراب، مع اختلاف المعانى ، وخاصة فى
هذا النوع من الكلام .
فأعجبُ القراءات إلىّ فى ذلك - إذا كان الأمر على ما وصفت - قراءة من
قرأ: ((فلا رَفثٌ ولا فُسوقٌ ولا جدالَ فى الحج))، برفع ((الرفث والفسوق))
وتنوينهما، وفتح (( الجدال)) بغير تنوين . وذلك هو قراءة جماعة البصريين ، وكثير
من أهل مكة ، منهم عبد الله بن كثير وأبو عمرو بن العلاء. (٣)
٠٠
وأما قول من قال : معناهُ : النهى عن اختلاف المختلفين فى أتمهم حجًّا ،
١٦٢/٢
(١) فى المطبوعة: ((إذا كانتا بمعنى النهى))، وهو خطأ، والصواب ما أثبت.
(٢) فى المطبوعة: ((وترك ذكر الثالثة))، وهذه الواو مقحمة من النساخ بلا شك. وسياق
هذه الجملة بطولها: «ولكن لما كان معنى الثالثة مخالفاً معنى صاحبتيها .... ؛ إذ كانتا بمعنى النهى،
وكان المنتهى عنهما لله مطيعاً بانتهائه عنهما .. ترك ذكر الثالثة)) وبهذا يتبين صواب التصحيح فى
الموضعين السالفين .
(٣) انظر تفصيل ذلك مستوعباً فى معانى القرآن الفراء ١: ١٢٠ - ١٢٢.

١٥٥
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
والقائلين: معناهُ النهىُ عن قول القائل: ((غداً الحج)) مخالفاً به قول الآخر: ((اليوم
الحج))، فقولٌ فى حكايته الكفاية عن الاستشهاد على وهائه وضعفه. (١) وذلك
أنه قول لا تدرك صحته إلا بخبر مستفيضٌ أو خبر صادق يوجب العلم أنّ ذلك
كان كذلك ، (٢) فنزلت الآية بالنهى عنه ؛ أو أن معنى ذلك فى بعض معانى
الجدال دون بعض ، ولا خبرَ بذلك بالصفة التى وصفنا .
٠
٠ ٠
وأما دلالتنا على قول "ما قلنا من أنه نَفىٌ من الله جل وعز عن شهور الحجّ،
فالاختلافُ الذى كانت الجاهلية تختلفُ فيها بينها قبل كما وصفنا. (٣) وأما
دلالتنا على أن الجاهلية كانت تفعل ذلك ، فالخبرُ المستفيض فى أهل الأخبار
أن الجاهلية كانت تفعل ذلك، مع دلالة قول الله تقدس اسمه: ﴿إِنَّ النَّسِيء
زيادَةٌ فِى الْكُفْرِ يُضَلُّ بِ الَّذِينَ كَفْرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحرِّمُونَهُ عَامًا﴾
[سورة التوبة: ٣٧ ]
٠
۵
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ﴾
قال أبو جعفر : يعنى بذلك جل ثناؤه : افعلوا أيها المؤمنون ما أمرتكم به فى
حَجكم، من إتمام مناسككم فيه ، وأداء فرضكم الواجب عليكم فى إحرامكم ،
وتجنُّب ما أمرتكم بتجنبه من الرفث والفسوق فى حجكم ، لتستوجبوا به الثواب
(١) هكذا فى الأصل ((على وهائه))، وهو خطأ قديم فى كلام الفقهاء. قال المطرزى فى المغرب
٢: ٢٦٥: ((قوله: ((فإن حاضت فى حال وهاء الملك))، لا يعتد به . الوعاء بالمد خطأ، وإنما
الوهى (بفتح فسكون) مصدر: ((وهى الحبل يهى وهيا))، إذا ضعف)). وأخشى أن يكون ذلك من
فاسخ التفسير، لا من أبى جعفر، وأن أصله ((على وهيه وضعفه))، فهو قد استعمل كلمة ((الوهى))
مراراً فيما سلف من عباراته ، ولكنى لم أستطع أن أجدها فى هذا البحر من الكلام ، ثم وجدتها بعد ذلك فى
هذا الجزء ٤ : ١٨، س : ٧ .
(٢) فى المطبوعة: ((وخبر صادق)) بالواو، وهو مخل بالكلام.
(٣) فى المطبوعة: ((الاختلاف)) بحذف الفاء، والصواب إثباتها وإلا تخلع الكلام.

١٥٦
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
الجزيل، فإنكم مهما تفعلوا من ذلك وغيره من خير وعمل صالح ابتغاءً مَرْضالى
وطلبَ ثوابى، فأنا به عالمٌ، ولجميعه ◌ُمُحْصٍ ، حتى أوفيكم أجره ، وأجازيكم عليه،
فإنى لا تخفى علىّ خافية، ولا ينكتم عنّى ما أردتم بأعمالكم، لأنى مطَّلع على
سرائركم ، وعالم بضمائر نفوسكم .
القول فى تأويل قوله تعالى (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىُ﴾
قال أبو جعفر : ذُ کر أن هذه الآية نزلت فی قوم كانوا يحجون بغير زاد ،
وكان بعضهم إذا أحرم رمى بما معه من الزاد واستأنف غيره من الأزودة، (١) فأمر
الله جل ثناؤه من لم يكن يتزود منهم بالتزود لسفره، ومن كان منهم ذا زاد أن
یتحفظ بزاده فلا یرمی به .
• ذكر الأخبار التى رويت فى ذلك :
٣٧٢٩ - حدثنى الحسين بن على الصُّدائى قال، حدثنا عمرو بن عبد الغفار
قال، حدثنا محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم
أزودة رَموا بها، (١) واستأنفوا زاداً آخر، فأنزل الله: ((وتزودوا فإن خير الزاد
التقوى))، فنهوا عن ذلك ، وأمروا أن يتزودوا الكعك والدقيق والسويق .
٣٧٣٠ - حدثنا محمد بن عبد الله المخرُ میّ قال، حدثنا شبابة قال ، حدثنا
ورقاء، عن عمرو بن دينار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : كانوا يحجون
ولا يتزودون، فنزلت: ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)».(٢)
(١) الأزودة: جمع زاد على غير قياس ، وقياسه : أزواد.
(٢) الأثر: ٣٧٣٠ - محمد بن عبد الله بن المبارك القرشى الخرى ( بضم الميم وفتح الخاء،
وراء مشددة مكسورة) أبو جعفر البغدادى المدائى الحافظ، قاضى حلوان. مات سنة ٢٥٤ ببغداد،
كان أحد الثقات جليل القدر. وكان فى المطبوعة: ((المخزومى))، هو خطأ كما ترى.

١٥٧
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
٣٧٣١ - حدثنا عمرو بن على قال، حدثنا سفيان ، عن ابن سوقة ، عن
سعيد بن جبير فى قوله: ((وتزودوا فإنّ خيرَ الزاد التقوى))، قال: الكعك
والزيت .
٣٧٣٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ،
عن ابن سوقة ، عن سعيد بن جبير قال : هو الكعك والسويق .
٣٧٣٣ - وحدثنا عمرو قال، حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن
عكرمة قال: كان أناس يحجون ولا يتزودوَّن، فأنزل الله: ((وتزودوا فإنّ خير الزاد
التقوى )).
٣٧٣٤ - حدثنا عمرو قال، حدثنا سفيان بن عيينة قال ، حدثنا عبد الملك
ابن عطاء ، کوفی لنا =(١)
٣٧٣٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ،
عن عبد الملك، عن الشعبى فى قوله: ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى))، قال :
التمر والسويق .
٣٧٣٦ - حدثنا عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا حنظلة ، قال :
سئل سالم عن زاد الحاج ، فقال : الخبز واللحم والتمر . قال عمرو: وسمعت أبا عاصم
مرة يقول : حدثنا حنظلة: سئل سالم عن زاد الحاج فقال : الخبز والتمر .
٣٧٣٧ - حدثنا عمرو قال، حدثنا ابن أبى عدى، عن هشيم ، عن المغيرة ،
(١) الخبر: ٣٧٣٤ - عبد الملك بن عطاء: هو البكائى العامرى، ختن الشعبى، وهو ثقة،
وثقه ابن معين وغيره. و((البكائى)): بفتح الباء وتشديد الكاف وبعد الألف همزة، نسبة إلى ((البكاء)).
وهو («ربيعة بن عامر))، من بنى عامر بن صعصعة.
وقوله هنا ((كوفی لنا)) - لا أدرى ما وجهه؟ ولعل أصله ((كوفى جار لنا)) أو نحو ذلك لأن سفيان
ابن عيينة كوفى، ثم سكن مكة . فإنى لم أجد لعبد الملك هذا ترجمة إلا عند ابن أبى حاتم ٣٦١/٢/٢.
وروى فيها بإسناده إلى ابن نمير، قال: ((عبد الملك بن عطاء، كان شيخاً ثقة، روى عنه شيوخنا،
وهو كوفى ، له حديث أو حديثين)).

تفسير سورة البقرة : ١٦٠
عن إبراهيم قال: كان ناسٌ من الأعراب يحجون بغير زاد، ويقولون: ((نتوكل
على الله!))، فأنزل الله جل ثناؤه: ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)).
٣٧٣٨ - حدثنا عبد الحميد بن بيان قال، أخبرنا إسحق ، عن عمر بن ذر ،
عن مجاهد قال: كان الحاج منهم لا يتزوَّد، فأنزل الله: (( وتز ودوا فإن خير الزاد
التقوى )) .
٣٧٣٩ - حدثنا عمرو قال، حدثنا يحيى، عن عمر بن ذرّ = وحدثنا الحسن
بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا عمربن ذر = عن مجاهد قال : كانوا
يسافرون ولا يتزوَّدون، فنزلت: ((وتزوَّدوا فإن خير الزادالتقوى)). وقال الحسن بن
حی فى حديثه : كانوا يحجون ولا يتز ودون .
٣٧٤٠ - حدثنى نصر بن عبد الرحمن الأودى قال، حدثنا المحاربى، عن
عمر بن ذر ، عن مجاهد نحوه .
٣٧٤١ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عمر
١٦٣/٢ ابن ذر قال: سمعت مجاهداً يحدث، فذكر نحوه .
٣٧٤٢ - حدثناعبدالحميد بنبیانقال ،أخبرنا إسمق ، عن أبى بشر ،عن ابن
أبى نجيح ، عن مجاهد قال : كان أهل الآفاق يخرجون إلى الحج، بتوصلون بالناس
بغير زاد، يقولون: ((نحن متكلون)). فأنزل الله: ((وتزودوا فإنّ خير الزاد التقوى)).
٣٧٤٣ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى نجیح، عن مجاهد فى قول الله عز وجلّ: ((وتزودوا))، قال: كان أهل
الآفاق يخرجون إلى الحج ، يتوصلون بالناس بغير زاد ، فأمروا أن يتزودوا .
٣٧٤٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.))، قال: كان أهل
اليمن يتوصلون بالناس، فأمروا أن يتزودوا ولا يستمتعوا. قال: وخيرُ الزاد التقوى .
٣٧٤٥ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن ليث ،

١٥٩
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
عن مجاهد: ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى))، قال: كانوا لا يتزودون، فأمروا
بالزاد ، وخيرُ الزاد التقوى .
٣٧٤٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((وتزودوا فإن خيرَ الزاد التقوى))، فكان الحسن يقول : إن ناساً من أهل
اليمن كانوا يحجون ويسافرون ولا يتزودون، فأمرهم الله بالنفقة والزاد فى سبيل الله ،
ثم أنبأهم أن خير الزاد التقوى .
٣٧٤٧ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية ، عن سعيد بن أبى عروبة
فی قوله: ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) ، قال : قال قتادة : کان ناسٌ من
أهل اليمن يحجون ولا یتر ودون - ثم ذکر نحو حدیث بشر، عن یزید .
٣٧٤٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عنقتادة: « وتزودوا فإن خير الزاد التقوى )) ، قال: كان من ناس من أهل
اليمن يخرجون بغير زاد إلى مكة ، فأمرهم الله أن يتزودوا ، وأخبرهم أن خير الزاد
التقوى .
٣٧٤٩ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((وتزوَّدوا فإن خير الزاد التقوى)»،
قال : كان ناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة، يقولون: ((نحج بيت الله
ولا يُطعمنا!)). فقال الله: وتزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس.
٣٧٥٠ - حدثتعن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع قوله: ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى))، فكان ناس من أهل اليمن
يحجون ولا يتزودون ، فأمرهم الله أن يتزودوا، وأنبأ أنّ خير الزاد التقوى .
٣٧٥١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن
محمد بن سوقة ، عن سعيد بن جبير: ((وتزودوا))، قال: السويق والدقيق والكعك.
٣٧٥٢ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن محمد

١٦٠
تفسير سورة البقرة : ١٩٧
ابن سوقة، عن سعيد بن جبير: ((وتزودوا فإنّ خير الزاد التقوى))، قال: الخشكانج
والسويق .(١)
٣٧٥٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن عبد الملك بن عطاء
البكائى قال، سمعت الشعبى يقول فى قوله: ((وتزودوا فإن خير الزاد التقوى))، قال:
هو الطعام، وكان يومئذ الطعام قليلاً . قال قلت: وما الطعامُ ؟ قال: التمر
والسويق . (٢)
٣٧٥٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك قوله: (( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى )) ، وخير زاد الدنيا
المنفعةُ من اللباس والطعام والشراب .
٣٧٥٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم :
(((وتزودوا فإنّ خيرَ الزاد التقوى))، قال: كان الناس يتزودون إلى عُقْبة ، فإذا
انتهوا إلى تلك العُقبة توكلوا ولم يتزودوا.(٣)
٣٧٥٦ - حدثنى نصر بن عبد الرحمن الأودى قال، حدثنا المحاربى قال ،
قال سفيان فى قوله: ((وتزوّدوا))، قال: أمِروا بالسويق والكعك.
٣٧٥٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنى
أبى: أنه سمع عكرمة يقول فى قوله: ((وتزودوا))، قال : هو السويق والدقيق .
٣٧٥٨ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
(١) فى اللمان (كعك) وفى المغرب للجواليقى: ١٣٤ ((الخشكنان)) قد تكلمت به العرب،
قال الراجز :
يَا حَبَّذَا الكَعْكِ بَلَحْمِ مَثْرُودْ وَخُشْكَنَانٌ وَسَوِيقٌ مَقْنُودْ
والخشكنانج ، هو الخشكنان : وهو طعام من دقيق مصنوع . .
(٢) الخبر: ٣٧٥٣ - مضت ترجمة ((عبد الملك بن عطاء))، فى: ٣٧٣٤، وأنه ((البكائى)).
ووقع فى المطبوعة هنا ((البكالى)) باللام بدل الهمزة، وهو خطأ وتصحيف.
(٣) العقبة ( بضم فسكون) قدر ما يسير السائر حتى ينزل .