Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ تفسير سورة البقرة : ١٨٧ ٣٠٣٩ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبى، عن سفيان، عن علقمة ابن مرثد ، عن الضحاك قال : كانوا يجامعون وهم مُعتكفون، حتى نزلت: ((( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد)). ٣٠٤٠ - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن الضحاك فى قوله: ((ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون فى المساجد))، قال : كان الرجل إذا اعتكف فخرج من المسجد جامع إن شاء، فقال الله: ((ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد))، يقول: لا تقربوهن مادمتم عاكفين، فى مسجد ولا غيره . ٣٠٤١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك ، عن جويبر ، عن الضحاك نحوه . ٣٠٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : كان أناس يصيبون نساءهم وهم عاكفون فيها ، ـم الله عن ذلك. فهاهم ا ٣٠٤٣ - وحدثنابشر بن معاذ قال،حدثنا یزید قال: حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((ولا تباشر وهن وأنتم عاكفون فى المساجد ))، قال : كان الرجل إذا خرج من المسجد وهو معتكف ولقى امرأته باشرها إن شاء ، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك ، وأخبرهم أن ذلك لا يصلح حتى يقضى اعتكافه . ٣٠٤٤ - حدثنا موسى بنهرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((ولا تباشر وهن وأنتم عاكفون فى المساجد))، يقول: من اعتكف فإنه يصوم، لا يحل له النساء ما دام معتكفاً . ٣٠٤٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد))، قال: الجوارُ، فإذا خرج أحدكم من بيته إلى بيت الله فلا يقرب النساء. ٥٤٢ تفسير سورة البقرة : ١٨٧ ٣٠٤٦ - حدثنا المثی قال،حدثنا أبو حذيفة ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : كان ابن عباس يقول : من خرج من بيته إلى بيت الله فلا يقرب النساء. ٣٠٤٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((ولا تباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد ))، قال : كان الناس إذا اعتكفوا يخرُج الرجل فيباشر أهله ثم يرجع إلى المسجد ، فنهاهم اللّه عن ذلك . ٣٠٤٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال ، قال ابن عباس ، كانوا إذا اعتكفوا فخرج الرجل إلى الغائط جامع امرأته ثم اغتسل ، ثم رجع إلى اعتكافه. فنُهوا عن ذلك = قال ابن جريج : قال مجاهد : ◌ُهوا عن جماع النساء فى المساجد، حيث كانت الأنصار تجامع ، فقال: ((لاتباشر وهن وأنتم عاكفون))، قال: ((عاكفون))، الجوارُ = قال ابن جريج: فقلت لعطاء : الجماعُ المباشرة ؟ قال : الجماع نفسه ! فقلت له : فالقُبلة فى المسجد والمسَّة؟ فقال: أما ما ◌ُحُرِّم فالجماع، وأنا أكره كل شىء من ذلك فى المسجد . ٣٠٤٩ - حدثت عن حسين بن الفرج قال، حدثنا الفضل بن خالد قال ، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: ((ولا تباشروهن))، يعنى الجماع . وقال آخرون: معنى ذلك على جميع معانى ((المباشرة))، من لَمْس وقُبلة وجماع. · ذكر من قال ذلك : ٣٠٥٠ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال مالك بن أنس : لا يمس المعتكف امرأته، ولا يباشرُها، ولا يتلذذ منها بشىء، قُبلةٍ ولا غيرها.(١) (١) فى الموطأ: ٣١٨ بنصه. ٠١ ٥٤٣ تفسير سورة البقرة : ١٨٧ ٣٠٥١ - حدثییونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : ((ولا تُباشروهن وأنتم عاكفون فى المساجد))، قال : المباشرة الجماعُ وغيرُ الجماع، كلُّه محرم عليه. قال: ((المباشرة)) بغير جماع، إلصاقُ الجلد بالجلد. ٠ ٠ قال أبو جعفر : وعلة من قال هذا القول : أن الله تعالى ذكره عم بالنهى عن المباشرة ، ولم يخصص منها شيئاً دون شىء . فذلك على ما عمَّه ، حتى تأتى ◌ُحُجة يجب التسليم لها بأنه عنى به مباشرةً دون مباشرة . ٠٠٠ وأولى القولين عندى بالصواب قول من قال : معنى ذلك : الجماعُ، أو ما قام مقامَ الجماع، مما أوجبَ غسلاً إيجابه. وذلك أنه لا قول فى ذلك إلا أحد قولين : إما جعل حكم الآية عامًا ، أو جعل حكمها فى خاصٌّ من معانى المباشرة. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن نساءه كنّ يُرجِّلنه وهو معتكف . فلمّا صح ذلك عنه ، عُلم أنّ الذى عنى به من معانى المباشرة ، البعض دون الجميع ٣٠٥٢ - حدثنا على بن شعيب قال، حدثنا معن بن عيسى القزاز قال ، أخبرنا مالك ، عن الزهرى، عن عروة وعن عمرة، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اعتکف یدنى إلىّ رأسه فأرجله. (١) ١٠٦/٢ (١) الحديث: ٣٠٥٢ - هكذا رواه مالك فى الموطأ، ص: ٣١٢، عن الزهرى، عن عروة بن الزبير، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة. فزاد فى الإسناد ((عمرة)) بين عروة وعائشة. وكذلك رواه مسلم ١ : ٩٥، وأبو داود : ٢٤٦٧ - كلاهما من طريق مالك. وكذلك رواه الترمذى ٢: ٧٢، من طريقه، مع خطأً من الناسخين. وقال أبو داود: ((لم يتابع أحد مالكاً على (عروة عن عمرة)). ورواه معمر وزياد بن سعد وغيرهما: عن الزهرى: عن عروة، عن عائشة)). وقال الترمذى : ((هكذا رواه غير واحد: عن مالك بن أنس، عن ابن شهاب ، عن عروة، عن عمرة ، عن عائشة . والصحيح : عن عروة وعمرة ، عن عائشة. هكذا روى الليث ، عن ابن شهاب ، عن عروة وعمرة، عن عائشة)). وقال الحافظ فى الفتح ٤: ٢٣٦ (( واتفقوا على أن الصواب قول الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة فى رواية مالك - من المزيد فى متصل الأسانيد)). وهذا ٥٤٤ تفسير سورة البقرة : ١٨٧ ٣٠٥٣ - حدثی یونس قال ، أخبرنا ابن وهبقال ، أخبرنی یونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، وعمرة: أن عائشة قالت : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان ، وكان يدخل علىّ رأسه وهو فى المسجد فأرجُلُه.(١) ٣٠٥٤ - حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا أبى ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان النبى صلى الله عليه وسلم يُدنى إلىّ رأسه وهو "مجاورٌ فى المسجد، وأنا فى حجرتى، وأنا حائض، فأغسله وأرَجِّله. (٢) ٣٠٥٥ - حدثنا سفيان قال ، حدثنا ابن فضیل ویعلی بن عبيد، عن الأعمش، عن تميم بن سلمة ، عن عروة، عن عائشة قالت : كان النبي صلى اللّه عليه وسلم من الحافظ - عندى - تكلف لا داعى له. ومالك، على إمامته وعلمه وحفظه. يخطىء كما يخطىء الناس، فالظاهر أنه نسى فى بعض أحيانه، فجعل ((عروة عن عمرة)) بدل ((عروة وعمرة)). وقد ثبت عن مالك أنه كان يرويه أحياناً على الصواب، كما يظهر مما يأتى فى : ٣٠٥٦ . (١) الحديث: ٣٠٥٣ - يونس، شيخ الطبرى: هو ابن عبد الأعلى الصدفى - بفتح الصاد والدال المهملتين . مضت ترجمته : ١٦٧٩ . ويونس - شيخ ابن وهب: هو ابن يزيد الأيلى. مضت ترجمته : ٢٣٧٧ . وهذا الحديث تكرار الذى قبله . وقد رواه يونس عن الزهرى، عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن - معاً - عن عائشة ، على الصواب. وقد تابعه على ذلك الليث بن سعد عن الزهرى. فرواه البخارى ٤ : ٢٣٦، ومسلم ١ : ٩٥ - ٩٦. وأبو داود: ٢٤٦٨، والترمذى ٢: ٧٢ - كلهم من طريق الليث ، عن الزهرى، عن عروة وعمرة - معاً - عن عائشة . (٢) الحديث: ٣٠٥٤ - سفيان بن وكيع: فيه ضعف، كما قدمنا مراراً. ولكنه لم ينفرد بروايته من هذا الوجه ، كما سنذكر . فقد رواه ابن ماجة : ١٧٧٨، عن على بن محمد ، عن وكيع ، بهذا الإسناد. وكذلك رواه البخارى ٤: ٢٣٦، من طريق يحيى و ١٠: ٣١٠، من طريق مالك. ورواه مسلم ١ : ٩٦، من طريق أبي خيثمة. ورواه أبو داود: ٢٤٦٩. °من طريق حماد بن زيد . والنسائى ١: ٦٨، من طريق مالك أيضاً - كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. والحديث مكرر ما قبله . ٥٤٥ تفسير سورة البقرة : ١٨٧ يعتكفُ فيخرجُ إلىّ رأسه من المسجد وهو عاكفٌ، فأغسيله وأنا حائض. (١) ٣٠٥٦ - حدثنى محمد بن معمر قال ، حدثنا حماد بن مسعدة قال ، حدثنا مالك بن أنس ، عن الزهرى وهشام بن عروة جميعاً ، عن عروة ، عن عائشة : أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يُخرج رأسه فأرجُّله وهو معتكف. (٢) ٠٠ فإذْ كان صحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكرنا من غسل عائشة (١) الحديث : ٣٠٥٥ - سفيان: هو ابن وكيع. ابن فضيل: هو محمد. تميم بن سلمة السلمى الكوفى : ثقة ، وثقة ابن معين وغيره . والحديث رواه أيضاً النسامنى ١: ٦٨، من طريق الفضيل بن عياض، عن الأعمش . بهذا الإسناد . وهو مكررما قبله . (٢) الحديث: ٣٠٥٦ - محمد بن معمر، شيخ الطبرى: مضت ترجمته : ٢٤١. حماد بن مسعدة البصرى: ثقة من شيوخ أحمد وإسحق ، وثقه ابن سعد، وأبو حاتم . وغيرهما . والحديث مكرر ما قبله . وقد روى حماد بن مسعدة هذا الحديث عن مالك - على الصواب : أنه من رواية مالك عن الزهرى عن عروة عن عائشة، وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، دون وساطة ((عمرة)) بين حروة وخالته عائشة. خلافاً الرواية التى فى الموطأ بإثبات الوساطة. والتى مضى مثلها : ٣٠٥٢ من رواية معن بن عيسى عن مالك، فكأن مالكاً سها فى تلك الرواية، حين جعل ((عمرة)) بين عروة وعائشة ، وكان يذكر الصواب أحياناً، فيرويه من حديث عروة عن عائشة مباشرة . والحديث ثابت •• من رواية عروة عن عائشة، ومن رواية عمرة عن عائشة، سمعه الزهرى كذلك من عروة، ومن عمرة، كما بينا فى: ٣٠٥٣. وسمعه هشام بن عروة من أبيه عن عائشة، كما مضى فى ٣٠٥٤، وفى طرقه التى خرجناها هناك . وكذلك رواه البخارى من هذا الوجه، ولكنه فرقه حديثين بإسناد واحد: فرواه ١٠: ٣١٠، عن عبد الله بن يوسف: ((أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة)) - فذكره مختصراً. ثم قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن هشام ، عن أبيه، عن عائشة - مثله)). وقد تابعه على ذلك معمر - فى الزهرى . فرواه البخارى ٤: ٢٤٦، من طريق هشام بن يوسف . ورواه النسائى ١: ٦٨، من طريق عبد الأعلى - كلاهما عن معحر، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة . ويزيده هذه الروايات - فى أن عروة دواء عن عائشة مباشرة : رواية معلم إياه ١ : ٩٦، من رواية عمرو بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة، دون واسطة. ج ٣ (٣٠) ٥٤٦ تفسير سورة البقرة : ١٨٧ رأسه وهو معتكف، فمعلوم أن المراد بقوله: ((ولاتباشر وهن وأنتم عاكفون فى المساجد»، غيرُ جميع ما لزمه اسم ((المباشرة)) = وأنه معنىِّ به البعض من معانى المباشرة دون الجميع. فإذا كان ذلك كذلك ، وكان مجمعاً على أنّ الجماع مما عنى به ، كان واجباً تحريم الجماع على المعتكف وما أشبه، وذلك كلّ ما قام فى الالتذاذ مقامه منَ المباشرة . القول فى تأويل قوله تعالى (تِلْكَ حُدُودُ أَلْهِ فَلاَ تَقْرَ بُومَا ﴾ قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك : هذه الأشياء التى بيّنتها : من الأكل والشرب والجماع فى شهر رمضان نهاراً فى غير عذر ، وجماع النساء فى الاعتكاف فى المساجد، يقول: هذه الأشياء حدّدتها لكم، وأمرتكم أن تجتنبوها فى الأوقات التى أمرتكم أن تجتنبوها، وحرَّمتها فيها عليكم ، فلا تقرَبوها ، وابعُدُوا منها أن تركبوها ، فتستحقُّوا بها من العقوبة ما يستحقه من تعدّى حُدودى ، وخالف أمری ، ور کب معاصیَّ. وكان بعض أهل التأويل يقول: ((حدود الله)): شروطه . وذلك معنى قريب من المعنى الذى قلنا ، غير أن الذى قلنا فى ذلك أشبه بتأويل الكلمة . وذلك أن ((حد)» كل شىء: ما حصره من المعانى وميَّز بينه وبين غيره. فقوله: ((تلك حدود الله)) من ذلك، يعنى به المحارم التى ميّزها من الحلال المطلق، فحدّدها بنعوتها وصفاتها ، وعرَّفها عباده. • ذكر من قال إنّ ذلك بمعنى الشُّروط: . ٥٤٧ تفسير سورة البقرة : ١٨٧ ٣٠٠٧ - حدثیموسی بنهرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد . قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قال: أما ((حدود الله ))، فشروطه. ٠٠ وقال بعضهم: (( حدود الله))، معاصيه. . ذكر من قال ذلك : ٣٠٥٨ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان، عن الضحاك: ((تلك حدود الله))، يقول: معصية الله - يعنى المباشرة فى الاعتكاف ٥ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ هَايَتِهِ النَّاسِ كَلُّمْ يَقُونَ) (3) قال أبو جعفر : یعنی تعالی ذکره بذلك : کما بینت لكم أيها الناس واجب فرائضی عليكم من الصوم ، وعرّ فتكم حدود، وأوقاته، وما عليكم منه فى الحضر ، وما لكم فيه فى السفر والمرض،وما اللازم لكم تجنُّبه فىحال اعتكافكم فىمساجدکم، فأوضحت جميع ذلك لكم ۔ فکذلك أبین أحكامى، وحلال وحرامی ، وحدودی ، وأمری ونهى، فى كتابى وتنزيلى، وعلى لسان رسول صلى الله عليه وسلم الناس. ويعنى بقوله: ((لعلهم يتقون))، يقول: أُبيِّن ذلك لهم ليتقوا محارمی ومعاصىّ، ويتجنَّبوا تَخْطى وَغضبى ، بتركهم ركوبَ ما أبيِّن لهم فى آياتى أنى قد حرَّمته عليهم ، وأمرتهم بهجره وتر که. ٥٤٨ تفسير سورة البقرة : ١٨٨ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَ لَكُمْ يَنْتَكُم بِالْبُطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْكَامِ ◌ِتَأْكُلُواْ فَرِيِقَاً مِّنْ أَمْوَّلِ النَّاسِ بِالإِنِمِ وَأَثُمْ تَُّنَ﴾ (هـ قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره بذلك: ولا يأكل بعضُكم مالَ بعض بالباطل . فجعل تعالى ذكره بذلك آكلَ مال أخيه بالباطل ، كالآ كل مال نفسه بالباطل. ونظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [سورة الحجرات: ١١]، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٩]، بمعنى: لا يلمزْ بعضكم بعضاً، ولا يقتُل" بعضكم بعضاً (١) لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة ، فقاتل أخيه كقاتل نفسه ، ولامزُه كلامز نفسه . وكذلك تفعل العرب ، تكنى عن نفسها بأخواتها ، وعن أخواتها بأنفسها، فتقول: ((أخى وأخوك أيُّنا أبطش)). يعنى : أنا وأنت نصْطرع، فننظر أيُّنا أشدّ(٢) - فيكنى المتكلم عن نفسه بأخيه، لأن أخا الرجل عندها كنفسه ، ومن ذلك قول الشاعر: (٣). أَخِى وَأَخُوكَ بِبَطْنِ النَّسَيْرِ، لَيَْ بِهِ مِنْ مَعَدٍ عَرِيب.(٤) ١٠٧/٢ (١) انظر ما سلف مثل ذلك فى ٢: ٣٠٠، ثم الآية: ٨٥ من سورة البقرة ٢: ٣٠٣ لم يذكر فيها شيئاً من ذلك. ولم يبين هذا البيان فيما سلف. وهذا دليل على أنه كان أحياناً يختصر الكلام اختصاراً، اعتماداً على ما مضى من كلامه، أو ما يستقبل منه . كما قلت فى مقدمة التفسير. (٢) انظر تأويل مشكل القرآن: ١١٤، هذا بنصه. (٣) هو ثعلبة بن عمرو (حزن) العبدى، ابن أم حزفة. ويقال هو من بنى شيبان حليف فى عبد القيس. وكان من الفرسان (الاشتقاق لابن دريد: ١٩٧). وانظر التعليق التالى. (٤) المفضليات: ٥١٣، وتأويل مشكل القرآن: ١١٤، معجم ما استعجم: ١٠٣٨. وفى المطبوعة: ((ليس لنا))، وأثبت ما فى المراجع، وكأنها الصواب. ويقال: ليس بالدار عريب، ٥٤٩ تفسير سورة البقرة : ١٨٨ فتأويل الكلام : ولا يأكل بعضكم أموال بعضٍ فيما بينكم بالباطل. ((وأكله بالباطل)): أكله من غير الوجه الذى أباحه اللّه لآ كليه. ٠٠٠ وأما قوله: ((وتُدلوا بها إلى الحكام ))، فإنه يعنى: وتخاصموا بها - يعنى: بأموالكم - إلى الحكام (تأكلوا فريقاً) = طائفة =(١) من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون. أى ليس بها أحداً. و((النسير))، تصغير ((النسر))، وهو مكان بديار بنى سليم. بيد أن ياقوت نقل عن الحازمى أنه بناحية نهاوند، واستشهد بهذا البيت. فإن يكن ذلك فابن أم حزنة هذا إسلامى: قال ياقوت، قال سيف: ((سار المسلمون من مرج القلعة نحو نهاوند، حتى انتهوا إلى قلعة فيها قوم ، ففتحوها، وخلفوا عليها النسير بن ثور فى عجل وحنيفة . وفتحها بعد فتح نهاوند ، ولم يشهد نهاوند عجل ولا حنفى، لأنهم أقاموا مع النسير على القلعة، فسميت به)) (انظر تاريخ الطبرى ٤ : ٢٤٣، ٢٥١) . فإن صح أن ابن أم حزنة كان فى بعث المسلمين ، كان هذا البيت مؤيداً لهذا القول . فإنه يقول له: أنا وأنت بيطن النسير ، ليس معنافيه من أبناء معد (وهم العرب) أحد. وأما عن الحازمى إذا كان الموضع ببلاد العرب، فهو يقول: ليس به أحد، وقوله ((من معد)) فضول من القول. وقد ترجح عندى أنه شاعر إسلامى، من بعض شعره فى المفضليات رقم ٧٤، وفى الوحشيات رقم : ٢١٧، (وانظر من نسب إلى أمه رقم: ٢٢، ٣٢)، وله شعر فى حماسة البحترى: ٩٧، ١٠٣. وإن صحت رواية الطبرى: ((ليس لنا من معد عريب)». فعريب، فى هذا البيت، هو صاحبه الذى ذكره فى أول الشعر فقال : إِنَّ عَرِبًا وَإِنْ سَاءَنِى أَحَبُ حَبِيبٍ وَأَدْنَى قَرِيبْ فيكون قوله: (معد)) مصدر ((عدا يعد)). يقول: أنا وأنت ببطن النسير وحدنا، لا يعد معنا أحد. يعنى أنهما خاليين بالمكان، ليس لك من ينصرك ولا لى من ينصرفى ، فهناك يظهر صاحب البأس منهما، وقال بعد البيت : وأقْسَمْتُ إِنْ نلتُهُ لَا يَؤُوبْ فأقْسَ بِثُم لاَ يَأْتَلِ فَلَمَا دَنَا صَدَقَتْهِ الكَذُوبْ فَأَقْبَلَ تَخْوِى عَلَى قُدْرةٍ (١) انظر ما سلف فى تفسير ((فريق)) ٢: ٢٢٤، ٤٠٢. ٥٥٠ تفسير سورة البقرة : ١٨٨ ويعنى بقوله: ((بالإثم ))، بالحرام الذى قد حرمه الله عليكم، (١) ((وأنتم تعلمون))، أى: وأنتم تتعمَّدون أكل ذلك بالإثم، على قصدٍ منكم إلى ما حرّم الله عليكم منه، ومعرفةٍ بأن فعلكم ذلك معصية الله وإثم ، (٢) كما : - ٣٠٥٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية بن صالح ، عن على بن أبى طلحة ، عن ابن عباس: ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وُتُدلوا بها إلى الحكام))، فهذا فى الرجل يكون عليه مالٌ، وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف أنّ الحق عليه ، وهو يعلم أنه آثم : آكلٌ حراماً. ٣٠٦٠ - حدثی محمد بن عمرو قال،حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وتُدلوا بها إلى الحكام))، قال : لا تخاصم وأنت ظالم. ٣٠٦١ - حدثنى المثی قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله. ٣٠٦٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام »، وكان يقال : من مشى مع خصمه وهو له ظالم، فهو آثم حتى يرجع إلى الحق. واعلم يا ابنَ آدم أن قضاء القاضى لا يُحلّ لك حراماً ولا يحقّ لك باطلاً، وإنما يقضى القاضى بنحو ما يرىَ ويشهدُ به الشهود، والقاضى بشر يخطئ ويصيب . واعلموا أنه من قد قُضى له بالباطل ، فإن خصومته لم تنقض حتىّ يجمع الله بينهما يوم القيامة ، فيقضى على المُبطل للمحق، بأجود مما ◌ُقُضى به للمبطل على الحقّ فى الدنيا. (٣) (١) انظر ما سلف فى تفسير ((الإثم)) من هذا الجزء ٣ : ٣٩٩ - ٤٠٨. (٢) فى المطبوعة: ((معصية الله))، خطأً. (٣) فى المطبوعة: ((ويأخذ مما قضى به ... ))، والصواب ما أثبت من تفسير ابن كثير ١ : ٤٣٠ ٠ ٠٥١ تفسير سورة البقرة : ١٨٨ ٣٠٦٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: (( وتدلوا بها إلى الحكام))، قال : لا تدل بمال أخيك إلى الحاكم وأنتَ تعلم أنك ظالم، فإن قضاءه لا يُحلّ لك شيئاً كان حراماً عليك. ٣٠٦٤ ۔۔ حدثی موسی بن هرون قال،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: (( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون))، أما ((الباطل))، يقول: يظلم الرجل منكم صاحبه ، ثم يخاصمه ليقطع ماله وهو يعلم أنه ظالم ، فذلك قوله : (( وتدلوا بها إلى الحكام)). ٣٠٦٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى خالد الواسطى ، عن داود بن أبى هند، عن عكرمة قوله: (( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل »، قال : هو الرجل يشترى السَّلعة فيردُّ ها ويردُ معها دراهم. ٣٠٦٦ - حدثییونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زید فى قوله: ((ولا تأكلوا أموالكم بينكمبالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ))، يقول: یکون أجدلمنه وأعرَف بالحجة ، فيخاصمه فى ماله بالباطل ، ليأكل ماله بالباطل ، وقرأ : ﴿يَا أَيُّهَ الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَنْوَالَكُمْ بَيْتَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٢٩]. قال: هذا القمار الذى كان يعمل به أهل الجاهلية . وأصل ((الإدلاء)): إرسال الرجل الدلو فى سبب متعلقاً به فى البئر. (١) فقيل المحتج لدعواه: ((أدلى بحجة كيت وكيت))، إذا كان حجته التى يحتج بها سبباً (١) السبب : الحبل . ٠٠٢ "٠٠١ تفسير سورة البقرة : ١٨٨ له ، هو به متعلق فى خصومته ، کتعلّق المستقی من بثر بد لو قد أرسلها فیها بسببها الذى الدلو به متعلقة. يقال فيهما جميعاً - أعنى من الاحتجاج، ومن إرسال الدلو فى الثر بسبب: ((أدلى فلان بحجته، فهو يُدلى بها إدلاء = وأدلى دلوه فى البتر ، فهو یدلیها إدلاء)). ٠٠ فأما قوله: (( وتدلوا بها إلى الحكام ))، فإن فيه وجهين من الإعراب: أحدهما: أن يكون قوله: ((وتُدْلُوا)) جزماً عطفاً على قوله: (( ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل))، أى: ولا تدلوا بها إلى الحكام. وقد ذكر أن ذلك كذلك فى قراءة أبى بتكرير حرف النهى: (( وَلا تَدلوا بها إلى الحكام)). والآخر منهما: النصب على الصرْف، (١) فيكون معناه حينئذ : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وأنتم تدلون بها إلى الحكام ، كما قال الشاعر : لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ، مَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَلْتَ عَظِمُ(٢) یعنی : لا تنه عن خلق وأنت تأتى مثله. وهو أنْ يكون فى موضع جزم - على ما ذكر فى قراءة أبىّ - أحسن منه أن يكون نصباً . (١) فى المطبوعة: ((على الظرف))، وهو محض خطأ. وقد مضى تفسير معنى (الصرف)) فى ١ : ٥٦٩ - ٥٧٠، والتعليق : ١ . (٢) سلف تخريج هذا البيت فى ٥٦٩:١، إلا أنى سهوت فلم أذكر أنه آت فى هذا الموضع من التفسير، وفى ٩: ١٤٦ (بولاق)، فقيده. وانظر أيضاً معانى القرآن الفراء ١ : ١١٥. ٠٥٣ تفسير سورة البقرة : ١٨٩ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يَسْتَلُونَكَ مَنِ الْأَمِلَّةِ كُلْ مِيَ مَوَّفِيِتُ لِلنَّاسِ وَأَلَيجٌ ﴾ ١٠٨/٢ قال أبو جعفر: ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ◌ُسُئل عن زيادة الأهلة ونقصانها واختلاف أحوالها، فأنزل الله تعالى ذكره هذه الآية، جواباً لَهُم فيا سألوا عنه . • ذكر الأخبار بذلك : ٣٠٦٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((يَسألُونك عن الأهلة ◌ُقُلْ هىَ مواقيت للناس))، قال قتادة : سألوا نبيَّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ذلك: لم ◌ُجعلت هذه الأهلة؟ فأنزل الله فيها ما تسمعون: ((هى مواقيت للناس))، فجعلها لصوم المسلمين والإفطارهم، ومناسكهم وحجّهم، ولعدة نسائهم، وَمحلّ دينهم ، فى أشياء. والله أعلم بما يُصلح خلقه. ٣٠٦٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال: ذكر لنا أنهم قالوا النبى صلى الله عليه وسلم: لم ◌ُخلقت الأهلة؟ فأنزل الله تعالى: ((يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيتُ للناس والحج )) ، جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم ، وحجهم ومناسكهم ، وعدّة نسائهم ، وحلّ ديونهم(١) ٣٠٦٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا (١) هكذا جاء فى هذه الآثار ٣٠٦٨، ٣٠٧٠، ٣٠٧٢، ٣٠٧٣ (حل ديونهم». والذى فى كتب اللغة: «حل الدين يحل حلولا ومحلا (بكسر الحاء))): أى وجب. وأستظهر أن يكون هذا المصدر ((حلا)) بفتح الحاء كنظائرها من اللغة كقولهم: ((صد يصد صداً وصدوداً))، ولوكسرت الماء لكان وجهاً . وهذه الرواية قاضية على صحة هذا المصدر . ٠٠٤ تفسير سورة البقرة : ١٨٩ معمر، عن قتادة فى قوله: ((مواقيتُ للناس والحج))، قال : هى مواقيت للناس فی حجهم وصومهم وفطرهم وُسکھم. ٣٠٧٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج، عن ابن جريج قال: قال الناس: لم خلقت الأهلة؟ فنزلت: (( يسألونك عن الأهلة "قُل هى مواقيت للناس))، لصومهم وإفطارهم وَحجهم وَمَناسكم - قال: قال ابن عباس : ووقت حجهم ، وعدة نسائهم ، وحلّ دَیْهم. ٣٠٧١ - حدثی موسی بن هرون قال،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى: ((يسألونك عن الأهلة قلْ هى مواقيت للناس))، فهى مواقيتُ الطلاق والحيض والحج . ٣٠٧٢ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، حدثنا الفضل بن خالد قال ، حدثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك: ((يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس ))، يعنى : حَلّ دينهم، ووقت حجهم ، وعدة نسائهم. ٣٠٧٣ - حدثنى محمد بن سعد قال،حدثی ابی قال ، حدثی عمی قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال: سأل الناسُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: (( يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس ))، يعلمون بها حَلّ دينهم ، وعدة نسائهم ، ووقت حجهم. ٣٠٧٤ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد ، عن شريك ، عن جابر، عن عبد الله بن يحيى، عن على: أنه سئل عن قوله: ((مواقيت للناس )» ، قال : هى مواقيتُ الشهر: هكذا وهكذا وهكذا - وقبض إبهامه - فإذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فأتموا ثلاثين. (١) (١) الخبر: ٣٠٧٤ - جابر: هو ابن يزيد الجبنى، بينا أنه ضعيف جداً، فى: ٢٣٤٠. وأما شيخه ((عبد اله بن يحيى)): فما عرفت من هو؟ وأكبر غظنى أن الاسم محرف، لم أستطع الوصول إلى مسحته . تفسير سورة البقرة : ١٨٩ قال أبو جعفر: فتأويل الآية - إذا كان الأمرُ على ما ذكرنا عمن ذكرنا عنهُ قوله فى ذلك -: يسألونك يا محمد عن الأهلة ومحاقها وسرارها وتمامها واستوائها، وتغير أحوالها بزيادة وُنقصان ومحاق واستسرار، وما المعنى الذى خالف بينه وبين الشمس الی می دائمة أبدًا على حال واحدة لا تتغير بزيادة ولا نقصان ؟ - فقل يا محمد : خالف بين ذلك ربكم لتصيره الأهلة = التى سألتم عن أمرها ، ومخالفة ما بينها وبين غيرها فيما خالف بينها وبينه = مواقيت لكم ولغيركم من بنى آدم فى معايشهم ، ترقبون بزيادتها ونقصانها ومحاقِها واستسرارها وإهلالكم إياها، أوقات حَلّ ديونكم، وانقضاء مدة إجارة من استأجر تموه ، وتصرُّم عدة نسائكم ، ووقت صومكم وإفطاركم ، فجعلها مواقيت الناس. وأما قوله ((والحج))، فإنه يعنى: والحجُّ . يقول: جعلها أيضاً ميقاتاً لحجكم ، تعرفون بها وقت مناسككم وحجکم القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بأن تَأْتُواْ أَلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِ هَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ أَتَّقَىْ وَأُتُواْ الْبُوتَ مِنْ أَبْوُ بِهَا وَأَتَّقُوا اله ◌َعَلْكُمْ تُفْلِمُونَ ) ) قال أبو جعفر :قیل: نزلتهذه الآیة فی قوم کانوا لا يدخلون ۔۔ إذا أحرموا .. بیوتهم من قبل أبوابها. وهذا الخبر لم يذكره ابن كثير، ولا السيوطى. وإنما أشار إليه ابن كثير إشارة ١: ٤٣٠. وقد ورد معناه مرفوعاً، فى حديث صحيح، رواه الحاكم ١: ٤٢٣، من حديث عبد الله ابن عمر، وصححه ووافقه الذهبي. وذكره ابن كثير ١: ٤٣٠، من رواية عبد الرزاق، ثم أشار إلى رواية الحاكم إياه. وذكره السيوطى ١ : ٢٠٣ - ٢٠٤، ونسبه أيضاً البيهقى. ٥٥٦ تفسير سورة البقرة : ١٨٩ ذكر من قال ذلك : ٣٠٧٥ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن أبى إسحق قال: سمعت البراء يقول: كانت الأنصار إذا حَجوا ورَجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها. قال : فجاء رجل من الأنصار فدخل من بابه ، فقيل له فى ذلك، فنزلت هذه الآية: ((وليسَ" البرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها)).(١) ٣٠٧٦ - حدثنی سفيان بن وكيع قال، حدثنى أبى ، عن إسرائيل ، عن أبى إسحق ، عن البراء قال: كانوا فى الجاهلية إذا أحرموا، أتُوا البيوت من ظهورها ولم يأتوا من أبوابها، فنزلت: ((وليس البر بأن تأتوا البيوتَ من ظهورها)) الآية. (٢) ٣٠٧٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سلیمان قال، سمعت داود ، عن قيس بن حبتر : أن ناساً كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطاً من بابه، ولا داراً من بابها أو بيتاً . فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه داراً، وكان رجل من الأنصار يقال له: (( رفاعة بن تابوت)) فجاء فتسوّر الحائط ، ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما خرّج من باب الدار - أو قال: من باب البيت - خرج معه رفاعة ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ١٠٩/٢ ما حملك على ذلك؟ قال: يا رسول الله، رأيتُك خرجتَ منه فخرجت منه!فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: إنیرجل احمس! فقال: إن تکن رجلاً آخمس،فإنّ دینتا واحد! فأنزل الله تعالى ذكره: (( وليسَ البر بأن تأتوا البيوتَ من ظهورها ولكن (١) الحديث: ٣٠٧٥ - رواه أبو داود الطيالسى: ٧١٧، عن شعبة، بهذا الإسناد، نحوه. ورواه البخارى مطولا ٣: ٤٩٤، عن أبى الوليد، عن شعبة، بهذا الإسناد. وذكره السيوطى ١: ٢٠٤، وزاد نسبته لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم . وسيأتى معناه بإسناد آخر ، عقبه . (٢) الحديث : ٣٠٧٦ - هو مكرر ما قبله. وهو فى تفسير وكيع، كما ذكر السيوطى ١ : ٠٢٠٤ ورواه البخارى ٨: ١٣٧، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، بهذا الإسناد. ٥٥٧ تفسير سورة البقرة : ١٨٩ البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها)). (١) ٣٠٧٨ - حدثنا محمد بن عمرو قال،حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله تعالى ذكره: (( وليس البرُّ بأن تأتوا. البیوتمن ظهورها))، يقول : ليس البرّ بأن تأتوا البيوت من كُوَّات فى ظهور البيوت، وأبواب فى جنوبها، تجعلها أهل الجاهلية. فنُهوا أن يدخلوا منها، وأمروا أن يدخلوا من أبوابها. ٣٠٧٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله. ٣٠٨٠ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم (١) الحديث: ٣٠٧٧ - داود: هو ابن أبى هند، مضت ترجمته: ١٦٠٨. قيس بن حتر النهشلى التميمى : تابعى ثقة، وثقه أبو زرعة، والنسائى ، وغيرهما . (حبتر)): بفتح الحاء المهملة والتاء المثناة بينهما باء موحدة ساكنة. ووقع فى المطبوعة هنا ((جبير))، وهو تصحيف. ووقع أيضاً هكذا مصحفاً فى المواضع التى سنشير إليها من الفتح والإصابة والدر المنثور ، فى هذا الحديث . وهذا إسناد مرسل ، لأنه عن تابعى مرفوعاً ، فهو ضعيف . والحديث ذكره السيوطى ١ : ٢٠٤، وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر . وذكره الحافظ فى الإصابة ٢ : ٢٠٩، من تفسير عبد بن حميد. وذكره أيضاً فى الفتح ٣ : ٤٩٤، مختصراً، ونسبه لعبد بن حميد، وابن جرير. وصرح فى الموضعين بأنه حديث مرسل. الأحمس : هو المتشدد فيه دينه الصلب. ثم كانت الحمس (جمع أحمس) هم قريش. وخزاعة ، لنزولها مكة ومجاورتها قريشاً، وكل من ولدت قريش من العرب وكنانة، وجديلة قيس - وهم فهم وعنوان ابنا عمرو بن قيس عيلان، وبنو عامر بن صعصعة، وكل من نزل مكة من قبائل العرب . فكانت الحمس قد شددوا فى دينهم على أنفسهم ، فكانوا إذا نسكوا لم يسلأوا سمناً، ولم يطبخوا أقطاً ، ولم يدخروا لبناً، ولم يحولوا بين مرضعة ورضاعها حتى يعافه، ولم يحركوا شعراً ولا ظفرا ، ولا يبتنون فى حجهم شعراً ولا وبراً ولا صوفاً ولا قطناً ، ولا يأكلون لحماً ، ولا يلبسون إلا جديداً ، ولا يطوفون بالبيت إلا فى حذائهم وثيابهم ، ولا يمشون المسجد بأقدامهم تعظيما لبقعته ، ولا يدخلون البيوت من أبوابها، ولا يخرجون إلى عرفات، يقولون: ((نحن أهل الله))، ويلزمون مزدلفة حتى يقضوا نسكهم ، ويطوفون بالصفا والمروة إذا انصرفوا من مزدلفة، ويسكنون فى ظمنهم قباب الأدم الحمر ( المحبر لابن حبيب: ١٧٨ - ١٨٠، ثم سيرة ابن هشام ١ : ٢١١ - ٢١٦ / والطبرى فى التفسير رقم: ٣٨٤٠). ٥٥٨ تفسير سورة البقرة : ١٨٩ قال : كان ناسٌ من أهل الحجاز إذا أحرموا لم يدخلوا من أبواب بيوتهم ودخلوا من ظهورها، فنزلت: ((ولكن البر من اتقى)) الآية. ٣٠٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد فى قوله: (( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها))، قال : كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم نقب كُوَّةٌ فى ظهر بيته ، فجعل ◌ُسُلَّماً، فجعل يدخل منها. قال: فجاء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذات يوم ومعه رجل من المشركين ، قال : فأتى الباب ليدخل فدخل منه . قال : . فانطلق الرجل ليدخل من الكوة . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما شأنك ؟ فقال: إنىّ أحمس! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أحمس. ٣٠٨٢ - حدثنا الحسن بن یحیی قال،أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن الزهرى قال : كان ناسٌ من الأنصار إذا أهلُّوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شىء ، يتحرَّجون من ذلك. وكان الرجل يخرجُ مُهلاً بالعمرة ، فتبدو له الحاجة بعد ما يخرج من بيته ، فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء ، فيفتح الجدار من ورائه ، ثم يقوم فى حجرته ، فيأمر بحاجته. فتخرج إليه من بيته ، حتى بلغنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهلَّ زمنَ الحديبية بالعمرة، فدخل حجرة، فدخل رجل على أثره ، من الأنصار من بنى سليمة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إنىّ أحمس! قال الزهرى : وكانت الخمس لا يبالون ذلك ، فقال الأنصارى: وأنا أحمس ! يقول: وأنا على دينك ، فأنزل الله تعالى ذكره: (( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها)). ٣٠٨٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: (( وليس البر بأن تأتوا البيوت )» الآية كلها ، قال قتادة : كان هذا الحى من الأنصار فى الجاهلية ، إذا أهلَّ أحدُهم بحج أو عمرة لا يدخلُ داراً من بابها ، إلا أن يتسور حائطاً تسوُّرًا، وأسلموا وهم كذلك، فأنزل الله تعالى ذكره ٥٥٩ تفسير سورة البقرة : ١٨٩ فى ذلك ما تسمعون ، ونهاهم عن صنيعهم ذلك ، وأخبرهم أنه ليس من البر صنيعهم ذلك ، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها. ٣٠٨٥ - حدثی موسی بن هرون قال،حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى قوله: (( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها))، فإن ناساً من العرب كانوا إذا حجُّوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، كانوا يَنقبون فى أدبارِها. فلما حجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع ، أقبل يمشى ومعه رجل من أولئك وهو مسلم . فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم باب البيت ، احتبس الرجل خلفه وأبى أن يدخل، قال: يا رسول الله، إنى أحمس ! - يقول: إنىّ محرم - وكان أولئك الذين يفعلون ذلك يسمون (( الخمس ))، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنا أيضاً أحمس! فادخل. فدخل الرجل، فأنزل الله تعالى ذكره: (( وأتوا البيوت من أبوابها » . ٣٠٨٦ - حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی أبی قال ، حدثی عی قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس: (( وليس البر بأن يأتوا البيوت من ظهورها ولكنّ البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها))، وأنّ رجالاً من أهل المدينة كانوا إذا خاف أحدُهم من عدوّ شيئاً أحرم فأمين. فإذا أحرم لم يلچمن باب بيته ، واتخذ نقباً من ظهر بيته. فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، كان بها رجلٌ محرم كذلك - وأنّ أهل المدينة كانوا يُسمُّون البستان (اُش")) - وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل 'بستاناً ، فدخله من بابه، ودخل معه ذلك المحرم. فناداه رجلٌ من ورائه: يا فلان، إنك محرم وقد دخلت! فقال: أنا أحمس ! فقال : يا رسول الله ، إن كنت محرماً فأنا محرم ، وإن كنت أحمسَ. فأنا أحمسُ! فأنزل الله تعالى ذكره: ((وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها))، إلى آخر الآية ، فأحل الله المؤمنين أن يدخلوا من أبوابها . ٣٠٨٧ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبى جعفر ، ٥٦٠ ٠٠٠٠ تغير سورة البقرة : ١٨٩ ١١٠/٣ عن أبيه، عن الربيع قوله: ((وليسَ البر بأنْ تأتوا البيوتَ من ظهورها ولكن البر "مَن اتفى وأتوا البيوت من أبوابها))، قال: كان أهل المدينة وغيرُهم إذا أحرمُوا لم يدخلوا البيوت إلاّ من ظهورها، وذلك أن يتسوّرُوها. فكان إذا أحرم أحدُهم لا يدخل البيت إلا أن يتسوّره من قِبل ظهره. وأن النبى صلى الله عليه وسلم دخل ذات يوم بيتاً لبعض الأنصار ، فدخل رجلٌ على أثره ممن قد أحرم، فأنكروا ذلك عليه ، وقالوا: هذا رجل فاجرٌ! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لم دخلت من الباب وقد أحرمت؟ فقال: رأيتُك يا رسول اللّه دخلتَ فدخلتُ على أثرك! فقال النبى صلى الله عليه وسلم: إنىّ أحمس ! - وقريش يومئذ تُدعى الخمس- فلما أن قال ذلك النبى صلى الله عليه وسلم ، قال الأنصارى : إن دينى دينك ! فأنزل الله تعالى ذكره: ((وليس البر بأن تأتوا البيوت" من ظهورها)) الآية . ٣٠٨٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ، قال ابن جريج: قلت لعطاء قوله: (( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها »، قال: كان أهل الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها وبرَوْنه برًّا، فقال: ((البر)»، ثم نعت ((البر)»، وأمر بأن يأتوا البيوت من أبوابها = قال ابن جريج: وأخبرنى عبد الله ابن كثير : أنه سمع مجاهداً يقول : كانت هذه الآية فى الأنصار ، يأتون البيوت من ظهورها ، يتبرَّرُون بذلك. قال أبو جعفر : فتأويل الآية إذاً : وليس البر أيها الناس بأن تأتوا البيوت فى جال إحرامكم من ظهورها ، ولكن البر من اتقى الله ، فخافه وتجنب محارمه ، وأطاعه بأداء فرائضه التى أمره بها. فأما إتيانُ البيوت من ظهورها فلا برَّ اللّه فيه ، فأتوها من حیثُ شئتُم من أبوابها وغير أبوابها، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من أبوابها فى حال من الأحوال ، فإن ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه، لأنه مما لم أحرمه عليكم.