Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٫٠١
تفسير سورة البقرة : ١٨٢
فيحيف فى وصيته ، فيردها الولىّ إلى الحق والعدل. (١)
٢٦٩٤ - حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن
قتادة قوله: ((فمن خاف من مُوص جنفاً أو إثماً))، وكان قتادة يقول: من
أوصى بجورٍ أو حيْف فى وصيته فردها وَلىّ المتوفى أو إمام من أئمة المسلمين، إلى
كتاب الله وإلى العدل ، فذاك له .
٢٦٩٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد
وابن أبى جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ((فمن خافَ من ◌ُمُوص جنفاً أو إثماً))،
فمن أوصى بوصية بجور، فردَّه الوصىُّ إلى الحق بعد موته ، فلا إثم عليه - قال
عبد الرحمن فى حديثه: ((فأصلح بينهم))، يقول : رده الوصىّ إلى الحق بعد موته ،
فلا إثم عليه .
٢٦٩٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا قبيصة، عن سفيان،
عن أبيه، عن إبراهيم: ((فمن خافَ من ◌ُمُوص "جنفاً أو إثماً فَأَصْلح بينهم))،
قال : رده إلى الحق .
٢٦٩٧ - حدثنا أحمد بن إسحق قال ، حدثنا أبو أحمد الزبیری قال ، حدثنا
إسرائيل ، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم قال: سألته عن رجل أوصى بأكثر
من الثلث؟ قال: اردُدها. ثم قرأ: ((فمن خاف من مُوصَ جَنفاً أو إثماً)).
٢٦٩٨ - حدثنا عمرو بن علی قال، حدثنا خالد بن زيد صاحب اللؤلؤ
قال، حدثنا أبو جعفر الرازى، عن الربيع بن أنس: ((فمن خاف من مُوص
جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه)) ، قال : رده الوصى إلى الحق بعد موته ،
فلا إثم على الوصى .
٠
وقال بعضهم : بل معنى ذلك : فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فى عطيته
(١) فى المطبوعة: ((الوالى))، والصواب ما أثبت، أى ولى الميت.
ج ٣ (٢٦)
٤٠٢
تفسير سورة البقرة : ١٨٣
عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض، فلا إثم على من أصلح بينهم -يعنى: بين الورثة.
• ذكر من قال ذلك :
٢٦٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: ((فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً)) ،
قال : الرجل يحيف أو يأثم عند موته، فيعطى ورثته بعضهم دون بعض، يقول الله:
فلا إثم على المصلح بينهم . فقلت لعطاء: أله أن يُعطى وارثه عند الموت، إنما
هی وصية، ولا وصية لوارث ؟ قال : ذلك فيما يقسم بينهم.
٠٠٠
وقال آخرون : معنى ذلك : فمن خاف من ◌ُمُوص جنفاً أو إثماً فى وصيته لمن
لا يرثه ، بما يرجع نفعه على من يرثه، فأصلح بينَ ورثته ، فلا إثم عليه .
• ذكر من قال ذلك :
٢٧٠٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج ، أخبرنى ابن طاوس، عن أبيه أنه كان يقول: جَنفُه وإثمه،
أنْ يوصى الرجل لبنى ابنه ليكونَ المالُ لأبيهم، وتوصى المرأة لزوج ابنتها ليكون
المال لابنتها؛ وذو الوارث الكثير والمالُ قليل ، فيوصى بثلث ماله كله ، فيصلح
بينهم الموصّى إليه أو الأمير . قلت : أفى حياته أم بعد موته ؟ قال : ما سمعنا أحداً
يقول إلاّ بعد موته ، وإنه ليوعظ عند ذلك.
٢٧٠١ - حدثنى الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه فى قوله: ((فمن خاف من موص جنفاً
أو إثماً فأصلح بينهم )) ، قال : هو الرجل يوصى لولد ابنته .
٠٠٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك: فمن خاف من موص لآبائه وأقربائه جنفاً
على بعضهم لبعض . فأصلح بين الآباء والأقرباء . فلا إثم عليه .
. ذكر من قال ذلك
٤٠٣
تفسير سورة البقرة : ١٨٢
٢٧٠٢ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((فمن خافَ من ◌ُوص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم
عليه)). أما ((جنفاً)): فخطأ فى وصيته، وأما (( إثماً)): فعمداً يعمد فى وصيته الظلم.
فإن هذا أعظمُ لأجره أن لا يُنفذها ، ولكن يصلح بينهم على ما يرى أنه الحق ،
ينقص بعضاً ويزيد بعضاً . قال : ونزلت هذه الآية فى الوالدين والأقربين .
٢٧٠٣ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((فمن خافَ من مُوص "جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه))، قال: ((الجنّف))
أن يحيف لبعضهم على بعض فى الوصية، ((والإثم)) أن يكون قد أثم فى أبويه
بعضهم على بعض، ((فأصلح بينهم)) الموصى إليه بين الوالدين والأقربين - الابن والبنون
هم ((الأقربون)) - فلا إثم عليه. فهذا الموصى الذى أوْصى إليه بذلك، وجعل إليه،
فرأى هذا قد أجنفَ لهذا على هذا ، فأصلح بينهم فلا إثم عليه ، فيعجز الموصى
أن يوصى كما أمره الله تعالى، وعجز الموصى إليه أن يصلح ، فانتزع الله تعالى
ذكره ذلك منهم ، ففرَضَ الفرائض.
٠
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى تأويل الآية أن یکون تأويلها : فمن خاف
من مُوصٍ جَتفاً أو إثماً - وهو أن يميل إلى غير الحق خطأ منه ، أو يتعمد إثماً فى
وصيته ، بأن يوصى لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه بأكثر مما يجوز له أن يوصى لهم
به من ماله، وغير ما أذن الله له به مما جاوز الثلث أو بالثلث كله، وفى المال قلة ،
وفِى الوَرَثَة كثرةٌ = فلا بأس على من حضره أن يصلح بين الذين يُوصَى لهم ،
وبين ورثة الميت، وبين الميت، بأن يأمرَ الميت فى ذلك بالمعروف ويعرِّفه ما أباح
الله له فى ذلك وأذن له فيه من الوصية فى ماله ، وينهاه أن يجاوز فى وصيته المعروف
الذى قال الله تعالى ذكره فى كتابه: ((كُتُب عليكم إذا حضر أحدكم الموتُ إِن
ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف))، وذلك هو ((الإصلاح)) الذى
٧٤/٢
٤٠٤
تفسير سورة البقرة : ١٨٢
قال الله تعالى ذكره: ((فأصلح بينهم فلا إثم عليه)). وكذلك لمن كان فى المال
فَضْل وكثرةً وفى الورثة قيلة ، فأراد أن يقتصر فى وصيته لوالديه وأقربيه عن
ثلثه، فأصلح من حضره بينه وبين ورثته وبین والدیه وأقربیه الذین یرید أن يوصى
لهم ، بأن يأمر المريض أن يزيد فى وصيته لهم ، ويبلغ بها ما رَخّص اللّه فيه من
الثلث . فذلك أيضاً هو من الإصلاح بينهم بالمعروف .
وإنما اخترنا هذا القول ، لأن الله تعالی ذکره قال : ( فمنّ خاف من موص
"جنفاً أو إثماً))، يعنى بذلك: فمن خاف من موص أن يَجْنَف أو يَأْثم. فخوفُ
الجنف والإثم من الموصى ، إنما هو كائن قبل وقوع الجنف والإثم ، فأما بعد
وجوده منه ، فلا وجه للخوف منه بأن يجنف أو يأثم ، بل تلك حال مَنْ قد
جَنفَ أو أثم. ولو" كان ذلك معناه لقيل: فمن تبيّن من مُوص جنفاً أو إثماً .-
- أو أيقن أو علم - ولم يقل : فمن خافَ منه جنفاً.
٠٠
فإن أشكل ما قلنا من ذلك على بعض الناس فقال : فما وجه الإصلاح حينئذ،
والإصلاح إنما يكون بين المختلفين فى الشىء ؟
قيل : إنّ ذلك وإن كان من معانى الإصلاح، فمن الإصلاح الإصلاحُ بين
الفريقين ، (١) فيما كان مخوفاً حدوثُ الاختلاف بينهم فيه ، بما يؤمن معه ◌ُحدوث
الإختلاف. لأن ((الإصلاح))، إنما هو الفعل الذى يكون معه إصلاحُ ذات
البين ، فسواء كان ذلك الفعل الذى يكون معه إصلاح ذات البين - قبلَ وقوع
الاختلاف أو بعد وقوعه .
فإن قال قائل: فكيف قيل: ((فأصلح بينهم ))، ولم يجر الورثة ولا للمختلفين،
أو الخوف اختلافهم ، ذکرٌ ؟
(١) فى المطبوعة: ((فن الإصلاح بين الفريقين ... ))، والصواب زيادة، ((الإصلاح))، كما
يدل عليه السياق .
٤٠٥
٠٠
تفسير سورة البقرة : ١٨٢
قيل : بل قد جرى ذكر الذين أمر الله تعالى ذكره بالوصية لهم ، وهم والدا
الموصى وأقربوه، والذين أمروا بالوصية فى قوله: ((كُتُب عليكم إذا حضر أحدكم
الموتُ إن تَرَكَ خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف )»، ثم قال تعالى ذكره :
((فمن خافَ من ◌ُوص ))- لمن أمرته بالوصية له - ((جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم)) -
وبين من أمرته بالوصية له - ((فلا إثم عليه)). والإصلاح بينه وبينهم ، هو
إصلاح بينهم وبين ورثة الموصى .
٠
قال أبو جعفر: وقد قرئ قوله: ((فمنْ خَافَ منْ ◌ُوص)) بالتخفيف
فى ((الصاد)) والتسكين فى ((الواو)) - وبتحريك ((الواو)) وتشديد ((الصاد)).
فمن قرأ ذلك بتخفيف ((الصاد)) وتسكين ((الواو))، فإنما قرأه بلغة من قال:
((أوصيتُ فلاناً بكذا)).
ومن قرأ بتحريك ((الواو)) وتشديد ((الصاد))، قرأه بلغة من يقول: (( وصِّيت
فلاناً بكذا)). وهما لغتان للعرب مشهورتان: (( وصَّتك، وأوصيتك))(١)
٠٠٠
وأما ((الجنف))، فهو الجورُ والعدول عن الحق فى كلام العرب ، ومنه قول
الشاعر : (٢)
هُمُ الَوْلَى وَإِنْ جَنَفُوا عَلَيْنَ وَإِنَّا مِنْ لِقَائِهِمُ لَزُورُ(٣)
يقال منه: ((جنف الرجل على صاحبه يجنّف)) - إذا مال عليه وَجار
- ((جمفاً)).
٥٠
(١) انظر تفسير (وصى) فيما سلف من هذا الجزء ٣ : ٩٣ - ٩٦
(٢) هو عامر الخصفى، من بنى خصفة بن قيس عيلان.
(٣) مجاز القرآن لأبى عبيدة: ٦٦، ٦٧، ومشكل القرآن: ٢١٩، والسان (جنف) (ولى).
والمولى: ابن العم، وأقام المفرد مقام الجمع، وأراد ((المولى))، قال أبو عبيدة هو كقوله تعالى:
﴿ثُمَّ يُخْرِ جُكُمْ ◌ِفْلاً﴾ وزور جمع أزور: وهو المائل عن الشىء. يقول: هم أبناء عمنا،
ونحن نكره أن نلاقيهم فنقاتلهم ، لما لهم من حق الرسم .
٤٠٦
تفسير سورة البقرة : ١٨٢
فمعنى الكلام من خاف من موص جنفاً له بموضع الوصية ، وميلاً عن الصواب
فيها ، وجوراً عن القصد أو إثماً بتعمده ذلك على علم منه بخطأ ما يأتى من ذلك ،
فأصلح بينهم، فلا إثم عليه .
٠ ٠
ويمثل الذى قلنا فى معنى ((الجنف)) ((والإثم))، قال أهل التأويل.
• ذكر من قال ذلك :
٢٧٠٤ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثی أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس فى قوله: ((فمن خاف من موص جنفاً))،
يعنى : بالجنف الخطأ.
٢٧٠٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح ، عن عبد الملك ،
عن عطاء: ((فمن خاف من موص "جنفاً))، قال: ميلاً .
٢٧٠٦ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبدالملك ،
عن عطاء مثله .
٢٧٠٧ - حدثنا عمرو بن علی قال، حدثنا خالد بن الحارث ویزید بن
ابن هرون قالا ، حدثنا عبد الملك ، عن عطاء مثله .
٢٧٠٨ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا هشيم قال ، أخبرنا جويبر ، عن
الضحاك قال : الجنفُ الخطأ ، والإثم العمد .
٢٧٠٩ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى قال، حدثنا [ أبو أحمد ] الزبيرى
قال ، حدثنا هشيم ، عن جويبر ، عن عطاء مثله .
٢٧١٠ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((فمن خاف من مُوص جنفاً أو إثماً))، أما (("جنفاً)) فخطأ فى وصيته،
وأما ((إثماً)) فعمداً، يعمد فى وصيته الظلم.(١)
- ٢٧١١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
(١) الأثر: ٢٧١٠ - مضى رقم : ٢٧٠٢ مطولا.
٤٠٧
تفسير سورة البقرة : ١٨٢
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((فمن "خافَ من مُوص جنفاً أو إثماً))،
قال : خطأً أو عمدًا .(١)
٧٥/٢
٢٧١٢ - حدثیالمثی قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا عبد الرحمن بن سعد
وابن أبى جعفر، عن أبى جعفر، عن الربيع: ((فمن خاف من ◌ُمُوصِ جنفاً
أو إثماً))، قال: الجنف الخطأ، والإثم العمد.
٢٧١٣ - حدثنا عمرو بن علی قال، حدثنا خالد بن يزيد صاحب اللؤلؤ
قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس مثله .
٢٧١٤ - حدثنی المثی قال، حدثنا إسمق قال، حدثنا قبيصة ، عن سفيان،
عن أبيه، عن إبراهيم: ((فمن خاف من مُوص جَنفاً أو إثماً ))، قال : الجنف
الخطأ ، والإثم العمد .
٢٧١٥ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا فضيل
ابن مرزوق، عن عطية: ((فمن خاف من مُوص جنفاً))، قال: خطأ، ((أو إثماً))
متعمداً .
٢٧١٦ - حدثنى المثنى قال: حدثنا إسمق قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن
ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه: ((فمن "خافَ من ◌ُمُوص جنفاً))،
قال : ميلاً .
٢٧١٧ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال،قال ابن زيد فى قوله :
(("جنفاً)) "حَيْقاً، ((والإثم)) ميله لبعض على بعض. وكلّه يصير إلى واحد،
كما يكون ((عفوًّا غفوراً)) و(("غفوراً رَحياً)».
٢٧١٨ - حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال، حدثی حجاج ، عن ابن
(١) الأثر: ٢٧١١ - كان فى المطبوعة: ((فن خاف من موص جنفاً)) قال: جنفاً إنما))،
وهى عبارة مضطربة فاسدة ، فلم أستجز تركها على فسادها وفقلت قول مجاهد الذى أخرجه سفيان بن عيينة
وعبد بن حميد فيما نقله السيوطى فى الدر المنثور ١ : ١٧٥.
٤٠٨
تفسير سورة البقرة : ١٨٢
جريج قال ، قال ابن عباس: الجنف) الخطأ، والإثم العمد.
٢٧١٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، حدثنا الفضل بن خالد قال ،
حدثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك قال : الجنف الخطأ ، والإثم العمد.(١)
٠٠٠
وأما قوله: ((إنّ الله غفورٌ رَحيم))، فإنه يعنى: والله غفورٌ للموصى (٢)= فيما
كان حدَّث به نفسه من الجنف والإثم ، إذا تَرَك أن يأثم ويجنف فى وصيته ،
فتجاوزَ لهعما كان حدَّث به نفسه من الجور، إذ لم يُمْضِ ذلك فيُغْفِل أن يؤاخذه
به (٣) = ((رحيمٌ)) بالمصلح بينَ المُوصى وبين من أراد أن يحيف عليه لغيره، أو
يأتم فيه له .
(١) الخبر: ٢٧١٩ - الحسين بن الفرج الخياط البغدادى: شيخ لا يعبأ بروايته، قال فيه
ابن معين: ((كذاب، صاحب سكر، شاطر))؛ مترجم فى ابن أبى حاتم ٦٢/٢/١-٦٣، وتاريخ إصبان
١ : ٢٦٦ - ٢٦٧، وتاريخ بغداد ٨: ٨٤ - ٨٦، ولسان الميزان ٢: ٣٠٧. والطبرى يروى
عنه فى التفسير كثيراً بإسناد مجهل، يقول: ((حدثت عن الحسين بن الفرج)). ولعل ذلك من أجل
ضعف حديثه ، فلا يصل الإسناد إليه . وصرح فى بعض مرات فى التاريخ باسم من حدثه عنه ، انظر
التاريخ ١ : ٣٠، ٤٢.
ويقع اسمه فى المطبوعة على الصواب، كما فى ٢٨٩٨. وكثيراً ما يقع خطأ مصحفاً: (الحسن بن
الفرج))، كما فى هذا الموضع، وكما فى: ٢٧٥٠. ومن ذلك ما مضى: ٦٩١، وقلت هناك: ((لم
أعرف من هو ؟)) . فيصحح فى ذلك الموضع، وحيثًا جاء فى التفسير.
الفضل بن خالد : مضت ترجمته : ٦٩١.
(٢) كان فى المطبوعة: ((غفور رحيم الموصى ... ))، وليس صواباً، وسياق عبارته دال على
صواب ما أثبتنا .
(٣) فى المطبوعة: ((فيفعل أن يؤاخذه به))، ولعل الصواب ما أثبت
٤٠٩
تفسير سورة البقرة : ١٨٣
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا الّذِينَءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الْذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنْقُونَ) (٨)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: (( يا أيها الذين آمنوا))، يا أيها الذين
آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بهما وأقرُّوا.(١)
ويعنى بقوله: ((كتب عليكم الصيام))، فرض عليكم الصيام. (٢)
و((الصيام)) مصدر، من قول القائل: (('صمت عن كذا وكذا)) - يعنى:
كففت عنه - ((أصوم عنه صوماً وصياماً )). ومعنى (( الصيام)) ، الكفعما
أمر الله بالكف عنه. ومن ذلك قيل: ((صَامت الخيل))، إذا كفت عن السير،
ومنه قول نابغة بی ذبيان :
خَيْلٌ صِيَامٌ، وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِقَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ، وَأُخْرَى تَقْلُكُ اللُّجْمَا (٦)
ومنه قول الله تعالى ذكره: ﴿ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّ حْنِ صَوْمَا﴾ [سورة مريم: ٢٦]
يعنى : صمتاً عن الكلام .
۵
وقوله: (( كما كُتب على الذين من قبلكم »، يعنى فرض عليكم مثل الذى فرض
على الذين من قبلكم .
(١) انظر تفسير ((الإيمان)) فيما سلف ١: ٢٣٤ - ٢٣٥، والمراجع فى فهرس اللغة.
(٢) انظر تفسير ((كتب)) فيما سلف فى هذا الجزء ٣: ٣٥٧، ٣٦٤، ٣٦٥
(٣) ديوانه: ١٠٦ (زيادات) واللسان (علك) (صام)، ولكنه من قصيدته التى أولها :
• ◌َانَتْ سُعَادُ وَأَمْتَى حَبْلُهَا أُنْجَذَمَا .
وقد فسر ((صامت الخيل)) بأنها الإمساك عن السير، وعبارة اللغة، ((صام الفرس)) إذا قام فى
آريه لا يعتلف، أو قام ساكناً لا يطعم شيئاً . وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير ،
فهو صائم . والعجاج: الغبار الذى يثور ، يعنى أنها فى المعركة لا تقر ، وعلك الفرس لجامه : لاكه
وحر که فی فيه .
٤١٠
تفسير سورة البقرة : ١٨٣
٠٠٠
قال أبو جعفر : ثم اختلف أهل التأويل فى الذين عنى الله بقوله ((كما
كُتْبَ على الذين من قبلكم))، وفى المعنى الذى وقعَ فيه التشبيه بين فرضٍ صومنا
وصوم الذين من قبلنا .
فقال بعضهم : الذين أخبرنا الله عن الصوم الذى فرضه علينا، أنه كمثل
الذى كان عليهم ، هم النصارى . وقالوا : التشبيه الذى تشبه من أجله أحدهما
بصاحبه ، هو اتفاقهما فى الوقت والمقدار الذى هو لازم لنا اليوم فرضُه .
• ذكر من قال ذلك :
٢٧٢٠ - حدثت عن يحيى بن زياد، عن محمد بن أبان [ القرشى ]، عن
أبى أمية الطنافسى ، عن الشعبى أنه قال : لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم
الذى يشك فيه فيقال من شعبان ، ويقال : من رمضان . وذلك أن النصارى
فُرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فحوّلوه إلى الفصل . وذلك أنهم كانوا
ربما صاموه فى القيظ يعدون ثلاثين يوماً . (١) ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالثقة من
أنفسهم، فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً. ثم لم يزل الآخرُ يستن سنّة القرن
الذى قبله حتى صارت إلى خمسين. (٢) فذلك قوله: ((كتبَ عليكم الصيام كما
كتبَ "على الذين من قبلكم)).(٣)
٥
(١) فى معانى القرآن الفراء: ((فعدوه ثلاثين يوماً)).
(٢) فى معانى القرآن: ((يستن سنة الأول حتى صارت ... )).
(٣) الخبر: ٢٧٢٠ - يحيى بن زياد أبو زكرياء: هو الفراء الإمام النحوى، وهو ثقة معروف
مترجم فى التهذيب. وتاريخ بغداد ١٤ : ١٤٩ - ١٥٥. وفى دواوين كثيرة .
محمد بن أبان: نقل أخى السيد محمود محمد شاكر أن هذا الخبر مذكور فى كتاب ((معانى القرآن).
الفراء رواء عن ((محمد بن أبان القرشى)». ومحمد بن أبان القرشى: هو ((محمد بن أبان بن صالح بن
عمير، مولى لقريش. ترجمه البخارى فى الكبير ٣٤/١/١، برقم ٥٠ وقال ((يتكلمون فى حفظه))
وذكر فى الصغير مرتين، ص ٢١٤٠١٨٨ وقال فى أولاهما («يتكلمون فى حفظ محمد بن أبان،
لا يعتمد عليه )) وقال فى الضعفاء، ص ٣٠ (( ليس بالقوى).
٤١١
تفسير سورة البقرة : ١٨٣
وقال آخرون : بل التشبيه إنما هو من أجل أنّ صومهم كان من العشاء
الآخرة إلى العشاء الآخرة . وذلك كان فرضُ اللّه جل ثناؤه على المؤمنين فى أول
ما افترض عليهم الصوم . ووافق قائلو هذا القول القائلى القول" الأوَّلَ: أن الذين
عَنى الله جل ثناؤه بقوله: ((كما كُتُبَ على الذين من قبلكم))، النصارى .
• ذكر من قال ذلك :
٢٧٢١ - 'حدثی موسی بنهرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: (( يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كتب على
الذين من قبلكم ))، أما الذين من قبلنا : فالنصارى، کتب عليهم رمضان، وكتب
عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم ، ولا ينكحوا النساء شهر رمضان . فاشتد
على النصارى صيامُ رَمضان ، وجعل يُقلَّبُ عليهم فى الشتاء والصيف . فلما رأوا
ذلك اجتمعوا فجعلوا صياماً فى الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين
يوماً نكفّر بها ما صنعنا ! فجعلوا صيامهم خمسين . فلم يزل المسلمون على ذلك
يصنعون كما تصنع التصارى ، حتى كان من أمر أبى قيس بن صرمة وعمر بن
الخطاب، ما كان، (١) فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر.
٧٦/٢
وكذلك ترجمه ابن أبى حاتم ١٩٩/٢/٣، برقم: ١١١٩، وروى تضعيفه عن يحيى بن معين.
والراجح عندى أنه هو الذى روى عنه الفراء ، فإن ابن أبى حاتم ذكر من الرواة عن القرشى هذا -
أبا داود الطيالسى ، وهو من طبقة الفراء .
وأما ترجمته فى التهذيب ٩: ٢ - ٣ فإنها مختلة مضطربة، خلط فيها بين هذا وبين ((محمد بن أبان
الواسطى))، وشتان بينهما. والواسطى مترجم عند البخارى، برقم: ٤٨، وعند ابن أبى حاتم ، برقم :
١١٢١ - وكلاهما لم يذكر فيه جرحاً .
((عن أبي أمية الطنانسى)): كذا ثبت هنا. وليس لأبى أمية الطنافى ترجمة ولا ذكر، فيما
رأينا من المراجع. وإنما المترجم ابنه ((عبيد بن أبى أمية)). وهو الذى يروى عن الشعبى. وهو مترجم
فى التهذيب وابن أبى حاتم ٤٠١/٢/٢ .
وهذا الخبر فى معانى القرآن القراء ١: ١١١، ونقله السيوطى ١: ١٧٦، ولم ينسبه لغير
الطبرى، ولكنه اختصره جداً. كل تلخيص لا نقل.
(١) سيأتى خير أبى صرمة وعمر فى الآثار رقم: ٢٩٣٥ - ٢٩٥٢.
٤١٢
تفسير سورة البقرة : ١٨٣
٢٧٢٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع: ((كتب عليكم الصيامُ كما كتب على الذين من قبلكم))،
قال : كتب عليهم الصوم من العتمة إلى العتمة .
٠٠٠
وقال آخرون: الذین عنى الله جل ثناؤه بقوله: ( کما کتب علی الذین من
قبلكم »، أهل الكتاب .
· ذكر من قال ذلك :
٢٧٢٣ - حدثنى المثى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب
على الذين من قبلكم )) ، أهل الكتاب .
٠٠٠
وقال بعضهم : بل ذلك كان على الناس كلهم .
• ذكر من قال ذلك :
٢٧٢٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة فى قوله: ((كتب عليكم الصيامُ كما كتب على الذين من
قبلكم ))، قال: كتب شهرُ رمضان على الناس ، كما كُتُب على الذين من قبلهم .
قال: وقد كتب الله على الناس قبل أن ينزل رمضانُ صَوْمَ ثلاثة أيام من كل شهر.
٢٧٢٥ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)) ،
رمضانُ، کتبه الله علی من کان قبلهم .
.
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : معنى الآية :
يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم من أهل
الكتاب، ((أياماً معدودات))، وهى شهر رمضان كله. لأن من بعدَ إبراهيم
٤١٣
تفسير سورة البقرة : ١٨٤،١٨٣
صلى الله عليه وسلم كان مأموراً باتباع إبراهيم ، وذلك أن الله جل ثناؤه كان "جعله
للناس إماماً، وقد أخبرنا الله عز وجل أن دينه كان الحنيفيةَ المسلمةَ ، فأمر نبينا
صلى الله عليه وسلم بمثل الذى أمر به مَنْ قبله من الأنبياء.
وأما التشبيه ، فإنما وقع على الوقت . وذلك أن مَنْ كان قبلنا إنما كان فرِض
عليهم شهر رمضان ، مثل الذى فُرض علينا سواء .
وأما تأويل قوله: ((لعلكم تتقون))، فإنه يعنى به : لتتقوا أكل الطعام وشرب
الشراب وجماع النساء فيه. (١) يقول: فرضت عليكم الصوم والكفّ عما تكونون بترك
الكف عنه مفطرين ، لنتقوا ما يُفطركم فى وقت صومكم .
وبمثل الذى قُلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل :
• ذكر من قال ذلك :
٢٧٢٦ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: أما قوله: ((لعلكم تتقون))، يقول: فتتقون من الطعام والشراب والنساء
مثل ما اتقوا - يعنى : مثل الذى اتقى النصارى قبلكم .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى (أيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره ، كتب عليكم أيها الذين آمنوا - الصيامُ
أياماً معدودات .
ونصب( أياماً)) بمضمر من الفعل، كأنه قيل: كتب عليكم الصيام كما كتب على
الذين من قبلكم، أن تصوموا أياماً معدودات، كما يقال: ((أعجبنى الضربُ، زيداً).
(١) انظر تفسير ((لعل)) بمعنى ((لكى)) ١: ٣٦٤، ٣٦٥ / ثم ٢: ٦٩، ١٦١، واطلبه
فى الفهرس أيضاً .
٤١٤
تفسير سورة البقرة : ١٨٤
وقوله: ((كما كتب على الذين من قبلكم )) من الصيام ، كأنه قيل: كتب
عليكم الذى هو مثل الذى كتب على الذين من قبلكم: أن تصوموا أياماً معدودات .
٠
ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى الله جل وعز بقوله: ((أياماً معدودات)).
فقال بعضهم: ((الأيام المعدودات))، صومُ ثلاثة أيام من كل شهر. قال :
وكان ذلك الذى فُرض على الناس من الصيام قبل أن يُفرض عليهم شهرُ رمضان.
· ذكر من قال ذلك :
٢٧٢٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن غطاء قال : كان عليهم الصيامُ ثلاثة أيام من كل شهر ،
ولم يُسّم الشهرَ أياماً معدودات. قال: وكان هذا صيام الناس قبل، ثم فرض الله
عز وجل على الناس شهرَ رمضان .
٢٧٢٨ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم
الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ))، وكان ثلاثة أيام من كل
شهر ، ثم نسخ ذلك بالذى أنزل من صيام رمضان . فهذا الصوم الأول، من العتمة.
٢٧٢٩ - حدثنا أبو کریب قال ، حدثنا يونس بن بکیر قال ، حدثنا
عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ،
عن معاذ بن جبل : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصامَ يومَ
عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر ، ثم أنزل الله جل وعزّ فرضَ شهر رمضان ،
فأنزل الله: ((يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من
"قبلكم)، حتى بلغ (( وَعلى الذين يُطيقونه فدية طعامُ مِسكين)).(١)
(١) الحديث: ٢٧٢٩ - يونس بن بكير: مضت ترجمته، فى: ١٦٠٥. ووقع فى المطبوعة
هنا ((بشر بن بكير))، وهو خطأ واضح. وسيأتى هذا الحديث بهذا الإسناد - بأطول مما هنا - على
الصواب ، برقم : ٢٧٣٣.
٤١٥
تفسير سورة البقرة : ١٨٤
٢٧٣٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر ، عن قتادة قال : قد كتب اللّه تعالى ذكره على الناس ، قبل أن ينزل
رمضان ، صوم ثلاثة أيام من كل شهر .
٧٧/٢
وقال آخرون : بل الأيام الثلاثةُ التى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يصومُها قبل أن يفرض رمضان ، كان تَطوعاً صوْمُهُنّ. وإنما عنى الله جل وعز
بقوله: ((كتب عليكم الصيامُ كما كتب على الذين من قبلكم أياماً معدودات))،
أيام شهر رمضان، لا الأيام التى كان يصومهن قبل وُجوب فرض صوم شهر
رمضان .
* ذكر من قال ذلك :
٢٧٣١ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ،
عن عمرو بن مرة ، قال ، حدثنا أصحابنا: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما
قدم عليهم أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعاً لا فريضةً . قال : ثم نزل
صيام رمضان - قال أبو موسى: قوله: ((قال عمرو بن مرة : حدثنا أصحابنا))
عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة: هو المسعودى، وهو ثقة ، تكلموا فيه بأنه تغير فى آخر حياته
قبل موته بسنة أو سنتين. مات سنة ١٦٠. مترجم فى التهذيب، وابن سعد ٦: ٢٥٤، وابن أبى حاتم
٢٥٠/٢/٢ - ٠٢٥٢
وهذا الحديث قطعة من حديث مطول، فى أحوال الصلاة، وفى أحوال الصيام . مضت قطعة صغيرة
منه، فى شأن الصلاة إلى بيت المقدس: ٢١٥٦، من طريق أبي داود الطيالسى، عن المسعودى.
ورواه أحمد فى المسند بطوله ٢٤٦:٥ - ٢٤٧ (حلى)، عن أبي النضر، يزيد بن هرون - كلاهما
عن المسعودى. وكذلك رواه أبو داود السجستانى: ٥٠٧، من طريق أبي داود الطيالسى، ويزيد بن هرون.
وروى الحاكم فى المستدرك ٢: ٢٧٤، شطره الذى فى أحوال الصيام، من طريق أبى النضر ،
عن المسعودى. وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه،. ووافقه الذهبي.
وفقنه ابن كثير ١ : ٤٠٢ - ٤٠٤، كاملا، عن روب انسند بإسنادها. وذكره السيوطى،
كاملا أيضاً ١ ١٧٥ - ١٧٦، وزاد نسبته لابن المنذر، وابن أبى حاتم، والبيهقى فى سنته.
٤١٦
تفسير سورة البقرة : ١٨٤
يريد ابن أبى ليلى، كأنّ ابنَ أبى ليلى القائلُ: ((حدثنا أصحابنا)). (١)
٢٧٣٢ - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة قال ،
سمعت عمرو بن مرة قال ، سمعت ابن أبى ليلى ، فذكر نحوه .
٠ ٠
٠
(١) الحديث : ٢٧٣١ - وهذه قطعة من الحديث السابق، الطويل، الذى أشرنا إليه فى :
٢٧٢٩، ولكنه هنا مروى من طريق آخر، طريق شعبة عن عمرو بن مرة . ويقول هنا عمرو بن مرة
((حدثنا أصحابنا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم))، إلخ. فلو أخذ هذا على ظاهره، لكان مرسلا.
فلذلك فسره أبو موسى - وهو محمد بن المفى شيخ الطبرى - بأن الذى قال هذا هو عبد الرحمن بن أبي ليلى .
ثم تلاه المثنى بالرواية بعده : ٢٧٣٣، عن أبى داود - وهو الطيالسى - عن شعبة ((قال: سمعت عمرو
ابن مرة، قال: سمعت ابن أبى ليلى)). وهذا هو الإسناد الذى أشرنا آنفاً إلى رواية الطبرى قطعة أخرى
من الحديث ، به ، فى : ٢١٥٦.
والظاهر أن ابن المثنى سمع الحديث من محمد بن جعفر مرتين أو أكثر ، إحداها على هذا الوجه الذى
هنا ، وبعضها على الوجه الواضح الصريح ، بذكر ابن أبى ليل .
فقد روى الحديث - كله - أبو داود السجستانى فى السنن: ٥٠٦، بإسنادين، أحدهما إسناد
الطبرى هذا، أعنى عن محمد بن المثنى. فقال أبو داود: ((حدثنا عمرو بن مرزوق، أخبرنا شعبة ، عن
عمرو بن مرة، قال: سمعت ابن أبى ليل - ح - وحدثنا ابن المفى، حدثنا محمد بن جعفر، عن
شعبة ، عن عمرو بن مرة ، سمعت ابن أبى ليل ، قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال ، وحدثنا أصحابنا :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ... )).
فأعاد فى الإسناد الثانى - فى طريق شعبة - قول عمرو بن مرة: ((سمعت ابن أبى ليل)). ولعله أراد
بهذه الإعادة، التى فيها التصريح باسم ابن أبى ليل، رفع التوهم أن يظن أن تلك الرواية التى لم يصرح
فيها محمد بن جعفر باسم ((ابن أبى ليل)) تعلل هذه الرواية الصريحة .
اویزید هذا قول الطبری - عقب الحدیث -: «قال أبو موسى: قوله «قال عمرو بن مرة حدثنا
أصحابنا)) - يريد ابن أبى ليلى، كأن ابن أبى ليل القائل: حدثنا أصحابنا)). وأبو موسى: هو محمد
ابن المفى نفسه، شيخ الطبرى وأبى داود. فحين حدث بالرواية المبهمة - التى فى الطبرى هنا - فسرها بالرواية
الأخرى الموضحة، وصرح فى تفسيره بأن القائل ((حدثنا أصحابنا)) هو ابن أبى ليلى، لا عمرو بن مرة.
تحرزاً من إيهام أن الإسناد يكون مرسلا إذا كان القائل ذلك هو عمرو بن مرة .
وقد عقب الطبرى على ذلك ، بالإسناد من طريق أبي داود الطيالسى ، الذى فيه التصريح بسماع عمرو
ابن مرة ذلك من ابن أبى ليل : ٢٧٣٢.
وقول ابن أبى ليل ( حدثنا أصحابنا » - يريد به الصحابة ، مثل معاذ وغيره . وابن أبى ليلى من كبار
التابعين. ويؤيد هذا رواية البخارى٤: ١٦٤ (فتح)، قطعة من الحديث نفسه المطول، رواية معلقة
بصيغة الجزم. فقال: ((وقال ابن نمير: حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرة، حدثنا ابن أبى ليل
حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم)). وقال الحافظ: ((وصله أبو نعيم فى المستخرج، والبيهقى من
طريقه ... وهذا الحديث أخرجه أبو داود ، من طريق شعبة والمسعودى ، عن الأعمش مطولا ، فى
الأذان، والقبلة، والصيام . واختلف فى إسناده اختلافاً كثيراً. وطريق ابن نمير هذه أرجحها».
١
٤١٧
تفسير سورة البقرة : ١٨٤
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا قول من قال: عنى بقوله: ((كتب عليكم الصيام
كما كتب على الذين من قبلكم » ، شهر رمضان.
٠٠٠
وأولى ذلك بالصواب عندى قولُ من قال: عنى الله جل ثناؤه بقوله: ((أياماً
معدودات ))، أيامَ شهر رمضان . وذلك أنه لم يأت خبرٌ تَقوم به ◌ُحُجة، بأنّ
صوماً فُرِض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان، ثم نسخ بصوم شهر رمضان،
وأن اللّه تعالى قد بيَّن فی سياق الآية، (١ )أنّ الصيام الذى أوجبه جل ثناؤه علينا
هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات ، بإيانته عن الأيام التى أخبر أنه
كتب علينا صومتها بقوله: ((شهرُ رمضان الذى أنزلَ فيه القرآن )). فمن ادعى
أن صوماً كان قد لزم المسلمين فرضُه غير صوم شهر رمضان الذى هم مجمعون على
وجوب فرض صومه - ثم نسخ ذلك - سئل البرهانَ على ذلك من خبر تقوم به
حجة، إذ كان لا يعلم ذلك إلا بخبر يقطع العذر.
وإذا كان الأمر فى ذلك على ما وصفنا للذى بينا، فتأويل الآية : كتب
عليكم أيها المؤمنون الصيامُ كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ، أياماً
معدودات هى شهر رمضان . وجائز أيضاً أن يكون معناه: ((كتب عليكم الصيام)»،
کتب علیکم شهر رمضان .
٠٠
وأما (( المعدودات))، فهى التى تعدّ مبالغها وساعاتُ أوقاتها . ويعنى بقوله:
((معدودات))، ◌ُحْصََّاتٍ.
(٢) فى المطبوعة: ((وبأن الّه تعالى ... ))، وهو خطأ. ليس معطوفاً على قوله: ((بأن صوماً .. »
بل هو عطف على قوله: ((وذلك أنه لم يأت خبر .... »
٤٠ ٣ (٢٧)
٤١٨
تفسير سورة البقرة : ١٨٤
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَرِيِضاً أَوْ عَلَى
سَفَرٍ فَمِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((فمن كان منكم مريضاً))، (١)
من كان منكم مريضاً، من كلِّف صَومه ، أو كان صحيحاً غير مريض وكان على
"سفر، ((فعدة من أيام أخر))، يقول: فعليه صوم عدة الأيام التى أفطرها فى
مرضه أو فى سفره، ((من أيام أخر ))، يعنى: من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره .
٠
والرفع فى قوله: ((فعدةٌ منْ أيام أخر))، نظير الرفع فى قوله: ((فاتباع
بالمعروف)». وقد مضى بيان ذلك هنالك بما أغنى عن إعادته.(٢)
وأما قوله: (( وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طَعامُ مسكين))، فإنّ قراءة كافة
٠
٥
المسلمين: ((وعلى الذين يُطيقونه))، وعلى ذلك خطوط مصاحفهم. وهى القراءة
التى لا يجوز لأحد من أهل الإسلام خلافُها ، لنقل جميعهم تصويبَ ذلك قرناً
عن قرن .
وكان ابن عباس يقرؤها فيما روى عنه: ((وعلى الذين يُطوَّقونه)). (٣)
٠٠٠
ثم اختلف قُرّاء ذلك: ((وَعلى الذين يُطيقونه)) فى معناه .
فقال بعضهم : كان ذلك فى أول ما فرض الصوم ، وكان من أطاقه من
المقيمين صامه إن شاء، وإن شاء أفطره وافتدعى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكيناً،
حتى نُسخ ذلك .
· ذكر من قال ذلك :
(١) نص هذا الجزء من الآية لم يكن فى المطبوعة، وأثبته على نهجه فى التفسير.
(٢) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٣ : ٣٧٣
(٢) انظر رفض هذه القراءة فيما سيأتى: ٤٣٨
٤١٩
تفسير سورة البقرة : ١٨٤
٢٧٣٣ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا
عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة ، عن عمرو بن مرة ، عن عبد الرحمن بن أبى
ليلى، عن معاذ بن جبل قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصام
يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر. ثم إنّ الله جل وعز فرض شهر رمضان،
فأنزل الله تعالى ذكره: (( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام)، حتى بلغ ((وعلى
الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين))، فكان من شاء صامَ ومن شاء أفطر وأطعم"
مسكيناً . ثم إن الله عز وجل أوجب الصيام على الصحيح المقيم ، وثبت الإطعام
الكبير الذى لا يستطيع الصوم، فأنزل الله عز وجل: ((فمن شهد منكم الشهر
فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر)) إلى آخر الآية. (١)
٢٧٣٤ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ،
عن عمرو بن مرة ، قال حدثنا أصحابنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم
عليهم أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوعاً غيرَ فريضة . قال: ثم نزل صيام
رمضان . قال : وكانوا قوماً لم يتعودوا الصيام . قال : وكان يشتد عليهم الصوم .
قال: فكان من لم يصم أطعمَ مسكيناً ، ثم نزلت هذه الآية: ((فمن شهد منكم
فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) ، فكانت الرخصة
المريض والمسافر، وأمرنا بالصيام. قال محمد بن المثنى قوله: ((قال عمرو:
حدثنا أصحابنا))، يريد ابن أبى ليلى. كأن ابن أبى ليلى القائل: ((حدثنا أصحابنا)).
٢٧٣٥ - حدثنا ابن المثنى قال ، حدثنا أبو داود قال، حدثنا شعبة قال ،
سمعت عمرو بن مرة قال، سمعت ابن أبى ليلى فذكر نحوه. (٢).
٧٨/٢
(١) الحديث: ٢٧٣٣ - هو قطعة من الحديث الذى خرجناه فى: ٢٧٢٩ - أطول من الرواية
الماضية .
(٢) الحديثان: ٢٧٣٤، ٢٧٣٥ - وهذان أيضاً قطعتان من الحديث الذى أشرنا إليه فى :
٢٧٣١، ٢٧٣٢، وقد صرح الطبرى فى أولما - هنا - باسم ((محمد بن المثنى)»، الذى ذكره هناك
بکتیہ «قال أبو مہہی».
٤٢٠
تفسير سورة البقرة : ١٨٤
٢٧٣٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور ، عن إبراهيم ،
عن علقمة فى قوله: (( وَعَلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين))، قال: كان
من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم نصف صاع مسكيناً، فنسخها: ((شهرُ
رَمَضَان)) إلى قوله: ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)).
٢٧٣٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ،
بنحوه - وزاد فيه ، قال : فنسختها هذه الآية، وصارت الآية الأولى للشيخ الذى
لا يستطيع الصوم ، يتصدق مكانَ كل يوم على مسكين نصف صاع .
٢٧٣٨ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا یخی بن واضح أبو تمیلة قال،حدثنا
الحسين، عن يزيد النحوى، عن عكرمة والحسن البصرى قوله: ((وَعلى الذين
يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين))، فكان من شاء منهم أن يصومَ صَام ، ومن شاء
منهم أن يفتدى بطعام مسكين افتدى وتمّ له صومه. ثم قال: ((فمن شهد منكم
الشهر فليصمه))، ثم استثنى من ذلك،فقال: ((ومنْ كان مريضاً أو على سفر
فعدةٌ من أيام أخر )) .
٢٧٣٩ - حدثنا أبو هشام الرفاعى قال، حدثنا ابن إدريس قال ، سألت
الأعمش عن قوله: (( وعلی الذین یطبقونه فدية طعامُ مسکین ) ، فحدثنا عن
إبراهيم، عن علقمة. قال: نسختها: ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)). (١)
٢٧٤٠ - حدثنا عمر بن المثی قال ، حدثنا عبد الوهاب قال ، حدثنا عبد الله،
عن نافع، عن ابن عمر قال: نَسَخت هذه الآية - يعنى: ((وَعلى الذين يُطيقونه
فديةٌ طعامُ مسكين)) - التى بعدها: ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان
(١) الأثر: ٢٧٣٩ - أبو هشام الرفاعى محمد بن يزيد بن محمد بن كثير بن رفاعة السجل،
قاضى بغداد، روى عن عبد الله بن إدريس وحفص بن غياث، روى عنه مسلم والترمذى وابن ماجة وغيرهم.
ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: يخلى ويخالف. وقال ابن أبى حاتم. سألت أبى عنه فقال: ضعيف
يتكلمون فيه ، وله كتاب فى القراآت ، مات سنة ٢٤٨ .