Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
تفسير سورة البقرة : ١٧٣
وقال آخرون : معنى ذلك : ما ذكر عليه غير اسم الله .
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٧٥ - حدثیالمثی قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع قوله: ((وما أهلّ به لغير اللّه))، يقول: ما ذكر عليه غير
اسم الله .
٢٤٧٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد - وسألته
عن قول الله: ((وما أهلّ به لغير الله)) - قال: ما يذبح لآلهتهم، الأنصابُ
التى يعبدونها ويسمُّون أسماءَ ها عليها. قال: يقولون: ((باسم فلان))، كما تقول
أنت: ((باسم اللّه))، قال: فذلك قوله: ((وما أهلّ به لغير اللّه)).
٢٤٧٧ - حدثنی يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، حدثنا حيوة ، عن
عقبة بن مسلم التُّجيبى وقيس بن رافع الأشجعى أنهما قالا : أحيل لنا ما ذُبح
لعيد الكنائس ، وما أهدى لها من خبز أو لحم ، فإنما هو طعام أهل الكتاب .
قال حيوة، قلت: أرأيت قول الله: ((وما أهيِلّ به لغير اللّه))؟ قال: إنما ذلك
المجوسُ وأهلُ الأوثان والمشركون.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَمَنِ أَخْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلاَ عَادٍ فَلاَ
إِنْمَ عَلَيْهِ.
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((فمن اضطر))، فمن حَلّت به
ضرورة مجاعة إلى ما حرَّمت عليكم من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله
- وهو بالصفة التى وصفنا . فلا إثم عليه فی أکله إن أكله .
ج ٣ (٢١)

٣٢٢
تفسير سورة البقرة : ١٧٣
وقوله: فمن ((اضطر)) ((افتعل)) من ((الضّرورة)).
و ((غيرَ بَاغ)) نُصِيب على الحال مِنْ ((مَنْ)، فكأنه. قيل: فمن اضطرّ
لا باغياً ولا عادیاً فأ کله ، فهو له حلال .
٠
٠٠
٠
وقد قيل إن معنى قوله: (( فمن اضطر )) ، فمن أکره علی أکله فأ کله ، فلا
إثم عليه .
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٧٨ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال ،
حدثنا إسرائيل، عن سالم الأفطس، عن مجاهد قوله: ((فمن اضطر غيرَ باغ
ولا عاد ))، قال: الرجل يأخذُه العدو فيدعونه إلى معصية الله.
٠
وأما قوله: ((غيرَ بَاغ ولا عاد))، فإن أهل التأويل فى تأويله مختلفون.
فقال بعضهم: يعنى بقوله: ((غير باغ))، غيرَ خارج على الأئمة بسيفه
باغياً عليهم بغير "جور ، ولا عادياً عليهم بحرب وعدوان، ففسدٌ عليهم السبيل .
· ذكر من قال ذلك :
٢٤٧٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال ، سمعت ليثاً ،
عن مجاهد: ((فمن اضطر غيرَ بَاغٍ ولا عاد))، قال : غيرَ قاطع سبيل، ولا
مفارق جماعة ، ولا خارج فى معصية الله ، فله الرخصة
٢٤٨٠ - حدثنى المتى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فمن اضطر غيرَ باغ ولا عاد))، يقول: لا قاطعاً
السبيل ، ولا مفارقاً للأئمة، ولا خارجاً فى معصية الله، فله الرخصة. ومن خرج
باغياً أو عادياً فى معصية الله، فلا رخصة له وإن اضُطُرَّ إليه.
٢٤٨١ - حدثنا هناد بن السرى قال، حدثنا شريك ، عن سالم ، عن
سعيد: ((غير باغ ولا عاد))، قال: هو الذى يقطع الطريق ، فليس له رخصة

٣٢٣
تفسير سورة البقرة : ١٧٣
إذا جاع أن يأكل الميتة ، وإذا عطش أن يشربَ الخمر .
٢٤٨٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال : أخبرنا ابن المبارك،
عن شريك، عن سالم - يعنى الأفطس - عن سعيد فى قوله: ((فن اضطُر غير
باغ ولا عاد))، قال: الباغى العادى الذى يقطع الطريق ، فلا رخصة له ولا
كرامة .
٢٤٨٣ - حدثیالمثی قال، حدثنا الحمانی قال ، حدثنا شريك ، عن سالم،
عن سعيد فى قوله: ((فمن اضطُر غير باغ ولا عاد))، قال: إذا خرج فى سبيل
من ◌ُبُلُ اللّه فاضطر إلى شرب الخمر شرب، وإن اضطر إلى الميتة أكل. وإذا
خرج يقطع الطريق ، فلا رخصة له ..
٢٤٨٤ - حدثنا القاسم قال،حدثنا الحسین قال ، حدثی حفص بن غياث،
عن الحجاج، عن القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد قال: ((غيرَ باغ)) على الأئمة،
(( ولا عاد))، قال : قاطع السبيل.
٢٤٨٥ - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبى زائدة ، عن ورقاء ، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد: ((فمن اضطر غير باغ ولاعاد))، قال: غير قاطع السبيل،
ولا مفارق الأئمة ، ، ولا خارج فى معصية الله ، فله الرخصة .
٢٤٨٦ - حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية ، عن حجاج ، عن الحكم ،
عن مجاهد: ((فمن اضطُر غير باغ ولا عاد)، قال: غير باغ على الأئمة ، ولا عاد
على ابن السبيل .
٥٢/٢
٥
٥
وقال آخرون فى تأويل قوله: ((غيرَ باغ ولا عاد »: غيرَ باغ الحرامَ فى
أ کله ، ولا معتد الذي أبيح له منه.
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٨٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد ،

٣٢٤
تفسير سورة البقرة : ١٧٣.
عن قتادة قوله: ((فمن اضطُرَّ غير باغ ولا عاد))، قال : غير باغ فى أكله ،
ولا عاد: أن يتعدى حلالاً إلى حرام ، وهو يجد عنه مندوحة .
٢٤٨٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،
عن الحسن فى قوله: ((فمن اضطر غيرَ باغ ولا عاد))، قال : غير باغ فيها
ولا معتدٍ فيها بأكلها ، وهو غنىٌّ عنها .
٢٤٨٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرزاق ، عن
معمر ، عمن سمع الحسن يقول ذلك .
٢٤٩٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال حدثنا أبو تميلة، (١) عن
أبى حمزة، عن جابر، عن مجاهد وعكرمة قوله: ((فمن اضطر غير باغ ولا عاد))،
((غير باغ)) يَبتغيه، ((ولاعاد)): يتعدى على ما يُمسك نفسه.
٢٤٩١ - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه،
عن الربيع: ((فمن اضطر غير باغ ولا عاد))، يقول: من غير أن يبتغى حراماً ويتعداه،
ألا ترى أنه يقول: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العَادُونَ﴾
[ سورة المؤمنون: ٧/ سورة المعارج: ٣١]
٢٤٩٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله :
((فمن اضطُرّ غير باغٍ ولاعادٍ))، قال: أن يأكل ذلك بغياً وتعدياً عن الحلال
إلى الحرام ، ويترك الحلال وهو عنده ، ويتعدى بأكل هذا الحرام . هذا التعدى .
ينكر أن يكونا مختلفين ، ويقول : هذا وهذا واحد !
٠٠٠
وقال آخرون تأويل ذلك : فمن اضطر غير باغ فى أكله شهوة ، ولا عاد
فوق ما لا بُدَّ له منه .
• ذكر من قال ذلك :
٢٤٩٣ ۔۔ حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا
(١) فى المطبوعة: ((أبو ميلة))، والصواب بالتاء. مضت ترجمته برقم: ٣٩٢، ٤٦١.

٣٢٥ :.
تفسير سورة البقرة : ١٧٣
أسباط، عن السدى: ((فمن اضطر غير باغ ولاعاد)). أمَّا (باغ))، فيبغى فيه
شهوته . وأما( العادى ))، فيتعدى فى أكله ، يأكل حتى يشبع، ولكن يأكل منه
قدر ما يُمسك به نفسه حتى يبلغ به حاجته .
٠٠
٠
قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : فمن اضطر
غير باغ بأكله ما ◌ُحرم عليه من أكله ، ولا عاد فى أكله ، وله عن ترك أكله -
بوجود غيره مما أحله الله له - مندوحة وغنى .
وذلك أن اللّه تعالى ذكره لم يرخّص"لأحد فى قتل نفسه بحال. وإذا كان ذلك
كذلك، فلاشك أن الخارج على الإمام والقاطعَ الطريق، وإن كانا قد أتيا ما حرَّم
اللّه عليهما = : من خروج هذا على من خرج عليه، وَسعى هذا بالإفساد فى الأرض،
= فغيرُ مبيح لهما فعلهما ما فعلا مما حرّم الله عليهما - ما كان حرّم الله عليهما
قبل إتيانهما ما أتيا من ذلك - من قتل أنفسهما. [ورَدُّهما إلى محارم الله عليهما
بعد فعلهما ما فعلا ، وإن كان قد حرّمَ عليهما ما كان مُرَخَّصاً لهما قبل ذلك.
من فعلهما، وإن لم نرَ رَدَّهما إلى محارم الله عليهما تحريماً، (١) فغير مرخِّص لهما ما كان
عليهما قبل ذلك حراماً ]. فإذا كان ذلك كذلك ، فالواجبُ على قُطاع الطريق
والبغاة على الأئمة العادلة، الأوبةُ إلى طاعة الله، والرجوعُ إلى ما ألزمهما الله الرجوع
إليه ، والتوبةُ من معاصى الله - لا قتلُ أنفسهما بالمجاعة ، فيزدادان إلى إثمهما
إثماً، وإلى خلافهما أمرَ الله خلافاً.(٢)
(١) فى المطبوعة: ((وإن لم يؤدهما إلى محارم الله عليهما تحريماً)). وهو تصحيف مفسد قد آذى
من أراد أن يفهم عن الطبرى ما يقول. و((المحارم)): كل ما حرم الله سبحانه علينا فهو من محارم
انّه. وانظر التعليق التالى.
(٢) هذه الفقرة رد على القول الأول، قول من ذهب إلى أن ((الباغى)) هو الخارج على الأمة، وأن
(العادى)) هو قاطع الطريق، وأنهما لفعلهما ذلك مستثنيان من حكم الآية فى الترخيص للمضطر أن يأكل
ما حرم الله عليه . ولكن العبارة فى الأصل فاسدة، لا يكاد يكون لها معنى. ولم أستجز أن أدعها فى
الأصل على ما هى عليه . وهكذا كانت فى الأصل :

٣٢٦
تفسير سورة البقرة : ١٧٣
وأما الذى وجَّه تأويل ذلك إلى أنه غيرُ باغ فى أكله شهوة ، فأكل ذلك
شهوة، لا لدفع الضرورة الخوف منها الهلاك - مما قد دخل فيما حرمه الله عليه -
فهو بمعنى ما قلنا فى تأويله ، وإن كان للفظه مخالفاً .
فأما توجيه تأويل قوله: ((ولا عاد))، ولا آكل منه شبعة ، ولكن ما يمسك
به نفسه ، فإن ذلك ، بعض معانى الاعتداء فى أكله . ولم يخصص اللّه من معانى
الاعتداء فی أکله معنى ، فیقال عنى به بعض معانيه .
فإذا كان ذلك كذلك ، فالصواب من القول ما قلنا : من أنه الاعتداء فی کل
معانيه المحرّمة .
وأما تأويل قوله: ((فلا إثم عليه))، يقول : من أكل ذلك على الصفة التى
وصفنا، فلا تبعة عليه فى أكله ذلك كذلك ولا حرج .
[ بل ذلك من فعلها، وإن لم يؤدهما إلى محارم الله عليهما تحريماً، فغير
مرخص لها ما كان عليهما قبل ذلك حراما ] .
وهو كلام لا يستقيم، وقد اجتهدت فرأيت أنه سقط من ناسخ كلامه سطر كامل فيما أرجح، بين
قوله: ((من قتل أنفسهما)) وقوله: ((قبل ذلك من فعلهما) فبقيت ((قبل)) وحدها، فجاء ناسخ آخر فلم
يستبن معنى ما يكتب، فجعل ((قبل)) ((بل))، ظناً منه أن ذلك يقيم المعنى على وجه من الوجوه.
فاضطرب الكلام كما ترى اضطراباً لا يخلص إلى شىء مفهوم. وزاده فساداً واضطراباً تصحيف قوله :
((وإن لم ترددهما)) بما كتب: ((وإن لم يؤدهما))، فخلص إلى كلام ضرب عليه التخليط ضرباً!
وقد ساق الطبرى فى هذه الفقرة حجتين لرد قول من قال إن الباغى هو الخارج على الإمام، وإن
العادى هو قاطع السبيل .
فالحجة الأولى: أن الباغى والعادى، وإن كان كلاهما قد أتى فعلا محرماً، فإن إتيان هذا الفعل
المحرم، لا يجعل قتل أنفسهما مباحاً لهما، إذ هو محرم عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من محارم الله عليهما.
. والحجة الأخرى: أن الله قد رخص لكل مضطر أن يأكل مما حرم عليه، فاستثناء الباغى والعادى
من رخصة اللّه المضطر . لا يعد عنده تحريماً ، بل هو رد إلى ما كان محرماً عليهما قبل البغى أو العدوان .
ومع ذلك فإن هذا الرد إلى ما كان محرماً عليهما ، وإن كان قد حرم عليهما ما كان مرخصاً لهما
ولكل مضطر قبل البغي والعدوان ، فإنه لا يرخص لهما قتل أنفسهما، وهو حرام عليهما قبل البغي والعدوان .
وإذن ، فالواجب عليهما أن يتوبا ، لا أن يقتلا أنفسهما بالمجاعة، فيزدادان إثماً إلى أمهما ،
وخلافاً إلى خلافهما بالبنى والعدوان أمر الله .

٣٢٧
تفسير سورة البقرة: ١٧٣، ١٧٤
القول فى تأويل قوله تعالى (إِنَّ أُلْهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (4)
قال أبو جعفر: يعنى بقوله تعالى ذكره: ((إنّ الله غفور رحيم))، (( إنّ
الله غفورٌ)) = إن أطعم الله فى إسلامكم، فاجتنبتم أكل ما حرم عليكم ، وتركتم
اتباعَ الشيطان فيما كنتم تحرمونه فى جاهليتكم - طاعةً منكم الشيطان واقتفاءً منكم
خطواته - ما لم أحرمه عليكم = لما سلف منكم، فی کفركم وقبل إسلامكم ، فى
ذلك من خطأ وذنب ومعصية ، فصافحٌ عنكم، وتارك عقوبتكم عليه ، (( رحيم ))
بكم إن أطعتموه .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلَ اللهُ
مِنَ الِكِتْبِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَنَا قَلِيلاً﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله
من الكتاب))، أحبار اليهود الذين كتموا الناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته ،
وهم يجدونه مكتوباً عندهم فى التوراة ، برُشيّ كانوا أعطوها على ذلك، كما : -
٢٤٩٤ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: ((إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب)) الآية كلها،
هم أهل الكتاب ، كتموا ما أنزل الله عليهم وبين لهم من الحق والهدى ، من بعث
محمد صلى الله عليه وسلم وأمره.
٢٤٩٥ - حدثنا المثی قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر، عن
أبيه، عن الربيع فى قوله: ((إنّ الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون
٥٣/٢

٣٢٨
تفسير سورة البقرة : ١٧٤
به ثمناً قليلاً) ، قال : هم أهل الكتاب ، كتموا ما أنزل الله عليهم من الحق
والإسلامَ وشأنَ محمد صلى الله عليه وسلم.
٢٤٩٦ -حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط ،
عن السدی: ((إن الذین یکتمون ما أنزل الله من الکتاب ))، فهؤلاء اليهود ، کتموا
اسم محمد صلى الله عليه وسلم .
٢٤٩٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن عكرمة قوله: ((إنّ الذین یکتمون ما أنزل الله من الكتاب»،
والتى فى ((آل عمران)) ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلاً﴾
[سورة آل عمران: ٧٧] ، نزلتا جميعاً فى يهود.
٠٠٠
وأما تأويل قوله ((وَيَشترون به ثمناً قليلاً))، فإنه يعنى: يبتاعون به .
(((والهاء)) التى فى ((به))، من ذكر ((الكتمان)). فمعناه: ابتاعوا بكتمانهم ما كتموا
الناس من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوَّته ثمناً قليلاً . وذلك أنّ الذى
کانوا یُعطَوْن = علی تحریفهم كتاب الله وتأویلھِمُوه على غیر وجهه، وكتمانهم
الحق فى ذلك = اليسير من عرض الدنيا ، كما : -
٢٤٩٨ - حدثنى موسى بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((ويشترون به ثمناً قليلاً))، قال: كتموا اسم محمد صلى الله عليه
وسلم ، وأخذوا عليه طمعاً قليلاً ، فهو الثمن القليل .
وقد بينت فيما مضى صفة ((اشترائهم)) ذلك ، بما أغنى عن إعادته ههنا
٥
٥
(١٠) انظر ما سلف فى معنى ((الاشتراء)» و«الثمن٥ ١: ٣١١ - ٥٦٥،٣١٥/ ثم ٢: ٣٤١-
٠٣٤٢

٣٢٩
تفسير سورة البقرة : ١٧٤
القول فى تأويل قوله تعالى: (أُوْ لَكَّ مَا يَأْمُونَ فِى بُطُونِهِمْ
إِّ التَّارَ وَلَا يُكَلْهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيْمَةِ وَلَاُ كِْمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (3)
قال أبو جعفر : یعنی تعالی ذکره بقوله: «أولئك » ، - هؤلاء الذين يكتمون
ما أنزل الله من الكتاب فى شأن محمد صلى الله عليه وسلم بالخسيس من الرُّشوة
يُعطَوْتها، فيحرِّفون لذلك آيات الله ويغيرُّون معانيها = (( ما يأكلون فى بطونهم)) -
يأكلهم ما أكلوا من الرُّشى على ذلك والجعالة، (١) وما أخذوا عليه من الأجر
= (( إلا النار)) - يعنى: إلا ما يوردهم النار وُيُصْليهموها، كما قال تعالى ذكره
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْ كُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْا إِنَّمَا يَأْ كُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً
وَسَيَصْلَوَنَ سَعِيراً﴾ [سورة النساء: ١]، معناه: ما يأكلون فى بطونهم إلا ما يوردهم
النار بأكلهم، فاستغنى بذكر ((النار)) وفهم السامعين معنى الكلام ، عن ذكر
((ما يوردهم، أو يدخلهم)) . وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك :
٢٤٩٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر، عن أبيه، عن الربيع: ((أولئك ما يأكلون فى بطونهم إلا النار))،
يقول : ما أخذوا علیه من الأجر
.
٠
فإن قال قائل: فهل يكون الأكل فى غير البطن فيقال: ((ما يأكلون فى بطونهم))؟
قيل: قد تقول العرب: ((جُعت فى غير بطنى، وَشبعتُ فى غير بطنى))،
فقيل: فى بطونهم لذلك، كما يقال: ((فعل فُلان هذا نفسُه)). وقد بينا ذلك فى
غير هذا الموضع، فيما مضى. (٢)
(١) الجعل ( بضم فسكون) والجعالة ( مثلثة الجيم) : أجر مشروط يجعل القائل أو الفاعل شيئاً .
(٢) انظر ما سلف ٢: ٢٧٢، وهذا الجزء ٣: ١٥٩ - ١٦٠.

٣٣٠
تفسير سورة البقرة : ١٧٥،١٧٤
وأما قوله : ((ولا يُكلِّمهمُ اللّه يومَ القيامة))، يقول: ولا يكلمهم بما يحبون
ویشتهون، فأما بما يسُوءهم ویکرهون، فإنه سیکلمهم. لأنهقد أخبرتعالىذكرهأنه يقول
لهم - إذا قالوا: ﴿ رَبََّا أَخْرِ جْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُون): قال
﴿اخْتَؤُا فِيهَا وَلاَ تُكَلُون) الآيتين [سورة المؤمنون: ١٠٧، ١٠٨].
وأما قوله: ((ولا يزكيهم))، فإنه يعنى: ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم
وكفرهم، (١) ((ولهم عذاب أليم))، يعنى: مُوجع (٢).
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أُوْ لَكَ الَّذِينَ أَشْتَرَوْاْ الضَّلََّةَ
بالْهُدَى وَأَلْعَذَابَ بِاْلْتَشْفِرَةٍ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((أولئك الذين اشتروا الضلالة
بالهدى))، أولئك الذين أخذوا الضلالة ، وتركوا الهدى، وأخذوا ما يوجب لهم
عذاب الله يوم القيامة ، وتركوا ما يُوجب لهم غفرانه ورضوانه. فاستغنى بذكر
((العذاب)) و((المغفرة))، من ذكر السبب الذى يُوجبهما، لفهم سامعى ذلك
لمعناه والمراد منه. وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. (٣) وكذلك بينا وجه ((اشتروا
الضلالة بالهدى )) باختلاف المختلفين ، والدلالة الشاهدة بما اخترنا من القول ، فيما
مضى قبل ، فكرهنا إعادته. (٤)
(١) انظر ما سلف ١: ٥٧٣ - ٥٧٤، وهذا الجزء ٣: ٨٨.
(٢) انظر ما سلف ١: ٢٨٣. ثم ٢: ١٤٠، ٣٧٧، ٠٦
(٣) انظر ما سلف فهارس مباحث العربية .
(٤) انظر ما سلف ١ : ٣١١ - ٣١٥.

٣٢١
تفسير سورة البقرة : ١٧٥
١٧٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم معنى
ذلك: فما أجرأهم على العمل الذى يقرِّبُهم إلى النار.
ذكر من قال ذلك :
٢٥٠٠ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((فما أصْبرهم على النار))، يقول : فما أجرأهم على العمل الذى يقربهم
إلى النار .
٢٥٠١ - حدثنا الحسن بن یحی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((فما أصْبرَهم على النار))، يقول: فما أجرأهم عليها .
٠٤/٢
٢٥٠٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال ، حدثنا هشيم ،
عن بشر، عن الحسن فى قوله: ((فما أصْبرهم على النار))، قال: والله ما لهم عليها
من صبر ، ولکن ما أجرأهم على النار.
٢٥٠٣٠ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد الزبیری قال، حدثنا
مسعر = وحدثنى المثنى قال، حدثنا أبو بكير قال ، حدثنا مسعر = ، عن حماد ،
عن مجاهد ، أو سعيد بن جبير، أو بعض أصحابه: ((فما أصبرهم على النار)) ،
ما أجرأهم .
٢٥٠٤ - حدثت عن عمار بن الحسن قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه ، عن الربيع قوله: (( فما أصبرهم على النار ))، يقول: ما أجرأهم وأصبرهم
على النار .
وقال آخرون : بل معنى ذلك : فما أعملهم بأعمال أهل النار .

٣٣٢
تفسير سورة البقرة : ١٧٥
ذکر من قال ذلك :
٢٥٠٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ((فما أصْبرهم على النار))، قال:
ما أعملهم بالباطل .
٢٥٠٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٠
٠
واختلفوا فى تأويل ((ما)) التى فى قوله: ((فما أصبرهم على النار)). فقال
بعضهم : هى بمعنى الاستفهام، وكأنه قال: فما الذى صبَّرهم؟ أىُّ شىءٍ صبرهم؟ (١)
ذكر من قال ذلك :
٢٥٠٧ - حدثنیموسی بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((فما أصبرَهم على النار))، هذا على وجه الاستفهام. يقول: "مَا الذى
أصبرهم على النار ؟
٢٥٠٨ - حدثنى عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج الأعور قال ، أخبرنا
ابن جريج قال، قال لى عطاء: ((فما أصبرهم على النار))، قال: ما يُصبُرهم
على النار ، حين تركوا الحق واتبعوا الباطل ؟
٢٥٠٩ - حدثنا أبو كريب قال: سُئل أبو بكر بن عياش: (( فما أصبرهم
على النار))، قال: هذا استفهام، ولو كانت من الصبر قال: ((فما أصبرُهم))،
رفعاً. قال: يقال للرجل: ((ما أصبرك))، ما الذى فعل بك هذا ؟
٢٥١٠ -حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:
((فما أصبرهم على النار))، قال: هذا استفهام. يقول ما هذا الذى صبرهم على
النار حتى جرأهم فعملوا بهذا؟
(١) وذلك قول أبى عبيدة فى مجاز القرآن: ٦٤.

٣٣٣
تفسير سورة البقرة : ١٧٥
وقال آخرون : هو تعجّب. يعنى : فما أشد جراءتهم على النار بعملهم أعمال
أهل النار !
· ذکر من قال ذلك :
٢٥١١ - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن ابن عيينة ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( فما أصبرهم على النار))، قال: ما أعملهم بأعمال
أهل النار !
وهو قول الحسن وقتادة ، وقد ذكرناه قبل.(١)
فمن قال: هو تعجُّب ـ وجَّه تأويلَ الكلام إلى: ((أولئك الذين اشتروا الضلالة
بالهدى والعذابَ بالمغفرة ))، فما أشد جراءتهم - بفعلهم ما فعلوا من ذلك - على
ما يوجب لهم النار! كما قال تعالى ذكره: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾
[سورة عبس: ١٧]، تعجباً من كفره بالذى خلقه وَسوَّى خلقه.
...
فأما الذين وجهوا تأويله إلى الاستفهام ، فمعناه : هؤلاء الذين اشتروا الضلالة
بالهدى والعذاب بالمغفرة ، فما أصبرهم على النار - والنار لا صبر عليها لأحد ..
حتى استبدلوها بمغفرة الله فاعتاضوها منها بدلاً ؟
٠٠٠
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : ما أجرأهم
على النار ، بمعنى : ما أجرأهم على عذاب النار وأعملهم بأعمال أهلها . وذلك أنه
مسموع من العرب: (( ما أصبرَ فلاناً على اللّه))، بمعنى: ما أجرأ فلاناً على اللّه! (٢)
وإنما يعجب اللّه خلقه بإظهار الخبر عن القوم الذين يكتمون ما أنزل الله تبارك
وتعالى من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوَّته، واشترائهم بكتمان ذلك ثمناً قليلاً
(١) انظر ما سلف رقم: ٢٥٠١، ٢٥٠٢.
(٢) انظر خبر ذلك فى معانى القرآن الفراء ١ : ١٠٣.

٣٣٤
تفسير سورة البقرة : ١٧٦،١٧٥
من السحت والرشى التى أعطوها - على وَجه التعجب من تقدمهم على ذلك.(١)
مع علمهم بأنَ ذلك موجبٌ لهم تخط الله وأليم عقابه.
وإنما معنى ذلك : فما أجرأهمعلی عذاب النار ! ولكن اجتزیء بذ کر (( النار ))
من ذكر ((عذابها))، كما يقال: ((ما أشبه سخاءك بحاتم))، بمعنى: ما أشبه
تخامك بسخاء حاتم، (( وما أشبه شجاعتك بعفترة)). (٢)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ذَلِكَ بَأنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَّبَ
بالْحَقٌ وَإِنَّ الَّذِينَ أَخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَّبِ لَفِي شِقَاقٍ بَسِدٍ﴾ (٣)
قال أبو جعفر: أما قوله: ((ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق))، فإنه
اختلف فى المعنىّ بـ ((ذلك)).
فقال بعضهم: معنىُّ ((ذلك))، فعلُهم هذا الذى يفعلون = من جراءتهم على
عذاب النار ، فى مخالفتهم أمر الله، وكتمانهم الناس ما أنزل الله فى كتابه، وأمرهم
ببيانه لهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر دينه = من أجل أن الله تبارك وتعالى
((نزّل الكتاب بالحق))، وتنزیله الكتاب بالحق هو خبرُه عنهم فى قوله لنبيه محمد
صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ
لاَ يُؤْمِنُونَ. نَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى تَنِْمْ وَعَلَى أَبْعَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ٦، ٧]، فهم - مع ما أخبر اللّه عنهم من أنهم
لا يؤمنون - لا يكون منهم غيرُ اشتراء الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة.
(١) قدم، وتقدم، وأقدم، واستقدم، كلها بمعنى واحد، إذا كان جريئاً فاقتحم .
(٢) انظر معانى القرآن الفراء ١: ١٠٣، أيضاً.

٣٣٠
تفسير سورة البقرة : ١٧٦
وقال آخرون: معناه: ((ذلك)) معلومٌ لهم، بأن اللّه نزَّل الكتاب بالحق، لأنّا ٥٠/٢
قد أخبرنا فى الكتاب أنّ ذلك لهم ، والكتابُ حَق .
كأن قائلى هذا القول كان تأويل الآية عندهم: ذلك العذاب = الذى قال
الله تعالى ذكره ، فما أصبرهم عليه = معلومٌ أنه لهم. لأن الله قد أخبر فى مواضع
من تنزيله أن النار للكافرين، وتنزيله حق، فالخبر عن ((ذلك)) عندهم مُضمر.
٠
وقال آخرون: معنى ((ذلك))، أن الله وصف أهل النار، فقال: ((فما أصبرهم
على النار))، ثم قال: هذا العذاب بكفرهم. و((هذا)) ههنا عندهم، هى التى
يجوز مكانها ((ذلك))، (١) كأنه قال: فعلنا ذلك بأن اللهنزل الكتاب بالحق فكفروا
به . قال: فيكون ((ذلك)) - إذا كان ذلك معناه - نصباً ، ويكون رفعاً بالباء .
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال بتأويل الآية عندى : أن الله تعالى ذكره أشار
بقوله: ((ذلك))، إلى جميع ما حواه قوله: ((إنّ الذين يكتمون ما أنزلَ الله من
الكتاب))، إلى قوله: ((ذلك بأن اللّه نزل الكتاب بالحق))، من خبره عن أفعال
أحبار اليهود ، وذكره ما أعد لهم تعالى ذكره من العقاب على ذلك ، فقال : هذا
الذى فعلته هؤلاء الأحبارُ من اليهود = بکتانهم الناس ما کتموا من أمر محمد صلى
اللّه عليه وسلم ونبوته مع علمهم به ، طلباً منهم لعرض من الدنيا خسيس -
وبخلافهم أمرى وطاعتى = وذلك - من تركى تطهير هم وتزكيتهم وتكليمهم ،
وإعدادی لهم العذابالأليم - بأنی أنزلت كتابى بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه .
فیکون فى(( ذلك )) حينئذ وجهان من الإعراب: رفعٌ ونصب. والرفع بـ (( الباء))،
والنصب بمعنى: فعلت ذلك بأنى أنزلت كتابى بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه .
وترك ذكر ((فكفروا به واختلفوا))، اجتزاءً بدلالة ما ذكر من الكلام عليه.
٠
٠
(١) انظر ما سلف ١: ٢٢٥ - ٢٢٧ فى بيان ((ذلك))، ومهذا

٣٣٦
تفسير سورة البقرة : ١٧٦ ،١٧٧
وأما قوله: ((وإنّ الذينَ اختلفوا فى الكتاب لفى شقاق بعيد))، يعنى بذلك
اليهود والنصارى . اختلفوا فى كتاب الله ، فكفرت اليهودُ بما قصَّ الله فيه من
قَصّص عيسى بن مريم وأمه . وصَدقت النصارى ببعض ذلك ، وكفروا ببعضه ،
وكفروا جميعاً بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم . فقال
لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء الذين اختلفوا فيما أنزلت إليك يا محمد
لفى منازعة ومفارقة للحق بعيدة من الرشد والصواب، كما قال الله تعالى ذكره :
﴿فَإِنْ آمَنُوا بِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِ فَقَدِ أهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَاهُمْ فِ شِقَاقٍ﴾
[ سورة البقرة: ١٣٧]
كما :
٢٥١٢ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((وإنّ الذين اختلفوا فى الكتاب لفى شقاق بعيد))، يقول: هم اليهود
والنصارى. يقول: هم فى عداوة بعيدة. وقد بينتُ معنى((الشقاق))، فيما
مضى. (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لَيْسَ آلْبِرَّ أَنْ تُوَلُواْ وُجُوهَكُمْ
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنْ ، مَنَ بِلّهِ وَأَلْيَوْمِ الْأَخِرِ
وَالْمَلَِّكَةِ وَالْكِتْبٍ وَأْتِبِينَ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله ذلك . فقال بعضهم:
معنى ذلك: ليس البرَّ الصلاةُ وحدها، ولكن البرّ الخصال التى أبينها لكم .
٢٥١٣ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثی أب قال ، حدثی عمى قال ،
حدثنى أبى ، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((ليسَ البرّ أن تُولُوا وُجُوهكم قِبَل
(١) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٣ : ١١٦،١١٥

٣٣٧
تفسير سورة البقرة : ١٧٧
المشرق والمغرب))، يعنى : الصلاة . يقول : ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا ،
فهذا منذ تحوّل من مكة إلى المدينة ، ونزلت الفرائض، وحدَّ الحدود . فأمر الله
بالفرائض والعمل بها .
٢٥١٤ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عیسى،
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد: (( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب)»،
ولكنّ البر ما ثبت فى القلوب من طاعة اللّه.
٢٥١٥ - حدثنى القاسم قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
٢٥١٦ - حدثنى القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن ابن عباس قال: هذه الآية نزلت بالمدينة: ((ليس البر أن تُولوا
وجوهكم قبل المشرق والمغرب ))، يعنى : الصلاة . يقول : ليس البر أن تصلوا ولا
تعملوا غيرَ ذلك. قال ابن جريج، وقال مجاهد: ((ليس البرّ أن تُولوا وجوهكم
قبّل المشرق والمغرب))، يعنى السجود، ولكن البر ما ثبت فى القلب من طاعة الله.
٢٥١٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، (١)
عن عبيد بن سليمان ، عن الضحاك بن مزاحم ، أنه قال فيها ، قال يقول : ليس
البر أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك . وهذا حين تحوّل من مكة إلى المدينة ، فأنزل
اللّه الفرائض وحدَّ الحدود بالمدينة، وأمر بالفرائض أن يؤخذ بها .
...
وقال آخرون : عنى الله بذلك اليهود والنصارى. وذلك أن اليهود تصلى فتوجه
قبل المغرب ، والنصارى تصلى فتوَجَّه قبل المشرق ، فأنزل الله فيهم هذه الآية ،
يخبرهم فيها أن البرّ غير العمل الذى يعملونه، ولكنه ما بيناه فى هذه الآية.
« ذکر من قال ذلك
(١) فى المطبوعة: ((أبو نميلة)) بالنون، والصواب ما أثبت. وانظر الأثر رقم: ٢٤٩٠ والتعليق
ج ٣ (٢٢)
عليه .

٣٣٨
تفسير سورة البقرة : ١٧٧
٢٥١٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
٥٦/٢ معمر، عن قتادة قال: كانت اليهود تصلى قبل المغرب والنصارى تصلى قبل
المشرق، فنزلت: ((ليس البر أن تولوا وُجُوهكم قبل المشرق والمغرب)).
٢٥١٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: (( ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن
البر من آمن بالله واليوم الآخر))، ذُكر لنا أن رجلاً سأل نبي الله صلى الله عليه
وسلم عن البر فأنزل الله هذه الآية. وذُكر لنا أن نبى الله صلى الله عليه وسلم دعا
الرجل فتلاها عليه . وقد كان الرجلُ قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن
محمداً عبده ورسوله ثم مات على ذلك يُرْجى له ويطمع له فى خير، فأنزل الله:
((ليسَ البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب)). وكانت اليهود تَوجَّهت قبل
المغرب، والنصارى قبل المشرق - ((ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر)) الآية.
٢٥٢٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع بن أنس قال : كانت اليهود تصلى قبل المغرب ، والنصارى
قبل المشرق ، فنزلت: (( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب)).
قال أبو جعفر : وأولى هذين القولين بتأويل الآية ، القول الذى قاله قتادة
والربيع بن أنس =: أن يكون عنى بقوله: (( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق
والمغرب ))، اليهودَ والنصارى. لأن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولومهم، والخبر
عنهم وعما أعدّ لهم من أليم العذاب. وهذا فى سياق ما قبلها، إذْ كان الأمر كذلك،
- ((ليس البر))،- أيها اليهود والنصارى، أنْ يولى بعضُكم وجهه قبل المشرق وبعضُكم
قبل المغرب، ((ولكنّ البر مَنْ آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب)) الآية.

٣٣٩
تفسير سورة البقرة : ١٧٧
فإن قال قائل: فكيف قيل: ((ولكن البر من آمن بالله))، وقد علمت أن
(البر)) فعل، و((مَنْ)) اسم، فكيف يكون الفعل هو الإنسان ؟
قيل : إن معنى ذلك غيرَ ما توهمته، وإنما معناه: ولكنّ البرَّ برُّ من آمن بالله
واليوم الآخر، (١) فوضع ((مَنْ)) موضع الفعل، اكتفاءَ بدلالته، ودلالة صلته
التى هى له صفةٌ ، مَنْ الفعل المحذوف، كما تفعله العرب ، فتضع الأسماء مواضع
أفعالها التى هى بها مشهورة، فنقول: ((الجود حاتم، والشجاعة عنترة))، و((إنما
الجود حاتم والشجاعة عنترة))، ومعناها الجوُد جود حاتم، فتستغنى بذكر ((حاتم))
إذا كان معروفاً بالجود، من إعادة ذكر ((الجود)) بعد الذى قد ذكرته ، فتضعه
موضع ((جوده))، لدلالة الكلام على ما حذفته، استغناء بما ذكرته عما لم تذكره. (٢).
كما قيل ﴿وَأُسْلِ القَرْيَةَ أَلَّتِى كُنَّا فِيهَا﴾ [سورة يوسف: ٨٢]، والمعنى: أهل
القرية، وكما قال الشاعر ، وهو ذو الخرق الطُّهَوَى:
حَسِبْتَ بُغَامَ وَاحِلَتِى عَنَاقَاً! وَمَاهِى، وَيْبَ غَيْرِكَ بِالعَنَاقِ(٣).
يريد: "بُغامَ عَناق، أو صوتَ [عناق]، (٤) كما يقال: ((حسبت صباحى أخاك»،
يعنى به : حسبتَ صياحى صياحَ أخيك.
٠
وقد يجوز أن يكون معنى الكلام: ولكن البارَّ مَنْ آمن بالله، فيكون ((البر))
مصدراً وُضع موضعَ الاسم.(*)
0
(١) فى المطبوعة: ((ولكن البر كمن آمن بالله)) وهو خطأ محض، صوابه ما أثبت.
(٢) أنظر ما سلف: ٦١:٢، ٣٥٩ وهذا الجزء ٣: ٣٣٤.
(٣) سلف تخريجه فى هذا الجزء ٣: ١٠٣ تعليق: ٣
(٤) الزيادة بين القوسين لا بد منها
(٥) هذا قول أبى عبيدة فى مجاز القرآن: ٦٥، وذكره الفراء فى معانى القرآن ١: ١٠٤.

٣٤٠
تفسير سورة البقرة : ١٧٧
القول فى تأويل قوله تعالى (وَءَانَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوى
اَلْقُرْبَى وَالََّْى وَالْمَسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآَتِينَ وَفِى الرَّقَابِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وَآتَى المالَ على حبه))، وأعطى
ماله فی حین محبته إياه ، وضنّه به ، وشُحِه علیه ، (١) كما : -
٢٥٢١ - حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا، حدثنا ابن إدريس قال ،
سمعت ليثاً ، عن زبيد ، عن مرة بن شراحيل البكيلى ، عن عبد الله بن مسعود :
(وَآتَ المالَ على ◌ُحُبه))، أى: يؤتيه وهو صحيحٌ شحيحٌ ، يأمل العيش ويخشى
الفقر .(٢)
٢٥٢٢ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن - وحدثنا الحسن
بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق - قالا جميعاً، عن سفيان ، عن زُبيد اليامىّ ،
(١) انظر معنى ((الإيتاء)) فيما سلف ١: ٢/٥٧٤: ١٦٠، ٣١٧.
(٢) الخبر: ٢٥٢١ - ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس بن يزيد الأردى، مضى فى:
٤٣٨، ٠٢٠٣٠
ليث : هو ابن أبى سليم ، مضى فى شرح : ١٤٩٧ .
زبيد - بالباء الموحدة مصغراً: هو ابن الحارث بن عبدالكريم اليامى، وهو ثقة ثبت. مترجم فى التهذيب ،
والكبير ٤١١/١/٢، وابن سعد ٦: ٢١٦، وابن أبى حاتم ٦٢٣/٢/١.
مرة بن شراحيل: وهو الهمدانى الكوفى، من كبار التابعين، كما مضى توثيقه: ١٦٨، وهو
مترجم فى التهذيب ١٠: ٨٨ - ٨٩، والكبير ٤ /٥/٢، وابن سعد ٦ : ٧٩، وابن أبى حاتم
٣٦٦/١/٤. و((البكيل)) - بفتح الباء الموحدة وكسر الكاف: نسبه إلى ((بكيل))، وهم بطن
من همدان. انظر الاشتقاق لابن دريد، ص : ٢٥٠، ٢٥٦، ٣١٢، وجهرة الأنساب لابن حزم
ص : ٣٧٢ - ٣٧٣. وكذلك نسب مرة إلى ((بكيل)» فى كتاب ابن أبى حاتم، وهو الصواب ..
ووقع فى التهذيب بدلها ((السكسكى))؛ وهو تصحيف لا شك فيه، فإن ((السكك)): هو ابن أشرس
ابن كندة. وشتان بين همدان وكندة، إنما يجتمعان بعد بضعة جدود، فى ((زيد بن كهلان بن سبأ).
أنظر جهرة الأنساب، ص : ٤٠٥، وما قبلها .