Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
تفسير سورة البقرة : ١٦١،١٦٠
ما بيَّنه للناس فى الكتاب، (١) عبدُ الله بن سلام وَذووه من أهل الكتاب، (٢)
الذين أسلموا فحسن إسلامهم ، واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٠
القول فى تأويل قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ
كُفَّارٌ أُوْ لَبِكَ عَلَيْهِمْ لَمْنَةُ اللهِ وَالْمَلَبِكَةِ وَلنَّاسِ أَنْجَمِينَ ) (١)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((إنّ الذين كفروا))، إن الذين
جحدوا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم و کذبوا به = من اليهود والنصارى وسائر أهل
الملل، والمشركين من عبدة الأوثان = ((وماتوا وهم كفار))، يعنى: وماتوا وهم على
جحودهم ذلك وتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، ((أولئك عليهم لعنةُ الله
والملائكة))، يعنى: فأولئك الذين كفروا وماتوا وهم كفار عليهم لعنة الله ، يقول :
أبعدهم الله وأسمقهم من رحمته، ((والملائكة))، يعنى: وَلعنهم الملائكةُ والناس
أجمعون. ولعنة الملائكة والناس إياهم قولهم: ((عليهم لعنة الله)).
٠
وقد بينا معنى ((اللعنة)) فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته . (٣)
٠ ٠٠
فإن قال قائل : وكيف تَكُون على الذى يموت كافراً بمحمد صلى الله عليه
وسلم [ لعنةُ الناس أجمعين ] من أصناف الأمم، (٤) وأكثرهم ممن لا يؤمن به
ويصدقه ؟
(١) فى المطبوعة: ((من بعد ما بيناه الناس))، وهو خطأ وسهو.
(٢) قوله: ((وذووه))، أى أصحابه وأهل ملته، بإضافة ((ذو)) إلى الضمير، والنحاة فيه
قول كثير ، وزعموا أن ذلك يكون فى ضرورة الشعر ، وليس كذلك ، بل هو آت فى النثر قديماً ،
بمثل ما استعمله الطبرى .
(٣) أنظر ما سلف فى هذا الجزء ٣: ٢٥٤، والتعليق: ١، ومراجعه.
(٤) الزيادة التى بين القوسين لا بد منها، وإلا اختل الكلام والسؤال، ولم يكن لهما معنى محدود
مفهوم ، واستظهرت الزيادة من جواب هذا السؤال .

٢٩٢
تفسير سورة البقرة : ١٦١
قيل : إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبت إليه . وقد اختلف أهل التأويل
فى تأويل ذلك. فقال بعضهم: عنى الله بقوله: ((والناس أجمعين))، أهل الإيمان
به وبرسوله خاصة ، دون سائر البشر .
• ذكر من قال ذلك :
٢٣٩٢ - حدثنا بشر بنمعاذ قال ، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة قوله: ((والناس أجمعين))، يعنى: ؛ ((الناس أجمعين))، المؤمنين .
٢٣٩٣ - حدثنی المثی قال، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع: ((والناس أجمعين))، يعنى بـ((الناس أجمعين))، المؤمنين .
وقال آخرون : بل ذلك يومَ القيامة ، يُوقفُ على رؤوس الأشهاد الكافرُ
فيلعنه الناس كلهم .
· ذكر من قال ذلك :
٢٣٩٤ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع ، عن أبى العالية : إن الكافر يُوَقف يوم القيامة فيلعنه الله ، ثم تلعنه
الملائكة ، ثم يلعنه الناس أجمعون .
. .
وقال آخرون: بل ذلك قول القائل كائناً من كان: ((لعن الله الظالم))،
فيلحق ذلك كل كافر، لأنه من الظَّلمة .
• ذكر من قال ذلك :
٢٣٩٥ - حدثی موسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا
أسباط، عن السدى قوله: ((أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين))، فإنه
لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما: ((لعن اللّه الظالم ))، إلاّ وجبت
تلك اللعنة على الكافر ، لأنه ظالم ، فكل أحد من الخلق يلعنه .
٥

٢٦٣
تفسير سورة البقرة : ١٦٢،١٦١
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندنا قولُ من قال: عنى الله
بذلك جميعَ الناس، بمعنى لعنهم إياهم بقولهم: ((لعن الله الظالم - أو الظالمين)).
فإنّ كلّ أحد من بنى آدم لا يمتنع من قيل ذلك كائناًمن كان»(١) ومن أى أهل
ملة كان ، فيدخل بذلك فى لعنته كلّ كافرٍ كائناً من كان. وذلك بمعنى ما قاله
أبو العالية . لأن الله تعالى ذكره أخبر عمن شهدهم يوم القيامة أنهم يلعنونهم فقال :
﴿وَمَنْ أَعْلَمُ يِّنْ أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِهِمْ وَيَقُولُ
الأَشْهَدُ هُؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَغْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
[سورة هود: ١٨ ]
وأما ما قاله قتادة ، من أنه عنى به بعضَ الناس، فقولٌ ظاهرٌ التنزيل
بخلافه ، ولا برهان على حقيقته من خبر ولا نَظّر . فإن كان ظن أن المعنىَّ به
المؤمنون ، من أجل أن الكفار لا يلعنون أنفسهم ولا أولياءهم، فإن الله تعالى ذكره
قد أخبر أنهم يلعنونهم فى الآخرة. ومعلومٌ منهم أنهم يلعنون الظَّمة، وداخلٌ ٣٦/٢
فى الظَّمة كل كافر ، بظلمه نفسه ، وجحوده نعمةَ ربه ، ومخالفته أمره
القول فى تأويل قوله عز وجل (خُلِدِينَ فِيهَاَ لاَ يُحَفَّفُ عَنْهُمُ
اَلْعَذَابُ وَلَهُمْ يُنْظَرُونَ) (١)
٠
قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: ما الذى نصب ((خالدين فيها))؟
قيل: "نُصب على الحال من ((الهاء والميم)) اللتين فى ((عليهم)). وذلك أنّ"
معنى قوله: (( أولئك عليهم لعنة الله))، أولئك يلعنهم الله والملائكةُ والناس أجمعون
خالدين فيها. ولذلك قرأ ذلك: ((أولئك عليهم لعنة الله والملائكةُ والناس أجمعون))
(١) فى المطبوعة ((لا يمنع من قيل ذلك، والصواب ما أثبت.

٢٦٤
تفسير سورة البقرة : ١٦٢
مَنْ قَرأَهُ كذلك، (١) توجيهاً منه إلى المعنى الذى وصفتُ. وذلك وإن كان جائزاً
فى العربية، فغيرُ جائزة القراءةُ به، لأنه خلافٌ لمصاحف المسلمين، وما جاء به
المسلمون من القراءة مستفيضاً فيهم . فغير جائز الاعتراضُ بالشاذّ من القول، على
ما قد ثبتت حجته بالنقل المستفيض.
٠ ٠
وأما ((الهاء والألف)) اللتان فى قوله: ((فيها))، فإنهما عائدتان على ((اللعنة))،
والمرادُ بالكلام : ما صار إليه الكافر باللعنة من اللّه ومن ملائكته ومن الناس .
والذى صار إليه بها، نارُ جهنم. وأجرى الكلام على ((اللعنة))، والمراد بها ما صار
إليه الكافر، كما قد بينا من نظائر ذلك فيما مضى قبل ، كما : -
٢٣٩٦ - حدثت عن عمار قال: حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع ، عن أبى العالية ((خالدين فيها))، يقول: خالدين فى جهنم ، فى اللعنة .
٠٠ ٠
وأما قوله: ((لا يخفّف عنهم العذاب))، فإنه خبرٌ من الله تعالى ذكره عن
دوام العذاب أبداً من غير توقيت ولا تخفيف، كما قال تعالى ذكره: ﴿ والَّذِينَ
كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ مََّ لاَ يُقْغَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُحْتَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِاَ﴾
[سورة فاطر: ٣٦]، وكما قال: (كُلَّا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودَاً غَيْرَهَا﴾
[ سورة النساء: ٥٦]
...
وأما قوله: ((ولا هم ينظرون))، فإنه يعنى: ولا ◌ُهُم ينظرون بمعذرة
يعتذرون، كما : -
٢٣٩٧ -حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع، عن أبى العالية: ((ولا هم ينظرون))، يقول : لا يُنظرون فيعتذرون،
(١) فى المطبوعة: ((والناس أجمعين))، وهو خطأ، والصواب ما أثبت، برفع ((الملائكة والناس
أجمعون))، وهى قراءة الحسن. وانظر معانى القرآن الفراء ١: ٩٦ - ٩٧، وتفسير هذه الآية فى سائر
كتب التفسير .

٢٦٥
تفسير سورة البقرة : ١٦٣،١٦٢
كقوله: ﴿هْذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ . وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾.
[ المرسلات: ٣٥ -٣٦ سورة]
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿وَإِلَمُكُمْ إِلَّهُ وَّحِدٌ لاَ إِلَّهَ
إِلَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾
١٦٣
قال أبو جعفر: قد بينا فيما مضى معنى ((الألوهية))، وأنها اعتباد الخلق. (١)
فمعنى قوله: ((وإلهكم إلهٌ وَاحدٌ لا إلهَ إلا هو الرحمن الرحيم)): والذى
يستحق "عليكم أيها الناس الطاعة" له، ويستوجب منكم العبادة، معبودٌ واحدٌ
وربٌ واحد ، فلا تعبدوا غيرَه ، ولا تشركوا معه سواه ، فإنّ من ◌ُشركونه معه
فى عبادتكم إياه، هو خلقٌ من خلق إلهكم مثلكم ، وإلحكم إله واحد، لا
مثلَ لهُ وَلا نظير .
واختُلِف فى معنى وحدانيته تعالى ذكره .
فقال بعضهم : معنى وحدانية الله، معنى نَفى الأشباه والأمثال عنه ، كما
يقال: ((فلان واحدُ الناس - وهو واحد قومه))، يعنى بذلك أنه ليسَ له فى
الناس مثل، ولا له فى قومه شبيه ولا نظيرٌ. فكذلك معنى قول ((اللّهُ واحد)»،
يعنى به : اللّه لا مثل له ولا نظير .
فزعموا أن الذى دلَّهم على صحة تأويلهم ذلك، أنّ قول القائل: ((واحد)» يفهم
لمعان أربعة، أحدها: أن تكون (( واحداً )) من جنس، کالإنسان (( الواحد)» من
الإنس. والآخر: أن يكون غيرَ متفرِّق، كالجزء الذى لا ينقسم. (٢) والثالث:
(١) انظر ما سلف ١ : ١٢٢ - ١٢٦.
(٢) فى المطبوعة: ((غير متصرف))، وهو تصحيف، والصواب ما أثبت.

٢٦٦
تفسير سورة البقرة . ١٦٣
أن يكون معنيًّاً به: المثلُ والانفاق، كقول القائل: ((هذان الشيآن واحد)»،
جراد بذلك : أنهما متشابهان، حتى صارًا لاشتباههما فى المعانى كالشىء الواحد .
والرابع : أن يكون مرادًاً به نفى النظير عنه والشبيه .
قالوا: فلما كانت المعانى الثلاثةُ من معانى ((الواحد)) منتفيةً عنه، صح
المعنى الرابع الذي وصفناه .
٥
وقال آخرون: معنى (( وحدانيته)» تعالى ذكره، معنى انفراده من الأشياء،
وانفراد الأشياء منه . قالوا : وإنما كان منفرداً وحده ، لأنه غير داخل فى شىء
ولا داخلٌ فيه شىء. قالوا: ولا صحة لقول القائل: ((واحد))، من جميع الأشياء
إلا ذلك. وأنكر قائلو هذه المقالة المعانى الأربعة التى قالها الآخرون .
٠ ٥
وأما قوله: ((لا إله إلا هو))، فإنه خبرٌ منه تعالى ذكره أنه لا رب للعالمين
غيرُه، ولا يستوجبُ على العبادِ العبادةَ سواه، وأنّ كلّ ماسواه فهُم خلقه، والواجبُ
على جميعهم طاعته والانقيادُ لأمره ، وتركُ عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة،
وهجْر الأوثان والأصنام . لأنّ جميع ذلك خلقُه، وعلى جميعهم الدينونة له بالوحدانية
والألوهة ، ولا تَنبغى الألوهة إلاّ له ، إذ كان ما بهم من نعمة فى الدنيا فمنه ،
دون ما يعبدونه من الأوثان ويشركون معه من الأشراك ؛ (١) وما يصيرون إليه من
نعمة فى الآخرة فمنه ، وأن ما أشركوا معه من الأشراك لا يضر ولا ينفعُ فى عاجل
ولا فى آجل ، ولا فى دنيا ولا فى آخرة .
وهذا تنبيه من الله تعالى ذكره أهل الشرك به على ضلالهم، ودعاءٌ منه لهم إلى
الأوبة من كفرهم ، والإنابة من شركهم .
(١) الأشراك جمع شريك، كما يقال: شريف وأشراف، ونصبر وأنصار، ويجمع أيضاً
على ((شركا.)).

٢٦٧
تفسير سورة البقرة : ١٦٣، ١٦٤
ثم عرّهم تعالى ذكره بالآية التى تلوها، موضع استدلال ذوی الألباب منهم
على حقيقة ما نَّبههم عليه من توحيده وُحججه الواضحة القاطعة عذرَهم، فقال ٢٧/٢
تعالى ذكره : أيها المشركون ، إن جهلتم أو شككتم فى حقيقة ما أخبرتكم من الخبر:
من أنّ إلهكم إله واحد، دونَ ما تدَّعون ألوهيته من الأنداد والأوثان ، فتدبروا
حججى وفكروا فيها، فإن من حججى خلق السموات والأرض، واختلاف
الليل والنهار ، والفلكُ التى تجرى فى البحر بما ينفعُ الناس، وما أنزلت من السماء
من ماء فأحييت به الأرض بعد موتها ، وما بثئتُ فيها من كل دابةَ ، والسحاب
الذى تنخرته بين السماء والأرض . فإن كان ما تعبدونه من الأوثان والآلهة والأنداد
وسائر ما تشركون به، إذا اجتمع جميعه فتظاهرَ أو انفرد بعضُه دون بعض، يقدرعلى
أن يخلق نظیر شیء من خلفی الذی سمیتُ لکم ،فلکمبعبادتكم ما تعبدون من کوفی حينئذ
عذرٌ، وإلا فلا ◌ُعُذر لكم فى اتخاذ إله سواى، ولا إله لكم ولما تعبدون غيرى.
فليتدبر أولو الألباب إيجازَ اللّه احتجاجه على جميع أهل الكفر به والملحدين
فى توحيده ، فى هذه الآية وفى التى بعدها ، بأوْجز كلام، وأبلغ حجة ، وألطف
معنی یشرف بهم على معرفة فضْل حكمة الله وبيانه .
القول فى المعنى الذى من أجله أنزل الله على نبيه صلى الله عليه
وسلم قوله: ﴿إِنَّ فى خَلْقِ السَّمُوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلْفِ الَّيِلِ وَالنَّارِ﴾ الآية
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى السبب الذى من أجله أنزل الله تعالى
ذكره هذه الآية على نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم.

٢٦٨
تفسير سورة البقرة : ١٦٤
فقال بعضهم : أنزلها عليه احتجاجاً له على أهل الشرك به من عبدة الأوثان .
وذلك أن الله تعالى ذكره لما أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((وإلهكم إله
واحد لا إله إلاّ ◌ُهُو الرحمنُ الرحيم)) فتلا ذلك على أصحابه، وسمع به المشركون
مينْ عبدة الأوثان ، قال المشركون: وما الحجة والبرهان على أنّ ذلك كذلك ؟
ونحن نُنكر ذلك، ونحن نزعم أنّ لنا آلهة كثيرة؟ فأنزل الله عند ذلك: ((إن
فى خلق السموات والأرض)»، احتجاجاً لنبيه صلى الله عليه وسلم على الذين قالوا
مَا ذكرنَا عَنْهم.
• ذكر من قال ذلك :
٢٣٩٨ - حدثنی المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن عطاء قال : نزل على النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة:
((وإلهكم إله واحدٌ لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم))، فقال كفار قريش بمكة: كيف
يَسعُ الناسَ إله واحد؟ فأنزل الله تعالى ذكره: ((إنّ فى خلق السموات والأرْض
واختلاف الليل والنهار))، إلى قوله: ((لآياتٍ لقوم يعقلون))، فيهذا تعلمون أنه إله
واحدٌ ، وأنه إله كل شىء ، وخالق كل شىء.
٠٠٠
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية على النبى صلى الله عليه وسلم ، من أجل
أنّ أهل الشرك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ آية]، (١) فأنزل الله هذه
الآية ، يعلمهم فيها أنّ لهم فى خلق السموات والأرض وسائر ما ذكر مع ذلك ،
آيةً بينةً على وحدانية الله، وأنه لاشريك له فى ملكه ، لمن عقل وتدبّر ذلك
بفهم صحيح .
. ذكر من قال ذلك :
٢٣٩٩ - حدثنا سفيان بن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن أبيه ،
(١) الزيادة بين القوسين لا يتم الكلام إلا بها، ويدل عليها ما سيأتى فى الآثار بعد.

٢٦٩
تفسير سورة البقرة : ١٦٤
عن أبى الضحى قال: لما نزلت ((وإلهكم إلهٌ واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم))،
قال المشركون: إن كان هذا هكذا فليأتنا بآية! فأنزل الله تعالى ذكره: ((إن
فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار»، الآية
٢٤٠٠ -حدثنی المثی قال، حدثنا إسحق بن الحجاج قال حدثنا ابن أبى
جعفر ، عن أبيه ، قال حدثنى سعيد بن مسروق ، عن أبى الضحى قال : لما
نزلت: ((وإلهكم إله واحدٌ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم)»، قال المشركون: إن كان
هذا هكذا فليأتنا بآية، فأنزل الله تعالى ذكره: ((إنّ فى خلق السموات
والأرض واختلاف الليل والنهار))، الآية .
٢٤٠١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق بن الحجاج قال ، حدثنا ابن أبى
جعفر ، عن أبيه ، قال ، حدثنى سعيد بن مسروق ، عن أبى الضحى
قال : لما نزلت هذه الآية، جعل المشركون يعجبون ويقولون: تقول إلهكم إله
واحدٌ! فلتأتنا بآية إن كنت من الصادقين! فأنزل الله: ((إنّ فى خلق السموات
والأرض واختلاف الليل والنهار))، الآية .
٢٤٠٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا الحجاج ، عن ابن
جريج، عن عطاء بن أبي رباح أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أرنا
آية! فنزلت هذه الآية: ((إن"فى خلق السموات والأرض)).
٢٤٠٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمى، عن جعفر، عن سعيد قال:
سألت قريش اليهودَ فقالوا : حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات! فحدثوهم
بالعصا وبيده البيضاء للناظرين. وسألوا النصارى عما جاءهم به عيسى من الآيات ،
فأخبروهم أنه كان يُبرئ الأكمه والأبرصَ وُيحيى الموتى بإذن الله. فقالت قريش
عند ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم: ادعُ اللّه أن يجعل لنا الصفا ذهباً، فنزداد
يقيناً، ونتقوَّى به على عدونا. فسأل النبى صلى الله عليه وسلم ربه، فأوحى إليه: ٣٨/٢

٢٧٠
تفسير سورة البقرة : ١٦٤
إنّ مُعطيهم، فأجعلُ لهم الصفا ذهباً، ولكن إن كذَّبوا عذ بتهم عذاباً لم أعذبه
أحداً من العالمين. فقال النبى صلى الله عليه وسلم : ذرنى وَقومى فأدعوهم يوماً بيوم.
فأنزل الله عليه: ((إنّ فى خلق السموات والأرض))، الآية: إن فى ذلك لآية
لهم، إن كانوا إنما يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهباً، فخلق الله السموات والأرض
واختلاف الليل والنهار، أعظمُ من أن أجعل لهم الصفا ذهباً ليزدادوا يقيناً.
٢٤٠٤ - حدثی موسی قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى:
((إنّ فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار))، قال المشركون النبي
صلى الله عليه وسلم: (١) غيِّر لنا الصفا ذهباً إن كنت صادقاً أنه منه! فقال الله:
إنّ فى هذه الآيات لآيات لقوم يعقلون. وقال: قد سأل الآيات قومٌ قبلكم
ثم أصبحوا بها كافرين .
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك، أنّ اللّه تعالى ذكره نبّه عباده
= على الدلالة على وحدانيته وتفرده بالألوهية، دون كل ما سواه من الأشياء = بهذه
الآية . وجائز أن تكون نزلت فیما قاله عطاء ، وجائز أن تكون فيما قاله سعيد بن جبير
وأبو الضحى ، ولا خبرَ عندنا بتصحيح قول أحد الفريقين يقطع العذرَ ، فيجوز
أن يقضىَ أحدٌ لأحد الفريقين بصحة قول على الآخر. وأىّ القولين كان صحيحاً،
فالمراد من الآية ما قلت .
(١) فى المطبوعة: ((فقال المشركون النبى ... ))، والصواب طرح هذه الفاء.

٢٧١
تفسير سورة البقرة : ١٦٤
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ إِنَّ فِ خَلْقِ اَلْسَوَاتِ وَالْأَرْضِ)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله :: ((إنّ فى خلق السموات والأرض»،
إن فى إنشاء السموات والأرض وابتداعهما
ومعنى (( خلق)) الله الأشياء: ابتداعه وإيجاده إياها، بعد أن لم تكن موجودة.
وقد دللنا فيما مضى على المعنى الذى من أجله قيل: ((الأرض))، ولم تجمع
كما 'جمعت السموات، فأغنى ذلك عن إعادته(١)
٠٠٠
فإن قال لنا قائل: وهل السموات والأرض خلقٌ هو غيرُها فيقال: ((إنّ فى
خلق السموات والأرض »؟
قيل : قد اختلف فى ذلك . فقال بعض الناس: لها خلقٌ هو غيرها. واحتلُّوا
فى ذلك بهذه الآية، وبالتى فى سورة الكهف: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَلَآَ خَلْقَ أَ نْفُسِهِمْ﴾ [سورة الكهف: ٥١]. وقالوا: لم يخلق الله شيئاً إلا
والله له مريدٌ. قالوا: فالأشياء كانت بإرادة الله، والإرادة خلق لها .
٠٠٠
وقال آخرون : خلق الشىء صفة له ، لا هى هو ، ولا غيرُه . قالوا : لو
کان غیرُه لوجب أن يكون مثله موصوفاً . قالوا: ولو جاز أن يكون خلقُه غيره ،
وأن يكون موصوفاً ، لوجب أن تكون له صفة هی له خلق . ولو وجب ذلك كذلك،
لم يكن لذلك نهاية . قالوا : فكان معلوماً بذلك أنه صفة للشىء . قالوا : فخلق
السموات والأرض صفة لهما ، على ما وصفنا. واعتلُّوا أيضاً - بأن للشىء خلقاً
ليس هو به - من كتاب اللّه بنحو الذى اعتلّ به الأولون.
(١) انظر ما سلف ١ : ٤٣١ - ٤٣٧.

٢٧٢
تفسير سورة البقرة : ١٦٤
وقال آخرون: خلق السموات والأرض، وخلق كل مخلوق، هو ذلك الشىء بعينه
لا غيره. فمعنى قوله: ((إن فى خلق السموات والأرض))، إنّ فى السموات والأرض.(١)
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَخْتَلَفِ اَلَّيْلِ وَأَلََّرِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((واختلاف الليل والنهار))، وتعاقب
الليل والنهار عليكم أيها الناس .
٥
وإنما (( الاختلاف)) فی هذا الموضع (( الافتعال))، من( 'خلوف» كل واحد منهما
الآخر، (٢) كما قال تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِىِ جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَرَ خِلْفَةٌ لِمَنْ
أَرَادَ أَنْ يَذَّ كَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. [سورة الفرقان: ٦٢].
بمعنى : أن كل واحد منهما يخلف مكان صاحبه ، إذا ذهب الليل جاء
النهارُ بعده، وإذا ذهب النهارُ جاء الليل خلفه. ومن ذلك قيل: ((خلف فلانٌ
فلاناً فی أهله بسوء» ، ومنه قول زهير :
بِهاَ العِينُ وَالآَ رَامُ يَمْشِينَ خِفَةً وَأَطْلاَؤُهَاَ يَنْهَضْنَ مِنْ كُلُّ ◌َجْ(٣)
٥٠
۵
(١) لم يتبع أبو جعفر فى هذا الموضع ما درج عليه من ترجيح القول الذى يختاره . وهذا مما يدل
على ما ذهبنا إليه ، أنه كان يختصر كلامه أحياناً، مخافة الإطالة . هذا إذا لم يكن فى المخطوطات خرم
أو اختصار من ناسخ أو كاتب .
(٢) ((خلوف)، مصدر ((خلف))، ولم أجده فى كتب اللغة، ولكنه عربى معرق فى قياسه.
(٣) ديوانه: من معلقته العتيقة. والهاء فى ((بها)) إلى ((ديار أم أوفى)) صاحبته. والعين جمع
عيناه: وهى بقر الوحش، واسعة العيون جميلتها. والآرام جمع رئم: وهى الظباء الخوالص البياض،
تسكن الرمل. ((خلفة)) إذا جاء منها فوج ذهب آخر يخلفه مكانه. يصف مجيئها وذهوبها فى براح هذه
الرملة . والأطلاء جمع طلا: وهو ولد البقرة والظبية الصغير. ويصف الصغار من أولاد البقر والظباء فى
هذه الرملة، وقد نهض هذا وذاك منها من موضع جثومه . يصف اختلاف الحركة فى هذه القفرة المهجورة
التی فارقتها أم أوفى ، وقد وقف بها من بعد عشرين حسبة-، كما ذكر .

٢٧٣
تفسير سورة البقرة : ١٦٤
وأما ((الليل)). فإنه ◌َجَمْع ((ليلة))، نظيرُ ((التمر)) الذى هو جمع ((تمرة)).
وقد يجمع ((ليال))، فيزيدون فى جمعها ما لم يكن فى واحدتها. وزيادتهم ((الياء))
فى ذلك نظير زيادتهم إياها فى «رباعية وثمانية وكراهية)).
٠
٠
وأما ((النهار))، فإنّ العرب لا تكاد تجمعه، لأنه بمنزلة الضوء. وقد سمع فى
جمعه («النَّهُر))، قال الشاعر:
لَوْلاً الثّرِيدَانِ هَلَّكْنَا بِلِضُّمُرْ تَرِيدُ كَيْلٍ وَرِيدٌ ◌ِلُّهُ(١)
ولو قيل فى جمع قليله ((أنهرة)) كان قياساً.
٠٠٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَاَلْقُلكِ الَّتِى تَجْرِى فِىِ الْبَحْرِ بَِ
يْفَعُ أَلنَّاسَ)
قال أبو جعفر : يعنى تعالى ذكره : إنّ فى الفلك التى تجرى فى البحر.
٠٠٠
و ((الفلك)) هو السُّفْن، واحدُه وجمعه بلفظ واحد، ويذكَّر ويؤنث، كما
قال تعالى ذكره فى تذكيره فى آية أخرى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا ◌َلْنَا ذُرِّيَهُمْ فِى
الفُلكِ المَشْحُونِ﴾ [سورة يس: ٤١]، فذكَّره.
٠
٠
وقد قال فى هذه الآية: ((والفلك التى تجرى فى البحر))، وهى ◌ُجْراة، لأنها
(١) تهذيب الألفاظ: ٤٢٢، والمخصص ٩: ٥١، والسان (نهر)، والأزمنة والأمكنة
١: ٧٧، ١٥٥ وغيرها. ورواية اللسان والخصص ((لمتنا بالضمر)). والضمر (بضم الميم وسكونها)
مثل العسر والعسر: الهزال ولحاق البطن من الجموع وغيره . والثريد: خبز يهثم ويبل بماء القدر ويغمس
فيه حتی یلین .
ج ٣ (١٨)

٢٧٤
تفسير سورة البقرة : ١٦٤
٣٩/٢ إذا أجريت فهى ((الجارية))، فأضيف إليها من الصفة ما هو لها. (١) ..
وأما قوله: ((بما ينفع الناس))، فإن معناه : ينفعُ الناسَ فى البحر.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءِ
فَأَحْيَاَ بِهِ اْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وما أنزل اللّهُ من السماء من ماء))،
وفيما أنزلهُ اللّه من السماء من ماء، وهو المطر الذى يُنزله الله من السماء.
وقوله: (( فأحيا به الأرض بعدَ موتها))، وإحياؤها عمارَتُها، وإخراج نباتها.
و((الهاء)) التى فى ((به)) عائدة على ((الماء))، و((الهاء والألف)) فى قوله:
(((بعد موتها)) على الأرض.
و ((موت الأرض))، خرابها، وُدُثور عمارتها، وانقطاعُ نباتها، الذى هو للعباد
أقواتٌ، وللأنام أرزاق" .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَبَثَّ فِيهاَ مِنْ كُلِّ دَآبَّةٍ)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وبث فيها مِنْ كلّ دابة))، وإن
فيما بت فى الأرض من دابة .
(١) انظر ما سلف ١ : ١٩٦.

٢٧٥
تفسير سورة البقرة : ١٦٤
ومعنى قوله: ((وَبَتْ فيها))، وفرَّقَ فيها، من قول القائل: ((بث الأميرُ
سرایاه )) ، يعنى : فرّق.
((والهاء والألف)) فى قوله: ((فيها))، عائدتان على ((الأرض)).
((والدابة)) ((الفاعلة))، من قول القائل: ((دبِّت الدابة تدبُّ دبيباً فهى دابة)).
(((والدابة))، اسم لكل ذى رُوح كان غير طائر بجناحيه، لدبيبه على الأرض .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَتَصْرِيفِ الرُّبَحِ)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((وتصريف الرياح))، وفى تصريفه
الرياح ، فأسقط ذكر الفاعل وأضاف الفعل إلى المفعول، كما تقول: (١)(« يعجبنى
إكرام أخيك))، تريد: إكرامُك أخاك .
. ..
((وتصريف)) اللّه إياها، أنْ يُرسلها مَرَّة لواقحَ، ومرة يجعلها عَقيما،
ويبعثها عذاباً تُدمِّر كل شىء بأمر ربها ، كما : -
٢٤٠۵ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((وتصريف الرياح والسحاب المسخر))، قال: قادرٌ واللّه ربُّنا على
ذلك، إذا شاء [جعلها رحمةً لواقح للسحاب ونشراً بين يدى رحمته، وإذا شاء]ً جعلها
عذاباً ريحاً عقيماً لاُتُلقح، إنما هى عذابٌ على من أرسِتْ عليه.(٢)
٠
(١) فى المطبوعة: ((كما قال: يعجبنى ... يريد))، والصواب ما أثبت.
(٢) الزيادة بين القوسين من نص الدر المنثور ١: ١٦٤، من نص تفسير قتادة الذى أخرجه
الطبرى .

٢٧٦
تفسير سورة البقرة : ١٦٤
وزعم بعض أهل العربية أنّ معنى قوله: ((وتصريف الرياح))، أنها تأتى مَرّة
جنوباً وشمالاً وقبولاً وَدبوراً. ثم قال: وذلك تصريفها. (١) وهذه الصفة التى
وَصَفَ الرياح بها، صفة تصرُّفها لا صفة تصريفها، لأن (( تصريفها)) تصريفُ اللّه
لها، ((وتصرفها)) اختلافُ هبوبها .
وقد يجوز أن يكون معنى قوله: ((وتصريف الرياح))، تصريفُ اللّه تعالى ذكره
هبوب الريح باختلاف مهابَّها .
۵
القول فى تأويل قوله تعالَى ﴿وَالسَّحَبِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ
وَالْأَرْضِ لَأَيْتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (٦)
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: ((والسحاب المسخر))، وفى السحاب،
جمع ((سحابة)). يدل على ذلك قوله تعالى ذكره: ﴿وُيُنْشِىُ السَّحَبَ الفِّقَالَ﴾
[ سورة الرعد: ١٢]، فوحّد المسخر وذكره، كما قالوا: ((هذه تمرة وهذا تمر كثير)).
فى جمعه، ((وهذه نخلة وهذا نخل)).(٢)
وإنما قيل للسحاب ((سحاب)) إن شاء الله، الجر بعضه بعضاً وسحبه إياه،
من قول القائل: ((مرّ فلان يجر ذيله))، يعنى: ((يسحبه)).
٠٠٠
فأما معنى قوله: ((لآيات))، فإنه علامات ودلالاتٌ على أن خالق ذلك كلّه
ومنشئه ، إله واحدٌ .(٣)
(١) هذه مقالة الفراء فى معانى القرآن ١ : ٩٧.
(٢) فى المطبوعة: ((كما قال: هذه ثمرة ... ))، والصواب ما أثبته.
(٣) انظر معنى ((آية)) فيما سلف ١: ١٠٦، وفهارس اللغة. وقد ترك الطبرى تفسيره ((المسخر»،
وكأن فى الأصول اختصاراً من ناسخ أو كاتب، إن لم يكن من الطبرى نفسه، كما أشرت إليه فيما مضى.

٢٧٧
تفسير سورة البقرة : ١٦٤
((لقوم يعقلون))، لمن عقل مواضع الحجج، وفهم عن اللّه أدلته على وحدانيته.
فأعلم تعالى ذكره عبادَه ، بأنّ الأدلة والحجج إنما وُضعتُ مُعتبَرًا لذوى العقول
والتمييز ، دون غيرهم من الخلق ، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمر والنهى ، والمكلفين
بالطاعة والعبادة ، ولهم الثواب ، وعليهم العقاب .
٠٠٠
فإن قال قائل: وكيف احتج على أهل الكفر بقوله: ((إنّ فى خلق السموات
والأرض واختلاف الليل والنهار)) الآية، فى توحيد الله ؟ وقد علمت أنّ أصنافاً
من أصناف الكفرة تدفع أن تكون السموات والأرض وسائر ما ذكر فى هذه الآية
مخلوقةً ؟
قيل : إنّ إنكار من أنكر ذلك غيرُ دافع أن يكون جميعُ ما ذكر تعالى ذكره
فى هذه الآية، دليلاً على خالقه وصانعه، وأنّ له مدبراً لا يشبهه [شىء] ، وبارئاً
لا مِثْل له . (١) وذلك وإن كان كذلك، فإن الله إنما حَاجَّ بذلك قوماً كانوا
مُقْرُّين بأنّ اللّه خالقهم، غير أنهم يُشركون فى عبادته عبادة الأصنام
والأوثان.(٢) فحاجَّهم تعالى ذكره فقال - إذ أنكروا قوله: ((وإلهكم إله واحد» ،
وزعموا أن له شركاء من الآلهة -: [ إن إلهكم الذى خلق السموات وأجرى فيها
الشمس والقمر لكم بأرزاقکم دائبین فی سیرهما. وذلك هو معنى اختلاف الليل والنهار
فى الشمس والقمر](٣)، وذلك هو معنى قوله: ((والفلك التى تجرى فى البحر بما
(١) الزيادة بين القوسين لابد منها هنا .
(٢) انظر ما سلف فى ١: ٣٧١، والرد على من ظن أن العرب كانت غير مقرة بالوحدانية.
(٣) هذه الجملة قد سقط منها شىء كثير، فاختلت واضطربت، وكأن صوابها ما يأتى:
[ إنّ إلهكم الذى خلق لكم السَّموات والأرض، خلق الأرض وقَدّر لكم
فيها أرزاقكم وأقواتكم، وخلق السَّمَوات وأجرى فيها الشمس والقمر دائبين فی سیرھا
- وذلك هو معنى: ﴿واختلاف الليل والنهار) - وخلق الرياح التى تسوق
السفن التى تحملكم فتجريها فى البحر لتبتغوا من فضله] -

٢٧٨
تفسير سورة البقرة : ١٦٤
ينفع الناس » - وأنزل إلیکم الغيث من السماء، فأخصب به جنابکم بعد 'جدوبه ،
وأمرعه بعد دُثوره، فَنَعَشكم به بعد قنوطكم(١)-، وذلك هو معنى قوله: (( وَمَا أُنزَل
اللّه من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها)) - وتمَّر لكم الأنعام فيها لكمْ
٤٠/٢ مطاعمُ وَمَآكل، ومنها جمالٌ ومراكبُ ، ومنها أثاث وملابس - وذلك هو معنى
قوله: ((وبث فيها من كل دابة)) - وأرسل لكم الرياح لواقح لأشجار ثماركم وغذائكم
وأقواتكم، وسيِّر لكم السحاب الذى بَوَدْقُه حياتكم وحياة نعمكم ومواشيكم -
وذلك هو معنى قوله: ((وتصريف الرياح والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض)).
فأخبرهم أنّ إلههم هو اللّه الذى أنعم عليهم بهذه النعم، وتفرَّد لهم بها. ثم قال: هل
من شركائكم من يفعل مِنْ ذلكم من شىء، فتشركوه فى عبادتكم إياى، وتجعلوه
لى نيدًا وعيدلاً؟ فإن لم يكن من شركائكم مَنْ يفعل مِنْ ذلكم مين شىء، ففى الذى
عَددت عليكم من نعمتى ، وتفردت لكم بأيادىّ ، دلالاتٌ لكم إن كنتم تعقلون
مواقعَ الحق والباطل، والجور والإنصاف. وذلك أنىّ لكم بالإحسان إليكم متفرِّد
دون غيرى ، وأنتم تجعلون لى فى عبادتكم إياى أنداداً. فهذا هو معنى الآية .
#
والذين ذُكِّروا بهذه الآية واحتج عليهم بها ، هم القوم الذين وصفتُ صفتهم،
دون المعطّلة والدُّهْرية، وإن كان فى أصغر ما عدَّ اللّه فى هذه الآية، من الحجج
البالغة ، المَقْنَعُ لجميع الأنام، تركنا البيان عنه، كراهة إطالة الكتاب بذكره .
(١) أمرع الأرض: صيرها خصبة بعد الجدب. والدثور: الدروس، يريد خرابها وانمحاء
آثار عمارتها من النبات وغيره. وكان فى المطبوعة: ((فينعشكم))، والصواب ما أثبت. ونعشه الله ينعشه:
رفعه وتدار كه برحمته .

٢٨١
تفسير سورة البقرة : ١٦٥
غُلامَك، ((واستوفيتُ "حتى منه استيفاء حقك))، بمعنى استيفاءك حقك، فتحذف
من الثانى كناية اسم المخاطَب، اكتفاء بكنايته فى ((الغلام)) و((الحق))، كما
قال الشاعر :
فَلَيْتُ مُلَّاً مَا دُمْتُ حَيَّ عَلَى زَيْدٍ بَتَعْلِمِ الأَسِيرِ(١) ..
يعنى بذلك: كما يُسلَّم على الأمير.
٠ ٠
فمعنى الكلام إذاً : ومن الناس من يتخذ ، أيها المؤمنون ، من دون الله أنداداً
يحبونهم كحبكُم اللّه. (٢)
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَوْ يَرَى أُلّذِين ظَلَمُوا إِذْ بَرَوْنَ
اَلْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾
١٦٥
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأه عامة أهل المدينة
والشأم: ((ولوْ ترى الذين ظلموا)) بالتاء ((إذا يرون العذابَ)) بالياء ((أن القوة الله
جميعاً وأن اللهشديد العذاب» بفتح( أنّ ) و(( أنّ) کلتيهما - بمعنى: ولو ترىیا محمد
(١) لم أعرف قائله. وسيأتى فى هذا الجزء ٣: ٣١١، وهو من أبيات أربعة فى البيان والتبيين
٤ : ٥١، ومعانى القرآن الفراء ١: ١٠٠، وأمالى الشريف ١: ٢١٥. وبعد البيت:
وُيُطْعِمُ ضِيفَهُ خُبْزَ الشَّعِير !
أَمِيرٌ يأْكُلُ الفَالُوذَ سِرًّا
وَ إِذْ تَعْلَكَ من جِلْدِ الْبَعِيرِ ؟
أتذكُرُ إِذْ قَبَاؤك جلْدُ شاةٍ
وعَلَّك الجلوسَ على السَّرِير !!
فسُبْحان الذى أعطاك مُلْكاً
(٢) فى المطبوعة: ((كحب الله))، وليس هذا تفسيراً على سياق كلامه وتفسيره، بل هو
نص الآية، والصواب ما لمثبت .

:
٢٨٢
تفسير سورة البقرة : ١٦٥
الذين كفروا وَظلموا أنفسهم، حينَ يَرون عذابَ اللّه ويعاينونه ((أنّ القوة اللّه
جميعاً وأن الله شديدُ العذاب ».
٤١/٢
ثم فى نصَبْ ((أنّ)) و((أنّ)) فى هذه القراءة وجهان: أحدهما أن تُفتح
بالمحذوف من الكلام الذى هو مطلوب فيه ، فيكون تأويل الكلام حينئذ : ولو
ترى يا محمد الذين ظلموا إذ يرون عذاب الله، لأقروا - ومعنى ترى : تبصر -
أن القوة الله جميعاً وأنّ اللّه شدید العذاب . ویکون الجواب حينئذ - إذا فتحت
((أن)) على هذا الوجه - متروكاً، قد اكتفى بدلالة الكلام عليه، ويكون المعنى
ما وصفت. فهذا أحد وجهى فتح (أن))، على قراءة من قرأ ((ولو ترى)) بـ((التاء)).
والوجه الآخر فى الفتح : أن یکون معناه : ولو تری، یا محمد،إذ یری الذین
ظلموا عذابَ اللّه، لأن القوة الله جميعاً، وأن الله شديد العذاب، لعلمت مبلغ
عذاب الله. ثم تحذف ((اللام))، فتفتح بذلك المعنى ، لدلالة الكلام عليها .
وقرأ ذلك آخرون من سلف القراء : ((ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب
إن القوة الله جميعاً وإن الله شديدُ العذاب)». بمعنى: ولو تری، یا محمد ، الذین
ظلموا حين يعاينون عذابَ اللّه ، لعلمت الحال التى يصيرون إليها . ثم أخبر تعالى
ذكره خبرًاً مبتدأ عن قدرته وسلطانه، بعد تمام الخبر الأول فقال: ((إن القوة الله
جميعاً)) فى الدنيا والآخرة، دون من سواه من الأنداد والآلهة، «وإن الله شديد
العذاب » من أشرك به ، وادعى معه شركاء ، وجعل له نداً .
٠٠٠
وقد يحتمل وجهاً آخر فى قراءة من کسر (( إن )» فى « تری )» بالتاء . وهو أن
يكون معناه: ولو ترَى، يا محمد، الذين ظلموا إذ يرون العذاب يقولون: إنّ القوة الله
جميعاً وإنّ اللّه شديد العذاب. ثمّ تحذفُ (القول)) وتكتفى منه بالمقول.
٠
وقرأ ذلك آخرون: ((ولويَرَى الذين ظلموا)) بالياء «إذ يَرَون العذاب أن القوة
الله جميعاً وأن الله شديدُ العذاب)) بفتح ((الألف)) من ((أنّ)) ((أنّ))، بمعنى: ولو