Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
تفسير سورة البقرة : ١١٤
معمر، عن قتادة فى قوله: ((وَمَنْ أظلم ممن مَنعَ مساجدَ اللّه أن يُذكر فيها
اسمه وسعى فى خرابها))، قال: هو بختنصّر وأصحابه، خرَّب بيت المقدس، وأعانه
على ذلك النصارى .
١٨٢٥ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدی: (( ومن أظلم من متع مساجد الله أن يُذ کر فيها اسمه وسعی فی خرابها )»،
قال : الرُّوم، كانوا ظاهروا بختنصَّر على خراب بيت المقدس حتى خرّبه ، وأمر
به أن تُطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه، من أجل أن بنى إسرائيل
قتلوا يحيى بن زكريا .
٥
وقال آخرون: بل عنى الله عز وجلّ بهذه الآية ، مشركى قُريش، إذ
منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام ، ذكر من قال ذلك:
١٨٢٦ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى قال ، حدثنا ابن وهب قال ، قال
ابن زید فی قوله: « ومن أظلمُ ممن منے مساجد الله أن یذ کر فيها اسمه وسعی
فى خرابها))، قال: هؤلاء المشركون، حين حالوا بينْ رسول الله صلى الله عليه وسلم
يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة ، حتى نحر هديه بذى ◌ُطُوّى وهادنهم ، وقال
لهم : ما كان أحد يُردُّ عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه
فیه فما یصدُّه ! وقالوا : لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باقٍ !
وفى قوله: ((وَسعى فى خَرَابها)) قال: إذْ قطعوا من يعمُرها بذكره، (١)
ويأتيها للحجّ والعمرة .
٠
قال أبو جعفر : وأولى التأويلات التى ذكرتها بتأويل الآية ، قول من قال :
عی الله عز وجل بقوله: (( ومن أظلمُ ممن منعمساجد الله أن یذ کر فيها اسمه ))،
النصارى . وذلك أنهم ◌ُهم الذين سعوا فى خراب بيت المقدس، وأعانوا بختنصَّر
(١) فى المطبوعة: ((قالوا إذا قطعوا))، والصواب من تفسير ابن كثير١: ٢٨٥ فهذا جزء من
من الأثر ، والقائل هو : ابن زيد .

٥٢٢
تفسير سورة البقرة : ١١٤
على ذلك ، ومنعوا مُؤمنى بنى إسرائيل من الصلاة فيه بعد مُنْصرَف بختنصّر عنهم
٣٩٨/١ إلى بلاده.
والدليل على صحة ما قلنا فى ذلك، قيامُ الحجة بأنْ لا قولَ فى معنى هذه
الآية إلاّ أحدُ الأقوال الثلاثة التى ذكرناها، وأن لا مسجدَ على اللّه عز وجل"
بقوله: ((وَسعىَ فى خَرَابها)) إلاّ أحد المسجدين: إما مسجد بيت المقدس،
وإما المسجد الحرام . وإذا كان ذلك كذلك = وكان معلوماً أن مشرکی قریش
لم يسعَوْا قطُّ فى تخريب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا فى بعض الأوقات
رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الصلاة فيه = صحَّ وثبت أن الذين وصفهم
اللّه عز وجل بالسعى فى خراب مساجده، غيرُ الذين وصفهم الله بعمارتها. إذا كان
مشركو قريش بَنَوا المسجد الحرامَ فى الجاهلية ، وبعمارته كان افتخارهم ، وإن
كان بعضُ أفعالهم فيه ، كان منهم على غير الوجه الذى يرضاه الله منهم .
وأخرَى ، أن الآية التى قبل قوله: ((ومن أظلمُ ممن مَنع مساجدَ اللّه أن
يُذكر فيها اسمُهُ))، مضَت بالخبر عن اليهود والنصارى وذمّ أفعالهم، والتى بعدَها نبَّهت
بذمّ النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم، ولم يجرٍ لقريش ولا لمشركى العرب
ذكرٌ، ولا للمسجد الحرام قبلها، فيوجَّه الخبرُ - بقول الله عز وجل: ((ومن أظلمٌ
ممن مَنعَ مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه)) - إليهم وإلى المسجد الحرام.
وإذا كان ذلك كذلك ، فالذى هو أولى بالآية أن يوجَّه تأويلها إليه ، وهو
ما كان نظيرَ قصّة الآية قبلها والآية بعدَها، إذ كان خبرُها لخبرهما نظيراً وشكلاً،
إلاّ أن تقوم حجةٌ يجب التسليم لها بخلاف ذلك، وإن اتفقت قصصها فاشتبهت. (١)
فإن ظنّ ظانّ أن ما قلنا فى ذلك ليس كذلك - إذا كان المسلمون لم يلزمهم
(١) أراد ابن كثير أن يرد ما ذهب إليه الطبرى فى تفسير الآية، فى تفسيره ١: ٢٨٥ - ٢٨٧
وقال: ((اختار ابن جرير القول الأول، واحتج - بأن قريشاً لم تسع فى خراب الكعبة، وأما الروم
فسعت فى تخريب بيت المقدس، قال ابن كثير: والذى يظهر والله أعلم، القول الثانى، كما قاله ابن
زيد ... )، ثم قال: ((وأما اعتماده على أن قريشاً لم تسع فى خراب الكعبة، فأى خراب أعظم مما فعلوا ؟
أخرجوا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم ... »

٥٢٣
تفسير سورة البقرة : ١١٤
قطُّ فرض الصلاة فى المسجد [ المقدس، فمنعوا من الصلاة فيه فياجئون ] توجيه
قوله(١): ((وَمَنْ أظلمٌ ممن "مَنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه))، إلى أنه معنىٌّبه
مسجد بيت المقدس - فقد أخطأ فيما ظن من ذلك . وذلك أن الله جل ذكره إنما
ذكرظُلم من مَنعَ مَنْ كان فرضَه الصلاةُ فى بيت المقدس من مؤمنى بنى إسرائيل،
ثم استدل بآيات من كتاب الله وقال: (( ليس المراد بعمارتها، زخرفتها وإقامة صورتها، فقط، إنما
عمارتها بذكر اللّه وإقامة شرعه فيها)) إلى آخر ما قاله.
وهذا الاعتراض من ابن كثير على أبى جعفر رحمهما الله ، ليس يقوم فى وجه حجة الطبرى على صواب
ما ذهب إليه فى تأويل الآية. والطبرى لم يغفل عن مثل اعتراض ابن كثير، ولكن ابن كثير غفل عن سيق
تأويل الطبرى . وصحيح أن ما كان من أمر أهل الشرك فى الجاهلية فى البيت الحرام يدخل فى عموم معنى
قوله: ((وسعى فى خرابها))، ولكن سياق الآيات السابقة، ثم التى تليها، توجب - كما ذهب إليه الطبرى -
أن يكون معنياً بها من كانت الآيات نازلة فى خبره وقصته .
والآيات السالفة جميعاً خبر عن بنى إسرائيل الذين كانوا على عهد موسى ، وتأنيب لبنى إسرائيل الذين
كانوا بين ظهرانى مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ما كان منهم لأهل الإيمان من أصحاب رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم، ثم عتاب بعض أهل الإيمان على ما جرى على ألسنتهم من ألفاظ اليهود فى خطاب
نبيهم صلى الله عليه وسلم، ثم تحذير لهم من أهل الكتاب جميعاً، يهوديهم ونصرانيهم، وذكر لافتراء
الفريقين بعضهم على بعض ، وادعاء كل فريق أنه هو الفريق الناجى يوم القيامة . ثم أفرد بعد ذلك
أخبار النصارى ، كما أفرد من قبل أخبار بنى إسرائيل ، فعدد سوء فعلهم فى منعهم مساجد الله أن
يذكر فيها اسمه، ثم كذبهم على ربهم أنه اتخذ ولداً، ثم قال بعضهم: ((لولا يكلمنا الله أو تأتينا
آية))، وأن ذلك شبيه بقول اليهود: (أرفا الله جهرة))، ثم أخبر أنه أرسل رسوله محمداً بشيراً ونذيراً،
وأمره أن يعرض عن أهل الجحيم من هؤلاء وهؤلاء، ثم أعلنه أن اليهود والنصارى جميعاً . لن يرضوا
عنه حتى يتبع ملتهم وطريقهم ، فى الافتراء على رب العالمين .
فالسياق كما ترى، بمعزل عن المشركين من العرب، ولكن ابن كثير وغيره من أئمتنا رضوان الله
عليهم ، تختلط عليهم المعانى حين تتقارب ، ولكن أبا جعفر صابر على كتاب ربه ، مطيق لحمله ،
لا يعجله شىء عن شىء ما استطاع . فهو يخلص معانى كتاب ربه تخليصاً لم أجده قط لأحد بعده ،
من قرأ كتابه. وأكثرهم يعترض عليه، ولو صبر على دقة هذا الإمام. لكان ذلك أولى به، وأشبه بخلق
أهل العلم ، وهم له أهل ، غفر الله لنا ولهم .
(١) الذى بين القومين، هكذا جاء فى النخ المطبوعة والمخطوطة السقيمة. ولم أجد نقلا عن
أبى جعفر يهدينى إلى تصويب هذا الخلط . فاجتهدت أن استظهر سياق كلامه . فأقرب ما انتهيت إليه أن
يكون فيه سقطاً وتحريغاً ، وأن يكون سياقه كما يلى :
[إِذا كان المسلمون هم المخاطَبون بالآيات التى سبقت هذه الآية، وكان المسلمون
لم يلزَمْهُمْ قطُّ فرضُ الصلاةِ فى مسجد بيت المقدس، فمنعوا من الصلاة فيه ،
وكان النصارى واليهود لم يمنعوهم قط من الصلاة فيه، فيجوزُ توجيه قوله -: (( ومنْ

٥٢٤
تفسير سورة البقرة : ١١٤
وإياهِم قَصّدَ بالخبر عنهم بالظلم والسعى فى خَرَاب المسجد. وإن كان قَدْ دَلْ
بعموم قوله: ((وَمَنْ أَظلمُ ممن "مَنع مساجدَ اللّه أنْ يُذكر فيها اسمه))، أن
كل مانع مُصلِّياً فى مسجدٍ لله، (١) - فرضاً كانتْ صلاته فيه أو تطوُّعاً - وكل
ساع فى إخرابه ، فهو من المعتدين الظالمين .
...
القول فى تأويل قوله جل ذكره (أوْ لَئِكَ مَا كَانَ نَهُمْ أَن
يَدْخُلُوهَا إِلَّ خَائِفِينَ)
قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله عز وجل عمَّن مَنع مساجدَ اللّه أن يذكر
فيها اسمه ، أنه قد حرَّم عليهم دخول المساجد التى سعوا فى تخريبها ، ومنعوا عباد الله
المؤمنين من ذكر الله عز وجل فيها ، ما داموا على مُناصبة الحرب، إلاّ على خوف
ورجل من العقوبة على دخولهموها ، كالذى : -
١٨٢٧ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(( ما كان لهم أن يَدْخلوها إلاّ "خائفين))، وهم اليوم كذلك، لا يوجدُ نصرانىٌّ
فى بيت المقدس إلا نهك ضرباً، وأُبْلغ إليه فى العقوبة.
١٨٢٨ - حدثنا الحسن قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة قال الله عز وجل: ((ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ خائفین))، وهم النصارى،
فلا يدخلون المسجد إلاّ مُسارقَةً، إنْ قُدِرِ عليهم عوقبوا .
١٨٢٩ - حدثنا موسى قال ، حدثنا عمرو، قال حدثنا أسباط ، عن السدى:
« أولئك ما كان مهم أن يدخلوها إلاّ خائفین))، فليس فى الأرض رومىٌّ يدخلها
أَظَمُ ثَمّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ الله أن يُذْ كَر فيها أُسْمُهُ))- إلى أنّه معنىٌّ بِهَ مُسْجِدُ
بيت المقدس]. هذا اجتهادى فى قراءة هذا النص المختلط، والله أعلم .
(١) فى المطبوعة: «فى مسجد الله)، والصواب ما أثبت.

٥٢٥
تفسير سورة البقرة : ١١٤
اليوم إلا وهو خائف أن تُضرب عنقه ، أو قد أخيف بأداء الجزية ، فهو يؤدِّيها .
١٨٣٠ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله :
((أولئكَ ما كان لهمْ أن يدخلوها إلاّ خائفين))، قال: نادى رسولُ الله صلى الله ٣٩٩٨١
عليه وسلم: لا يَحُجُّ بعدَ العام مُشرك، ولا يطوف بالبيت عُرْيان. قال: فجعل
المشركون يقولون : اللهم إنا منعنا أن نَنْزِل !
...
وإنما قيل: ((أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ خائفين)»، فأخرج على وجه
الخبرِ عن الجميع، وهو خبر عن ((من مَنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه))،
لأن ((مَنْ)) فى معنى الجميع، وإن كان لفظه واحداً. (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى
اُلْأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
١١٤
قال أبو جعفر: أمّا قوله عز وجلّ: ((لهم))، فإنّه يعنى: الذين أخبر عنهم أنهم منعوا
مساجدالله أن یذ کر فیها اسمه. أما قوله: (( لهےفىالدنيا خزى)، فإنه يعنى؛ ((الخزى)):
العارَ والشر والذلة (٢)، إمّا القتلُ والسِّباء، وإما الذّلة والصَّغار بأداء الجزية، كما :-
١٨٣١ - حدثنا الحسن قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن
قتادة: ((لهم فى الدنيا خزى))، قال : يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون .
١٨٣٢ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدى
قوله: ((لهم فى الدنيا خزى))، أما خِزْيهم فى الدنيا، فإنهم إذا قام المهدىُّ وفُتِحت
القسطنطينية قتلهم . فذلك الخزى . وأما العذاب العظيم ، فإنه عذابُ جهنم الذى
لا يخفّف عن أهله ، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا . وتأويل الآية : لهم فى الدنيا
الذّلة والهوانُ والقتل والسَّبی- علی منعهم مساجد الله أن یذ کر فيها اسمه وسعيهم
(١) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢ : ٥١٣
(٢) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢ : ٣١٤
:

٥٢٦
تفسير سورة البقرة : ١١٥،١١٤
فى خرابها، ولهم = على معصيتهم وكفرهم بربهم وسعيهم فى الأرض فساداً = عذابُ
جهنم ، وهو العذاب العظيم .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَشِلٌ لْمَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْماَ
ثُوَّلُوا فَمَّ وَبْهُ اللهِ﴾
قال أبو جعفر: یعنی جل ثناؤه بقوله: (( ولله المشرق والمغرب)) ، لله ملگُهما
وتدبيرُهما، كما يقال: ((لفلان هذه الدار)). يعنى بها: أنها له، ملكاً. فذلك قوله :
(((ولله المشرق والمغرب))، يعنى أنهما له، ملكاً وخلقاً.
٠٠٠
و ((المشرق)» هو موضع شروق الشمس ، وهو موضع طلوعها ، كما يقال
لموضع طُلوعها منه :: ((مطلع))، بكسر اللام، وكما بينا فى معنى (المساجد)) آنفاً.(١)
...
فإن قال قائل: أوَ ما كان للّه إلا مشرق واحدٌ ومغرب واحدٌ ، حتى قيل :
((ولله المشرق والمغرب))؟
قيل: إن معنى ذلك غير الذى ذهبت إليه . وإنما معنى ذلك: ولله المشرق
الذى تشرق منه الشمس كل يوم ، والمغرب الذى تغرب فيه كل يوم . فتأويله،
إذْ كان ذلك معناه: والله ما بَين ◌ُقُطْرى المشرق وما بين قُطْرى المغرب، إذ كان
شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحوْل الذى بعده ،
وكذلك غروبها كل يوم .
فإن قال: أوَ ليس وإن كان تأويل ذلك ما ذكرت، فلله كل ما دونه؟(٢)
الخلقُ خلقُه!
( ١) انظر ما سلف قريباً : ٥١٩
(٢) قوله: ((فلله كل ما دونه))، أى كل ما سواء من شىء.

٥٢٧
تفسير سورة البقرة : ١١٥
قیل : بَلی !
فإن قال : فكيف خص المشارق والمغارب بالخبر عنها أنها له فى هذا الموضع ،
دون سائر الأشياء غيرها ؟
قيل : قد اختلف أهل التأويل فى السبب الذى من أجله خصّ اللّه ذكر
ذلك بما خصّه به فى هذا الموضع. ونحن ◌ُبيِّنْو الذى هو أولى بتأويل الآية ، بعد
ذكرنا أقوالهم فى ذلك . فقال بعضهم: خص الله جل ثناؤه ذلك بالخبر، من أجل
أن اليهود كانت توجُّه فى صلاتها وُجُوَهها قِبَل ببيت المقدس، وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك مدة، ثم ◌ُحُوِّلوا إلى الكعبة . فاستنكرت اليهود ذلك
من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ما وَلاًّهم عن قبلتهم التى كانوا عليها ؟
فقال الله تبارك وتعالى لهم: المشارقُ والمغاربُ كلها لى، أصْرِف وجوه عبادى كيف
أشاء منها ، فحيثما تُوَلُوا فثَمَّ وجه اللّه، ذكر من قال ذلك :
١٨٣٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية بن
صالح ، عن على، عن ابن عباس قال: كان أول ما نُسخَ من القرآن ، القبلةُ.
وذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثرَ أهلها ٤٠٠/١
اليهودُ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيت المقدس . ففرحت اليهود . فاستقبلها
رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يُحبّ قبلة إبراهيم عليه السلام، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله تبارك
وتعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ) إلى قوله ﴿فوَلُوا وَجُوهَكُمْ شَطْرَه﴾
[ سورة البقرة: ١٤٤]، فارتابَ من ذلك اليهود وقالوا: ﴿ مَا وَلَّاهم عن قِبْلَتِهِم ◌َّى
كَانُوا عَلَيْها﴾ فأنزل الله عز وجل: ﴿قُلْ لِهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ)، وقال:
﴿أَيْتَمَا تُوَلُّوا فََّّ وَجْهُ اللهِ﴾(١) [ سورة البقرة: ١٤٢]
(١) الحديث: ١٨٣٣ - على: هو ابن أبى طلحة الهاشمى: ثقة، تكلموا فيه. والراجح أن
كلامهم فيه من أجل تشيعه. ولكن لم يسع من ابن عباس، فروى ابن أبى حاتم فى المراسيل، ص: ٥٢،

٥٢٨
تفسير سورة البقرة : ١١٥
١٨٣٤ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى نحوه .
٠
وقال آخرون : بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض على نبيه صلى الله عليه
وسلم وعلى المؤمنين به، التوجُّهَ شطرَ المسجد الحرام، وإنما أنزلها عليه مُعْلِماً نبيَّه
عليه الصلاة والسلام بذلك وأصحابه أن لهم التوجّه بوجوههم للصلاة حيثشائروا من
نواحى المشرق والمغرب، لأنهم لا يوجُّهون وجوههم وجهاً من ذلك وناحيةً ، إلا
كان جل ثناؤه فى ذلك الوجه وتلك الناحية، لأن له المشارق والمغارب ، وأنه لا يخلو
منه مكان، (١) كما قال جل وعزّ: ﴿وَلاَ أدْنَى مِنْ ذُلِكَ وَلاَ أكثَرَ إِلَّ هُوَ
مَعَهُمْ أَيْنَاَ كانُوا﴾ [سورة المجادلة: ٧]، قالوا: ثم نُسخ ذلك بالفرض الذى
من دحيم، قال: ((إن على بن أبى طلحة لم يسمع من ابن عباس التفسير)). وروى عن أبيه أبى حاتم
مثل ذلك. وفى التهذيب أنه ذكره ابن حبان فى الثقات، وقال: ((روى عن ابن عباس، ولم يره)).
فهذا إسناد ضعيف ، لانقطاعه .
ولكن معناه ثابت عن ابن عباس ، من وجه صحيح .
فرواه أبو عبيد القاسم بن سلام ، فى كتاب الناسخ والمنسوخ - فيما نقل ابن كثير ١: ٢٨٨ -
( أخبرنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ... ))
فذكر نحوه. وهذا إسناد صحيح، من جهة رواية ابن جريج عن عطاء، وهو ابن أبى رباح. وأما («عثمان
ابن عطاء))، فإنه ((الخراسانى)). وهو ضعيف. وحجاج بن محمد: سمعه منهما، من ثقة ومن ضعيف،
فلا بأس .
ورواه الحاكم ٢ : ٢٦٧ - ٢٦٨، من طريق ابن جريج،، عن عطاء، عن ابن عباس. وقال:
((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخر جاه بهذه السياقة)). ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
وذكره السيوطى ١: ١٠٨، ونسبه لأبى عبيد، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والحاكم وصححه ،
والپیہی فی سنته .
(١) قال ابن كثير فى تفسيره ١: ٢٨٩ تعليقاً على كلمة أبى جعفر رحمه الله: ((فى قوله:
وأنه تعالى لا يخلو منه مكان - إن أراد علمه تعالى، فحصيح. فإن عامه تعالى محيط بجميع المعلومات ،
وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة فى شىء من خلقه، تعالى الله على ذلك علواً كبيراً)). قلت: الذى قاله
ابن كثير هو عقيدة أبى جعفر رحمه الله، وقد بين ذلك فى تفسير سورة المجادلة من تفسيره ٢٨: ١٠،
فلا معنى لتشكك ابن كثير فى كلام إمام ضابط من أئمة أهل الحق، وعبارته صحيحة اللفظ، ولكن
أهل الأهواء جعلوا الناس يفهمون من عربية الفصحاء معنى غير المعنى الذى تدل عليه .

٥٢٩
تفسير سورة البقرة : ١١٥
فرض عليهم، فى التوجُّه شطر المسجد الحرام ، ذكر من قال ذلك :
١٨٣٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادةٍ: قوله جل وعزٍ: ((ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثمّ وجْه الله))، ثم
نسخ ذلك بعد ذلك، فقال الله: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
الَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [سورة البقرة: ١٤٩ ، ١٥٠]
١٨٣٦ - حدثنا الحسن قال(١)، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((فأينما تُولُوا فَثْمَّ وَجْهُ اللّه))، قال: هى القبلة، ثم نسختها
القبلة إلى المسجد الحرام .
١٨٣٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحجاج بن المنهال قال ، حدثنا همام
قال، حدثنا يحيى قال، سمعت قتادة فى قول الله: ((فأينما تَوَلوا فْمَّ وجه الله))،
قال : كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة قبل
الهجرة، وبعدَ ما هاجرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستّة
عشر شهراً ، ثم وُجِّه بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام. فنسخها اللّه فى آية أخرى:
﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا) إلى ﴿وَحَيْثُاَ كُنْتُ فَوَلُوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾
[ سورة البقرة: ١٤٤]، قال : فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر القبلة .
١٨٣٨ - حدثنا يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، سمعته - یعنی زید -
يقول: قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((فأينما تُولُوا فُمَّ وجهُ اللّه إن اللّه
واسعٌ عليمٌ))، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قومُ يهود يستقبلون
بيتاً من بيوت الله، لو أنا استقبلناه! فاستقبله النبى صلى الله عليه وسلم ستة عشر
شهراً ، فبلغه أنّ يهود تقول: والله ما دری محمدٌ وأصحابه أين قبلهم حتى هدیناهم!
فكره ذلك النبى صلى الله عليه وسلم، ورفع وجهه إلى السماء، فقال الله عز وجل:
(١) فى المطبوعة: ((حدثت عن الحسن))، والصواب ما أثبت، وهو إسناد دائر فى تفسيره
أقربه رقم : ١٧٣١.
.٣) (٣٤)

٠٣٠
تفسير سورة البقرة : ١١٥
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبُ وَجْهِكَ فِى السَّماءِ﴾ الآية [سورة البقرة: ١٤٤].
٠٠٠
وقال آخرون : نزلت هذه الآية على النبى صلى الله عليه وسلم، إذْناً من الله
عز وجل له أن يصلى التطوعَ حيث توجه وجهُه من شرق أو غرب، فى مسيره فى
سفره، وفى حال المُسايفة، وفى شدة الخوف والتقاء الزحوف فى الفرائض . وأعلمه
أنه حيث وجّه وجهه فهو هنالك، بقوله: ((والله المشرق والمغرب فأينما تُولوا ثم وجهُ
اللّه)) . ذكر من قال ذلك :
١٨٣٩ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا عبدالملك،
عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر: أنه كان يصلى حيث توجّهت به راحلته ،
٤٠١/١ ويذكر أنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ويتأوّل هذه الآية:
(((أينما تولوا فثمّ وجهُ اللّه)).(١)
١٨٤٠ - حدثنى أبو السائب قال ، حدثنا ابن فضيل، عن عبد الملك بن
أبى سليمان ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر أنه قال : إنما نزلت هذه الآية
(أينما تُولوا فُمَّ وْجهُ اللّه)): أن تصلى حيثما توجهت بك راحلتك فى السفر تطوُّعاً،
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من مكة يصلى على راحلته تطوّعاً.
يُومئ برأسه نحو المدينة(٢).
٥
(١) الحديث: ١٨٣٩ - ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس الأودى، سبق توثيقه:
٤٣٨ . عبد الملك: هو ابن أبى سليمان، كما سيأتى في الإسناد التالى لهذا، وقد سبق توثيقه : ١٤٥٥.
والحديث رواه أحمد فى المسند : ٥٠٠١، عن عبد الله بن إدريس، بهذا الإسناد. وسيأتى تمام
تخريجه فى الذى بعده .
(٢) الحديث: ١٨٤٠ - ابن فضيل: هو محمد بن فضيل بن غزوان الضبى، وهو ثقة،
من شيوخ أحمد وإسحق وغيرهما. بل روى عنه الشرربى، وهو أكبر منه. مترجم فى التهذيب، والكبير
٢٠٧/١/١ - ٢٠٨، وابن أبي حاتم ٤ /١ / ٥٧ - ٥٨.
والحديث رواه أحمد أيضاً : ٤٧١٤، عن يحيى القطان ، عن عبد الملك بن أبى سليمان ، بنحوه .
ودواء مسلم ١: ١٩٥، من طريق يحيي، وآخرين. وكذلك رواه البيبقى فى السنن الكبرى ٢: ٤،
بأسانيد من طريق عبد الملك .
وقد رجحنا فى شرح المسند الرواية السابقة، بأن هذه الآية لم تنزل فى ذلك ، بل هى فى معنى آخر ،
وإنما تصلح شاهداً ودليلا ، كما يتبين ذلك من فقه تفسيرها فى سياقها .

٥٣١
تفسير سورة البقرة : ١١٥
وقال آخرون بل نزلت هذه الآية فى قوم ◌ُمُّت عليهم القبلة فلم يعرفوا شطرها،
فصّلّوا على أنحاء مختلفة، فقال الله عز وجل لهم: لى المشارق والمغارب فأنَّى وليتم
وجوهكم فهنالك وجهى، (١) وهو قبلتكم- معلّمَهم بذلك أن صلاتهم ماضية ،
· ذكر من قال ذلك :
١٨٤١ - حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا أبو الربيع السمان ،
عن عاصم بن عبيد اللّه، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه قال : كنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ليلة سوداء مُظلمة، فنزلنا منزلاً . فجعل
الرجُل يأخذ الأحجار فيعملُ مسجداً يصلّی فیه. فلمَّا أصبحنا إذا نحن قد صَلينا
على غير القبلة . فقلنا : يا رسول الله، لقد صلّينا ليلتنا هذه لغير القبلة ! فأنزل
اللّه عز وجل: ((ولله المشرق والمغربُ فأينما تُوَلُوا فَثَمَّ وْجهُ اللّه إن اللّهَ واسعٌ عليم)).(٢)
(١) فى المطبوعة: ((فإن وليتم وجوهكم)). والصواب ما أثبت.
(٢) الحديث: ١٨٤١ - أحمد، شيخ الطبرى: هو أحمد بن إسحق بن عيسى الأهوازى، كما
سبق نسبه كاملا فى : ١٥٩، وهو صدوق، من شيوخ أبى داود ، مترجم فى التهذيب ، وأبو أحمد :
هو الزبيرى . واسمه : محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمر بن درهم، وهو ثقة حافظ ، من شيوخ الإمام
أحمد. مترجم فى التهذيب. والكبير ١٣٣/١/١ - ١٣٤، وابن سعد ٦: ٢٨١، وابن أبى حاتم
٢٩٧/٢/٣ .
أبو الربيع السمان: هو أشعث بن سعيد، سبق فى : ٢٤ أنه ضعيف جداً.
عاصم بن عبيد اللّه بن عاصم بن عمر بن الخطاب: هو ضعيف، وقد بينا ضعفه فى شرح المسند :
٥٢٢٩ ٠
عبد الله بن عامر بن ربيعة: ثقة من كبار التابعين. وأبوه سحابى معروف، من المهاجرين
الأولين ، هاجر الهجرتين ، وشهد بدراً والمشاهد كلها .
والحديث ذكره ابن كثير ١: ٢٨٩ - ٢٩٠، عن هذا الموضع. ووقع فيه خطأ فى اسم شيخ
الطبرى، كتب ((محمد بن إسحق))، بدل ((أحمد)). وهو خطأ ناسخ أو طابع. ثم أشار ابن كثير إلى
روايته الآتية : ١٨٤٣. ثم ذكر أنه رواه أيضاً الترمذى، وابن ماجة ، وابن أبى حاتم . ثم نقل كلام
الترمذى، قال: ((هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان ، وأشعث بن
سعيد أبو الربيع السمان: يضعف فى الحديث)). قال ابن كثير: ((قلت: وشيخه عاصم أيضاً ضعيف.
قال البخارى: منكر الحديث . وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان: متروك)).
وقد ذهبت فى شرحى الترمذى، رقم: ٣٤٥، إلى تحسين إسناده. ولكنى أستدرك الآن، وأرى
أنه حديث ضعيف .
ونقله السيوطى ١ : ١٠٩، مع تخريجه وبيان ضعفه .

٥٣٢
تفسير سورة البقرة : ١١٥
١٨٤٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنى الحجاج قال ، حدثنا حماد قال ،
قلت للنَّخَعَى: إنى كنت اسْتَيْقظت - أو قال: أيقظت، شكّ الطبرى -(١)
فكان فى السماء سحابٌ ، فصليت لغير القبلة. قال: مضت صَلاَّتُك ، يقول
الله عز وجل: ((فأينما تولوا فشَمَّ وْجه اللّه)).
١٨٤٣ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن أشعث السمان ،
عن عاصم بن عبيد الله ، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة ، عن أبيه قال : كنا
مع النبى صلى اللّه عليه وسلم فى ليلة مظلمةٍ فى سفرٍ، فلم ندر أين القبلة ، فصلَّينا،
فصلَّى كل واحد منا على حياله، (٢) ثم أصبحنا فذكرنا النبى صلى اللّه عليه وسلم،
فأنزل الله عز وجلَ: ((فأينما تُوَلُوا فَتَمَّ وْجهُ اللّه)). (٣)
٠٠
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية فى سبب النَّجاشىّ، لأن أصحاب رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم تنازعوا فى أمره، من أجل أنه مات قبل أن يُصلّى إلى القبلة،
فقال الله عز وجل : المشارق والمغارب كلها لى ، فمن وجَّه وجهه نحو شىء منها
يريدنى به ويبتغى به طاعتى ، وجدفى هنالك . يعنى بذلك أن النجاشىّ وإن لم
يكن صلَّى إلى القبلة، فإنه قد كان يوجّه إلى بعض وجوه المشارق والمغارب وجهه،
يبتغى بذلك رضا الله عز وجل فى صلاته ، ذكر من قال ذلك :
١٨٤٤ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا هشام بن معاذ قال ، حدثنى أبى ،
عن قتادة : أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أخاكم النجاشى قد مات
فصلوا عليه . قالوا: نصلِى على رجل ليس بمسلم ! قال فنزلت ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلٍ
الكِتَابِ كَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أَنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أَنْزِلَ إلَيْهِمْ خَاشِمِينَ لَّهِ﴾ [سورة
(١) لم يرد فى كتب اللغة: ((أيقظت)) لازماً، وأخشى أن يكون الطبرى يصححها، وأشباهها فى
العربية كثير .
(٢) فى لسان العرب ((فصلى كل منا حياله))، أى تلقاء وجهه، وزيادة ((على)) لا تضر المعنى.
(٣) الحديث : ١٨٤٣ - هو مكرر الحديث : ١٨٤١.

٥٣٣
تفسير سورة البقرة : ١١٥
[آل عمران: ١٩٩]، قال: قتادة، فقالوا: إنه كانَ لا يصلى إلى القبلة! فأنزل الله
عز وجل: ((ولله المشرقُ والمغربُ فأينما تولوا فثم وجهُ اللّه)).(١)
٠٠ ٠
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك: أنّ اللّه تعالى ذكره إنما خص
الخبرَ عن المشرق والمغرب فى هذه الآية بأنهما له ملكاً - وإن كان لا شىء إلاّ
وهو له ميلك - إعلاماً منه عبادَه المؤمنين أنّ له ميلكهما وملك ما بينهما من الخلق،
وأن على جميعهم = إذ كان له ملكهم = طاعتُه فيما أمرهم ونهاهم ، وفيما فرض
عليهم من الفرائض، والتوجُّه نحو الوجه الذى وُجِّهوا إليه، إذ كان من حكم
المماليك طاعةُ مالكهم. فأخرج الخبر عن ((المشرق والمغرب)) والمراد به: مَنْ
بينهما من الخلق ، على النحو الذى قد بيَّنتُ، من الاكتفاء بالخبر عن سبب
الشىء، من ذكره والخبر عنه، كما قيل: ((وأشرِبوا فى قلوبهم العجل))، وما
أشبه ذلك .(٢)
ومعنى الآية إذاً : ولله ميلْك الخلق الذى بين المشرق والمغرب، يتعبَّدهم بما
شاء، ويحكم فيهم ما يريد، عليهم طاعته ، فولُّوا وجوهكم - أيها المؤمنون - نحو
وجهى، فإنكم أينما تُوَلوا وجوهكم فهنالك وجهى .
فأما القول فى هذه الآية ناسخةٌ أم منسوخةٌ، أم لا هى ناسخة ولا منسوخة؟ فالصواب
فيه من القول أن يقال: إنها جاءت مجىء العُموم، والمرادُ الخاصُ. وذلك أن قوله: ٤٠٢/١
((فَأَيْما تُوَلُوا فَثَمَّ وجْهُ اللّه)) مُحتميل: أينما تُوَلوا فى حال سيركم فى أسفاركم فى
صلاتكم التطوع، وفى حال مسايفتكم عدوًّكم فى تطوعكم ومكتوبتكم - فثمَّ وجه
اللّه، كما قال ابن عمر والنخعىّ، ومن قال ذلك من ذكرنا عنه آنفاً.
(١) الحديث: ١٨٤٤ - هو حديث ضعيف، لإنه مرسل. وقد نقله السيوطى ١ : ١٠٩،
ونسبه لابن جرير: وابن المنذر. ونقله ابن كثير ١: ٢٩١، عن هذا الموضع. ثم قال: ((هذا
غريب ». وأقول: وسياقته تدل على ضعفه وفكارته .
(٢) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢: ٣٥٧ -٤٨٣،٣٦٠

٥٣٤
تفسير سورة البقرة : ١١٥
= ومحتمل: ((فأينما تولوا - من أرض الله فتكونوا بها - فثَمَّ قبلةُ اللّه التى
توجُّهون وُجوهكم إليها، لأن الكعبة ممكن لكم التوجُّه إليها منها، كما قال : -
١٨٤٥ - أبو كريب قال ، حدثنا وكيع ، عن أبى سنان ، عن الضحاك ،
والنضر بن عربى، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((فأينما تُولُوا فَثَمَّ وجه اللّه))،
قال : قبلةُ اللّه ، فأينما كنتَ من شرق أو غرب فاستقبلها .
١٨٤٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثنا حجاج ، عن ابن
جريج ، قال أخبرنى إبراهيم ، عن ابن أبى بكر ، عن مجاهد قال : حيثما كنتم
فلكم قبلةٌ تستقبلونها . قال : الكعبة .
= وُمحتمل : فأينما تولوا وجوهكم فى دعائكم فهنالك وجهى، أستجيب لكم
دعاء كم، كما :-
١٨٤٧ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثی حجاج قال ،
قال ابن جريج ، قال : مجاهد : لما نزلت ﴿ أَدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة
غافر: ٦٠]، قالوا: إلى أين؟ فنزلت: ((فأينما تولوا فثمّ وْجهُ اللّه)).
#
٠
٠
فإذْ كان قوله عز وجل: ((فأينما تولوا فثمّ وجه الله))، محتملاً ما ذكرنا من الأوجه،
لم يكن لأحد أن يزعم أنها ناسخةٌ أو منسوخةٌ، إلاّ بحجة يجب التسليم لها.
لأن الناسخ لا يكون إلاّ بمنسوخ، ولم تقم حجة يجبُ التسليم لها بأنّ قوله :
((فأينما تولوا فثم وجه اللّه)) معنىٌّ به: فأينما توجُهوا وجوهكم فى صلاتكم نثَمّ قبلتكم؛
ولا أنها نزلت بعد صلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس ،
أمراً من الله عز وجل لهم بها أن يتوجهوا نحو الكعبة ، فيجوز أن يقال : هى
ناسخةٌ الصلاةَ نحو بيت المقدس، إذْ كان من أهل العلم من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأئمة التابعين "مَنْ ينكر أن تكون نزلت فى ذلك المعنى ،
ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتٌ بأنها نزلت فيه ، وكانَ الاختلاف
فى أمرها موجوداً على ما وصفت .

٥٣٥
تفسير سورة البقرة : ١١٥
= ولا هى - إذ لم تكن ناسخةً لما وصفنا - قامت حجتها بأنها منسوخة، إذ
کانت محتملةً ما وصفنا : بأن تكون جاءت بعمومٍ، ومعناها: فی حال دون
حال ۔۔ (١) إِن کان ◌ُعنى بها التوجه فى الصلاة - وفی کل حال، إن كان 'ُعنى بها
الدعاء وغير ذلك من المعانى التى ذكرنا .
وقد دللنا فى كتابنا ( كتاب البيان عن أصول الأحكام ) على أن لا ناسخً من
آی القرآن وأخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ ماتفى حكماً ثابتاً، وألزم العبادُ
فرضّه، غير محتمل بظاهره وباطنه غير ذلك. (٢) فأما إذا ما احتمل غيرَ ذلك -
من أن يكون بمعنى الاستثناء ، أو الخصوص والعموم، أو المجمل ، أو المفسّر -
فمن الناسخ والمنسوخ بمعزل . بما أغنى عن تكريره فى هذا الموضع ، ولا منسوخ
إلاّ المنفى الذى قد كان ثبت حكمه وفرضه .
ولم يصحَّ واحد من هذين المعنيين لقوله: ((فأينما تُولوا فثَمَّ وجه اللّه))، بحجة
يجب التسليم لها ، فيقال فيه : هو ناسخ أو منسوخ .
وأما قوله: ((فأينما ))، فإن معناه: حيثما .
٠
٠
وأما قوله : (( تولوا ))، فإن الذى هو أولى بتأويله أن یکون : تولون نحوه وإليه ،
كما يقول القائل: ((ولَيْتُهُ وجهى وَوَلَيته إليه))، (٣) بمعنى قابلته وواجهته. وإنما قُلنا
ذلك أولى بتأويل الآية، لإجماع الحجة على أنّ ذلك تأويلُه، وشذوذٍ من تأوّله
بمعنى : تولُّون عنه فتستدبرونه ، فالذى تتوجهون إليه وَجه الله، بمعنى قبلة اللّه.
٠٠٠
وأما قوله: ((ثم))، فإنه بمعنى : هنالك.
٠
٠
(١) فى المطبوعة: ((أو معناها فى حال دون حال))، وهو فاسد. ومراده أن الآية جاء عامة،
وتحتمل أحد معنيين: إما فى حال دون حال - وإما فى كل حال، كما فصل بعد.
(٢) فى المطبعة: ((لظاهره))، وانظر ما سلف فى معنى ((الظاهر والباطن)) ٢: ١٥ والمراجع
(٣) فى المطبوعة: ((وليت وجهى))، والصواب ما أثبت.

٥٣٦
تفسير سورة البقرة : ١١٥
واختلف فى تأويل قوله: ((فَثَمّ وَجه اللّه)).(١) فقال بعضهم: تأويل ذلك:
فثم قبلة اللّه ، يعنى بذلك وَجْهَه الذى وجَّههم إليه . ذكر من قال ذلك:
١٨٤٨ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن النضر بن عربىّ ،
عن مجاهد: ((فثَمَّ وَجْه اللّه))، قال: قبلةُ اللّه.
١٨٤٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال ، أخبرنى إبراهيم ، عن مجاهد قال : حيثما كنتم فلكم قبلة
تستقبلونها .
وقال آخرون: معنى قول الله عز وجل: ((فَثَمَّ وَجهُ اللّهِ ))، فثم الله تبارك وتعالى.
٠
٠٠٠
وقال آخرون : معنى قوله: ((فتمّ وجْهُ الله ))، فثمّ تدركون بالتوجُّه إليه رضا
اللّه الذى له الوَجْهُ الكريم.
وقال آخرون: عنى بـ ((الوجه)) ذا الوَجْه. وقال قائلو هذه المقالة: وجهُ اللّه
صفةٌ له .
٤٠٣/١
٠٠٠
فإن قال قائل : وما هذه الآية من التى قبلها ؟
قيل : هى لها مُواصلة. وإنما معنى ذلك: ومن أظلمُ من النصارى الذين
مَنعوا عبادَ الله مساجدَه أن يذكر فيها اسمه، وَسَعوا فى خرابها، واللّه المشرق
والمغرب ، فأينما توجُّهوا وجوهكم فاذكروه، فإن وَجْهه هنالك، يَسعُكُم فضْله
وأرضُه وبلادُه، ويعلم ما تعملون ، ولا يمنعكم تخريب من خرِّب مسجدَ بيت
المقدس، ومَنْعُهم من منعوا من ذكر الله فيه - أن تذكروا اللّه حيث كنتم من
أرض الله، تبتغون به وجهه .
(١) فى المطبوعة: ((ثم، فقال بعضهم))، والصواب إثبات ((وجه الله)).

٠
٥٣٧
تفسير سورة البقرة : ١١٥، ١١٦
القول فى تأويل قوله ﴿إِنَّ اللهَ وَسِعٌ عَلِيمٌ) (١)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((واسعٌ))، يسع خلقه كلهم بالكفاية
والإفضال والجود والتدبير .
وأما قوله: (( عليم )) فإنه يعنى : أنه عليم بأفعالهم ، لا يغيب عنه منها شىء
ولا يعزب عن علمه ، بل هو يجميعها عليمٌ.
٠
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقَالُوا أَنْخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْطَنَهُ
بَل لَّهُ مَاَ فِى السَّمُوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وقالوا اتخذَ اللّهُ وَلداً))، الذين منعوا
مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه. و ((قالوا)): معطوف على قوله: (( وسعی فی خرابها))
...
وتأويل الآية: ومن أظلمُ ممن مَنع مساجِدَ اللّه أنْ يُذكر فيها اسمه وَسعَى فى
خرابها، وقالوا اتخذ الله ولداً؛ وهم النصارى الذين زعموا أن عيسى ابنُ اللّه، فقال الله
جل ثناؤه ۔۔ مكذ باً قیلهمما قالوا من ذلك، ومُنتفیاً مما تحلوه وأضافوا إليه بكذبهم
وفرْيتهم(١) -: ((سبحانه))، يعنى بها: تنزيهاً، وتبريئاً من أن يكون له ولد، وعلوًّا
وارتفاعاً عن ذلك. وقد دللنا فيما مضى على معنى قول القائل: ((سبحان الله))، بما
أغنى عن إعادته فى هذا الموضع (٢).
ثم أخبرجل ثناؤه أن له ما فى السموات والأرض ملكاً وخلقاً . ومعنى ذلك:
٠
٠
(١) فى المطبوعة: ((ومنفياً ما نحلوه)). وانتى من الشىء: تبرأ منه. وفحله الشىء: نسبه إليه.
والفرية : الكذب المختلق .
(٢) انظر ما سلف ١ : ٤٧٤، ٤٩٥.

٥٣٨
تفسير سورة البقرة : ١١٦
وكيف يكون المسيحُ للّه ولدًا، وهو لا يخلو: إما أن يكون فى بعض هذه الأماكن،
إما فى السموات، وإما فى الأرض، ولله ميلك ما فيهما. ولو كان المسيح ابناً كما
زعمتم ، لم يكن كسائر ما فى السموات والأرض من خلقه وعبيده ، فى ظهور
آيات الصنعة فيه .
القول فى تأويل قوله تعالى (كُلٌّ لَّهُ قَلْتُونَ )
١١٩
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك . فقال بعضهم : معنى
ذلك : ◌ُمُطيعون ، ذكر من قال ذلك :
١٨٥٠ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر،
عن قتادة فى قوله: ((كلّ له قانيتون))، مطيعون.
١٨٥١ -حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبوعاصم قال ، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قول الله عز وجل: ((كل له قانتون))، قال:
مطيعون ج قال: طاعة الكافر فى ◌ُجود ظلّه.
١٨٥٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، بمثله - إلاّ أنه زاد: بسجود ظله وهو كاره" .
١٨٥٣ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((كل له قانتون))، يقول: كل له مطيعون يوم القيامة .
١٨٥٤ -حدثنیالمثی قال، حدثنا إسمق قال، حدثی یحی بن سعيد ، عمن
ذكره، عن عكرمة: ((كل له قانتون))، قال: الطاعة .
١٨٥٥ - حدثت عن المنجاب بن الحارث قال، حدثنا بشر بن عمارة ،
عن أبى روق ، عن الضحاك، عن ابن عباس: ((قانتون)) ، مطيعون.

٥٣٩
تفسير سورة البقرة : ١١٦
وقال آخرون : معنى ذلك: کل له مقرُّون بالعبودية، ذکر من قال ذلك:
١٨٥٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين
ابن واقد، عن يزيد النحوى، عن عكرمة: (( كل له قانتون))، كل مقرٌّ له بالعبودية.
. . .
وقال آخرون بما : -
١٨٥٧ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع قوله: ((كل له قانتون))، قال: كل له قائمٌ يوم القيامة.
...
ول ((القنوت)) فى كلام العرب معانٍ. أحدها: الطاعة، والآخر : القيام ،
والثالث : الكف عن الكلام والإمساك عنه .
وأولى معانى ((القنوت)) فى قوله: ((كلٌّ له قانتون))، الطاعةُ والإقرارُ الله عز وجل
بالعبودية ، بشهادة أجسامهم ، بما فيها من آثار الصنعة والدلالة على وحدانية الله
عز وجل ، وأن الله تعالى ذكره بارئها وَخالقها . وذلك أن الله جل ثناؤه أكذب
الذين زعموا أنّ اللّه ولدًا بقوله: ((بل لَهُ ما فى السموات والأرض)) ملكاً وخلقاً.
ثم أخبر عن جميع ما فى السموات والأرض أنها مُقِرَّة بدلالتها على ربِّها وخالقها،
وأن اللّه تعالى بارئها وصانعها . وإن جحد ذلك بعضهم، فألسنتهم مُذعينة له
بالطاعة، بشهادتها له بآثار الصنعة التى فيها بذلك، وأن المسيح أحدُهم، فأنَّى ٤٠٤/١
یکون لله ولدًا وهذه صفته ؟
وقد زعم بعض من قصرت معرفته عن توجيه الكلام وِجْهته، أن قوله: ((كلّ
له قانتون))، خاصّةٌ لأهل الطاعة وليست بعامة . وغير جائز ادعاء خصوص فى آية
عامٌ ظاهرُها ، إلاّ بحجة يجب التسليم لها ، لما قد بيّنا فى كتابنا ( كتاب البيان
عن أصول الأحكام﴾ .
وهذا خبر من اللّه جل وعزّ عن أنّ المسيح-الذى زعمت النصارى أنه ابن اللّه -

٥٤٠
تفسير سورة البقرة : ١١٧
مكذُبُهم هو والسموات والأرض وما فيها، إمّا باللسان، وإمّا بالدّلالة . وذلك أن
الله جل ثناؤه أخبر عن جميعهم، بطاعتهم إياه ، وإقرارهم له بالعبودية ، عَقِيب
قوله: ((وقالوا اتخذ الله ولداً))، فدلَّ ذلك على صحة ما قلنا.
٠
....-
.. ..... ..
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ بَدِيعُ السَُّوَّتِ وَالْأَرْضِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((بديع السموات والأرض ))، مُبدِعها .
. ..
وإنما هو (ُمُفعيل))ُصرف إلى ((فعيل)) كما صرف ((المؤلم)) إلى ((أليم)) و((المسمع
إلى ((سميع)). (١) ومعنى ((المُبدع)): المنشئء والمحدِثُ ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله
وإحداثه أحدٌ. ولذلك سمى المبتدع فى الدين ((مبتدعاً))، لإحداثه فيه ما لم يسبقه
إليه غيره . وكذلك كل محدث فعلاً أو قولاً لم يتقدمه فيه متقدم ، فإن العرب
تسميه ((مبتدعاً))، ومن ذلك قول الأعشى أعشى بنى ثعلبة، (٢) فى مدح
هَوْذَة بن علىّ الحنفى:
يُرْعِى إِلَى قَوْلٍ سَادَاتِ الرَّجَالِ إِذَا أَبْدَوْالَّهُ الحُزْمَ، أَوْ مَا شَاءه أُبْتَدَعاً(٣)
أى يحدث ما شاء ، ومنه قول رؤبة بن العجاج :
فَأَيُّهَا النَاشِىِ القِذَافَ الأَنْيَعَا إِنْ كُنْتَ ◌ّه التَّقَىَ الأَطْوَعَاَ
فَلَيْسَ وَجْهُ الحقِّ أنْ تَبَدَّمَ(٤)
یعنی : أن تحدث فى الدین ما لم یکن فيه .
(١) انظر ما سلف ١: ٢٥١، وهذا الجزء ٢: ١٤٠، ٥٠٦،٣٧٧
(٢) فى المطبوعة: ((الأعشى بن ثعلبة))، وهو خطأ محض.
(٣) سلف تخريجه فى هذا الجزء: ٢: ٤٦٤
(٤) ديوانه: ٨٧، واللسان (بدع) من رجز طويل يفخر فيه برهطه بنى تميم . ورواية الديوان
((القذاف الأتبعا))، وليس لها معنى يدرك، ورواية الطبرى لها مخرج فى العربية. ((الناشى)) من قولهم:
غشى الشىء : أى قصده وباشره أو نزل به . والقذاف: سرعة السير والإبعاد فيه ، أو كأنه أراد الناحية