Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١
تفسير سورة البقرة : ١٠٦
القول فى تأويل قوله تعالى {تَأْتٍ بِخَيْرِ مِنْهَاَ أَوْ مِثْلِمَآَ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((تأتٍ بخيرٍ منها أو
مثلها )). فقال بعضهم بما : -
١٧٧١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية بن صالح، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس: ((نأتِ بخيرٍ منها أو
مثلها)، يقول : خير لكم فى المنفعة، وأرفق بكم .
وقال آخرون بما : -
١٧٧٢ - حدثنى به الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ٣٨٢/١
معمر، عن قتادة فى قوله: (( نأت بخيرٍ منها أو مثلها))، يقول: آية فيها تخفيف،
فيها رحمة ، (١) فيها أمر ، فيها نهى .
٥
وقال آخرون : نأتٍ بخيرٍ من التى نسخناها ، أو بخير من التى تركناها فلم
تنسخها . ذكر من قال ذلك :
١٧٧٣ - حدثنى موسى قال ، حدثنا عمرو ، قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((نأت بخير منها))، يقول: نأت بخير من التى نسخناها، أو مثلها، أو مثل
التى تركناها .
٥
((فالهاء والألف)) اللتان فى قوله: ((منها))، عائدتان - على هذه المقالة ــ على
((الآية)) فى قوله: ((ما ننسخ من آية)). و((الهاء والألف)) اللتان فى قوله: ((أو
مثلها ))، عائدتان على ((الهاء والألف)) اللتين فى قوله: ((أو ننسها)).
وقال آخرون بما : -
١٧٧٤ - حدثنى به المثى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
(١) فى تفسير ابن كثير: ١: ٢٧٥ ((فيها رخصة)) مكان: ((فيها رحمة)).
ج ٢ (٣١)
٠٫
٤٨٢٠
تفسير سورة البقرة : ١٠٦
ابن أبی نجیح، عن مجاهد قال : کان عبيد بن عمیر یقول: (( 'ننسيها)) : نرفعها
من عندکم ، نأت بمثلها أو خیر مها .(١)
١٧٧٥ - حدثنى المفى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع: ((أو نُنْسِها))، نرفعها، نأت بخير منها أو بمثلها. (٢)
١٧٧٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا بكر بن شوذب ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، عن أصحاب ابن مسعود مثله .
٠٠
والصواب من القول فى معنى ذلك عندنا : ما نبدّل من حكم آية فنغيره ، أو
نترك تبديله فنقرّه بحاله، نأتٍ بخيرٍ منها لكم - من حكم الآية التى نسخنا فغيرنا
حكمها - إمّا فى العاجل، خفّته عليكم، من أجل أنه وَضْع فرض كان عليكم، فأسقط
ثِقْله عنكم ، وذلك كالذى كان على المؤمنين من فرض قيام الليل ، ثم نسخ ذلك
فوضع عنهم، فكان ذلك خيراً لهم فى عاجلهم ، لسقوط عبء ذلك وثيقْل حمله
عنهم = وإما فى الآجل، لعظم ثوابه، من أجل مَشقّة حمله وثِقَل عبئه على الأبدان.
کالذى كان عليهم من صيام أيام معدودات فى السنة ، فنسخ وفرض عليهم مكانه
صوم شهر كامل فى كل حَوْل . فكان فرضُ صوم شهر كامل كل سنة ، أثقل"
على الأبدان من صيام أيام معدودات . غير أن ذلك وإن كان كذلك ، فالثواب
عليه أجزل، والأجر عليه أكثر، لفضل مشقته على مكلَّفيه من صوم أيام معدوداتٍ.
فذلك وإن كان على الأبدان أشقُّ ، فهو خير من الأول فى الآجل لفضل ثوابه
وعظم أجره ، الذى لم يكن مثلُه نصوم الأيام المعدودات . فذلك معنى قوله :
(((نأت بخير منها)). لأنه إما بخير منها فى العاجل ظفته على من كُلِّفه ، أو فى
الآجل لعظم ثوابه وكثرة أجره .
أو يكون مثلها فى المشقة على البدن واستواء الأجر والثواب عليه، نظيرَ نسخ الله
تعالى ذكره فرض الصلاة شطْر بيت المقدس، إلى فرضها شطْرَ المسجد الحرام.
(١) الأثر: ١٧٧٤ - مضى شطره برقم : ١٧٥٣.
(٢) الأثر: ١٧٧٥ - مضى شطره برقم : ١٧٥٨.
٤٨٣
تفسير سورة البقرة : ١٠٦
فالتوجّه شطر بيت المقدس، وإن خالف التوجُّه شطْر المسجد، فكُلْفة التوجُّه ـ
شطرَ أيُّهما توجّه شطْرَه - واحدة. لأن الذى على المتوجه شطر البيت المقدس من
مُؤُونة توجُّهه شطره، نظيرُ الذى على بدنه من مؤونة توجهه شطر الكعبة ، سواء .
فذلك هو معنی ((المثل )) الذى قال جل ثناؤه: « أو مثلها )»
٠٠ ٠
وإنما ◌َنى جل ثناؤه بقوله: (( ما ننسخ من آية أو نُنسها)): ما ننسخ من
◌ُحُكم آية أو نُنسِهِ . غير أن المخاطبين بالآية لما كان مفهوماً عندهم معناها ،
ا کتی بدلالة ذکر (( الآية )) من ذکر ( حکها)) . وذلك نظير سائر ما ذكرنا من
نظائره فيما مضى من كتابنا هذا، كقوله: ﴿وأَشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ المِجْلَ ﴾
[سورة البقرة: ٩٣]، بمعنى حب العجل، ونحو ذلك.(١)
٠ ٠
فتأویل الآية إذاً : ما نغیرْ من حكم آية فتُبد له ، أو نتركه فلا نبدله ، نأت
بخير لكم - أيها المؤمنون - حكماً منها، أو مثل حكمها فى الخفّة والثّقْل والأجر والثواب.
٠
٠ ٠
فإن قال قائل: فإنا قد علمنا أن العجل لا يُشرَب فى القلوب، وأنه لا يلتبس ٣٨٣/١
على من سمع قوله: ((وأشْرِبوا فى قلوبهم العجل))، أن معناه: وأشربوا فى قلوبهم
حُبَّ العجل، فما الذى يدلّ على أنّ قوله: (( ما تَنسخ من آية أو نُنسها نأت
بخير منها)) - لذلك نظيرٌ؟
قيل: الذى دلّ على أن ذلك كذلك قوله: ((نأت بخيرٍ منها أو مثلها)»،
وغير جائز أن يكون من القرآن شىء خيرٌ من شىء ، لأن جميعه كلام اللّه ، ولا
يجوز فى صفات الله تعالى ذكره أن يُقال: بعضها أفضلُ من بعض ، وبعضُها
خيرٌ من بعض(٢)
(١) انظر ما سلف من هذا الجزء ٢: ٣٥٧ - ٣٦٠
(٢) من شاء أن يرى كيف كان أبو جعفر رضى الله عنه يبصر معنى كل حرف، متحرياً للحق
والصواب حريصاً على دلالة كل كلمة ، فليقرأ أمثال هذا القول فيما مضى وفيما يستقبل .
٤٨٤
تفسير سورة البقرة : ١٠٧،١٠٦
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ألم تعلم أن الله على كل شىء قدير))،
ألم تعلم با محمد أنی قادر على تعويضك مما نسختُ من أحكامى، وغيّرته من فرائضی
التى كنت افترضتها عليك، ما أشَاءُ مما هو خير لك ولعبادى المؤمنين معك ،
وأنفعُ لك ولهم ، إمّا عاجلاً فى الدنيا، وإما آجلاً فى الآخرة - أو بأن أبدّل لك
ولهم مكانه مثله فى النفع لهم = عاجلاً فى الدنيا وآجلاً فى الآخرة = وشبيهة فى الخفة
عليك وعليهم ؟ فاعلم يا محمد أنّى على ذلك وعلى كل شىء قديرٌ .
...
ومعنى قوله: ((قدير)) فى هذا الموضع: قوى. يقال منه: (( قد قدرت على
كذا وكذا))، إذا قَوِيتَ عليه، ((أقدِرُ عليه وأقدُّرُ عليه قُدْرَة وَقِدْرَاناً ومَقْدِرَة))،
وبنو مُرّة من غطفان تقول: (( قدرت علیه)) بكسر الدال.(١)
فأما من ((التقدير)) من قول القائل: (("قدَرْتُ الشىء))، فإنه يقال منه
((قدَرْتُه أقْدُره قَدْراً وَقَدَرَاً)).
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلكُ
السَّمُوَّتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍ وَلاَ نَصِيرٍ)()
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل: أوَ لم يكن رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم
يعلم أنَّ اللّه على كل شىء قدير، وأنهُ له ملك السموات والأرض ، حتى قيل
له ذلك ؟
(١) انظر ما سلف ! : ٣٦١.
٤٨٥
تفسير سورة البقرة : ١٠٧
قيل : بلى ! فقد كان بعضهم يقول : إنما ذلك من الله جل ثناؤه خبر
عن أن محمداً قد علم ذلك ، ولكنه قد أخرج الكلام ◌ُخرج التقرير، كما تفعل
مثله العرب فى خطاب بعضها بعضاً، فيقول أحدهم لصاحبه: ((ألم أكرمك ؟
ألم أتفضل عليك ؟)) بمعنى إخباره أنه قد أكرمه وتفضَّل عليه ، يريد : أليس قد
أكرمتك؟ أليس قد تفضلت عليك ؟ بمعنى : قد علمت ذلك .
٠
قال أبو جعفر: وهذا لاوجه لَّهُ عندنا. وذلك أن قوله جل ثناؤه: ((ألم تعلم))،
إنما معناه : أمّا علمت . وهو حرف جحد أدخل عليه حرف استفهام ، وحروف
الاستفهام إنما تدخل فى الكلام إما بمعنى الاستثبات ، وإما بمعنى النّفى ، فأما
بمعنى الإثبات، فذلك غير معروف فى كلام العرب، ولاسيما إذا دخلت على حروف
الححد . ولكن ذلك عندى ، وإن كان ظهر ظهورَ الخطاب للنبي صلى اللّه عليه
وسلم، فإنما هو معنىٌّ به أصحابه الذين قال لهم الله جل ثناؤه: ((لا تقولوا رَاعِنا وَقُولُوا
انْظُرْنا وَاسْمَعوا)). والذى يدل على أن ذلك كذلك، قوله جل ثناؤه: ((وَمَا لكم
مِنْ ◌ُدُون اللّه من ولىٌّ وَلا تَصير))، فعاد بالخطاب فى آخر الآية إلى جميعهم،
وقد ابتدأ أولها بخطاب النبى صلى الله عليه وسلم بقوله: ((ألم تعلم أن الله لهُملك
السموات والأرض)). لأن المراد بذلك الذين وصفتُ أمرّهم من أصحابه . وذلك
من كلام العرب مستفيض بينهم فصيحٌ: أنْ يُخرج المتكلم كلامه على وجه
الخطاب منه لبعض الناس وهو قاصدٌ به غيره ، وعلى وجه الخطاب لواحدٍ وهو
يقصد به جماعةً غيره، أو جماعة والمخاطبُ به أحدُهم - وعلى وجه الخطاب للجماعة،
والمقصودُ به أحدهم. من ذلك قول الله جل ثناؤه: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ اتَّقِ اللهَ وَلاَ تُطِعٍ
الكَافِرِينَ وَالْنَافِقِينَ﴾ ثم قال (واتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ إنّ اللهَ
كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [ سورة الأحزاب: ١ - ٢]، فرجع إلىخطاب الجماعة، وقد
ابتدأ الكلام بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم . ونظير ذلك قول الکمیت بن زيد فى
مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم :
٣٨٤/١
٤٨٦
تفسير سورة البقرة : ١٠٧
إِلَى السِّرَاجِ الْمُنِيرِ أَخْتَدَ، لاَ يَعْدِلُنِ رَغْبَةٌ وَلاَ رَهَبُ(١)
عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ رَفَع النَّاسُ إِلَىَّ الْمُيُونَ وَارْ تَقْبُوا(٣)
وَقِيلَ: أَفْرَطْتَا بل قَصَدتُ، وَلَوْ عَنَّفَى القَائِلُونَ أَوْ قَلَبُوا (٣)
أُكْثِرَ فِيكَ الصِّجَاجُ واللَّجَبُ(٤)
◌َجَّ بِتَغْضِيلِكَ اللَّسَانُ، وَلَو
أَنْتَ المُصَّى الْمَعْضُ المُهَذَّبُ فى النِّسْبَةِ، إِنْ نَصِنَّ قَوْمَكَ النَّسَبِ(٥)
فأخْرَج كلامه على وجه الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو قاصد
بذلك أهلَ بيته، فكنى عَنْ وَصْفِهم وَمَدْحِيهم ، بذكر النبى صلى الله عليه
وسلم، وعن بنى أميَّة، بالقائلين المعنَّقين. لأنه معلوم أنه لا أحدٌ يُوصف بتعنيف
مادحِ النبى صلى الله عليه وسلم وتفضيله ، ولا بإكثار الضُّجاج واللجب فى إطناب
القیل بفضله . (٦)
(١) الهاشميات: ٣٤، والحيوان الجاحظ ه : ١٧٠ - ١٧١.
(٢) (عنه إلى غيره)) متعلق بقوله: لا يعدلى ... ))، فى البيت قبله.
(٣) أفرطت: أى جاوزت الحد. و((قصدت)) من القصد: وهو العدل بين الإفراط والتقصير.
والثلب : العيب والذم .
(٤) قوله ((فيك)) أى بسببك ومن أجلك. والضجاج مصدر: ضاجه يضاجه (بتشديد الجيم)
مضاجة وضجاجاً : وهو المشاغبة مع الصياح والضجيج. والجب: ارتفاع الأصوات واختلاطها طلباً
الغلبة .
(٥) هذب الشىء: نقاء وخلصه وطهره من كل ما يعيبه. وقوله ((المهذب فى النسبة))، أى المهذب
النسبة، وأدخل ((فى)) التوكيد، بمعنى الزيادة. وقص الشىء: رفعه وأظهره وأبانه . يعنى أبان فضلهم
على غيرهم .
(٦) من شاء أن يعرف فضل ما بين عقلين من عقول أهل الذكاء والفطنة، فلينظر إلى ما بين
قول أبى جعفر فى حسن تأتيه ، وبين قول الجاحظ فى استطالته بذكائه حيث يقول فى كتابه الحيوان
٥ : ١٦٩ - ١٧١ ٠
((ومن المديح الخطأ، الذى لم أر قط أعجب منه قول الكميت بن زيد، وهو يملح النبى صلى الله
عليه وسلم : فلو كان مديحه لبنى أمية لجاز أن يعيهم بذلك بعض بنى هاشم ، أو لو ملح به بعض بنى
هائم ، بلجاز أن يعترض عليه بعض بنى أمية، أو لو مدح أبا بلال الخارجى لجاز أن تعيبه العامة ، أو
لو ملح معمرو بن عبيد لجاز أن يعيبه المخالف، أو لو ملح المهلب، بلجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف ،
فأما مديح النبى صلى الله عليه وسلم. فمن هذا الذى يسوده ذلك؟)) ثم أنشد الأبيات السالفة، وقال: ((ولو كان
لم يقل فيه عليه السلا م إلا مثل قوله :
٤٨٧
تفسير سورة البقرة : ١٠٧
وكما قال جميل بن معمر :
أَلَّ إنّ جِيرَانِ العَشِيَّةَ رَائِحُ دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوَّى وَمَنَادِحُ(١)
فقال: ((ألا إنّ جيرانى العشبيَّة))، فابتدأ الخبر عن جماعة جيرانه ، ثم قال :
((رائِحُ))، لأن قصْدَه - فى ابتدائه ما ابتدأ به من كلامه - الخبرُ عن واحد منهم
دون جماعتهم ، وكما قال جميل أيضاً فى كلمته الأخرى :
خَلِيَ فِياَ عِشْماً ، هَلْ رَأَيْاَ قَتِيِلاً بَكَى مِنْ حُبِّ قَاتِهِ قَبْلٍ؟(٢)
وهو يريد قاتلته ، لأنه إنما يصف امرأة ، فكنى باسم الرجل عنها ، وهو يعنيها.
فكذلك قوله: ((ألم تعلم أن الله على كل شىء قدير. ألم تعلم أن اللّه له
ملك السموات والأرض »، وإن كان ظاهر الكلام على وجه الخطاب للنبي صلى
اللّه عليه وسلم، فإنه مقصودٌ به قَصْد أصحابه. وذلك بيِّنَ بدلالة قوله: (( وَمَا لكم
من دُون الله من وَلِىٌّ ولا نصير، أم تريدون أنْ تسألوا رَسولكم كما ◌ُمثلُ مُوسى
بِهِ وَلَهُ أُهْلٌ بِذَلكَ يَثْرِبُ
وُبُورِكَ قَبِرٌ أَنْتَ فِيهِ وُبُورِكَتْ
عَشِيَّةَ وَارَاكَ الصَّفِيحُ المنصَّبُ
لَقَدْ غَيِّبُوا بِرًّا وَحَزْمَاً وَنَائِلاً
فلو كان لم يمدحه عليه السلام إلا بهذه الأشعار التى لا تصلح فى عامة العرب ، لما كان ذلك بالمحمود،
فكيف مع الذى حكينا قبل هذا ؟)) .
والجاحظ تأخذ قلمه أحياناً مثل الحكة، لا تهدأ من ثورانها عليه حتى يشتفى منها ببعض القول ،
وببعض الاستطالة ، وبفرط العقل! ومع ذلك ، فإن النقاد يتبعون الجاحظ ثقة بفضله وعقله ، فربما
هجروا من القول ما هو أولى ، فتنة بما يقول .
(١) لم أجد البيت فيما طبع من شعر جميل، ولا فيما جمعته منه. والمنادح: البلاد الواسعة البعيدة.
كأنهما جمع مندوحة ، حذفت ياؤه . وقال تميم بن أبى بن مقبل :
وَإِنِّى إذَا مَلَّتْ رِكَابِى مُنَاخَهَا رَكْبْتُ، وَلَمَّ تَعْجَزْ لَىَّ الَنَادِعُ
وربما حسن أن يقال إنه جمع لا واحد له من لفظه، كمحاسن مشابه، والواحد من ذلك ندح
وجمعه أنداح: وهو ما اتسع من الأرض.
(٢) الأمالى ٢: ٧٤، والأغانى ١: ١١٧، ٧: ١٤٠، وهى قصيدة من جيد شعر جميل.
٤٨٨
تفسير سورة البقرة : ١٠٧
مِنْ قبْلُ)) الآيات الثلاث بعدها - على أن ذلك كذلك. (١)
أما قوله: ((له مُلكُ السموات والأرض)» ولم يقل: ملك السموات، فإنه
عنى بذلك (هُمُلك)) السلطان والمملكة دون ((المِلْك)). والعرب إذا أرادت الخبر عن
(المملكة) التى هى مملكة سلطان، قالت: ((ملَك الله الخلق ملكاً)). وإذا أرادت الخبر
عن ((الملك)) قالت: ((مَلَكَ فلان هذا الشىء فهو يملكه ملكاً وملكة وملكاً)).
٠
٠ ٠
فتأويل الآية إذاً: ألم تعلم يا محمد أن لى ملك السموات والأرض وسُلطانهما
دون غيرى ، أحكمُ فيهما وفيما فيهما ما أشاء ، وآمُر فيهما وفيما فيهما بما أشاء،
وأنهى عمّا أشاء، وأنسخ وأبدَّل وأغيُّر من أحكامى التى أحكُ بها فى عبادى ما أشاء
إذا أشاء ، وأقِرُّ منهما ما أشاء؟
...
وهذا الخبر وإن كان من الله عز وجل خطاباً لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم
على وجْه الخبر عن عظمته ، فإنه منه جل ثناؤه تكذيبٌ لليهود الذين أنكروا نَسْخ
أحكام التوراة ، وَجحدوا نبوّة عيسى، وأنكروا محمداً صلى الله عليه وسلم ،
لمجيئهما بما جاءا به من عند اللّه بتغيير ما غيّر الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله
أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما ، فإن الخلق أهل مملكته وطاعته ، عليهم
السَّمع له والطاعةُ لأمره ونهيه، وأنّ له أمرَهم بما شاء، ونهيهم عمّا شاء، ونسخَ ما
شاء، وإقرارَ ما شاء، وإنساءَ ما شاء من أحكامه وأمره ونهيه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه
وسلم وللمؤمنين معه: انقادوا لأمرى، وانتهوا إلى طاعتى فيما أنسخ، وفيما أترك فلا أنسخ،
من أحكامى وحدودى وفرائضى، ولا يَهُولنكم خلافُ مخالفٍ لكم فى أمرى ونهى
٣٨٥/١ وناسخى ومنسوخى، فإنه لا قيّم بأمركم سواى ، ولا ناصر لكم غيرى، وأنا المنفرد
بولايتكم، والدفاع عنكم، والمتوحِّدُ بنصرتكم بعزَّى وسلطانى وقوتى على من
ناوأكم وحادّكم ، ونصب حرب العدواة بينه وبينكم ، حتى أُعلى حجتكم ،
(١) انظر ما سيأتى بعد قليل : ٤٩٩ - ٥٠٠.
٤٨٩
تفسير سورة البقرة : ١٠٧ ، ١٠٨
كلها عليهم لكم .
...
و((الولى)) معناه ((فعيل)) من قول القائل: ((وَلِيتُ أمرَ فلان)»، إذا صرتَ
قيماً به، ((فأنا أليه، فهو وليه)، وقيمه. ومن ذلك قيل: ((فلان ولىّ عهد المسلمین))،
يعنى به : القائم بما عهد إليه من أمر المسلمين .
٠
٠.٠
وأما ((النصير)) فإنه ((فعيل)) من قولك: ((نصرتُك أنصُرك، فأنا ناصرك
ونصيرك))، وهو المؤيِّد والمقوّى.
وأما معنى قوله: ((من دون اللّه))، فإنه سوَى اللّه، وبعد اللّه، ومنه قول
أمية بن أبي الصلت:
يَا نَفْسُ مَالَكِ دُونَ الله مِنْ وَاقِى وَمَا ◌َى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنْ بَاقِى(١)
يريد: ما لك سوَى اللّه وَبعد الله منْ يَقيك المكاره.
فمعنى الكلام إذاً: وليس لكم، أيها المؤمنون ، بعدَ اللّه من قيّم بأمركم، ولا
تَصير فيؤيّدكم ويقوِّيكم ، فيعينكم على أعدائكم .
القول فى تأويل قوله تعالى (أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَشَّلُواْ رَسُولَكُمْ
كَ سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ﴾
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل فى السبب الذى من أجله أنزلت هذه
الآية . فقال بعضهم بما : -
١٧٧٧ -حدثنا به أبو کریب قال، حدثی یونس بن بکیر ۔۔ وحدثنا
(١) ديوانه: ٤٣. ومثله قول ابن أحمر:
إِنْ نَحْنُ إِلَّ أُناسٌ أَهْلُ سَائمةٍ وَمَالَهُمْ دُونَهَا حَرْثٌ ولاَ غُرَرُ
يريد : ليس لنا مال سوى السائمة ، فليس لنا زرع ولا خيل .
٤٩٠
تفسير سورة البقرة : ١٠٨
ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل-(١)قالا، حدثنا ابن إسحق قال ، حدثنى
محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت قال ، حدثنى سعيد بن جبير ، أو عكرمة
عن ابن عباس : قال رافع بن ◌ُحُرَيْملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه
وسلم: اثتنا بكتاب تنزّله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهاراً، نتّبعك ونصدقك!
فأنزل الله فى ذلك من قولهما: (٢) ((أمْ تُريدون أنْ تَسألوا رَسولكم كما ◌ُسُئلَ"
مُوسَى مِنْ قَبْل))، الآية. (٣)
وقال آخرون بما : -
١٧٧٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: « أم ◌ُریدون أن تسألوا رسولکم کما 'سئل موسى من قبل))، وكان
موسى بُسْأل، فقيل له: ((أرِنا الله جهرةً)).
١٧٧٩ -حدثیموسی بن هرون قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: ((أم تُريدون أن تسألوا رسولكم كما ◌ُسُئل موسى من قبل))، أن يريهم
الله جهرة. فسألت العربُ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم باللّه فيرَوه جهرة".
وقال آخرون بما : -
١٧٨٠ - حدثنى به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((أم تُريدون أن تسألوا
رسولكم كما ◌ُئل موسى من قبل))، أنْ يريهم الله جهرة . فسألت قريش محمداً
صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله لهمُ الصَّفا ذهباً، قال: نعم! وهو لكم كمائدة
بنى إسرائيل إنْ كفرتم! فأبَوْا ورجعوا.
١٧٨١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
(١) فى المطبوعة: ((قال حدثنا إسحق))، والصواب ما أثبت.
(٢) فى المطبوعة: ((من قولهم))، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام.
(٣) الأثر ١٧٧٧ - فى سيرة ابن هشام ٢ : ١٩٧.
٤٩١
تفسير سورة البقرة : ١٠٨
ابن جريج ، عن مجاهد قال : سألت قريش محمداً أن يجعل لهم الصَّفا ذهباً ،
فقال: نعم! وهو لكم كالمائدة لبنى إسرائيل إن كفرتم! فأبوا ورجعوا، فأنزل الله:
((أم تُريدون أن تسألوا رَسولكم كما ◌ُسُئل موسى من قبل))، أنْ يُريهم الله جهرةً.
١٧٨٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
وقال آخرون بما : -
١٧٨٣ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه ، عن الربيع، عن أبى العالية قال: قال رجلٌ : يا رسول اللّه، لو كانت
كفَّاراتُنا كفَّاراتٍ بنى إسرائيل! فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اللهم لا نبغيها !
ما أعطاكم الله خيرٌ مما أعطى بنى إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا فعل أحدُهم
الخطيئة وجدَها مكتوبةً على بابه وكفَّارتها، فإن كفَّرها كانت له خيزياً فى الدنيا، ٣٨٦/١
وإن لم يكفرها كانتْ له خزياً فى الآخرة ، وقد أعطاكم الله خيراً مما أعطى بنى
إسرائيل، قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغَفْرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ
غُوراً رَحِيماً﴾ [سورة النساء: ١١٠]. قال: وقال: الصلوات الخمسُ، والجمعةُ
إلى الجمعة ، كفّاراتٌ لما بينهن .
وقال : "مَنْ هُمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له
عشر أمثالها، ولا يَهلك عَلى اللّه إلا هالكٌ)).
فأنزل الله: ((أم تُريدون أن تسألوا رُسولكم كما ◌ُئل لكم مُوسى من قبل)).(١)
٥
(١) الحديث: ١٧٨٣ - هذا حديث مرسل، من مراسيل أبى العالمية. وقد نقله ابن كثير
١: ٢٧٩، عن الطبرى. ونقله السيوطى ١: ١٠٧، ونسبه الطبرى وابن أبى حاتم.
وأبو العالية الرياحى: ثقة من كبار التابعين، كما قلنا فى: ١٨٤. ونزيد هنا أنه مترجم فى التهذيب
والكبير ٢٩٨/١/٢، والصغير: ١٠٩، وابن سعد ٨١/١/٧ -٨٥، وابن أبى حاتم ٠١٠/٢/١
والإصابة ٢: ٢٢١. ولكن الاحتجاج بحديثه - كغيره من التابعين فمن بعدهم - هو فى الإسناد المتصل،
أما المرسل والمنقطع ، فلا حجة فيهما .
٨
٤٩٢
تفسير سورة البقرة : ١٠٨
واختلف أهل العربية فى معنى ((أم)) التى فى قوله: ((أم تُريدون)). فقال
بعض البصريين: هى بمعنى الاستفهام. وتأويل الكلام: أتريدون أن تسألوا رسُولكم؟
٠
وقال آخرون منهم : هى بمعنى استفهام مُستقبَل مُنقطع من الكلام ،
كأنك تميل بها إلى أوّله، كقول العرب: ((إنها لابلٌ ياقوم أمْ شاء)) و((لقد
كان كذا وكذا أمْ حَدْسُ نفسى؟)) قال: وليس قوله: ((أم تريدون » على
الشك ، ولكنه قاله ليقبِّح له صنيعهم. واستشهد لقوله ذلك ببيت الأخطل:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ، أَمْ رَأَيتَ بِوَاسِطٍ غَلَىَ الظَّلاَمِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالاً (١)
٠
وقال بعض نحوبى الكوفيين: إن شئت "جعلت قوله: (( أم تريدون)) استفهاماً
على كلام قد سبقه، كما قال جل ثناؤه ﴿الَم* تَنْزِيلُ الكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ
مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ " أَمْ يَقُولُونَ أُفْتَرَاهُ﴾ [سورة السجدة: ١ - ٣]، فجاءت
((أم)) وليس قبلها استفهام، فكان ذلك عنده دليلاً على أنه استفهامٌ ◌ُمبتدأٌ على
كلام سبقه. وقال قائل هذه المقالة: ((أم)) فى المعنى تكون ردًا على الاستفهام على
جهتين: إحداهما أن تفرِّق معنى ((أىّ))، (٢) والأخرى : أن يستفهم بها فتكون
على جهة النسق، والذى يُنوى بها الابتداءٌ، إلا أنه ابتداء متصلٌ بكلام. (٣)
فلو ابتدأت كلاماً ليس قبله كلام ثم استفهمت، لم يكن إلاّ بـ((الألف)) أو
بـ ((هل)). (٤)
(١) ديوانه: ٤١، ونقائض جرير والأخطل: ٧٠. وواسط: قرية غربى الفرات مقابل
الرقة من أعمال الجزيرة، وهى من منازل بنى تغلب، وهى غير واسط التى بناها الحجاج بين البصرة والكوفة .
الغاس : ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بتباشير الصباح ، فهى سواد مختلط ببياض وحمرة .
(٢) فى المطبوعة: ((تعرف معنى أى))، وفى لسان العرب (أم ١٤: ٣٠٠): ((أن تفارق
معنى أم ) وكلتاهما خطأ صرف. والصواب فى معانى القرآن الفراء١: ٧١. وذلك أن قرلك: «أزيد عندك
أم عمرو))، معناه: أيهما عندك. وبين أن ((أم)) تفرق الاستفهام، وأن ((أى)) تجمع متفرق الاستفهام.
وقد قال الطبرى فيما سلف فى هذا الجزء ٢: ١٩٨: ((إن أصل ((أى)) و((ما)) جمع متفرق الاستفهام)).
(٣) فى المطبوعة: ((وتكون على جهة النسق، والذى ينوى به الابتداء))، والصواب من معانى
القرآن الفراء .
(٤) هذا نص كلام الفراء فى معانى القرآن ١ : ٧١ .
٤٩٣
تكبير سورة البقرة : ١٠٨
قال: وإن شئت قلت فى قوله: ((أم تريدون))، قبله استفهامٌ فرُدَّ عليه .
وهو فى قوله: ((ألَمْ تعلم أنّ اللّه على كل شىء قدير)).(١)
٠
٠ ٥
قال أبو جعفر: والصواب من القول فىذلك عندى، على ما جاءت به الآثار التى
ذكرناها عن أهل التأويل: أنّه استفهامٌ مبتدأٌ، بمعنى: أتريدون أيُّها القوم أن
تسألوا رَسُولكم؟ وإنما جاز، أن يستفهم القوم بـ ((أم))، وإن كانت ((أم))
أحد شروطها أن تكون نَسقاً فى الاستفهام لتقدُّم ما تقدمها من الكلام ، لأنها
تكون استفهاماً مبتدأ إذا تقدمها سابقٌ من الكلام. ولم يُسمع من العرب استفهام
بها ولم يتقدمها كلامٍ. ونظيره قوله جل ثناؤه: ﴿ألَم• تَنْزِيلُ الكِتَابِ لا رَيْبَ
فِيهِ مِنْ رَبِّ العَالِينٌ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) [سورة السجدة: ١ -٣].
وقد تكون ((أم)) بمعنى ((بل))، إذا سبقها استفهام لا يصلح فيه ((أىّ)) ،
فيقولون: ((هل لك قِبلنا حقٌّ، أم أنت رجل معروف بالظلم؟))(٢) وقال الشاعر:
فَوَاللهِ مَا أَدْرِى! أسَلَى تَغَوَّلَتْ، أمِ النَّوْمُ، أمْ كلِّ إِلىَّ حَبِيبُ(٣)؟
يعنى : بَل كلّ إِلىّ حبيب.
وقد كان بعضهم يقول - منكراً قول من زعم أن ((أم)) فى قوله: (( أم تريدون))
(١) وهذا أيضاً بعض نص الفراء فى معانى القرآن.
(٢) هذا أيضاً ذكره الغراء. ثم قال بعده: ((يريدون: بل أنت رجل معروف بالظلم)).
(٣) لم أعرف قائله. وسيأتى فى تفسيره ٢٠: ٦ (بولاق) على الصواب، وفى معانى القرآن
الفراء ١: ٧٢، واللسان (أم)، والصاحبى: ٩٨. وفى المطبوعة هنا: ((تقولت ... أم القوم))،
وهو خطأ محض، وقوله: ((تغولت))، أى تصورت فى صورة امرأة أحسها وأراها. من تغول الغول:
وهى أن تتلون وتتخيل فى صور شتى. يعنى أنها بعيدة لا شك فى بعدها، ولكنه يخال أنه يراها أمامه ماثلة
قائمة . وقال الأخطل :
وَتَعَرَّضَتْ لَكَ بِالأَ بَالِحِ بَعْدَمَا قَطَعَتْ بِأَبْرَفَ خُلََّ وَوِصَالًا
وَتَغَوَّلَتْ لِتَرُوعَنَاَ جِنِّيَّسةٌ وَالثَِيَتُ يُرِينَكَ الأُمْوَالَا
ثم يقول: ((أم النوم)) أى: أم هو حلم. بل كلاهما حبيب إلى، يعنى أى ذلك كان، فهو
حبيب إلى .
٤٩٤
تفسير سورة البقرة : ١٠٨
استفهامٌ مستقبَلٌ منقطع من الكلام، يميل بها إلى أوّله - : إنّ الأول خبر،
والثانى استفهام ، والاستفهام لا يكون فى الخبر ، والخبر لا يكون فى الاستفهام ،
ولكن أدركه الشك - بزعمه - بعد ◌ُمُضَّى الخبر، فاستفهم.
قال أبو جعفر: فإذا كان معنى (( أم)) ما وصفنا، فتأويل الكلام: أتريدون
أيها القوم أن تسألوا رسولكم من الأشياء نظير ما سأل قوم موسى من قبلكم ،
فتكفروا - إن مُنِعتموه - فى مسألتكم ما لا يجوز فى حكمة الله إعطاؤكموه، أو
أن تهلكوا إن كان مما يجوز فى حكمته عطاؤكموه، (١) فأعطاكموه ، ثم كفرتم من
٣٨٧/١ من بعد ذلك، كما هلك من كان قبلكم من الأمم التى سألت أنبياء ها ما لم يكن
لهما مسألتُها إياهم ، فلما أعطيت كفرت ، فعوجلت بالعقوبات لكفرها ، بعد
إعطاء اللّه إيّاها سُؤْلها.
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِاْلْإِيمَنِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وَمَنْ يَتبدَّل))، ومن يستبدل
((الكفر))، (٢) ويعنى بـ (الكفر)) الجحود باللّه وبآياته، (٣) (بالإيمان))، يعنى بالتصديق
بالله وبآباته والإقرار به . (٤)
وقد قيل: عنى بـ ((الكفر)) فى هذا الموضع: الشدّة، وبـ ((الإيمان)) الرخاء.
ولا أعرف الشدة فى معانى ((الكفر))، ولا الرخاء فى معنى ((الإيمان)»، إلا أن يكون
قائلُ ذلك أرَاد بتأويله ((الكفر)) بمعنى الشدة فى هذا الموضع، وبتأويله ((الإيمان))
فى معنى الرخاء -: ما أعدّ اللّه للكفار فى الآخرة من الشدائد، وما أعدّ اللّه لأهل
(١) فى المطبوعة: ((أو أنهلكوا)) خطأ.
(٢) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢ : ١٣٠
(٣) انظر ما سلف ١: ٢٥٥، ٣٨٢، ٥٥٢ وغيرها بعدها.
(٤) انظر ما سلف ١: ٢٣٤ - ٢٣٥، ٢٧١، ٥٦٠ وغيرها بعدها.
٤٩٥
تفسير سورة البقرة : ١٠٨
الإيمان فيها من النعيم ، فيكون ذلك وجهاً ، وإن كان بعيداً من المفهوم بظاهر
الخطاب . ذكر من قال ذلك :
١٧٨٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن أبى العالية: ((ومن يتبدَّل الكفرَ بالإيمان)»، يقول : يتبدل الشدة
بالرخاء .
١٧٨٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن أبى جعفر ، عن الربيع ، عن أبى العالية بمثله .
٠
٠
وفى قوله: ((ومن يتبدّل الكفرَ بالإيمان فقدْ ضَل سواء السبيل)»، دليل
واضح على ما قلنا : (١) من أن هذه الآيات من قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا
وَاعِنا)»، خطابٌ من الله جل ثناؤه المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، (٢) وعتاب منهُ لهم على أمر سلف منهم ، مما سُرّ به اليهود ، و کرهه رسول
الله صلى الله عليه وسلم لهم، فكرهه اللّه لهم، فعاتبهم على ذلك، وأعلمهم أن
اليهود أهل غِشُّ لهم وحسدٍ وبغى، وأنهم يتمنَّون لهم المكاره، ويبغونهم الغوائل،
ونها هم أن ينتصحوهم، وأخبرهم أنّ من ارتدَّ منهم عن دينه فاستبدل بإيمانه كفراً ،
فقد أخطأ قَصْدَ السبيل .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴾
١٠٨
قال أبو جعفر : أما قوله : (( فقد ضل ))، فإنه یعنی به: ذهب وحاد . وأصل
(الضلال عن الشىء))، الذهاب عنه والحيْد، (٣) ثم يستعمل فى الشىء الهالك،
(١) انظر ما سلف قريباً : ٤٦٢-٤٦٦، ٤٨٤-٤٨٨، وانظر ما سيأتى قريباً: ٤٩٩،٤٩٨
(٢) فى المطبوعة: ((المؤمنين به من أصحاب رسول الله ... ))، وزيادة (به)) خطأ .
(٣) انظر ما سلف ١ : ١٩٥.
٤٩٦
تفسير سورة البقرة : ١٠٨
والشىء الذى لا يُؤبه له ، كقولهم للرجل الخامل الذى لا ذكر له ولا نباهة :
((ضُلُّ بن ضُلّ)) و((قُلُّ بنَ قُلّ))، وكقول الأخطل، فى الشىء الهالك:
قَذَفَ الأَتِىُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلَاَلاَ (١)
كُنْتَ القَذَیِفِیمَوٍ أ کدَرَ مُزْیِدٍ
يعنى : هَلك فذهب
٥
والذى عنى الله تعالى ذكره بقوله: ((فقد ضَلّ سواء السبيل))، فقد ذهب
عن سواء السبيل وحاد عنه .
٥
٥
وأما تأويل قوله (("سواء السبيل))، فإنه يعنى: ((السواء))، القصدَ والمنهج.
وأصْل ((السواء)) الوسط ذُكر عن عيسى بن عمر النحوىّ أنه قال: ما زلت
أكتبُ حَتى انقطع سَوائى))، يعنى: وسطى . وقال حسان بن ثابت :
يَا وَيَجَ أَنْصَارِ النَِّيِّ وَنَسْلِهِ بَعْدَ المُغَيِّبَ فِى سَوَاءِ الْمُلْحَدِ(٢)
(١) ديوانه: ٥٠، ونقائض جرير والأخطل: ٨٣ وسيأتى فى تفسير الطبرى ٣: ٢١/٢١٩: ٦١
(بولاق). وقوله: ((كنت))، يعنى جريراً، وهو جواب ((إذا))، فقبل البيت :
وَأُسْتَجْمَعَ الوَادِى عَلَيْكَ فَسَلَا
وَإِذَا سَمَا لِلْمَجْدِ فَرْعَا وَائِلٍ
((فرعا وائل)) يعنى بكراً وتغلب رهط الأخطل . والقذى: ما يكون فوق الماء من تبن وورق وأعواد.
وفى المطبوعة هنا: ((أكبر)) مكان ((أكدر))، وهو تصحيف، وأتى على صوابه فى الموضعين الآخرين
من التفسير. وقوله ((أكدر)) يعنى بحراً متلاطما، فكدر بعد صفاء. ومزيد: بحر هائج مائج يقذف.
بالزبد. والأتى: السيل الذى يأتى من مكان بعيد. وقوله: ((قذف الأتى به))، صفة القذى. يقول:
كنت عندئذ كالقذى رمى به السيل فى بحر مزبد لا يهدأ موجه، فهلك هلاكاً. ورواية الديوان: ((فى لج
أكدر » .
(٢) ديوانه: ٩٨، وسيأتى فى تفسير الطبرى ١٠: ٢٠ (بولاق)، وهكذا جاءت الرواية
هنا ((نسله))، وأظنها خطأ من ناسخ، أو خطأ فى رواية. ورواية الديوان وما سيأتى فى الطبرى،
وغيرهما ((ورهطه)). وهو من رثاء حسان رسول اللّه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم. وعنى بقوله: ((ورهطه))
المهاجرين رضى الله عنهم، والمغيب مصدر غيبه فى الأرض: واراء. و((المأحد)) بضم الميم وفتح الحاء
بينهما لام ساكنة : هو اللحد ، والقبر .
٤٩٧٠
عسير سورة البقرة . ١٠٨
يعنى بالسّواء: الوسط والعرب تقول: ((هو فى سواء السبيل))، يعنى فى
مستوى السَّبيل، و((سواء الأرض)): مستواها، عندهم.
وأما ((السَّبيل))، فإنها الطريقُ المسبول، صرف من ((مَسبولٌ) إلى ((سبيل)).(١)
٥٠
فتأويل الكلام إذاً: ومن يستبدل بالإيمان بالله وبرسوله الكفرّ، فيرتدَّ عن
دينه، فقد جاد عن منهج الطريق ووسطه الواضح المسبول.(١)
وهذا القول ظاهرُهُ الخبرُ عن زَوال المستبدِل بالإيمان الكفر عن الطريق،
والمعنىُّ به الخبرُ عنه أنه ترك دين الله الذى ارتضاه لعباده، وجعله لهم طريقاً ٣٨٨/١
يسلكونه إلى رضاه ، وسبيلاً يركبونها إلى محبته والفوز يجناته . فجعل جل ثناؤه
الطريق - الذى إذا ركبَ محجَّته السائرُ فيه ، ولزم وسطه اغجتازُ فيه ، نجا وبلغ
حاجته ، وأدرك طلبته - لدينه الذى دعا إليه عباده، مثلاً ، لإدراكهم بلزومه
واتباعه ، طلباتهم فى آخرتهم، (٢) كالذى يُدرك اللازم محجَّة السبيل = بلزومه
إياها = طلبتَه من النجاة منها ، والوصول إلى الموضع الذى أمَّه وقصده . وجعل مثل
الحائد عن دينه، الجائر عن اتّباع ما دعاه إليه من عبادته - (٣) فى إخطائه ما رجاً
أن يدركه بعمله فى آخرته وينال به فى معاده ، (٤) وذهابه عما أمّل من ثواب
عمله ، وُبعده به مِن رَبه - مثلَ الحائد عن منهج الطريق وقصد السبيل ، الذى
لا يزدادُ وُغولاً فى الوجه الذى سلكه، (٥) إلاّ ازداد من موضع حاجته بعداً ،
(١) لم أجد لقوله: ((مسبول)) فعلا، وكأنه أراد أن يؤوب به إلى الأصل، فإن ((فعيلا)) لابد
له من فعل ثلاثى هو ((سبل)) وإن لم يستعملوه، وهو مصروف عن ((مفعول)). فقال الطبرى: ((مسبول)).
ويهون ذلك أنهم قالوا: ((السابلة)) وهو ((فاعلة)) من فعل ثلاثى. ولكنهم لم يستعملوه، ومعناه:
((السالكة الطريق من الناس)). وقالوا سبيل سابلة: أى مساوكة، فهذه أيضاً ((فاعلة)) بمعنى ((مفعولة)).
فعنى بقوله ((المسبول)) فى الموضعين: المسلوك.
(٢) فى المطبوعة: ((لإدراكهم بلزومه واتباعه إدراكهم طلباتهم ... )) وقوله: ((إدراكهم))
زائدة من ناسخ .
(٣) فى المطبوعة: ((والحائد عن اتباع ما دعاه ... ))، وأظن الصواب ما أثبت.
(٤) فى المطبوعة: ((فى حياته ما رجا أن يدركه ... ))، وهى مصحفَة ولا شك، وأثبت ما أدانى
إليه اجتهادى فى قراءته. لأنهم يقول أخطأ الطريق، وأخطأ ما ابتغى، إلى أشباه ذلك.
(٥) الوغرل، مصدر ((وغل يغل وغولا، (أوغل))، إذا ذهب فأبعه المذهب.
.ج» (٣٢)
٤٩٨
تفسير سورة البقرة : ١٠٩،١٠٨
وعن المكان الذى أمَّه وأراده نآ"ياً .
وهذه السبيلُ التى أخبر اللّه عنها ، أن من يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل"
سواءَها، هى ((الصراط المستقيم))، الذى أمرنا بمسألته الهداية" له بقوله:
((اهْدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أ"نعمتَ عليهم)).
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَّبِ
لَوْ يَرُدُو نَكُم مِّن بَعْدِ إِيَِّكُمْ كُفَّاراً)
قال أبو جعفر: وَقَدْ صَرَّح هذا القول من قول الله جل ثناؤه ، بأن خطابه
بجميع هذه الآيات من قوله: (( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا رَاعِنا)» - وإن صَرَف
فى نفسه الكلامَ إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم - إنما هو خطابٌ منه للمؤمنين
من أصحابه ، (١) وعتابٌ منه لهم ، ونهىٌ عن انتصاح اليهود ونظرائهم من أهل الشرك
وقبولٍ آرائهم فى شىء من أمور دينهم - ودليلٌ على أنهم كانوا استعملوا أو من
استعمل منهم فى خطابه ومسألته رسول الله صلى الله عليه وسلم الجفاء، وما لم يكن
له استعماله معه، (٢) تأسيّاً باليهود فى ذلك أو ببعضهم . فقال لهم ربهم ناهياً
لهم عن استعمال ذلك: (٣) لا تقولوا لنبيكم صلى الله عليه وسلم كما تقول له
اليهود: ((راعنا))، تأسياً منكم بهم، ولكن قولوا: ((انْظُرنا واسمعوا))، فإن أذَى
رسول الله صلى الله عليه وسلم كفرّبى، وجحودٌ لحقّى الواجب لى عليكم فى تعظيمه
وتوقيره ، ولمن كفر بى عذاب أليم؛ فإن اليهودَ والمشركين ما يودُّون أن ينزَّل عليكم
(١) فى المطبوعة: ((المؤمنين وأصحابه))، وكان الصواب ما أثبت.
(٢) سياق العبارة: أو من استعمل ... الجفاء، واستعمل ما لم يكن له استعماله معه،
تأسياً باليهود .
(٣) فى المطبوعة: ((قال لهم ربهم))، والصواب زيادة الفاء.
١٩٩
تفسير سورة البقرة : ١٠٩
من خيرٍ من ربكم، ولكنَ كثيراً مهم ودُّوا أنهم يَرُدُّونكم من بعد إيمانكم كفاراً،
حسداً من عند أنفسهم لكم ولنبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، من بعد ما تبين لهم
الحق فى أمر محمد، وأنه بی إليهم وإلى خلفى كافة .
٥
٠
وقد قيل إن الله جل ثناؤه على بقوله: (( ود" كثيرٌ من أهل الكتاب))، کعب
ابن الأشرف .
١٧٨٦ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر،
عن الزهرى فى قوله: ((ودّ كثير من أهل الكتاب))، هو كعب بن الأشرف .
١٧٨٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثنا أبو سفيان المعمرى،
عن معمر، عن الزهرى وقتادة: ((ود" كثير من أهل الكتاب))، قال . كعب بن
الأشرف . (١)
وقال بعضهم بما . -
١٧٨٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق -
وحدثنا أبو كريب قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا محمد بن إسحق -
قال : حدثی محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت قال ، حدثی سعید بن
جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس قال : كان 'حيّىّ بن أخطب وأبو ياسر بن
أُخْطب من أشد يهودَ للعرب حسداً، إذْ خَصَّهم الله برسوله صلى الله عليه ٣٨٩/١
وسلم. وكانا جَاهِدَيْن فى رَدّ الناس عن الإسْلام بما استطاعا، فأنزل الله
فيهما: (("وَد كثيرٌ منْ أَهْل الكتاب لَوْ يَرُدُّونكم)) الآية. (٢)
٥
قال أبو جعفر: وليس لقول القائل عنَى بقوله: ((وَدّ كثيرٌ من أهل الكتاب)»
(١) الأثر: ١٧٨٧ - فى المطبوعة: ((أبو سفيان المصرى)). وهو محمد بن حميد اليشكرى
المعمرى البصرى نزيل بغداد، قيل له المعمرى)) لأنه رحل إلى معمر بن راشد الأزدى. وهو ثقة صدوق ،
وذكره ابن حبان فى الثقات. وذكره العقيلى فى الضعفاء، وقال: ((فى حديثه نظر» مات سنة ١٨٢
( تهذيب التهذيب ٩ : ١٣٢ )
(٢) الأثر: ١٧٨٨ - فى سيرة ابن هشام ٢: ١٩٧.
٠ ٥٠٠
تفسير سورة البقرة : ١٠٩
كعبَ بن الأشرف ، معنى مفهوم . لأن كعب بن الأشرف واحد ، وقد أخبر الله
جل ثناؤه أن كثيراً منهم يودُّون لو يردُّون المؤمنين كفاراً بعد إيمانهم، والواحد لا
يقال له ((كثير))، بمعنى الكثرة فى العدد، إلاّ أن يكون قائل ذلك أراد بوجه الكثرة
التى وصف الله بها من وصفه بها فى هذه الآية، الكثرةَ فى العزّ ورفعة المنزلة فى
قومه وعشيرته، كما يقال: (( فلان فى الناس كثير))، يراد به كثرة المنزلة والقدْر.
فإن كان أراد ذلك فقد أخطأ ، لأن الله جل ثناؤه قد وصفهم بصفة الجماعة فقال :
((لَوْ يَردُّونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً)»، فذلك دليل على أنه عنى الكثرة فى
العدد = أو يكون ظنّ أنه من الكلام الذى يخرج تخرج الخبر عن الجماعة ،
والمقصود بالخبر عنه الواحدُ، نظيرَ ما قلنا آنفاً فى بيت جميل، (١) فيكون ذلك
أيضاً خطأ . وذلك أن الكلام إذا كان بذلك المعنى ، فلا بد من دلالة فيه تدل
على أن ذلك معناه ، ولا دلالة تدل فى قوله: (( ودّ كثيرٌ من أهل الكتاب)) أنّ
المراد به واحد دون جماعة كثيرة، فيجوز صرف تأويل الآية إلى ذلك، وإحالة دليل
ظاهره إلى غير الغالب فى الاستعمال .
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ( حَسَدًا مُنْ عِندِ أَنفُسِهِم)
قال أبو جعفر: ويعنى بقوله جل ثناؤه: ((حسَدًا من عند أنفسهم))، أن
كثيراً من أهل الكتاب يَودُّون للمؤمنين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم يودونه لهم ،
من الردّة عن إيمانهم إلى الكفر، حسدًا منهم وبغياً عليهم .
و((الحسد)) إذاً منصوبٌ على غير النعت ((للكفار))، ولكن على وجه المصدر
الذى يأتى خارجاً من معنى الكلام الذى يخالف لفظه لفظ المصدر ، كقول القائل
لغيره: ((تمتَّيت لك ما تمنَّتُ من السوء حسداً منى لك))، فيكون ((الحسد)) مصدراً
(١) انظر ما سلف قريباً: ٤٨٧ قوله: ((ألا إن جيرانى العشية رائح)).