Indexed OCR Text

Pages 441-460

٤٤١
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
فقلت: لم أر شيئاً. فقالا: كذبت لم تفعلى، ارجعى إلى بلادك ولا تكفرى ، فإنك
على رأس أمرك!(١) فأربيتُ وأبيتُ، فقالا: اذهبى إلى ذلك التنور فبولى فيه .
فذهبت إليه قبلت فيه ، فرأيت فارساً مُتقنَّعاً بحديد خرج منى حتى ذَهَب فى
السماء ، وغاب عنى حتى ما أراه . فجثتهما فقلت : قد فعلت! فقالا: ما رأيت ؟
فقلت: فارساً متقنَّعاً خرج منّى فذهب فى السماء حتى ما أراه . (٢) فقالا: صدقت،
ذلك إيمانك خرج منك ، اذهبى. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئاً ! وما قالا لى
شيئاً ! فقالت : بلى ، لن تريدى شيئاً إلا كان ! خذى هذا القمح فابذرى .
فبذرت ، وقلت : أطلعى ! فأطلعت ، وقلت : أحقلى! فأحقلت ، ثم قلت :
أفرٍ كى! فأفركت، ثم قلت: أيْبِسى! فأيبستْ، ثم قلت: أطحسنى! فأطحنت،
ثم قلت : أخيزى، فأخبزت. (٣) فلما رأيت أنىّ لا أريد شيئاً إلا كان، ◌ُسقط
فى يدى وندمتُ والله يا أم المؤمنين! والله ما فعلتُ شيئاً قط ولا أفعله أبداً! (٤)
٥
(١) يقال: أنت على رأس أمرك، وعلى رئاس أمرك: أى فى أوله وعلى شرف منه. وزعم الجوهرى
أن قولهم: ((على رأس أمرك)) من كلام العامة، وهذا الخبر ينقض ما قال.
(٢) فى تفسير ابن كثير والدر المنثور: ((فرأيت فارساً))، وما هنا صواب جيد.
(٣) فى هذه الفقرة كلمات لم تثبتها كتب اللغة، سأذكرها فى مدرج شرحها. ((أطلعى فأطلعت))
أى أخرجى شطأك، من قولهم: أطلع الزرع، إذا بدا أول نباته من الأرض. ((أحقل فأحقلت)).
أى أخرجى حقلك. والحقل: الزرع اذا استجمع خروج نباته . أحقل الزرع: تشعب ورقه من قبل
أن تغلظ سوقه. ((أفركى فأفركت))، أى كرنى فريكاً. وهو حب السنبلة إذا اشتد وصلح أن يفرك.
أفرك السنبل: صار فريكاً، وهوحين يصلح أن يفرك فيؤكل. و((أيبس فأيبست)) أى كرفى حباً يابساً،
أييس البقل: يبس وجف. ((أطحنى فأطحنت)). أى كرفى طحيناً. ولم يرد فى كتب اللغة: ((أطحن))،
ولكنها أتبعت هذا الحرف ما مضى من أخواته ، وهى عربية سليمة ماضية على سنن اللغة فى هذا الموضع .
((أغبزى فأخبزت))، أى كرفى ميزاً يؤكل، وهذه أيضاً لم ترد فى كتب اللغة، ولكنها عريقة كأختها
السالفة . وقد قال ابن كثير أن إسناد هذا الحديث جيد إلى عائشة، وأن الحاكم صححه ، فإن كان ذلك
كما قالا ، فلا شك فى عربية هذه الألفاظ من طريق الرواية أيضاً .
(٤) الخبر: ١٦٩٥ - مضست قطعة منه، بإسناد آخر إلى ابن أبى الزناد: ١٦٩١.
وهذا الخبر نقله ابن كثير ١: ٢٦٠ - ٢٦١، بطوله، عن الطبرى. وقدم له بكلمة ، قال:
((وقد ورد فى ذلك أثر غريب، وسياق عجيب فى ذلك. أحببنا أن ننبه عليه)). ثم قال بعد نقله :

٤٤٢
تفسير سورة البقرة : ١٠٣
قال أهل هذه المقالة بما وصفنا ، واعتلُّوا بما ذكرنا، وقالوا : لولا أن الساحر
يقدرُ على فعل ما ادَّعى أنه يقدر على فعله ، ما قدر أن يُفرِّق بين المرء وزوجه.
قالوا: وقد أخبر الله تعالی ذکره عنهم أنهم يتعلّمون من الملکین ما یفرِّقون به بین
المرء وزوجه . وذلك لو كان على غير الحقيقة ، وكان على وجه التخييل والخسبان ،
لم يكن تفريقاً على صحة ، وقد أخبر الله تعالى ذكره عنهم أنهم يفرقون على صحة .
٠
٠٠
وقال آخرون: بل ((السحر)) أخذٌ بالعين.
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا يُعَلَِّنِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاً
إِنَّمَا غَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ)
قال أبو جعفر: وتأويل ذلك : وما يعلّم الملكان أحداً من الناس الذى أنزل
عليهما من التَّفريق بين المرء وزوجه ، حتى يقولاله: إنّما نحن بَلاءٌ وفتنة لبنى
آدم ، فلا تکفر بربك. کما : -
١٦٩٦ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
((فهذا إسناد جيد إلى عائشة رضى الله عنها)). وذكر أنه رواه ابن أبى حاتم عن الربيع بن سليمان،
بأطول منه .
وذكره السيوطى ١: ١٠١، ونسبه أيضاً الحاكم ومصحه. والبيهقى فى سنته.
وهى قصة عجيبة ، لا ندرى أصدقت تلك المرأة فيما أخبرت به عائشة ؟ أما عائشة فقد صدقت فى
أن المرأة أخبرتها . والإسناد إلى عائشة جيد ، بل صحيح .
الربيع بن سليمان: هو المرادى المصرى المؤذن، صاحب الشافعى وراوية كتبه، وهو ثقة. مترجم
فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٤٦٤/٢/١. ابن أبى الزناد: هو «عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن
ذكوان)»، وهو ثقة، تكلم فيه بعض الأئمة ، فى روايته عن أبيه ، وفى رواية البغداديين عنه . والحق أنه
ثقة ، وخاصة فى حديث هشام بن عروة . فقد قال ابن معين - فيما رواه أبو داود عنه عند الخطيب وغيره -
(( أثبت الناس فى هشام بن عروة: عبد الرحمن بن أبى الزناد)). وقد وثقه الترمذى وصحح عدة من أحاديثه ،
بل قال فى السنن ٣: ٥٩، فى حديث له صصحه، وفيه حرف لم يروه غيره، فقال: ((وإنما ذكره
عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ثقة حافظ)).

٤٤٣
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
السدى قال: إذا أتاهما - يعنى هاروت وماروت - إنسان يريد السحر، وَعظاه
وقالا له : لا تكفر ، إنما نحن فتنة ! فإن أبى ، قالا له : انت هذا الرماد فبُلْ
عليه . فإذا بال عليه خرج، منه نور يَسطعَ حتى يدخل السماء - وذلك الإيمان -
وأقبل شىء أسوَدُ كهيئة الدخان حتى يدخل فى مسامعه وكل شىء منه، (١)
فذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر. فذلك قول الله: ((وما
◌ُعلِّمان من أحد حتى يقولا إنما نحنُ فتنةٌ فلا تكفر» الآية .
١٦٩٧ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد ، عن سعيد ، عن قتادة
والحسن: (( حتى يَقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر))، قال: أخذ عليهما الميثاق أن
لا يعلّما أحداً حتى يقولا: ((إنما نحنُ فتنة فلا تكفر)).(٢)
١٦٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر
قال، قال قتادة : كانا يعلّمان الناس السحر، فأخذ عليهما أن لا يعلما أحداً
حتى يقولا: ((إنما نحنُ فتنةٌ فلا تكفر)).
١٦٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ،
عن معمر قال ، قال غير قتادة: أخيذ عليهما أن لا يعلّما أحداً حتى يَتقدَّما ٣٦٨/١
إليه فيقولا: ((إنما نَحنُ فتنة فلا تكفر)).
١٧٠٠ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عوف ، عن
الحسن قال: أخذ عليهما أن يقولا ذلك .
١٧٠١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال: أُخذ الميثاق عليهما أن لا يعلِّما أحداً حتى يقولا: ((إنما نحن فتنة
فلا تكفر». لا يحترئ على السحر إلاّ كافر.
٠
٠
(١) فى المطبوعة: ((وقيل شىء أبود ... )) كلام بلا معنى. والتصحيح من ابن كثير ١: ٢٦٢
(٢) فى المطبوعة: ((أخذ عليها أن لا يعلماء والزيادة من ابن كثير ١: ٢٦٢

٤٤٤
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
وأما (( الفتنة)) فى هذا الموضع، فإن معناها: الاختبارُ والابتلاء ، من ذلك
قول الشاعر : (١)
وَقَدْ فِنَ النَّاسُ فِ دِهِمْ وَخَلَّى أَبْنُ عَنَّانَ شَرًّا طَوِيلاً(٢)
ومنه قوله: ((فتنت الذَّهبَ فى النار))، إذا امتحنها لتعرفَ جَوْدّتهما
من رَدَاءتها، (( أفتْها فِتنة وفُتوناً))، كما : -
١٧٠٢ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((إنما نَحنُ فتنةٌ))، أى بلاء.
٠
۵
(١) نسبه الطبرى فى تاريخه ١: ١٥١ - ١٥٢ الحتات بن يزيد المجاشى عم الفرزدق.
ونسبه البلاذرى فى أنساب الأشراف ٥: ١٠٤ إلى: على بن الغدير بن المغرس الغنوى، وإلى :
إهاب بن همام بن صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشى، وإلى : ابن النريرة المثل ، وهو كثير
بن عبد الله بن مالك النبشلى، وهو مخضرم، وإليه أيضاً فى معجم الشعراء: ٣٤٩، وفى الكامل
المبرد ٢: ٣٤، وقال أبو الحسن الأخفش: ((ابن الغريزة الضبى))، وهو خطأ محض، إنما
هو البشل .
(٢) أول هذه القصيدة:
تَأْتْكَ أُمَامَةُ فأياً طَوِيلاً وََّكَ الحُبُّ عِئَا ثَمِيلاً
ثم قال :
لَقَدْ ذَهَبَ الغَيْرُ إلاّ قَلِيلاً
لَمْرُ أَبِيكِ فَلاَ تَجْزَعِى
وَخَلَى أبنُ عَمَّنَ شَرًّا طَوِيلاً
لَقَدْ فُتِنَ النَّاسُ فِ دِينِهِمْ
أَعَاذِلَ كُلُّ انْرِيُ
مَالِكٌ
فسيرى إلى الله سَيْراً جميلاً
ولا بُدَّ قُ أنْ تَزُولاً
فإنّ الزَّمَانَ لَهُ
وروى الطبرى صدر البيت الذى استشهد به هنا فى تاريخه :
- تَقَدْ سَِّهِ النَّاسُ فى دِينِهِمْ.

٤٤٥
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿َفَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ
اُلْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾
قال أبو جعفر: وقوله جل ثناؤه: ((فيتعلّمون منهما))، خبرٌ مبتدأٌ عن المتعلّمين
من الملكين ما أنزِل عليهما، وليس بجواب لقوله: (( وما يعلِّمان من أحدٍ))، بل
هو خبرٌمستأنفٌ، ولذلك رُفع فقيل: (( فيتعلَّمون)). فمعنى الكلام إذاً: وما
يعلِّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة، فيأبَوْن قَبُول ذلك منهما، فيتعلّمون
منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه . (١)
وقد قيل إنّ قوله: ((فيتعلمون))، خبرٌ عن اليهود معطوفٌ على قوله: (( ولكنّ
الشياطين كفروا يُعلُّمون الناس السحرَ وما أنْزِل على الملكين ببابلَ هاروتَ
وماروتَ ))، ((فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه )). وجعلوا ذلك من المؤخر
الذى معناه التقديم .
والذى قلنا أشبه بتأويل الآية. لأن إلحاق ذلك بالذى يليه من الكلام، مَا كان
للتأويل وجه صحيح، (٢) أولى من إلحاقه بما قد حيل بينه وبينه من معترض الكلام.
و(«الهاء)) و((الميم)) و((الألف)) من قوله: ((منهما))، من ذكر الملكين.
ومعنى ذلك : فيتعلّم الناس من الملكين الذى يفرُّقون به بين المرء وزجه .
و((ما)) التى مع ((يفرّقون)) بمعنى ((الذى)). وقيل: معنى ذلك: السحرُ
الذى يفرقون به . وقيل : هو معنى غير السحر . وقد ذكرنا اختلافهم فى ذلك فيما
مضى قبل. (٣)
(١) يعنى الطبرى أن فى الكلام حذف اجتزاً بفهم سامعه عن ذكره، وهو قوله: ((فيأبون قبول
ذك منهما .
(٢) قوله: ((ما كان التأويل ... ))، هى ما يقولونه فى العربية الركيكة ((ما دام التأويل .. »
(٣) انظر ما سلف: ٤٢٣ - ٤٢٤

٤٤٦
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
. ..
وأما ((المرء))، فإنه بمعنى: رجل من أسماء بنى آدم، والأنثى منه ((المرأة)). يوحّد
ويثنّى ولا تُجمع ثلاثته على صورته، (١) يقال منه: ((هذا امرؤ صالح ، وهذان
امرآن صالحان)). ولا يقال: هؤلاء امرؤو صدق، ولكن يقال: ((هؤلاء رجالُ صدق
وَقَوْمُ صِدق)). وكذلك المرأة توحد وتثنى ولا تُجمع على صورتها. يقال: ((هذه
امرأة، وهاتان امرأتان)). ولا يقال: هؤلاء امرآت، ولكن: ((هؤلاء نسوة)).
...
وأمّا (الزوج))، فإنّ أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: ((هى زوجه)) بمنزلة
الزوج الذكر، ومن ذلك قول الله تعالى ذكره ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾
[ سورة الأحزاب: ٣٧]، وتميمٌ وكثير من قيسٍ وأهل نجد يقولون: ((هى زوجته)). (٢)
كما قال الشاعر : (٣)
وَ إِنَّ الَّذِى يَشِى يُحَرِّشُ زَوْجَتِى كَمَشٍ إِلَى أَسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا(٤)
٥
فإن قال قائل : وكيف يفرِّق الساحرُ بين المرء وزوجه ؟
قيل قد دللنا فيما مضى على أنّ معنى ((السحر)): تخييل الشىء إلى المرء
بخلاف ما هو به فى عينه وحقيقته ، بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه . (٥) فإذ كان
(١) فى المطبوعة: ((ولا يجمع ثلاثيه)) خطأ محض.
(٢) انظر ما سلف ١: ٥١٤، ففيه زيادة عما هنا.
(٣) هو الفرزدق .
(٤) ديوانه: ٦٠٥، والأغانى ٩: ٣٢٦، و١٩: ٨ (سامى)، فى قصته مع النوار ،
ويقول هذا الشعر لبنى أم النسير ( طبقات فحول الشعراء : ٢٨١، والأغانى)، وكانت خرجت مع
رجل يقال له زهير بن ثعلبة ومع بنى أم الخير ، فقال هذا الشعر ، وبعد البيت :
وَمِنْ دُونِ أَبْوالِ الأُسُودِ بَالٌ وَصَوْلَةُ أَيْدٍ منعُ الضَّمَ لُوَهَاً
ورواية الديوان وغيره :
• وَإِنَّ امْرَءَا يَسْعَى يُخَتَّبُ زَوْجَتِى.
وقوله: ((يخبب))، أى يفسدها على. ويحرش: يحرض ويغرى بينى وبينها. و((يستبليها)): أى
يطلب أن تبول فی يده .
(٥) انظر ما سلف : ٤٣٥ وما بعدها.

٤٤٧
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
ذلك صحيحاً بالذى استشهدنا عليه ، (١) فتفريقه بين المرء وزوجه : تخيله بسحره
إلی کلّ واحد منهما شخص الآخر على خلاف ما هو به فی حقيقته، من حسن
وجمال ، حتى يقبّحه عنده ، فينصرف بوجهه ويعرض عنه ، حتى يُحدِث الزوجُ ٣٦٩/١
لامرأته فراقاً . فيكون الساحر مفرِّقاً بينهما بإحداثه السبب الذى كان منه ◌ُفُرْقَة
ما بينهما . وقد دكلنا ، فى غير موضع من كتابنا هذا ، على أنّ العرب تضيفُ
الشىء إلى مُسبِّبه من أجل تسببه، وإن لم يكن باشَر ما حدّث عن السَّبب ــ بما
أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٢) فكذلك تفريق الساحر بسحره بين المرء وزوجه.
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قاله عدد من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك:
١٧٠٣ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة: ((فيتعَلَّمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزَوْجه))، وتفريقُهما:
أن يُؤَخِّذْ كلّ واحد منهما عن صاحبه، (٣) ويُبغِّض كلَّ واحد منها إلى صاحبه.
٥٥
وأما الذين أبوًا أن يكونَ الملكان يعلِّمان الناسَ التفريق بين المرء وزوجه،
فإنهم وجّهوا تأويل قوله: ((.فيتعلَّمون منهما)) إلى: فيتعلمون مكانَ ما عَلَّماهم
مَا يُفرّقون به بين المرء وزوجه، كقول القائل: ((ليت لنا كذا من كذا))، أى
مكان كذا، كما قال الشاعر :
◌َّتْ مِنَ الخَيْرَاتِ وَطْبَا وَعُلْبَةً وَصَرَّا لِأَخْلاَفِ المرَنَّةِ البُزْلِ (٤)
(١) فى المطبوعة: ((فإن كان ذلك صحيحاً))، والأجود ما أثبت.
(٢) انظر ما سلف ١ : ١٩٦.
(٣) أخذه تأخيذاً. والتأخيذ: حبس السواحر أزواج النساء عن غيرهن من النساء، ويقال لهذه
الحيلة : الأخذة ( بضم فسكون) .
(٤) لم أعرف قائلهما، ولم أجدهما إلا فى أمالى الشريف المرتضى ١: ٤٢١، وكأنه نقلهما
عن الطبرى، لأنهما جاء فى تفسير هذه الآية، على هذا المعنى. والوطب : سقاء اللبن خاصة. والعلبة:
جادة تؤخذ من جنب البعير، فتسوى مستديرة ، ثم تملأ رملا سهلا، ثم تضم أطرافها بخلال حتى تجف
وتيبس ، ثم يقطع رأسها وقد قامت قائمة الجفافها تشبه قصعة مدورة ، فكأنها نحتت نحتاً ، ويعلقها

٤٤٨
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
وَمِنْ كُلِّ أَخْلاَقِ الْكِرَامِ نَمِيَةً، وَسَعْياً عَلَى الْجَارِ الْمُجَاوِرِ بِالنَّجْلِ (١)
يريد بقوله: (("جمعت من الخيرات))، مكانَ "خيراتِ الدنيا هذه الأخلاق"
الرديئة والأفعالَ الدنيئة ، ومنه قول الآخر :
صَلَّتْ صَفَاتُكَ أنْ تَلِينَ حُيُودُهَا وَوَرِثْتَ مِنْ سَلَفِ الكِرَامِ عُقُوقًا(٢)
يعنى : ورثت مكان سلف الكرام، عُقوقاً من والديك.
الراعى ويشرب بها، وله فيها رفق وخفة لأنها لا تنكسر إذا حركها البعير أو طاحت إلى الأرض .
والصر : شد ضرع النوق الحلويات إذا أرسلوها المرعى سارحة ، ويسمون ذلك الرباط : صراراً .
والأخلاف جمع خلف ( بكسر فسكون) ، وهو ضرع الناقة . والبزل جمع بازل ، يقال بعير بازل وناقة
بازل: وهى الثقة أو البعير إذا استكمل الثامنة وطعن فى التاسعة ، وبزل فابه ، أى انشق عن اللحم .
وهو أقصى سنه وتمام قرته. وفى المطبوعة هنا ((المذممة))، وفى أمالى الشريف: ((المزمعة))، وفى نسخة
أخرى منها ((المزهمة))، وقد علق أحد أصحاب الحواشى على الأمالى فقال: ((المزيمة: التى علق عليها
الزمام)). واخترت أن تكون ((المزمة))، فهى أشبه بهذا الشعر. يقال فاقة مزمة: وهى التى عليها سمة
التزم ، وهو أن يقطع طرف أذنه ويترك له زيمة مشرفة . وإنما يفعل ذلك بالكرام من الإبل .
وهذا هجاء يقول له : إنما أنت راع خسيس، ترعى على السادة الكرام كرام إبلهم ، ولا تجمع من
خيرات ما يتمتع به سادتك ، إلا وطباً وعلبة وعلاجاً لإبلهم التى ترعاها عليهم .
(١) الجار: الذى قرب منزله من منزلك، ووصفه بقوله: ((المجاور)) الدلالة على شدة قربه،
وهو الجار الجنب، فهو أشد حرمة لنزوله فى جواره ومنعته، وركونه إلى أمان عهده. والنجل : تمزيق
عرضه بالغيبة والمعابة والسب بظهر الغيب. وفى الحديث: (( من نجل الناس نجلوه)) أى سبهم وقطع أعراضهم
بالشتم كما يقطع بالمنجل ، جازوه بمثل فعله .
(٢) لم أعرف قائله. صلدت: صلبت وقست. والصفاة: الحجر الصلد الأملس الضخم الذى
لا ينبت شيئاً. والحيود جمع حيد: وهو النتوء فى الجبل أو القرن أو غيرهما . وهذا مثل: يقول له أنت
غليظ جاف لا يصلحك شىء، ولا خير فيك، كالصفاة الملساء ذات النتوء، لا يصلحها شىء ولا تأتى
بخير. والسلف: سلف الإنسان: من تقدمه من آبائه وذوى قرابته ممن هم فوقه فى السن والفضل. يقول:
ورثت من والديك مكان مآ ثر الأسلاف الكرام ، عقرقاً، فأنت تعقهم ، كما عقوا هم آباءهم . فأنتم
خلف يلعن سلفاً لديها عاقاً، يلعن أسلافه. فأنتم معرقون فى العقوق، وهوشر أخلاق الناس .

٤٤٩
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿وَمَاهُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ
إلاَّ إِذْنِ اللهِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وما ◌ُهُمْ بضَارِّين به من أحدٍ إلا
بإذن اللّه))، وما المتعلّمون من الملكين هاروت وماروت مَا يُفرَّقُون به بين المرء
وزوجه ، بضارين - بالذى تعلموه منهما ، من المعنى الذى يفرّقون به بين المرء
وزوجه - منْ أحد من الناس إلاّ من قد قضى الله عليه أنّ ذلك يضرّه. فأما
من دفع اللّه عنه ضرّه، وَحفظه من مكرُوه السحر والنفث والرُّقى، فإنّ ذلك
غيرُ ضارِّه، ولا نائلِهِ أُذَاه .
٠٠
ولِ ((الإذن)) فى كلام العرب أوجه. منها: الأمر على غير وَجه الإلزام . وغيرُ
جائز أن يكون منه قوله: ((وما ◌ُهُمْ بضَارَين به من" أحد إلا بإذن الله))، لأن الله
جل ثناؤه قد حرَّم التفريق بين المرء وحليلته بغير سحر - فكيف به على وجه السحر؟ -
على لسان الأمة . (١)
ومنها : التخليةُ بين المأذون له، والمخلَّى بينه وبينه .
ومنها العلم بالشىء، يقال منه: ((قد أذِنْت بهذا الأمر)) إذا علمت به مآذن به
إذْناً)» ، ومنه قول الحطيئة :
أَلاَّ بَا هِنْدُ، إنْ جَدَّدْتٍ وَضْلاً، وَإلَّا فَأْذَنِى بِأَنْصِرَامٍ(٣)
يعنى: فأعلمينى. ومنه قوله جل ثناؤه: ﴿فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنِ اللهِ﴾ [سورة
البقرة : ٢٧٩] ، وهذا هو معنى الآية ، كأنه قال جل ثناؤه: وما ◌ُهُمْ بضارین،
(١) كأنه يريد: حرم التفريق على لسان الأمة : أن تنطق به وتأمر بفعله.
(٢) لم أجد البيت فى ديوان الخطيئة المطبوع. وقوله ((فأذنينى))، يدل على أن الفعل متعد:
((أذنه بالشىء يأذنه إذناً)) أعلمه به، مثل ((آذنه به)). ولم يرد ذلك فى شىء من كتب اللغة، والبيت
شاهد عليه ، وشرح الطبرى بعد دال أيضاً على مراده.
ج، ( ٢٩)

٤٥٠
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
بالذى تعلموا من الملكين ، من أحد إلا بعلم الله . يعنى : بالذى سبقَ له فى علم
الله أنه يضره ، كما : -
١٧٠٤ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا ◌ُسويد بن نصر قال ، أخبرنا
ابن المبارك، عن سفيان فى قوله: ((وما هم بضارِّين به من أحد إلا بإذن الله))،
قال : بقضاء الله .
القول فى تأويل قوله ﴿وَيَتَعَلَُّونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَتْقَهُمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: (١) و((يتعلَّمون))، الناس الذين يتعلمون
من الملكين ما أنزل عليهما من المعنى الذى يفرقون به بين المرء وزوجه ، يتعلمون
٣٧٠/١ مهما السحرّ الذى يضرهم فى دينهم، ولا ينفعهم فى معادهم. فأما فى العاجل فى
الدنيا ، فإنهم قد كانوا يكسبون به وُيصيبون به معاشاً.
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَالَهُ فِى
الْأَخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وَلَقْد عَلمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهِ مَالهُ فى
الآخرَةِ منْ خلاقٍ ))، الفريقَ الذين لما جاءهم رسولٌ من عند الله مصدق" لما
معهم ، نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتَّبعوا مَا تَتَلوا
الشياطينُ على ملك سليمان، فقال جل ثناؤه: لقد علم النابذون - من يهود بنى
(١) فى المطبوعة: ((يعنى بذلك جل ثناؤه. ويتعلمون أى الناس الذين يتعلمون ... )) وهو كلام
غير مستقيم ، كأنه تصرف من بعض النساخ .

٤٥١
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
إسرائيل - كتابى وراء ظهورهم تجاهلاً منهم = التاركون العمل بما فيه من اتباعك
یا محمد واتباع ما جئتَ به ، بعدَ إنزالى إليك كتابى مصدقاً لما معهم ، وبعد
إرسالك إليهم بالإقرار بما معهم وما فى أيديهم ، المؤثرون عليه اتّباعَ السحر الذى
تلته الشیاطین علی عهد سلیمان ، والذی أنزل على الملکین ببابل هاروت وماروت =
لَمَنِ اشترى السحرَ بكتابى الذى أنزلته على رسولى فآثرَه عليه، مَالَه فى الآخرة
من خَلاقٍ . كما : -
١٧٠٥ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا
سعيد، عن قتادة: ((وَلَقدْ عَلموا لمن اشتراه ما لَهُ فى الآخرة من خَلاقٍ))،
يقول: قد علم ذلك أهل الكتاب فى عهد الله إليهم: أنّ الساحرَ لا خلاق له
عند اللّه يَوْم القيامة .
١٧٠٦ - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((ولقد علموا لمن اشتراه ماله فى الآخرة من خلاق)»، يعنى اليهود .
يقول : لقد علمت اليهودُ أنّ من تعلمه أو اختاره ، ما له فى الآخرة من خلاق.
١٧٠٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح، عن مجاهد : ( ولقد علموا لمن اشتراه ما له فى الآخرة من خلاق »،
لمن اشترى ما يفرق به بين المرء وزوجه .
١٧٠٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (( ولقد
علموا لمن اشتراه ما له فى الآخرة من خلاق»، قال: قد علمت يهودُ أنّ فى
كتاب الله فى التوراة: أنّ من اشترى السحر وترك دين الله، ما له فى الآخرة من
خلاق . فالنار مثواه ومأواه
قال أبو جعفر: أما قوله: ((من اشتراه))، فإن (( من )» فىموضع رفع ، ولیس

٤٥٢
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
قوله: ((ولقد علموا)) بعامل فيها. لأن قوله: ((ولقد علموا ))،(١) بمعنى اليمين ،
فلذلك كانت فى موضع رفع. لأن الكلام بمعنى : واللّه لمن اشترى السحر ماله
فى الآخرة من خلاق. وليكون قوله: ((قد علموا)) بمعنى اليمين، حُقِّقت بـ((لام
اليمين))، فقيل: ((لَمَن اشتراه))، كما يُقال: ((أقسم لَمَنْ" قام خير ممن قعد)). وكما
يقال: ((َقَدْ علمت، لعمرو خيرٌ من أبيك)).
...
وأمّا ((مَنْ)) فهو حرف "جَزَاء. وإنما قيل: ((اشتراه)) ولم يُقل: ((يشتروه))،
لدخول ((لام القسم)) على ((مَنْ)). ومن شأن العرب - إذا أحدثت على حَرْف
الجزاء لام القسم - أن لا ينطقوا فى الفعل معه إلاّبـ((فَعَل)) دون ي ((فعل))، إلا
قليلاً ، كراهيةَ أن يُحدثوا على الجزاء حادثاً وهو مجزوم، كما قال الله جل ثناؤه :
﴿لَيْنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [سورة الحشر: ١٢]، وقد يجوز إظهار فعله
بعده على ((يفعل)) مجزوماً، (٢) كما قال الشاعر :
لَيْنْ نَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْكُمْ بُيُوتُكُمْ لَيَغْلَمُ رَبِى أَنَّ بِيِتِيَّ وَاسِمُ (٣)
واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((ما له فى الآخرة من خلاقٍ)).
فقال بعضهم: ((الخلاق)) فى هذا الموضع: النصيبُ ، ذكر من قال ذلك :
١٧٠٩ - حدثنى المثنى بن إبراهيم قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا
شبل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ماله فى الآخرة من خلاق ))، يقول:
من نصيب .
(١) فى المطبوعة: ((لأن قوله: علموا، بمعنى اليمين))، وآثرت إثبات ((ولقد))، لأن الجملة
كلها بمعنى اليمين.
(٢) هذا كله فى معانى الفراء ١ : ٦٥ - ٦٩، مع تصرف فى اللفظ.
(٣) رواه الفراء فى معانى الفراء ١: ٦٦ غير منسوب، ولكن صاحب الخزانة ٤: ٢٢٠ نسبه
لكميت بن معروف، ولكنى لم أجده منسوباً إليه فى كتاب آخر، وأخشى أن يكون صاحب الخزانة
قد وهم. هذا، والبيت وما قبله جميعاً فى معانى الفراء ١: ٦٥ - ٦٦ .

٤٥٣
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
١٧١٠ - حدثنى موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، ٣٧١/١
عن السدى: ((ما لهُ فى الآخرة من خلاق))، من نصيب .
١٧١١ - حدثنى المثنى قال، حدثنى إسحق قال، حدثنا وكيع، قال سفيان:
سمعنا فى: ((وَمَآله فى الآخرة من خلاق))، أنه ما له فى الآخرة من نصيب .
وقال بعضهم: ((الخلاق)) ههنا الحُجَّة ، ذكر من قال ذلك :
١٧١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر، عن قتادة: ((وما له فى الآخرة من خَلاق )) ، قال: ليس له فى الآخرة
حُجَّة .
وقال آخرون: ((الخلاق)): الدِّين . ذكر من قال ذلك:
١٧١٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
معمر قال، قال الحسن: ((ما له فى الآخرة من "خلاق))، قال : ليس له دين .
٠ ٠
وقال آخرون: ((الخلاق)) ههنا القوام . ذكر من قال ذلك:
١٧١٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج قال ،
قال ابن جريج، قال ابن عباس: ((ما له فى الآخرة من خلاق))، قال
قوام.
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قولُ من قال :: معنى ((الخلاق))
فى هذا الموضع : النصيب. وذلك أنّ ذلك معناه فى كلام العرب .
ومنه قول النبى صلى الله عليه وسلم:

٤٥٤
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
١٧١٥ - ( ليؤيِّدَنَّ اللّهُ هذا الدِّين بأقوام لا خلاق له)).(١)
يعنى لا نصيبَ لهم ولا حظ فى الإسلام والدين . ومنه قول أمية
ابن أبي الصلت :
يَدْعُونَ بِالوَّيْلٍ فِيهاَ لاَخَلَاقَ لهِمْ إِلَّ مَرَابِيلُ مِنْ قِطْرٍ وَأَغْلَاَلُ(٢)
يعنى بذلك: لا نصيب لهم ولا حظ ، إلا السرابيلُ والأغلال.
٠ ٠
فكذلك قوله: ((ما له فى الآخرة من خلاق)»: ماله فى الدار الآخرة حظٍّ من الجنة،
من أجلأنه لم یکن له إيمان ولا دین ولاعمل صالح يجازى به فى الجنة ویئاب عليه،
فيكون له حظّ ونصيب من الجنة. وإنما قال جل ثناؤه: ((ما له فى الآخرة من خلاق))،
فوصفه بأنه لا نصيب له فى الآخرة ، وهو يعنى به : لا نصيب له من جزاءٍ
وثواب وجنة دون نصيبه من النار، إذْ كان قد دل ذمُّه جل ثناؤه أفعالهم - التى
نفى من أجلها أن يكون لهم فى الآخرة نصيبً - على مُراده من الخبر، وأنه إنما
يعنى بذلك أنه لا نصيب لهم فيها من الخيرات ، وأما من الشرور فإن لهم فيها
نصيباً .
(١) الحديث: ١٧١٥ - هكذا علق الطبرى هذا الحديث، بدون إسناد. وقد رواه أحمد فى المسند
٥ : ٤٥ (حلى)، من حديث أبى بكرة، بلفظ: ((إن اللّه سيزيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لحم)).
وذكره الهيشى فى مجمع الزوائد ٥: ٣٠٢، ثم قال: ((رواه أحمد والطبرانى، ورجالها ثقات)). وذكره
أيضاً بعده، من حديث أنس، وقال: «رواه البزار والطبرانى فى الأوسط، وأحد أسانيد البزار ثقات
الرجال)). ( كذا بالأصل). وذكره السيوطى فى الجامع الصغير: ١٨٣٨، ونسبه النسائى وابن حبان
من حديث أنس، ولأحمد والطبرانى من حديث أبى بكرة . ونقل شارحه المناوى أن الحافظ العراق قال :
(«إسناده جيد)). وحديث أنس رواه أيضاً أبو نعيم فى الخلية ٦: ٢٦٢. ورواه قبل ذلك ٣: ١٣،
من حديث الحسن مرسلا. ثم أشار إلى حديث أنس.
(٢) ديوانه: ٤٧ بيت مفرد. وقوله («فيها، أظنه يعنى النار. والقطر: النحاس الذائب.

٤٥٥
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَِْسَ مَاشَرَوْا بِهِ - أَنْفُسَهُمْ
لَوْ كَ نُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر: قد دللتا فيما مضى قبل على أن معنى ((شروا)): ((باعوا)).(١)
فمعنى الكلام إذاً: ولبئس ما باع به نفسه مَنْ تعلَّم السحر، لو كان يعلمُسوء
عاقبته ، كما :
١٧١٦ - حدثنى موسى قال، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى:
((ولبئسَ مَا ثَرَوْا به أنفسهم))، يقول: بئس ما باعوا به أنفسهم .
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قال جل ثناؤه (( ولبئس ما شرَوْا
به أنفسهم لو كانوا يعلمون))؟ وقد قال قبل: ((ولقد" علموا لَمَنِ اشتراه ما لَهُ
فى الآخرة من خلاق))، فكيف يكونون عالمين بأن "مَنْ تعلم السحر فلا خلاق
لهم ، وهم يجهلون أنهم بئس ما شروا بالسحر أنفسهم؟
قيل : إن معنى ذلك على غير الوجه الذى توهمته ، من أنهم موصوفون بالجهل
بما هم موصوفون بالعلم به . ولكن ذلك من المؤخر الذى معناه التقديم. وإنما معنى
الكلام : وما هم ضارُّون به من أحد إلا بإذن الله ، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم،
ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ، ولقد علموا لمن اشتراه ماله فى الآخرة
من خلاق. فقوله: ((لبئسَ ما شرَوْا به أنفسهم لو كانوا يعملون))، ذمٌ من الله
تعالى ذكره فعل المتعلّمين من الملكين التفريق بين المرء وزوجه ، وخبرٌ منه جل
ثناؤه عنهم أنهم بئس ما شروا به أنفسهم، برضاهم بالسحر عوضاً عن دينهم الذى
به نجاةُ أنفسهم من الهلكة ، جهلاً منهم بسوء عاقبة فعلهم ، وخسارة صفقة
بیعھم ۔ إذ کان قد یتعلّم ذلك منهما من لا يعرفالله، ولا يعرف حلاله وحرامه ، ٣٧٢/١
(١) انظر ما سلف فى هذا الجزء ٢ : ٣٤٠ - ٣٤٢

٤٥٦
تفسير سورة البقرة : ١٠٢
وأمره ونهيه . ثم عاد إلى الفريق - الذين أخبر الله عنهم أنهم تبذوا كتابه وراء
ظهورهم كأنهم لا يعلمون، واتَّبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على
الملكين - فأخبر عنهم أنهم قد علموا أنّ من اشترى السحر، ما له فى الآخرة من
خلاق ، ووصفهم بأنهم يركبون معاصىَ اللّه على علم منهم بها ، ويكفرون بالله
ورسله ، ويؤثرون اتباعَ الشياطين والعملَ بما أحدثته من السحر ، على العمل بكتابه
وَوَحْيْه وتنزيله ، عناداً منهم، وبغياً على رسله ، وتعدّياً منهم لحدوده ، على معرفة
منهم بما لِمَنْ فعل ذلك عند الله من العقاب والعذاب . فذلك تأويل قوله .
٠٠٠
وقد زعم بعض الزاعمين أن قوله: ((ولقد علموا لمن اشتراه مَا لَه فى الآخرة
من خلاق))، يعنى به الشياطين، وأن قوله: ((لو كانوا يعلمون))، يعنى به الناس.
وذلك قول لجميع أهل التأويل مخالف . وذلك أنهم مجمعون على أن قوله :
(((ولقد عليموا لمن اشتراه))، معنىٌّ به اليهود دون الشياطين: ثم هو - مع ذلك -
خلافُ ما دَلَّ عليه التنزيل. لأن الآيات قبل قوله: ((ولقد علموا لمنَ اشتراه)) وبعد
قوله: ((لو كانوا يعلمون))، جاءت من اللّه بذمّ اليهود وتوبيخهم على ضلالهم، وذمًّا
لهم على نبذهم وَحْىَ اللّه وآيات كتابه وراء ظهورهم، مع علمهم بخطأ فعلهم.
فقوله: ((ولقد عليموا لمن اشتراه ما له فى الآخرة من خلاق))، أحد تلك الأخبار عنهم.
٠
٠
وقال بعضهم: إن الذين وصف الله جل ثناؤه بقوله: ((ولبئس ما شروًا به أنفسهم
لو كانوا يعلمون))، فنفى عنهم العلم، هم الذين وصفهم الله بقوله: ((ولقد علموا
لمن اشتراه ما له فى الآخرة من خلاق ». وإنما نَفى عنهم جل ثناؤه العلم بقوله:
« لو کانوا یعلمون )- بعد وصفه إياهم بأنهم قد علموا بقوله: (( ولقد علموا )) - من
أجل أنهم لم يعملوا بما علموا. وإنما العالم العاميل بعلمه، وأما إذا خالف عملُهُ علمَهُ،
فهو فى معانى الجهال . قال: وقد يقال الفاعل الفعل بخلاف ما ينبغى أن يفعل، وإن
کان بفعله عاماً: (( لو علمت لأُقصرْت))، كما قال کعب بن زهير المزنى ، وهو

٤٥٧
تفسير سورة البقرة : ١٠٢ ، ١٠٣
يصف ذئباً وغراباً تبعاه لينالا من طعامه وزاده :
إِذَ حَضَرَانِ قُلْت: لَوْ تَعْلَمَاَ به! أَلَمْ تَعْلَمَا أَنِّ مِنَ الزَّادِ مُرْمِلُ؟(١)
فأخبر أنه قال لهما: (لو تعلمانه))، فنفى عنهما العلم، ثم استخبرهما فقال:
(((ألم تعلما؟)). قالوا: فكذلك قوله: ((ولقد علموا لمن اشتراه)) و ((لو كانوا يعلمون))
وهذا تأويل وإن كان له مخرجٌ وَوَجْهٌ ، فإنه خلافُ الظاهر المفهوم بنفس
الخطاب، أعنى بقوله: ((ولقد علموا)) وقوله: ((لو كانوا يعلمون))، وإنما هو
استخراج . وتأويل القرآن على المفهوم الظاهر من الخطاب = دون الخفى الباطن منه،
حتى تأتى دلالةٌ - من الوجه الذى يجب التسليم له - بمعنىّ خلافَ دليله الظاهر
المتعارف فى أهل اللسان الذين بلسانهم نزل القرآن = أوْلى. (٢)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ،امَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ
مِّنْ عِندِ اللّه خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (١)
قال أبو جعفر: يعنى جل ثناؤه بقوله: ((ولو أنهم آمنوا واتقوا))، لو أن
الذين يتعلّمون من الملكين ما يفرِّقون به بين المرء وزوجه، ((آمنوا)) فصدّقوا الله ورسوله
وما جاءهم به من عند ربهم، ((واتقوا)) ربّهم فخافوه فخافوا عقابه فأطاعوه بأداء فرائضه
وتجنَّبوا معاصيه - لكان جزاءُ اللّه إياهم، وثوابُه لهم على إيمانهم به وتقواهم إياه،
خيراً لهم من السحروما اكتسبوا به، ((لو كانوا يعلمون)) أن ثواب الله إياهم على ذلك
(١) ديوانه: ٥١، وأمالى الشريف المرتضى ١: ٤٢٤، وكأنه كان ينقل كلام الطبرى فى
تفسير هذه الآية، مع التصرف. والمرمل: الذى نفد زاده . أرمل الرجل فهو مرمل، كأنه لصق
بالرمل لما أنفض .
(٢) يقول: ((وتأويل القرآن على المفهوم الظاهر من الخطاب ... أولى)) وفصل. فأطال.

٤٥٨
تفسير سورة البقرة : ١٠٣
خيرٌ لهم من السحر ومما اكتسبوا به. وإنما نفى بقوله: ((لو كونوا يعلمون)) العلمَ
عنهم: أن يكونوا عالمين بمبلغ ثواب الله ، وقدر جزائه على طاعته .
٣٧٣/١
٠٠٠
و((المثوبة)) فى كلام العرب، مصدر من قول القائل: ((أَتَبْتُك إثابة وَتَوَاباً
وَمَثُوبة)). فأصل ذلك من: ((ثاب إليك الشىء)) بمعنى: رجع. ثم يقال: ((أثبته
إليك)): أى، رجعته إليك ورددته. فكان معنى: ((إثابة الرجل الرجلَ على الهدية
وغيرها)): إرجا عه إليه منها بدلاً، (١) وردّه عليه منها عوضاً. ثم جعل كل معوِّض
غيره من عمله أو هديته أو يدٍ له سلفت منه إليه: مُثيباً له. ومنه ((ثواب)) اللّه
عز وجل عبادَه على أعمالهم ، بمعنى: إعطائه إياهم العيوّض والجزاءَ عليه، حتى
يرجع إليهم بدلٌ من عملهم الذى عملوا له
وقد زعم بعض نحونى البصرة أن قوله: (( ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند
الله خيرٌ))، مما اكتُفى - بدلالة الكلام على معناه - عن ذكر جوابه . وأن معناه: ولو
أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا، ولكنه استغنى - بدلالة الخبر عن المثوبة - عن قوله: الأثيبوا.
وكان بعض نحوبى أهل البصرة ينكر ذلك، ويرى أنّ جواب قوله: (( ولو
أنهم آمنوا واتقوا))، ((لمثوبة))، وأن (لو)) إنما أجيبت ((بالمثوبة))، وإن كانت أخبر
عنها بالماضى من الفعل، لتقارُب معناها من معنى ((لئن)) فى أنهما جزا آن، فإنهما
جوابان للإيمان . فأدخل جواب كل واحدة منهما على صاحبتها - فأجيبت
((لو)) بجواب ((لئن))، و((لئن)) بجواب ((لو))، لذلك، وإن اختلفت أجوبتهما،
فكانت ((لو)) من حكمها وحظها أن تجاب بالماضى من الفعل، وكانت (( لئن))
من حكمها وحظها أن تجاب بالمستقبل من الفعل - لما وصفنا من تقاربهما . فكان
يتأول معنى قوله: ((ولو أنهم آمنوا واتقوا)): ولئن آمنوا واتقوا لمثوبة من عند
الله خير .
(١) فى المطبوعة: ((إرجاعه إليها)) سهو من ناسخ.

٤٥٩
تفسير سورة البقرة : ١٠٤٤١٠٣
...
وبما قلنا فى تأويل ((المثوبة)) قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
١٧١٧ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((لمثوبة من عند الله))، يقول: ثوابٌ من عند الله .
١٧١٨ - حدثنى يونس قال ، حدثنا عمرو قال ، حدثنا أسباط ، عن
السدى: ((ولو أنّهم آمنوا واتقوا لمثُوبة من عند الله))، أما ((المثوبة))، فهو الثواب.
١٧١٩ -حدثی المفی قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
أبيه، عن الربيع: ((ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير))، يقول:
لثوابٌ من عند الله .
القول فى تأويل قوله تعالى (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ، امَنُوا لاَ تَقُولُوا رَّعِنَا﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((لا تقولوا راعنا)).
فقال بعضهم : تأويله : لا تقولوا خيلافاً ، ذكر من قال ذلك :
١٧٢٠ - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا مؤمل قال ، حدثنا سفيان ، عن
ابن جريج، عن عطاء فى قوله: ((لا تقولوا راعنا))، قال: لا تقولوا خلافاً .
١٧٢١ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى،
عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: ((لا تقولوا راعنا))، لا تقولوا خلافاً .
١٧٢٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبی نجیح ، عن مجاهد مثله .
١٧٢٣ - حدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى قال ،
حدثنا سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد مثله .
١٧٢٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن
مجاهد مثله .

٤٦٠
تفسير سورة البقرة : ١٠٤
٠ ٠ ٠
وقال آخرون: تأويله: أرْعِنا سمعك. أى: اسمع منا ونسمع منك . ذكر
من قال ذلك :
١٧٢٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق ، عن
محمد بن أبى محمد ، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قوله :
((رَاعنا))، أى: أرْعنا سمعك.
١٧٢٦ -حدثنى محمد بن عمر وقال ، حدثنا أبو عاصم قال ،حدثنا عيسى ،
عن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله جل وعز: (( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا»،
لا تقولوا: اسمعْ منا ونسمع منك.
١٧٢٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، أخبرنا
٣٧٤/١ عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((راعنا))، قال: كان الرجل
من المشركين يقول : أرْعِى سمعك .
ثم اختلف أهل التأويل فى السبب الذى من أجله نهى اللّه المؤمنين أن يقولوا:
((راعنا)). فقال بعضهم: هى كلمة كانت اليهود تقولها على وجه الاستهزاء والمسبَّة،
فنهى الله تعالى ذكرُه المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم . ذكر من
قال ذلك :
١٧٢٨ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن
قتادة: ((يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا رَاعنا))، قول كانت تقوله اليهود استهزاء ،
فزجر اللّه المؤمنين أن يقولوا كقولهم .
١٧٢٩ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيرى ، عن فضيل
ابن مرزوق، عن عطية: (( لا تقولوا راعنا))، قال: كان أناس من اليهود يقولون :
أرعنا سمعك ! حتى قالها أناس من المسلمين : فكره اللّه لهم ما قالت اليهود فقال :
(( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا رَاعنا»، كما قالت اليهود والنصارى .