Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١
تفسير سورة البقرة : ٨٤
١٤٦٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع عن أبى العالية فى قوله: ((وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماء كم ))، يقول :
لا يقتل بعضكم بعضاً، ((ولا تخرجون أنفسكم من دياركم))، يقول: لا يخرج
بعضكم بعضاً من الدّيار.
١٤٦٦ - حدثنى المتى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر، عن ٣١٣/١
قتادة فى قوله: (( لاتسفكون دماء كم ))، يقول : لا يقتل بعضكم بعضاً بغير حق ،
((ولا تخرجون أنفسكم من دياركم))، فتسفك يا ابن آدم دماء أهل ملَّتك وَدعوتك .
٥٠٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((ثم أقرَرَتم))، ثم أقررتم بالميثاق الذى أخذنا
علیکم : لا تسفکون دماء کم ولا ◌ُخرجون أنفسکم من دیار کم ، کما : -
١٤٦٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع ، عن أبى العالية: ((ثم أقررتم ))، يقول : أقررتم بهذا الميثاق .
١٤٦٨ - وحدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع مثله .
القول فى تأويل قوله تعالى (وَأُنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ (٨)
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن خُوطب بقوله: ((وأنَّم تَشهدُون)).
فقال بعضهم : ذلك خطابٌ من الله تعالى ذكره لليهود الذين كانوا بين ظهرانی
مُهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام هجرته إليه، مؤنّباً لهم على تضييع أحكام
ما فى أيديهم من التوراة التى كانوا يقرّون بحكمها، فقال الله تعالى لهم: ((ثم أقرَرَتم))،
٣٠٢
تفسير سورة البقرة : ٨٤
يعنى بذلك، إقرارَ أوائلكم وَسلفكم، ((وأنتم تشهدُون)) على إقرارهم بأخذ الميثاق
عليهم ، بأن لا يسفكوا دماء هم ، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم ، وتصدُّقُون بأن
ذلك حق من ميثاقى عليهم . ومن حكى معنى هذا القول عنه ، ابنُ عباس.
١٤٦٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى ابن إسحق قال ،
حدثی محمد بن أبى محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن عباس
قال: ((وإذ أخذْنا ميثاقكم لا تسفكون دماء كم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم
ثم أقرَرْتم وأنتم تشهدون)) أن هذا حق من ميثاقى عليكم .
وقال آخرون: بل ذلك خبرٌ من الله جل ثناؤه عن أوائلهم، ولكنه تعالى
ذكره أخرج الخبرَ بذلك عنهم ◌ُخرج المخاطبة ، على النحو الذى وصفنا فى سائر
الآيات التى هى نظائرها ، التى قد بينا تأويلها فيما مضى.(١)
٠
٠
وتأوّلوا قوله: ((وأنتم تشهدُون))، على معنى: وأنتم شهوده ذكر من قال ذلك:
١٤٧٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية قوله: ((وأنتم تشهدون))، يقول : وأنتم شهود .
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى تأويل ذلك بالصواب عندى : أنْ يكون
قوله: ((وأنتم تشهدون)) خبراً عن أسلافهم، وداخلاً فيه المخاطبون منهم ، الذين
أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما كان قوله: (( ((وإذ أخذنا ميثاقكم ))
خبراً عن أسلافهم، وإنْ كان خطاباً للذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٢)
لأن الله تعالى أخذَ ميثاق الذين كانوا على عهد رسول اللّه ◌ُمُوسى صلى الله عليه
وسلم من بنى إسرائيل - على سبيل ما قد بيّته لنا فى كتابه - فألزم جميعَ مَنْ
بعدهم من ذريتهم من حكم التوراة ، مثلَ الذى ألزم منه من كان على عهد
موسى منهم ثم أنَّب الذين خاطبهم بهذه الآيات على نقضهم ونقض سلفهم
(١) انظر ما سلف: ٢: ٢٩٨، تعليق: ٢، والمراجع.
(٢) فى المطبوعة: ((بأن كان خطاباً ... »، وهو لا يستقيم.
٣٠٣
تفسير سورة البقرة : ٨٤، ٨٥
ذلك الميثاق، وتكذيبهم ما وَكَّدوا على أنفسهم له بالوَفاء من العهود، (١) بقوله:
((ثم أقررتم وأنتم تشهدون)). فإذا كان خارجاً على وجه الخطاب للذين كانوا على
عهد نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم منهم، (٢) فإنه معنىٌّ به كل من واثق بالميثاق منهم
على عهد موسى ومن بعده، وكُلُّ من شهد منهم بتصديق ما فى التوراة . لأن
الله جل ثناؤه لم يخصص بقوله: ((ثم أقررتم وأنتم تشهدون)) - وما أشبه ذلك من الآي-
بعضَهم دون بعض ، والآية محتملةٌ أن يكون أريد بها جميعهم . فإذا كان ذلك
كذلك ، (٣) فليس لأحد أن يدّعى أنه أريد بها بعضٌ منهم دون بعض . وكذلك
حكم الآية التى بعدها، أعنى قوله: ((ثم أنتم هؤلاء تقتلون" أنفسكم)) الآية. لأنه ٣١٤/١
قد ذكر لنا أن أوائلهم قد كانوا يفعلون من ذلك ما كان يفعله أواخرُهم، الذين
أدركوا عصرَ نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم .
القول فى تأويل قوله تعالى (ثُمَّ أَنْتُمْ هُؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ
وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُم مِّنْ دِيْرِهِمْ تَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِلِمِ
وَأَلْعُدْوَّنِ﴾
قال أبو جعفر: ويتَّجه فى قوله: ((ثم أنّمُ هؤلاء)) وجهان . أحدهما أن يكون
أريد به: ثم أنتم يا هؤلاء، فترك ((يا) استغناءً بدلالة الكلام عليه، كما قال
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [سورة يوسف: ٢٩]، وتأويله: يا يوسف أعرض عن
هذا . فيكونُ معنى الكلام حينئذ : ثم أنتم يا معشر يهود بنى إسرائيل - بعد
إقراركم بالميثاق الذى أخذته عليكم : لا تسفكون دماءكم ، ولا تخرجون أنفسكم
(١) سياق العبارة: ((وتكذيبهم ما وكدوا من العهود على أنفسهم بالوفاء له ... ))، فقدم وأخر.
(٢) فى المطبوعة: ((فإن كان خارجاً ... )) وهو تصحيف لا يستقيم.
(٢) فى المطبوعة: ((فإن كان ذلك كذلك))، وهو تصحيف لا يستقيم أيضاً.
٣٠٤
تفسير سورة البقرة : ٨٥
من دياركم، ثم أفرزتم = بعدَ شهادتكم على أنفسكم = (١) بأن ذلك حقّ لى عليكم، لازم
لكم الوفاءُ لى به - تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ، متعاونين
عليهم ، فى إخراجكم إياهم ، بالإثم والعدوان. (٢)
٠٠ ٠
والتعاون هو ((التظاهر)). وإنما قيل للتعاون ((التظاهر))، (٣) لتقوية بعضهم
ظهرَ بعض. فهو ((تفاعل)) من ((الظهر))، وهو مساندة بعضهم ظهره إلى ظهر بعض.
...
والوجه الآخر: أنْ يكون معناه: ثم أنتم قومٌ تقتلون أنفسكم. فيرجعُ إلى
الخبر عن ((أنتم)). وقد اعتُرٍض بينهم وبين الخبرِ عنهم ((بهؤلاء))، كما تقول العرب:
(أنّا ذا أقُوم، وأنَا هذا أجلس)). وإذا قيل: ((أنا هذا أجلس))، (٤) كان صحيحاً
جائزاً كذلك: ((أنت "ذاك تقوم)).
. ..
وقد زعم بعض البصريين أن قوله: ((هؤلاء)) فى قوله: ((ثم أنتم هؤلاء))، تنبيه
وتوكيد ! ((أنتم)). وزعم أن ((أنتم)) وإن كانت كناية أسماء جماع المخاطبين ، فإنما
جاز أن يؤكّدوابـ ((هؤلاء)) و((أولاء))، (٥) لأنها كناية عن المخاطبين، كما قال
◌ُخفاف بن ندبة:
أَقُولُ لَهُ، والرمحُ يَأْطِرُ مَثْنَه: تَبَّيَّنْ خُفَفًا، أَنْفِى أَنَا ذُلِكَاَ(٩)
يريد: أنا هذا، وكما قال جل ثناؤه: ﴿حَتَّى إذَا كُنْتُمْ فِ الفُلْكِ وَجَرَيْنَ
(١) فى المطبوعة: ((ثم أقررتم وبعد شهادتكم ... )) والواو لا مكان لها هنا.
(٢) فى المطبوعة ((متعاونين عليه فى إخراجكم ... »، وهذا سهو.
(٣) فى المطبوعة: ((وإنما قيل التعاون التظاهر ... » وهذا لا شىء.
(٤) فى المطبوعة: ((((ولو قيل. أنا هذا أجلس)). والصواب ما أثبت.
(٥) فى المطبوعة: ((وأولى))، وهو خطأ. ويعنى قوله تعالى فى سورة آل عمران: ١١٩:
((هَا أَثُمْ أُوْلاَءِ تُحِبُّونَهِم وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ))، وقوله تعالى فى سورة له: ٨٤: ((قالَ هُمْ أَولاء
عَلَى أثَرِى »
(٦) مضى تخريجه فيما سلف ١ : ٢٢٧.
٣٠٥
تفسير سورة البقرة : ٨٥
[سورة يونس: ٢٢ ]
٠ ٠ ٥
ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، نحو اختلافهم فيمن عنى
بقوله: ((وأنتم تشهدون)). ذكر اختلاف المختلفين فى ذلك :
١٤٧١ - حدثنا محمد بن حميد قال ، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن
إسحق قال، حدثنى محمد بن أبى محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير ، عن
ابن عباس، قال: ((ُثم أنتمْ هؤلاء تقتلون أنفسكمُ وتُخرجون فريقاً منكم من
ديارهمْ تَظاهرون عليهم بالإثم والعدوان)) إلى أهل الشرك، (١) حتى تسفكوا
دماء هم معهم، وتخرجوهم من ديارهم معهم. (٢) قال: أنَّبهم اللّه [ على ذلك ] من
فعلهم ، (٣) وقد حرّم عليهم فى التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فِدَاء
أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم من بنى قَيْنُفَاعُحلفاء الخزرج، والنَّضيرُ
وقُريظة حلفاء الأوس . فكانوا إذا كانت بين الأوس والخزرج حربٌ خرجتُ
بنو قينُقاع مع الخزرج، وخرجت النَّضير وقُرَيظة مع الأوس ، يُظاهر كل من
الفريقين حلفاءه على إخوانه ، حتى يتسافكوا دماء هم بينهم ، وبأيديهم التوراةُ
يعرفون منها ما عليهم وما لهم . والأوس والخزرجُ أهل شرك يعبدون الأوثان، (٤)
لا يعرفون جنة ولا ناراً ، ولا بعثاً ولا قيامة، ولا كتاباً، ولا حراماً ولا حلالاً ،
فإذا وضعت الحرب أوزارها ، افتّدوا أسْراهم ، تصديقاً لما فى التوراة ، وأخذاً به ،
بعضُهم من بعض . يفتدى بنو قينقاع ما كان من أسْراهم فى أيدى الأوس،
(١) فى تفسير ابن كثير ١: ٢٢٣، والدر المنثور ١: ٨٦: ((أى أهل الشرك))، والصواب
ما فى الطبرى، وقوله: ((إلى أهل الشرك)»، أى تخرجون فريقاً منكم - إلى أهل الشرك.
(٢) فى المطبوعة: ((فقال أنبهم))، والأجود حذفها.
(٣) ما بين القوسين زيادة لابد منها. وأما ابن كثير فى تفسيره ١: ٢٢٣ فكتب: ((أنبأهم
اللّه بذلك من فعلهم)» ، وهو تحريف .
(٤) فى المطبوعة: ((أهل الشرك))، والصواب فى سيرة ابن هشام ٢: ١٨٨، وابن كثير
١ : ٢٢٤ ٠
ج ٢ (٢٠)
٣٠٦
تفسير سورة البقرة : ٨٥
وتفتدى النضير وقريظة ما كان فى أيدى الخزرج منهم ، ويُطِلّون ما أصابوا من
الدماء ، (١) وقتلى من قُتلوا منهم فيما بينهم، (٢) مظاهرة" لأهل الشرك عليهم . يقول
٣١٥/١ الله تعالى ذكره، حين أنبهم بذلك: (٣) (أفتؤمنون ببعض الكتابو تكفرون ببعض)،
أى: "تُفادونه بحكم التوراة، وتقتلونه - وفى حكم التوراة أن لا يُقتل، ولا يخرج
من داره ، (٤) ولا يُظاهَرَ عليه مَنْ يشرك بالله وَيَعْبُد الأوثان من دونه - ابتغاءً"
عَرَض من عَرَض الدنيا .
ففى ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج - فيما بلغنى - نزلت هذه القصة. (٥)
١٤٧٢ - وحدثیموسی بن هرون قال، حدثی عمرو بن حماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى: ((وإذْ أخذنا ميثاقكم لا تَسفكون دماء كم ولا تُخرجون
أنفسكم من دیار کم ◌ُثم أقرر تم وأنتم تشهدُون )). قال: إن الله أخذ على بنى إسرائيل
فى التوراة: أنْ لا يقتلَ بعضهم بعضاً، وأيُّما عبد أوأمةٍ وجدتموه من بنى إسرائيل
فاشتروه بما قام ثمنه، فأعتقوه. (٦) فكانت ◌ُقُرَيظة حلفاء الأوس ، والنضير حلفاء
الخزرج، فكانوا يقتتلون فى حرب ◌ُميْر. (٧) فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها،
النضيرَ وحلفاء ها . وكانت النضيرُ تقاتل قريظةَ وحلفاءها، فيغلبونهم ، فيُخربون
بيوتهم ، ويخرجونهم منها . فإذا أسر الرجل من الفريقين كليهما ، جمعوا له حتى
(١) طل دمه وأطله : أهدره وأبطله .
(٢) فى المطبوعة: ((وقتلوا من قتلوا ... ))، والصواب من ابن هشام ٢: ١٨٩.
(٣) فى المطبوعة: ((أنبأهم بذلك))، والصواب ما أثبت من سيرة ابن هشام ٢: ١٨٩،
وسترى ذلك فى تفسير الآية نفسها بعد .
(٤) فى المطبوعة: ((من ذلك))، وهو محض خطأ.
(٥) هذه الجملة الأخيرة من كلام ابن إسحاق ، لا من كلام ابن عباس .
(٦) فى المطبوعة: ((بما قدم يمينه فأعتقوه)). وهو كلام من السقم بمكان. يقال: قامت
. الأمة مئة دينار، أى بلغت قيمتها مئة دينار. ويقال : كم قامت أمتك ؟ أى كم بلغت ؟ ووجدتها فى
تفسير البغوى على الصواب: (( بما قام من ثمنه)) ١: ٢٢٤ (بهامش تفسير ابن كثير).
(٧) حرب سمير، كانت فى الجاهلية بين الأوس والخزرج . وسمير رجل من بنى عمرو بن عوف.
وانظر خبر هذه الحرب فى الأغانى ٣ : ١٨ : ٢٦.
٣٠٧
تفسير سورة البقرة : ٨٥
يقدوه . فتعيِّرهم العربُ بذلك، ويقولون : كيف تقاتلونهم وتفدونهم ؟ قالوا : إنا
أميرنا أن نفديهم، وُحرّم علينا قتالهم . قالوا: فلم تقاتلونهم ؟ قالوا : إنا نستحي
أن تُستذَلَّ حلفاؤنا. فذلك حين عيّرهم جل وعز فقال: ((ثم أنتم هؤلاء تقتلون
أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان)) .
١٤٧٣ - حدثنی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد : كانت
قريظة والنضيرُ أخوين، وكانوا بهذه المثابة، (١) وكان الكتاب بأيديهم . وكانت
الأوس والخزرج أَخوَيَن فافترقا، وافترقت ◌ُقُرَيظة والنضير. فكانت النَّضير مع
الخزرج ، وكانت فُرَيظة مع الأوس ، فاقتتلوا . وكان بعضهم يقتل بعضاً ،
فقال الله جل ثناؤه: ((ُثم أنّمُ هؤلاء تقتُلُون أنفسكم وتُخرِجُون فريقاً منكم من
ديارهم )) الآية .
وقال آخرون بما : -
١٤٧٤ - حدثنى به المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية قال: كان فى بنى إسرائيل: إذا استضعفوا قوماً أخرجوهم من
ديارهم . وقد أخذ عليهم الميثاق أن لا يسفكوا دماءهم، ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم.
. . .
قال أبو جعفر: وأما ((العدوان)) فهو ((الفُعلان)) من ((التعدِّى)) يقال
منه: ((عداً فلان فى كذا عدْواً وَعُدْواناً، واعتدى يعتدى اعتداء))، وذلك إذا
جاوز حدَّه ◌ُظلماً وَبَغياً.
وقد اختلف القرأة فى قراءة ((تظاهرون)). (٢) فقرأها بعضهم: ((تَظاهَرُون))
على مثال ((تَفاعلون)) فحذف التاء الزائدة، وهى التاء الآخرة . وقرأها آخرون:
(١) المثابة: يعنى المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمثابة المنزل، لأن أهله يتصرفون فى
أمورهم ثم يثوبون إليه، يرجعون إليه. وقال الله تعالى: ((وَ إذْ جَعَلْنَاَ البَيْتَ مَثَابَةً للنَّاسِ وَأَمْنَا)»
(٢) فى المطبوعة: ((وقد اختلف القراء)»، ورددتها إلى منهج الطبرى.
٣٠٨
تفسير سورة البقرة : ٨٥
(("تَظَّاهِرُون)) فشدَّد، بتأويل: تتظاهرن، غير أنهم أدغَموا التاء الثانية فى
الظاء ، لتقارب مخرجيهما ، فصيروهما ظاء مشددة . وهاتان القراءتان ، وإن اختلفت
ألفاظهما، فإنهما مُتفقتا المعنى. فسواءٌ بأىِّ ذلك قرأ القارئ، لأنهما جميعاً لُغتان
معروفتان ، وقراءتان مستفيضتان فى أمصار الإسلام بمعنى واحد ، ليس فى
إحداهما معنى تستحقُّ به اختيارَها على الأخرى، إلا أن يختار ◌ُختارٌ ((نَظَّاهِرُون))
المشدَّدَةَ ، طلباً منه تتمةَ الكلمة .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِن يَأُوَكُمْ أُسْرَى تُقَدُوهُمْ
وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِعْضِ الْكِتَّبِ وَتَكْفُرُونَ
بَيَعْضٍ )
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((وإنْ يأتوكم أساری تُفادوهم ))،
اليهودَ . يوبخهم بذلك، ويعرِّفهم به قبيح أفعالهم التى كانوا يفعلونها ، فقال لهم :
٣١٦ ثم أنتم - بعد إقراركم بالميثاق الذى أخذتُه عليكم: أنْ لا تسفكوا دماء كم،
ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم - تقتلون أنفسكم = يعنى به : يقتل
بعضكم بعضاً = وأنتم، مع قتلكم من تقتلون منكم ، إذا وجدتم الأسير
منكم فى أيدى غيركم من أعدائكم ، تَفْدونه، (١) ويخرج بعضكم بعضاً من
دياره. وقتلكمُ إياهم وإخراً جكوهم من ديارهم، حرامٌ عليكم ، وتركهم أسرى فى
أيدى عدوكم [ حرام عليكم ]، (٢) فكيف تستجيزون قتلهم ، ولا تستجيزون ترك
فدائهم من عدوهم ؟ أم كيف لا تستجيزون ترك فدائهم ، وتستجيزون قتلهم ؟
وهما جميعاً - فى اللازم لكم من الحكم فيهم - سواءٌ. (٣) لأن الذى حرّمتُ عليكم
(١) فى المطبوعة: ((تفدوهم))، خطأ.
(٢) الزيادة بين القوسين لا معدى عنها لاستقامة الكلام.
(٣) فى المطبوعة: ((وهم جميعاً))، والصواب ما أثبت.
٣٠٩
تفسير سورة البقرة : ٨٥
من قتلهم وإخراجهم من دورهم ، نظيرُ الذى حرمت عليكم من تركهم أسْرى
فى أيدى عدوهم ، أفتؤمنون ببعض الكتاب - الذى فرضت عليكمُ فيه فرائضى ،
وبينت لكم فيه حدودی ، وأخذت علیکم بالعمل بما فيه میثاقی- فتصدّ قون به ،
فتفادون أسراكم من أيدى عدوكم وتكفرون ببعضه ، فتجحدونه ، فتقتلون من
حرَّمت عليكم قتله من أهل دينكم ومن قومكم، وتخرجونهم من ديارهم، وقد علمتم
أن الکفر منکم ببعضه نقض منکم عهدی ومیثاقی ؟ کما :-
١٤٧٥ - حدثنا بشربن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، قال حدثنا
سعيد، عن قتادة: ((ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم
"تَظاهرون عليهم بالإثم والعدْ وان وإنْ يأتوكم أسَارى تُفادهم وهوَ محرمٌ عليكم
إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرُون ببعض ))، [ أفتؤمنون ببعض الكتاب
فادين، وتكفرون ببعضٍ - قاتلين ومخرجين ]؟(١) والله إن فِداءهم الإيمان، وإن
إخراجهم لكفر . فكانوا يخرجونهم من ديارهم، وإذا رأوهم أسارى فى أيدى
علوّهم افتَكُوهٍ .
١٤٧٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنى ابن إسحق قال ،
حدثنى محمد بن أبى محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عن عكرمة ، عن ابن عباس:
((وإنْ يأتوكم أسَارى تَفْدُوهم))، قد علمتم أن ذلكم عليكم فى دينكم، ((وهو محرَّم
عليكم)) فى كتابكم ((إخراجهم، أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)) ،
أتفادونهم مؤمنين بذلك ، وتخرجونهم كفراً بذلك .
١٤٧٧ - حدثنى محمد بن عمرو، قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وإن يأتوكم أسَارى تَفْدُوهم))
يقول : إن وَجدْتَه فى يد غيرك فديته ، وأنتَ تقتله بيدك ؟
(١) كان فى المطبوعة: (( ... وتكفرون ببعض فادين والله إن نداء الإيمان))، وهو كلام
ضطرب فزدت ما بين القوسين استظهاراً ، حتى يستقيم الكلام .
:
٣١٠
تفسير سورة البقرة : ٨٥
١٤٧٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسمق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر قال ،
قال أبو جعفر: كان قتادة يقول فى قوله: ((أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون
ببعض ))، فكان إخراجهم كفراً ، وفداؤهم إيماناً .
١٤٧٩ - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع ،
عن أبى العالية فى قوله: ((ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم)) الآية، قال : كان فى بنى
إسرائيل : إذا استضعفوا قوماً أخرجوهم من ديارهم ، وقد أخذ عليهم الميثاق : أن
لا يَسفِكوا دماءهم ولا يخرجُوا أنفسهم من ديارهم، وأخذ عليهم الميثاق: إنْ أسر
بعضُهم أن يُفادوهم. فأخرجوهم من ديارهم، ثم قادوهم، فآمنوا ببعض الكتاب
وكفروا ببعض. آمنوا بالفداء فقدوا، وكفروا بالإخراج من الديار فأخرجوا .
١٤٨٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر قال ،
حدثنا الربيع بن أنس قال : أخبرنى أبو العالية : أن عبد الله بن سلام مرَّ على
٣١٧/١ رأس الجالوتِ بالكوفة وهو يُفادى من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يُفادى
من وقعَ عليه العرب ، فقال له عبد الله بن سلام : أما إنه مكتوب عندك فى
كتابك : أنْ فَادُ وهنّ كلّهن.
١٤٨١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((أفتُؤْمِنُون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ))، قال، كفرهم القتل
والإخراج ، وإيمانهم الفداء . قال ابن جريج : يقول : إذا كانوا عندكم تقتلونهم
وتخرجُونهم من ديارهم، وأما إذا أسروا تفدونهم؟(١) وبلغنى أن عمر بن الخطاب قال
فى قصّة بنى إسرائيل: إنّ بنى إسرائيل قد مضوا، وإنكم أنتم تُعْنَوْنَ بهذا الحديث.
٠٠٠
قال أبو جعفر: واختلف القرأةُ(٢) فى قراءة قوله: ((، إن"يَأْتوكم أسارى تفدوهم)).
(١) فى المطبوعة: (((تفدوم))، خطأ.
(٢) فى المطبوعة: ((واختلف القراء))، ورددته إلى نهج أبى جعفر.
٣١١
تفسير سورة البقرة : ٨٥
فقرأه بعضهم: ((أسرى تَقْدُوهم))، وبعضهم: ((أَسَارى تُفادُوهم)) ، وبعضهم
((أَسَارى تَقدُوهم))، وبعضهم ((أسْرِى تُفادوهم)).
٠
٠
قال أبو جعفر: فمن قرأ ذلك: ((وإنْ يَأْتوكم أسْرَى))، فإنه أراد جمع
((الأسير))، إذ كان على ((فعيل))، على مثال جمْع أسماء ذوى العاهات التى
يأتى واحدُها على تقدير ((فعيل))، إذ كان ((الأسر)) شبيهَ المعنى - فى الأذى والمكروه
الداخل على الأسير - ببعض معانى العاهات ، وألحق جمْع المستلحق به بجمع
ما وصفنا، فقيل: ((أسير وأسْرى))، كما قيل: ((مريض وَمَرْضى، وكسير
وكسرى، وجريح وجَرْحی)
وقال أبو جعفر: وأما الذين قرأوا ذلك ((أسَارى))، فإنهم أخرجوه على مخرج
جمع (فعلان))، إذ كان جمع ((فعلان)) الذى له ((فَعْلى)) قد يشارك جمع ((فعيل))
كما قالوا: ((سكارى وَسكرَى، وَكَسالى وكسلى))، فشبهوا ((أسيراً)) - وجمعوه مرة
((أَسَارى))، وأخرى ((أسْرى)) - بذلك.
...
وكان بعضهم يزعم أن معنى ((الأسرى)) مخالف معنى ((الأسارى))، ويزعم أن
معنى ((الأسرى)): استثسار القوم بغير أسر من المستأسير لهم، وأن معنى ((الأسارى))
معنى مصير القوم المأسورين فى أيدى الآسرين بأسرهم وأخذهم قهرًا وَغلبةٌ .
قال أبو جعفر : وذلك ما لا وجه له يفهم فى لغة أحد من العرب . ولكن ذلك
على ما وصفتُ من جمع ((الأسير)) مرة على ((فَعْلى)) لما بينت من العلة، ومرة على
((فَعَالى))، لما ذكرت: من تشبيههم جمعه يجمع ((سكران وكسلان)) وما أشبه ذلك.
٠
٥
وأولى بالصواب فى ذلك قراءةُ من قرأ ((وإنْ يَأتوكم أسْرى))، لأن ((فعالى))
فى جمع ((فعيل)) غيرُ مستفيض فى كلام العرب، فإذْ كان ذلك غير مستفيض
فى كلامهم ، وكان مستفيضاً فاشياً فيهم جمعُ ما كان من الصفات - التى بمعنى
٣١٢
تفسير سورة البقرة : ٨٥
الآلام والزمانة - وواحده على تقدير (( فعیل))، على (( فعلى ))، کالذى وصفنا
قبل، وكانَ أحد ذلك (الأسير))، كان الواجب أن يُلحق بنظائره وأشكاله،
فيجمع جمعتها دون غيرها ممن خالفها .
٠٠٠
وأما من قرأ (( تُفادُوهم))، فإنه أراد: إنكم تفدُونهم من أسْرهم ، ويقدِى
منكم - الذين أسروهم ففادوكم بهم - أسراكم منهم.
وأما من قرأ ذلك ((تفدوهم))، فإنه أراد: إنكم يا معشرَ اليهود، إن أتاكم الذين
أخرجتموهم منكم من ديارهم أسرى فدَيْتموهم فاستنقذتموهم .
وهذه القراءةُ أعجب إلىّ من الأولى - أعنى: ((أسرى تُفادُ وهم))-(١) لأن الذى
على اليهود فى دينهم فداء أسراهم بكل حال، فَدَى الآسرون أسْراهم منهم أم لم يفدوهم.
...
وأما قوله: (( وهو مُحرَّمٌ علیكم إخراجهم ))، فإن فى قوله: (( وهو)» وجهین من
التأويل. أحدهما: أن يكون كناية عن الإخراج الذى تقدم ذكره. كأنه قال: وُتُخرجون
فريقاً منكم من ديارهم، وإخراجهم محرم عليكم. ثم كرر («الإخراج)) الذى بعد (( وُهو
محرم عليكم))، تكريراً على ((هو))، لمَّا حال بين ((الإخراج)) و((هو)) كلام.
والتأويل الثانى، أن يكون عمادًا، لما كانت ((الواو)) التى مع ((هو )) تقتضى
اسماً يليها دون الفعل. (٢) فلما قدّم الفعلَ قبل الاسم - الذى تقتضيه ((الواو))
١ ٣١٨ أن يليها - أوليّت ((هو))، لأنه اسم، كما تقول: ((أتيتُك وهو قائم أبوك)) بمعنى:
((وأبوُك قائم))، إذْ كانت (الواو)) تقتضى اسماً، فعُمدتبـ((هو))، إذ سبق
الفعلُ الاسمّ، ليصلحُ الكلام. (٣) كما قال الشاعر :
(١) فى المطبوعة: ((أسرى تقدوهم))، وهو غير الصواب، فيما اختاره أبو جعفر من القراءة.
(٢) العماد، هو ما اصطلح عليه البصريون بقولهم: ((ضمير الفصل))، ويسمى أيضاً:
((دعامة)) و((صفة)). وأراد بقوله: ((الفعل)» هنا: المشتق الذى يعمل فيما بعده عمل الفعل. وسيتبين
مراده فى العبارات الآتية .
(٣) قد استوفى هذا كله الفراء فى معانى القرآن ١: ٥٠ - ٥٢.
٣١٣
تفسير سورة البقرة: ٨٥
عَلَى الْعِيسِ فِ آبَاطِهَا عَرَق ◌ٌ يَبْسُ(١)
فَأَبْلِغْ أَمَا يَحْبَى إِذَا مَا لَقِيتَهُ
أَمِيرَ الحِمَى، قَدْ بَاعَ حَفَى بَنِى عَبْسٍ(٣)
بِأَنَّ الُّلاَمِئَّ الّذِى بِضَرِيَّةِ
فَلْ هُو مَرْفُوعٌ بِمَاَ هُنَا رَأْسُ(٣)
بِشَوْبٍ وَدِینَارٍ وَشآةٍ وَدِرْهَمٍ ،
فأولِيَت ((هل)) ((هو))، لطلبها الاسمَ العمادَ. (٤)
٠٠
(١) سيأتى الشطر الثانى من البيت الأخير فى ١١: ٣٤، ١٧ : ٧٣ ولم أجد الشعر فى غير
معانى القرآن الفراء ٥٢:١، ولم أعرف قائله. والعيس: إبل بيض يخالطها شقرة يسيرة، وهى من كراثم
الإبل . ويبس: يابس . قد يبس العرق فى آباطها من طول الرحلة .
(٢) السلامى: يعنى رجلا كان - فيما أرجح - مصدقاً وعاملا على الزكاة، وأميراً على حمى ضرية،
ولست أعرف نسبته ، أهى إلى قبيلة أم إلى بلد . وحمى ضرية : فى نجد، على طريق البصرة إلى مكة ،
وهى إلى مكة أقرب ، وهى أرض طيبة مذكورة فى شعرهم. وفى البيت إقواء .
(٣) سيأتى الشطر الثانى بعد قليل: ٣٧٤ قوله: ((بثوب))، متعلق بقوله آنفاً ((باع)).
يقول: أخذ هذه الرشى التى عددها من بنى عبس، فأسلم إليهم حتى. وقوله: ((فهل هو مرفوع بما
ههنا رأس)» يقوله لأبى يحي الذى ذكره ، ويقول: فهل نجد ناصراً ينصرنا ويأخذ لنا حقنا، فترفع
رؤوسنا بعد ما نزل بنا من الضيم . وهذه كلمة يقولونها فى مثل ذلك . قال الراعى ( طبقات فحول الشعراء :
٤٤٢) :
وَ إِنْ لَقُوا مِثْلَها فى قَابِلٍ فَسَدُوا
فَإِنْ رَفَمْتَ بِهِمْ رَأْسَاَ نَشْتَهُمُ
وقال أعرابى :
بَخَيْرِ، وَلاَ مُهْدٍ مَلامَاً لباخِلِ
قَتَّى مِثْلُ ضَوْءُ الشَّمْسِ ، لَيْسَ بیاخلٍ
وَلاَ رَافِعٍ رَأْسَاً بِعَوْرَاءَ قَائِلِ
وَلاَ ناطِقٍ عَوْرَاءَ تُؤْذِى جَلِيسَهُ
وجاءت هذه الكلمة فى ( باب فضل من على وعلم) من حديث أبى موسى الأشعرى عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ( البخارى ١: ٢٣): ((فذلك مثل من فقه فى دين الله ونفعه ما بعثى الله به، فعلم وعلم،
ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به)).
(٤) فى المطبوعة: ((فأوليت هل لطلبها))، وزيادة (هو)) لابد منها.
٣١٤
تفسير سورة البقرة : ٨٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَا جَزَّاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ
إِلاَّ خِزْيٌ فِى الْحَيُّوةِ الدُّنياً﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: (( فما جزاء من يفعل ذلك منكم)) :
فليسَ لمن قتلَ منكم قتيلاً = فكفر بقتله إيّاه، بنقض عهد الله الذى حكم به
عليه فى التوراة - وأخرج منكم فريقاً من ديارهم مُظاهراً عليهم أعداءهم من أهل
الشركُظلماً وعدواناً وخلافاً لما أمره الله به فى كتابه الذى أنزله إلى موسى = جَزَاءٌ -
يعنى ((بالجزاء)): الثواب، وهو العوض مما فعل من ذلك والأجر عليه -(١) إلاّ"
خزىٌ فى الحياة الدنيا. ((والخِزى)): الذُّلّ والصغار، يقال منه: ((خَزَّى الرجل
يَخْزَى خِزياً))، ((فى الحياة الدنيا))، يعنى: فى عاجل الدنيا قبل الآخرة.
ثم اختلف فى الخزى الذى أخزاهم الله بما سلف من معصيتهم إياه . فقال
بعضهم : ذلك هو حكم الله الذى أنزله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: من
أخذ القاتل بمن قتل ، والقَوَد به قصاصاً، والانتقام للمظلوم من الظالم .
٠٠٠
وقال آخرون : بل ذلك ، هو أخذ الجزية منهم ما أقاموا على دينهم،
ذلّةً لهم وصغارا.
...
وقال آخرون : بل ذلك الخزى الذى جُوزُوا به فى الدنيا: إخراج رسول الله
صلى الله عليه وسلم النضيرَ من ديارهم لأوَّل الحشر، وقتل مقاتلة قُرَيظة وَسَى
ذراريهم ، فكان ذلك خِزِياً فى الدنيا ، ولهُ فى الآخرة عذابٌ عظيمٌ.
(١) انظر ما سلف ٢: ٢٧ - ٢٨ من هذا الجزء
٣١٥
تفسير سورة البقرة : ٨٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ القِيَّمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىْ أَشَدٌ
العَذَابِ ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((ويوم القيامة يُرَدُّون إلى أشدِّ العذاب)):
ويوم تقوم الساعة يُردُّ من يفعل ذلك منكم- بعد الخزى الذى يحلّ به فى الدنيا
جزاءً على معصية الله - إلى أشدُّ العذاب الذى أعدّ اللّه لأعدائه.
. ..
وقد قال بعضهم : معنىَ ذلك : ويوم القيامة يردُّون إلى أشدّ من عذاب
الدنيا . (١)
ولا معنى لقول قائل ذلك. (٢) ذلك بأن الله جل ثناؤه إنّما أخبر أنّهم يردُّون
إلى أشد معانى العذاب ، ولذلك أدخل فيه (( الألف واللام )) ، لأنه عنى به جنسَ
العذاب كله ، دون نوع منه .
...
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَمَا اللهُ بِنْفِلٍ عَمَا تَعْمَلُونَ﴾
٨٥
قال أبو جعفر: اختلف القَرَأة فى قراءة ذلك. فقرأه بعضهم: ((وما اللّه
بغافل عمَّا يعملون)) بـ((الياء))، على وجه الإخبار عنهم . فكأنهم نحوًا بقراءتهم
معنى: (( فما جَزَاء من يَفعلُ ذلك منكم إلا خِزْى فى الحياة الدنيا وَيومَ القيامة
يُردُّون إلى أشدّ العذاب وما الله بغافل عما يعملون))، يعنى: عما يعمله الذين
أخبرَ اللّه عنهم أنه ليس لهم جزاءٌ على فعلهم إلاّ الخزى فى الحياة الدنيا، ومرجعهم
فى الآخرة إلى أشد العذاب .
٠
وقرأه آخرون: ((وما الله بغافل عما تعملون)) بـ ((التاء)) على وجه المخاطبة.
(١) فى المطبوعة: ((إلى أشد العذاب من عذاب الدنيا))، والصواب حذف ((العذاب)).
(٢) فى المطبوعة: ((ولا معنى لقول قائل ذلك بأن ... )) والصواب زيادة ((ذلك)).
٣١٦
تفسير سورة البقرة : ٨٥، ٨٦
قال: فكأنهم نحوًا بقراءتهم: ((أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفُرون ببعض )).
وما الله بغافل ، يا معشر اليهود ، عما تعملون أنتم .
وأعجب القراءتين إلى قراءة من قرأ بـ ((الياء))، إتباعاً لقوله: ((فماجزاء من يفعلُ ذلك
منكم))، ولقوله: ((ويوم القيامة يردُّون)). لأن قوله: ((وما الله بغافلٍ عما يعلمون)) إلى
ذلك ، أقربُ منه إلى قوله: ((أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض )»، فإتباعه
٣١٩/١ الأقربَ إليه، أولى من إلحاقه بالأبعد منه. والوجه الآخر غيرُ بعيدٍ من الصواب.
...
وتأويل قوله: ((وما الله بغافل عما يعلمون))، (١) وما اللّه بساهٍ عن أعمالهم
الخبيثة، بلْ ◌ُهُو مُحصٍ لها، وحافظُها عليهم حتى يجازيهم بها فى الآخرة ،
ويخزيّهم فى الدنيا ، فيذ لهم ويفضحهم . (٢)
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أُو لَكَنِّكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَوَةَ
الدُّنْا بِاْأَخِرَةِ فَلَ يُخْقَّفُ عَنْهُمُ التَذَابُ وَلاَمُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ (٨)
قال أبو جعفر : يعنى بقوله جل ثناؤه أولئك الذين أخبرَ عنهم أنهم يؤمنون
ببعض الكتاب ، فيفادُون أسْراهم من اليهود ، ويكفرون ببعض ، فيقتلون من
حرّم الله عليهم قتله من أهل مِلَّتهم ، ويخرجون من داره من حرم الله عليهم إخراجه
من داره ، نقضاً لعهد الله وميثاقه فى التوراة إليهم . فأخبر جل ثناؤه أنّ هؤلاء [ هم]
الذين اشتروا رياسة الحياة الدنيا على الضعفاء وأهل الجهل والغباء من أهل ملتهم، (٣)
وابتاعوا المآكلَ الخسيسةَ الرديئة فيها بالإيمان ، الذى كان يكون لهم به فى الآخرة
- لو كانوا أتَوْا به مكانَ الكفر - الخلودُ فى الجنان. وإنما وصفهم الله جل ثناؤه
(١) فى المطبوعة: ((وتأويل قوله: وما اللّه بساء))، لم يذكر الآية، والصواب إثباتها.
(٢) مضى تفسير معنى ((الغفلة)) فيما سلف من هذا الجزء ٢: ٢٤٤
(٣) ما بين القوسين زيادة، لا يستقيم الكلام بطرحها.
٣١٧
تفسير سورة البقرة : ٨٦، ٨٧
بأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، لأنهم رضُوا بالدنيا بكفرهم باللّه فيها، عوضاً
من نعيم الآخرة الذى أعده الله للمؤمنين . فجعل حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم
بالله ، ثمناً لما ابتاعوه به من خسیس الدنیا ،(١) کما : -
١٤٨٢٠ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله:
((أولئك الذين اشتروا الحياةَ الدنيا بالآخرة))، استحبُّوا قليلَ الدنيا على كثير
الآخرة . (٢)
قال أبو جعفر : ثم أخبر الله جل ثناؤه أنّهم إذْ باعوا حظوظهم من نعيم
الآخرة - بتركهم طاعته، وإيثارهم الكفرَ به والخسيسَ من الدنيا عليه - لاحظّ
لهم فى نعيم الآخرة ، وأنّ الذى لهم فى الآخرة العذابُ ، غيرَ مخفف عنهم فيها
العذاب . لأن الذى يخفّ عنه فيها من العذاب ، هو الذى له حظّ فى نعيمها ،
ولاحظ لهؤلاء، لاشترائهم - بالذى كان فى الدنيا - دنياهم بآخرتهم. (٣).
وأما قوله: ((ولا هم ينصرون)) فإنه أخبر عنهم أنه لا ينصُرهم فى الآخرة أحد ،
فيدفعُ عنهم بنصرته عذابَ اللّه - لا بقوّته ولا بشفاعته ولا غيرهما .
. ..
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ ،اتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ
وَقَيْنَا مِنِ بَعْدِهِ بِاَلَّسُلِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله جل ثناؤه: ((آتينا موسى الكتاب)): أنزلناه إليه .
وقد بيّنا أن معنى ((الإيتاء)) الإعطاء، فيما مضى قبل. (٤)
(١) انظر ما مضى ١: ٣١٢ : - ٣١٥ فى معنى ((الاشتراء)).
(٢) الأثر: ١٤٨٢ - كان فى المطبوعة: ((حدثنا يزيد ... )" بإسقاط: ((حدثنا بشر قال))،
وهذا إسناده إلى قتادة ، كثير الدوران ، وأقربه فيما مضى رقم : ١٤٧٥.
(٣) فى المطبوعة: ((لاشترائهم الذى كان فى الدنيا ودنياهم بآخرتهم))، وهو كلام سقيم، ولعل
الصواب ما أثبت .
( ٤) انظر ما سلف ١ : ٥٧٤.
٣١٨
تفسير سورة البقرة : ٨٧
و ((الكتاب)) الذى آتاه الله ◌ُمُوسى عليه السلام، هو التوراةُ .
٠
. ..
وأما قوله: ((وَقفَّيْنا))، فإنه يعنى: وأرْد فنا، وأتبعنا بعضهم خلف بعض، كما
يقفو الرجل الرجل: إذا سار فى أثره من ورائه. وأصله من ((القفا))، يقال منه:
(((قفوْتُ فلاناً): إذا صرتَ خلفَ قفاه، كما يقال: (دَبَرتَه)): إذا صرْت فى دُبُره .
...
ویعنی بقوله: (( من بعده )) ، من بعد موسى.
...
ويعنى بـ ((الرسل): الأنبياء، وهم جمع ((رسول)). يقال: هو ((رَسُول وهم رُسُل))،
كما يقال: ((هو صبور وهُم قوم صُبُرُ، وهو رجل شكور وهم قوم شُكُرُ)).
٠
وإنما يعنى جل ثناؤه بقوله: ((وقفَّينا من بعده بالرسل))، أى أتبعنا بعضهم بعضاً
على منهاج واحدٍ وشريعة واحدة. لأن كلّ من بعثه الله نبيًّا بعدَ موسى صلى اللّه
عليه وسلم إلى زمان عيسى بن مريم ، فإنما بعثه بأمر بنى إسرائيل بإقامة التوراة ،
والعمل بما فيها، والدعاء إلى ما فيها . فلذلك قيل: (( وَقَفَّيْنا من بعده الرسل ))، يعنى
على منهاجه وشريعته، والعمل بما كان يعمل به .
...
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَءَاتَيْنَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ الْبَيْنَتِ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((وآتينا عيسَىَ بنَ مَرْيَمَ البَيِّنَات))، أعطينا
عيسى بن مريم .
٣٢٠/١
#
ويعنى بـ ((البينات)) التى آتاه الله إياها: ما أظهر على يديه من الحجج
والدلالة على نبوته : من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه ، ونحو ذلك من الآيات ،
التى أبانت منزلته من اللّه ، ودلت على صدقه وصحة نبوته ، كما : -
١٤٨٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال ، حدثنى محمد بن إسحق
قال ، حدثنا محمد بن أبى محمد ، عن سعيد بن جبير ، أو عكرمة ، عن ابن
٣١٩
تفسير سورة البقرة : ٨٧
عباس: ((وآتينا عيسى بنَ مَرْيمَ البينات)): أى الآيات التى وضع على يَدَيّه:
من إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير ، ثم ينفخ فيه فيكون طائراً بإذن
الله، وإبراء الأسقام، والخبرِ بكثير من الغيوب ممّا يدّخرون فى بيوتهم ، وما ردًّ
عليهم من التوراة، مع الإنجيل الذى أحدث اللّه إليه .
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَيَّدْنَُهُ بِرُوجِ الْقُدُسِ﴾
قال أبو جعفر: أما معنى قوله: ((وأيَّدْناه))، فإنه قوّيناه فأعنَّاه، كما : -
١٤٨٤ -حدثنی المثی قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهیر ، عنجوییر،
عن الضحاك: ((وأيَّدْ ناه))، يقول: نصرناه. يقال منه: ((أيّدَك الله))، أى قوَّاك،
(((وهو رَجُل ذو أَيْدٍ، وذُو آد))، يراد: ذو قوة. ومنه قول العجَّاج:
• مِنْ أَنْ تَبَدَّلْتُ بَآَدِى آدَا(١),
يعنى : بشبابى قوةَ المشيب، ومنه قول الآخر: (٢)
إنّ القِدَاحَ إذَا اجْتَعْنَ فَرَاَهاَ بِالكَسْرِ ذُو ◌َلَدٍ وبطْشٍ أَيٍِّ(٣)
(١) زيادة ديوانه: ٧٦، واللسان (أود) (أيد) ومجاز القرآن: ٤٦، وأمالى الزجاجى: ٣٩ فى
خبر ، ورواه :
فإِن تبدّلتُ بَادِى آدَا لَمَّ يَكُ يَنْآَدُ فأمسَى أَنَادَا
فَقَدْ أَرَانِى أَصِلُ القُعَاد!
والقعاد : القواعد من النساء ، جمع على جمع المذكر، كما قال القطاعى :
أَبْصارهُنَّ إِلَى الثُّبَّانِ مَائِلٌ وَقَدْ أَرَاهُنَّ عَنِى غَيْرَ صُدَّادِ
يعنى : غير صواد .
(٢) ينسب البيت - من أبيات - لعبد الملك بن مروان، والصواب أنه لعبد الله بن عبد الأعلى
ابن أبى عمرة الشيبانى. مولى بنى شيبان (تاريخ الطبرى ٤ : ٢٢ / وسمط اللآلىء : ٩٦٣ ترجمته).
(٣) البيت من أبيات جياد رواها أبو العباس المبرد فى التعازى والمراثى ورقة: ١٠٦،١٠٥،
والمسعودى فى مروج الذهب ٣: ١٠٤، ولباب الآداب: ٣١، وجاء بيت الشاهد فى تاريخ الإسلام
٣٢٠
تفسير سورة البقرة : ٨٧
يعنى : بالأيِّد : القوىّ .
ثم اختلف فى تأويل قوله: ((بروح القدس)). فقال بعضهم: ((روح القدس))
الذى أخبر الله تعالى ذكره أنه أيد عيسى به ، هو جبريل عليه السلام . ذكر
من قال ذلك :
١٤٨٥ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((وأيَّدناه بُرُوح القدسُ))، قال : هو جبريل .
١٤٨٦ -حدثنی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بنحماد قال ، حدثنا
أسباط، عن السدى قوله: ((وأيّدناه بُرُوح القدس))، قال: هو جبريل عليه
السلام .
١٤٨٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا أبو زهير ، عن
جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((وأيّدناه بُرُوح القدس))، قال: روح القدس ،
جبريلُ .
١٤٨٨ - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن
الربيع: ((وأيّدناه بُرُوح القدس))، قال: أيد عيسى بجبريل ، وهو روح القدس.
١٤٨٩ - وقال ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال ، حدثنى عبد الله
ابن عبد الرحمن بن أبى الحُسين المكى ، عن شهر بن حوشب الأشعرى : أن نفراً
من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أخبرنا عن الروح . قال :
أنشدكم بالله وبأيامه عند بنى إسرائيل ، هل تعلمون أنه جبريل ؟ وهو [ الذى ]
للذهبى ٣: ٢٨٠، وتاريخ ابن كثير ٩: ٦٧، وتاريخ الخلفاء السيوطى: ١٤٧، واختلفت رواية
البيت الشاهد . وقد أوصى عبد الملك بن مروان بنيه وصية جليلة، ثم قال لهم احفظوا عنى هذه الأبيات -
يعنى شعر عبد الله بن عبد الأعلى - أمرهم أن يجتمعوا ولا يتفرقوا فتذهب ريحهم. وبعد البيت:
للمُتَبَدَّدِ
عَزَّتْ وَلَمَ تُكْسَرْ، وَإِنْ هِىَ بُدِّدَتْ فَالوَهْنُ وَالَتَكْسِيرُ