Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
تفسير سورة البقرة : ٦١
و((دَعِىٌّ وأدعياء)). ولو جمعوه على أصله الذى هو أصله، وعلى أن الواحد (( نبئء))
مهموز، لجمعوه على ((فُعَلاء))، فقيل لهم ((النبآء))، على مثال ((النبهاء))، (١) لأن
ذلك جمعُ ما كان على ((فعيل)) من ذوات الياء والواو من النعوت ، كجمعهم:
الشريك شركاء ، والعليم علماء، والحكيم حكماء ، وما أشبه ذلك. وقد حكى
سماعاً من العرب فى جمع ((النبيَّ)) ((النبآء))، وذلك من لغة الذين يهمزون (( النبىء))،
ثم يجمعونه على ((النبآء)) - على ما قد بيّنت. ومن ذلك قول عباس بن ميرْداس فى
مدح النبي صلى الله عليه وسلم .
◌َا خَاتَ النُّبَآءَ إِنَّكَ مُرْسَلٌ بِالْخَيْرِ،َ كُلَّ هُدَى السَّبِيلِ هَدَاكَاَ(٣)
فقال: ((ياخاتم النبآء))، على أن واحدهم ((نبىء)) مهموز. وقد قال
بعضهم: (٣) ((النبى)) و((النبوة)) غير مهموز، لأنهما مأخوذان من ((النَّبْوة))،
وهى مثل (النَّجْوة))، وهو المكان المرتفع، وكان يقول: إن أصل ((النبىّ)) الطريق،
ويستشهد على ذلك ببيت القطامى :
لَمَّا وَرَدْنَ نَبِيًّا وَاسْتَبَّ بِهَا مُسْحَنْفِرٌ كَخُطُوطِ السَّيْحِ مُنْسَحِلُ(٤)
(١) فى المطبوعة: ((النبعاء)) وفى المخطوطات ((النباء)).
(٢) من أبيات له فى سيرة ابن هشام٤: ١٠٣ وغيرها. والضمير الفاعل فى قوله ((هدا كا))،
الله سبحانه وتعالى، دل عليه ما فى قوله ((إنك مرسل بالخير)»، فإن اللّه هو الذى أرسله. وهو مضبوط فى
أكثر الكتب ((كل)) بالرفع، و((هدى))، و((هذا كا)) بضم الهاء.
(٣) كأنه يريد الكسائى (البحر المحيط ١: ٢٢٠). ووجدت فى معجم البلدان ٨: ٢٤٩
((وقال أبو بكر بن الأنبارى فى ((الزاهر)) فى قول القطاعى ... إن النبى فى هذا البيت هو الطريق))،
وليس يعنيه أبو جعفر، فإن أبا بكر قد ولد سنة ٢٧١ وتوفى ٣٢٨. وقد رد هذا القول أبو القاسم
الزجاج - فيما نقل ياقوت - فقال: ((كيف يكون ذلك من أسماء الطريق، وهو يقول: ((لما وردن
نبياً))، وقد كانت قبل وروده على الطريق؟ فكأنه قال: ((((لما وردن طريقاً))، وهذا لا معنى له،
إلا أن يكون أراد طريقاً بعينه فى مكان مخصوص ، فيرجع إلى أنه اسم مكان بعينه ، قيل : هو رمل
بعينه، وقيل: هو اسم جبل)). وانظر تحقيق ذلك فى معجم البلدان، ومعجم ما استعجم ، وغيرهما .
(٤) ديوان: ٤، فى قصيدته الجيدة المشهورة، والضمير فى ((وردن)) للإبل ذكرها قبل.
وروايته ((واستتب بنا)). في: كثيب رمل مرتفع فى ديار بنى تغلب، ذكره القطاعى فى كثير من
شعره. واستتب الأمر والطريق: استوى واستقام وتبين واطرد وامتد. مسحنفر، صفة الطريق: واسع

١٤٢
تفسير سورة البقرة : ٦١
يقول: إنما سمى الطريق ((نبياً)، لأنه ظاهر مستبين، من ((النَّبْوة)).
ويقول: لم أسمع أحداً يهمز (( النبيّ)). قال: وقد ذكرنا ما فى ذلك، وبينا ما فيه
الكفاية إن شاء الله .
٠
ويعنى بقوله: ((ويقتلون النبيين بغير الحق))، أنهم كانوا يقتلون رُسُل اللّه، بغير
إذن الله لهم بقتلهم ، منكرين رسالتهم ، جاحدين نبوتهم.
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ ذَلِكَ بِمَ عَصَوْا وَكَانُوا
بَعْتَدُونَ ﴾ ﴾)
وقوله:((ذلك))، رد على((ذلك)) الأولى. ومعنى الكلام: وُضربت عليهم الذلة
والمسكنة ، وباؤوا بغضب من الله من أجل كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين بغير
الحق، من أجْل عِصْيانهم رَبّهم واعتدائهم حدوده، فقال جل ثناؤه. ((ذلك بما
"عَصَوْاً))، والمعنى: ذلك بعصيانهم وكفرهم مُعتدين.
٠
و((الاعتداء))، تجاوز الحد الذى حدّه الله لعباده إلى غيره . و کل متجاوز
٢٥٢/١
حدّ شىء إلى غيره، فقد تَعدَّاه إلى ما جاوزَ إليه .
...
ومعنى الكلام : فعلت بهم ما فعلتُ من ذلك ، بما عصوا أمرى ، وتجاوزوا
حدّی إلی ما نهيتهم عنه .
٥
ممتد ذاهب بين . والسيح: ضرب من البرود أو العباء مخطط، يلبس، أو يستتر به ويفرش . شبه
آثار السير عليها بخطوط البرد. وسحلت الريح الأرض فانسحلت: كشطت ما عليها . ووصف الطريق
بذلك ، لأنه قد استتب بالسير وصار لاحباً واضحاً.

١٤٣
تفسير سورة البقرة : ٦٢
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾
قال أبو جعفر: أمَّا ((الذين آمنوا))، فهم المصدّقُون رسولَ اللّه فيما أتاهم به
من الحقّ من عند الله. وإيمانهم بذلك، تصديقهم به - على ما قد بَيّناه فيما مضى
من كتابنا هذا . (١)
#
وأما ((الذين هادوا))، فهم اليهود. ومعنى: ((هادوا))، تابوا . يقال منه :
(هادَ القوم يهودُون "هَودًا وَهادَة)). (٢) وقيل: إنما ◌ُميت اليهودُ ((يهودَ))، من
أجل قولهم: ﴿ إِنَّاهُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٥٦]
١٠٩٤ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، قال: إنما ◌ُسُميت اليهود من أجل أنهم قالوا: ((إنا هُدْنا إليك))
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿وَالنَّصَرَىُ﴾
قال أبو جعفر: و ((النصارى)) جمع، واحدهم نَصْرَان، كما واحد السَّكارى
"سكران، وواحد النَّشاوى نشوان. وكذلك جمع كل نعت كان واحده على ((فعلان)»
فإن جمعه على ((فعالى)). إلا أن المستفيضَ من كلام العرب فى واحد (( النصارى))
((نصرانىٌ)). وقد حكى عنهم سماعاً ((نَصْران)» بطرح الياء ، ومنه قول الشاعر:
تَرَاهُ إِذَا زَارَ العَشِىُّ مُحَنِّقَاً وَيُضْحِى لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرَانُ شَامِسُ(٣)
(١) انظر ما سلف ١ : ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٢) قوله ((هادة))، مصدر لم أجده فى كتب اللغة.
(٣) لم أعرف قائله. الأضداد لابن الأنبارى: ١٥٥، ورواه: ((تراه ويضحى وهو .. )) ونقله
أبو حيان فى البحر المحيط ١: ٢٣٨ عن الطبرى، وفيهما ((إذا دار العشى)) وأخطأ القرطبى (تفسيره ١:
٣٦٩) فقال: ((وأنشد سيبويه)) وذكر البيت، ولم ينشده سيبويه. وروى صدره .

١٤٤
تفسير سورة البقرة : ٦٢
وُسمع منهم فى الأنثى: ((نصرانة))، قال الشاعر: (١)
فكِلْتَاهُمَا خَرَّت وَأَسْجَدَ رَأْسُها ◌َكَّ سَجَدَتْ نِصْرَانَةٌ لمْ تَحَنَفٍَّ (٢)
يقال: أنسجد، إذا مال. (٣) وقد ◌ُمع فى جمعهم ((أنصار))، بمعنى النصارى.
قال الشاعر :
لَمَّا رَأَيْتُ نَبَطَ أَنْصَارًا شَّرْتُ عَنْ رُ كْبَتِىَ الإِزَارَا
كُنْتُ لَهُمْ مِنَ النَّصَارِى جَارَا(٤)
٠٠٠
وهذه الأبيات التى ذكرتها، تدلّ على أنهم ◌ُسُّوا ((نصارى)) لنصرة بعضهم
بعضا، وتَناصُرٍ هم بينهم. وقد قيل إنهم سموا (( نَصَارى))، من أجل أنهم نزلوا أرضاً
يقال لها ((ناصرة)).
﴿ تراه إذا دار العشا متحفّفاً﴾
والبيت فى صفة الحرباء، و((محنفاً)): قد تحنف، أو صار إلى الحنيفية. ويعنى أنه مستقبل
القبلة. وقوله: ((لديه))، أى لدى العشى، ويريد قبل أن يستوى العشى أو لدى الضحى، ويكون قد
ذكره فى بيت قبله. وقوله: ((شامس))، يريد مستقبل الشمس، قبل المشرق. يقول يستقبل الشمس
كأنه نصرانى ، وهو كقول ذى الرمة فى صفة الحرباء أيضاً:
إِذا حَوَّلَ الظَّلَّ العَشِىُّ رَأَيتَهُ حَنِيفاً، وَفى قَرْنِ الضُّحَى يَتَنَصَّرُ
(١) هو أبو الأخزر الحمانى .
(٢) سيبويه ٢: ٢٩، ١٠٤، والان (حنف)، يصف ناقتين، طأطأتا رؤوسبما من
الإعياء ، فشبه رأس الناقة فى طأطأتها ، برأس النصرافية إذا طأطأته فى صلاتها. وأسجد الرجل : طأطأً
رأسه وخفضة وانحنى . قال حميد بن ثور ، يصف نوقاً :
فلمَّا لَوَيْنَ عَلَى مِنْصَرٍ وَكَفٍ خَضِبٍ وَأَسْوَارِهَا
لِأَحْبَارِهَا
سُجُودَ النّصَارَى
فُضُولَ أَزِمَّتِهَا أَسْجَدَتْ
(٣) بيان الطبرى عن معنى ((أحمد)) ليس مجيد.
(٤) لم أعرف صاحب الرجز. والأبيات، فى معانى القرآن الفراء ١: ٤٤ أمالى ابن الشجرى ١:
٧٩، ٣٧١، أنشده شاهداً على حذف واو العطف: أى ((وكنت لهم من النصارى جاراً))، ثم
أنشده فى الموضع الآخر شاهداً على حذف الفاء العاطفة أى ((فكنت لهم ... »

١٤٥
تفسير سورة البقرة : ٦٢
١٠٩٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((النصارى))، إنما ◌ُموا نصارى من أجل أنهم نزلوا أرْضاً يقال لها
((ناصرة).
٥
ويقول آخرون لقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِى إِلَى اللهِ﴾ [سورة الصف: ١٤]
٠ ٠
٠
وقد ذكر عن ابن عباس من طريق غير مرتضى ، أنه كان يقول : إنما سميت
النصارى نصارى، لأن قرية عيسى بن مريم كانت تسمى ((ناصرة))، وكان أصحابه
يسمون النَّاصِرِيِّين، وكان يقال لعيسى ((الناصرىّ)).
١٠٩٦ - حدثت بذلك عن هشام بن محمد ، عن أبيه ، عن أبى صالح ،
عن ابن عباس .
١٠٩٧ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ،
قال: إنما ◌ُمّوا تَصَارى، لأنهم كانوا بقرية يقال لها ناصرة ينزلها عيسى بن مريم،
فهو اسم تسمَّا به ، ولم يُؤمروا به .
١٠٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [ سورة المائدة: ٢٢] قال:
تسمّوا بقرية يقال لها ((ناصرة))، كان عيسى بن مريم ينزلها .
...
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿ وَالصَِّئِينَ﴾
قال أبو جعفر: و((الصابئون)) جمع ((صَابئ)) . وهو المستحدث سوى هينه
ديناً. كالمرتد من أهل السلام عن دينه . وكلّ خارج من دين كان عليه إلى آخر
غيره، تسميه العرب: ((صابئاً). يقال منه: ((صَّبأ فلان يَصْبأَ صَبْ)). ويقال: صَبأت))
النُّجوم)): إذا طلعت. (وصَبأ علينا فلان موضعَ كذا وكذا)) ، يعنى به: طلع .
ج ٢ (١٠)

١٤٦
تفسير سورة البقرة : ٦٢
٠٠٠
واختلف أهلُ التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل . فقال بعضهم:
٢٥٣/١ يلزمّ ذلك كل من خرج من دين إلى غير دين . وقالوا : الذين عنى الله بهذا
الاسم، قومٌ لا دين لهم . ذكر من قالَ ذلك :
١٠٩٩ - حدثنا محمد بن بشار قال ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى
١١٠٠ - وحدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق - جميعاً، عن
سفيان ، عن ليث، عن مجاهد قال: الصابئون ليسوا بيهود ولا نصارى، ولا دين هم .
١١٠١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال ، حدثنا سفيان ،
عن الحجاج بن أرطاة ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد مثله .
١١٠٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عنبسة ، عن الحجاج،
عن مجاهد قال: الصابئون بين المجوس واليهود، لا تُؤكل ذبائحهم، ولا تُنكح نساؤهم.
١١٠٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام ، عن عنبسة ، عن حجاج ،
عن قتادة ، عن الحسن مثل ذلك .
١١٠٤ -حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عیسى ،
عن ابن أبى نجيح: ((الصابئين)) بين اليهود والمجوس ، لا دين لهم
١١٠٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
١١٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین. قال ، حدثی حجاج ، قال
قال ابن جريج: قال مجاهد: ((الصابئين )) بين المجوس واليهود ، لا دين لهم. قال
ابن جريج: قلت لعطاء: ((الصابئين)) ، زعموا أنها قبيلة من نحو السواد ، (١) ليسوا
بمجوس ولا يهود ولا نصارى . قال: قد سمعنا ذلك ، وقد قال المشركون النبى
صلى الله عليه وسلم : قد صّباً .
(١) يعنى سواد العراق.

تفسير سورة البقرة : ٦٢
١١٠٧ - وحدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب ، قال قال
ابن زيد فى قوله: ((والصابئين)) قال: الصابئون، [أهل] دين من الأديان كانوا يجزيرة
الموصل(١)، يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عملٌ ولا كتاب ولا نبى، إلا قول
لا إله إلا الله. قال: ولم يؤمنوا برسول الله، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون
للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: « هؤلاء الصابئون ))، يشبهوهم بهم.
٠٠٠
وقال آخرون هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة . ذکرمن قال ذلك:
١١٠٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى. قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان ،
عن أبيه ، عن الحسن قال حدثنى زياد (٢): أن الصابثين يصلُّون إلى القبلة،
ويصلون الخمسَ . قال: فأراد أن يضعَ عنهم الجزية . قال: فخُبُر بعد أنهمٍ
يعبدون الملائكة .
١١٠٩ - وحدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید قال، حدثنا سعيد ، عن
قتادة قوله: ((والصابئين)) قال: الصابئون قوم يعبدون الملائكة، يصلُّون إلى القبلة ،
ويقرأون الزَّبُور .
١١١٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع ، عن أبى العالية قال: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرأون الزَّبور. قال
أبو جعفر الرازى: وبلغى أيضاً أنّ الصابئين قومٌ يعبدون الملائكة ، ويقرأون
الزبور ، ويصلُّون إلى القبلة .
٠ ٠ ٠
وقال آخرون : بل هم طائفة من أهل الكتاب ، ذكر من قال ذلك :
١١١١ - حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، قال :
سئل السدّى عن الصابئين ، فقال : هم طائفة من أهل الكتاب .
(١) فى المطبوعة (الصابئون دين من الأديان))، والزيادة بين القوسين لا بد منها.
(٢) زياد، هو زياد بن أبيه، والى العراق فى زمن معاوية رضى الله عنه.
٠

١٤٨
تفسير سورة البقرة : ٦٢
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره (مَنْ ،امَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ
الأخِرِ وَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِهِمْ﴾
قال أبو جعفر: يعنى بقوله: ((من آمن بالله واليوم الآخر))، من صدَّق
وأقر بالبعث بعد الممات يوم القيامة ، وعمل صالحاً فأطاع اللّه ، فلهم أجرهم عند
ربهم. يعنى بقوله: ((فلهمُ أجرهم عند ربهم))، فلهم ثوابُ عملهم الصالح عند ربهم.
٠٠٠
فإن قال لنا قائل: فأين تمام قوله: ((إنّ الذين آمنوا والذين هادوا وَالنصارى
وَالصابئين )» ؟
قيل: تمامه جملة قوله: ((مَن" آمن بالله واليوم الآخر)). لأن معناه : من
٢٥٤/١ آمن منهم بالله واليوم الآخر، فترك ذكْر ((منهم)) لدلالة الكلام عليه، استغناءً
بما ذكر عما تَرَك ذكره .
فإن قال : وما معنى هذا الكلام ؟
قيل : إن معناه : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ، مَنْ
يؤمن بالله واليوم الآخر، فلهُم أجْرُهُم عند ربِّهم.
فإن قال : و کیف یُؤمن المؤمن ؟
قيل : ليس المعنى فى المؤمن المعنى الذى ظننتَهُ ، من انتقال من دين إلى
دين ، كانتقال اليهودىّ والنصرانىّ إلى الإيمان = وإن كان قد قيل إنّ الذين عُنُوا
بذلك ، من كان من أهل الكتاب على إيمانه بعيسى وبما جاء به ، حتى أدرك
محمداً صلى الله عليه وسلم فآمن به وصدَّقه ، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين
بعيسى وبما جاء به ، إذ أدْركوا محمدًا صلى الله عليه وسلم : آمنوا بمحمد وبما
جاء به = ولكن معنى إيمان المؤمن فى هذا الموضع، ثباته على إيمانه وتركُه تبديله .
وأما إيمان اليهود والنصارى والصابئين، فالتصديقُ بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما

١٤٩
تفسير سورة البقرة : ٦٢
جاء به، فمن يؤمن منهم بمحمدٍ وبما جاء به واليوم الآخر، ويعملْ صالحاً ، فلم
یبدل ولم يغيِّر حتى توفى على ذلك ، فله ثواب عمله وأجره عند ربه، كما وصف
جل ثناؤه .
فإن قال قائل: وكيف قال: ((فلهم أجرهم عند ربهم))، وإنما لفظ ((مَنْ))
لفظ واحد ، والفعل معه موحّد ؟
قيل: ((مَنْ))، وإن كان الذى يليه من الفعل موحّد ، فإن له معنى الواحد
والاثنين والجْمع، والتذكير والتأنيث ، لأنه فى كل هذه الأحوال على هيئة واحدة
وصورة واحدة لا يتغير . فالعرب توحَّد معه الفعل - وإن كان فى معنى جمْع -
للفظه، وتجمع أخرى معه الفعل لمعناه ، كما قال جل ثناؤه: ﴿ ومِنْهُمْ مَنْ
يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَنْتَ تُشِعُ العُمَّ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ
إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَاَ نُوا لاَ يُبْصِرُونَ﴾ [سورة يونس: ٤٢، ٤٣].
فجمع مرة مع ((مَنْ)) الفعلَ لمعناه، ووحَّد أخرى معه الفعل لأنه فى لفظ الواحد ،
كما قال الشاعر :
أَيَِّا بسَلَى عَنْكُمَا إِنْ عَرَضْتُاَ، وَقُولَا لَهَا: عُوجِى عَلَى مَنْ تَخَلَفُوا(١)
(١) فى ديوان لامرىء القيس، منسوب إليه من قصيدة عدتها ٢٣ بيتاً، وفيه: ((ويقال إنها
لرجل من كندة)» وأولها :
دِيارٌ بِهَا الظََّنُ وَالِينُ تَفْكُفُ وَقَفْتَ بِهِاَ تَبَكَى وَدَمْعُكَ يَذْرِفُ
والأضداد لابن الأنبارى : ٢٨٨، قال أنشده الفراء ، وروايته صدره :
﴿أَلَّا بِسَلْمَى لَمَّةً إِذْ وَقَفْما)
والذى فى رواية الطبرى من قوله: ((عنكما)) زائدة فى الكلام، والعرب تقول: ((سر عنك))،
و((أنفذ عنك)) أى أمضى، وجز - لا معنى ( ((عنك)). وفى حديث عمر رضى الله عنه: أنه طاف
بالبيت مع يعلى بن أمية، فلما انتهى إلى الركن الغربى الذى يلى الأسود ، قال له : ألا تستلم ؟ فقال :
انفذ عنك، فإن النبى صلى الله عليه وسلم لم يستلمه. وفى الحديث تفسيره: أى دعه وتجاوزه. وقوله
((عرضتها)) من قولهم: عرض الرجل: إذا أتى العروض ( بفتح العين)، وهى مكة والمدينة وما حولهما.

١٠٠
تفسير سورة البقرة : ٦٢
فقال: ((تخلفوا))، وجعل ((مَنْ)) بمنزلة (الذين))، وقال الفرزدق:
نَكُنْ مِثْلَ مَنْ كَاذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ (١)
تَعَالَ فَإِنْ عَاهَدْتَنِ لاَ تَخُوُنِنِى
فثنّى((يصطحبان)) لمعنى ((مَنْ)). فكذلك قوله: ((من آمنَ بالله واليوم
الآخر فَلهُمْ أجْرُهم عند رَبهم))، وحّد ((آمن وعمل صالحاً)) للفظ(( مَنْ))،
وجمع ذكرهم فى قوله: ((فلهُمْ أجرهم))، لمعناه ، لأنه فى معنى "جمع .
وأما قوله ﴿ وَلَآَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَمُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ (@)
فإنه يعنى به جل ذكره: ولا خوفٌ عليهم فيما قَدِموا عليه من أهوال القيامة ،
ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم من الدنيا وعيشها، عند معاينتهم ما أعدّ اللّه
لحم من الثواب والنعيم المقيم عنده .
• ذِكْرُ من قال: عنى بقوله: ((مَن" آمن بالله))، مؤمنو أهل الكتاب
الذين أدركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم :
١١١٢ - حدثنى موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط
ابن نصر، عن السدّى: ((إنّ الذينَ آمنوا والذين هادُوا)) الآية، قال: نزلت
هذه الآية فى أصحاب سلمان الفارسى . وكان سلمان من جُنْدَ يْسابور ، وكان
من أشرافِهم ، وكان ابنُ الملك صديقاً له مُؤاخياً ، لا يقضى واحد منهما أمراً
دون صاحبه ، وكانا يركبان إلى الصيد جميعاً . فبينما هما فى الصَّيد ، إذ رُفع لهما
بيت من عَباء، (٢) فأتياهُ ، فإذا ◌ُهُما فيه برجل بين يديه مُصْحفٌ يقرأ فيه
(١) ديوانه: ٨٧٠، وسيبويه ١: ٤٠٤، والكامل ١: ٢١٦، وطبقات فحول الشعراء:
٣١٠، والأضداد: ٢٨٨، وأمالى ابن الشجرى ٢: ٣١١. ورواية ديوانه «تعش فإن واثقتى)).
وهو بيت من قصيدته الجيدة التى قالها حين نزل به ذئب فأضافه .
(٢) رفع له الشىء (بالبناء المجهول): أبصره من بعد. وفى المطبوعة: ((بيت من خباء))

١٥١
تفسير سورة البقرة : ٦٢
وهو يبكى . فسألاه: ما هذا؟ فقال: الذى يُريد أن يعلم هذا لا يقف موقفكما ،
فإن كنتما تريدان أن تعلما ما فيه فانزِلا حَتى أعلِّمكما. فنزلا إليه، فقال لهما: ٢٥٥/١
هذا کتابٌ جاء من عند الله أمر فيه بطاعته و نهی عن معصيته ، فیه : أن لا تزنى،
ولا تسرق ، ولا تأخذَ أموال الناس بالباطل . فقص عليهما ما فيه ، وهو الإنجيل
الذى أنزله الله على عيسى. فوقع فى قلوبهما، وتابعاه فأسلما. وقال لهما: إن ذبيحة
قومكما عليكما حرامٌ .
فلم يزالا معه كذلك يتعلمان منه ، حتى كان عيدً للملك، فجعل طعاماً، (١)
ثم جمع الناس والأشراف ، وأرسل إلى ابن الملك فدعاه إلى صَنِيعه ليأكل مع الناس .
فأبى الفتى، وقال : إنىّ عنك مشغول، فكل" أنت وأصحابك. فلما أكثر عليه
من الرُّسل ، أخبرهم أنه لا يأكل من طعامهم. فبعث الملك إلى ابنه فدعاه . وقال :
ما أمرك هذا ؟ قال : إنا لا نأکل من ذبائحکم ، إنکم کفّار ، ليس تحل
ذبائحُكم . فقال الملك: من أمرك بهذا ؟ فأخبره أن الراهب أمره بذلك . فدعا
الراهب فقال: ماذا يقولُ ابنى ؟ قال: صَدَق ابنُك. قال له: لولا أن الدَّمَّ
فينا عظيمٌ لقتلتك، ولكن اخرج من أرضنا. فأجَّله أجَلاً . فقال سلمان: فقمنا
نبكى عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقين ، فإنّا فى بيعة بالموصل مع ستين رجلاً
نعبد اللّه فيها ، فأتوُنا فيها .
فخرج الراهبُ ، وبقى سلمان وابن الملك ، فجعل يقول لابن الملك : انطلق
بنا! وابن الملك يقول : نعم . وجعل ابن الملك يبيع متاعَهُ يريد الجهاز. فلما أبطأ
على سلمان ، خرج سلمان حتى أتاهم ، فنزل على صاحبه ، وهو ربُّ البَيِّعة .
والخباء بيت من وبر أو صوف . فهو كلام لا معنى له . وفى الدر المنثور ١ : ٧٣ وروى الخبر بطوله:
((من عباءة)). والصواب ما أثبته. والعباء ضرب من الأكسية فيه خطوط سود كبار ، وهو هنا مفرد ،
وجمعه أعبية . والعباء أيضا جمع عباءة.
(١) فى الدر المنثور: ((فجمع طعاماً))، وأظن أن الصواب: ((فصنع طعاماً))، ويدل على
صواب ذلك قوله بعد: ((فدعاه إلى صنيعه)). يقال: صنع لهم طعاماً، وكنت فى صنيع فلان :
أى مأدبته ومدحاته .

١٥٢
تفسير سورة البقرة : ٦٢
وكان أهل تلك البيعة من أفضل الرهبان، (١) فكان سلمان معهم يجتهد فى العبادة
ويتعب نفسه ، فقال له الشيخ: إنك غلام حَدَثٌ تتكلَّف من العبادة ما لا
تُطيق، وأنا خائف أن تفتر وتعجز : فارفُق بنفسك وخفف عليها . فقال سلمان:
أرأيت الذى تأمرنى به ، أهو أفضل أو الذى أصنع ؟ قال : بل الذى تصنع .
قال : دخلّ عنّى .
ثم إن صاحب البيعة "دَعَاه فقال: أتعلم أنّ هذه البيعة لى، وأنا أحقُّ الناس
بها ، ولو شئت أن أخرج هؤلاء منها لفعلتُ! ولكنّى رجل أضعُف عن عبادة
هؤلاء ، وأنا أريد أن أتحوَّل من هذه البيعة إلى بيعة أخرى هم أهونُ عبادة من
هؤلاء ، فإن شئت أن تُقيم ههنا فأقم، وإن شئت أن تنطلق معى فانطلق . قال
له سلمان : أىّ البَّيعتين أفضل أهلاً ؟ قال: هذه . قال سلمان: فأنا أكون فى
هذه . فأقام سلمان بها وأوصى صاحبُ البُيعة عالِمَ البيعة بسلمان، فكان سلمان
یتعبّذ معهم .
ثم إن الشيخ العالم أراد أن يأتى بيت المقدس ، فقال لسلمان : إن أردت أن
تنطلق معى فانطلق، وإن شئت أن تقيم فأقم . فقال له سلمان : أيهما أفضّل ،
أنطلقُ معك أم أقيم ؟ قال: لا، بل تنطلق معى. فانطلق معه . فمروا بمُقُعدٍ على
ظهر الطريق ملقّى، فلما رآهما نادى: يا سيد الرهبان ، ارحمنى يرحمك الله ! فلم
يكلمه ولم ينظر إليه . وانطلقا حتى أتيا بيت المقدس ، فقال الشيح لسلمان :
اخرج فاطلب العلم ، فإنه يحضر هذا المسجد علماء أهل الأرض . فخرج سلمان
يسمع منهم ، فرجع يوماً حزيناً، فقال له الشيخ: مالك يا سلمان؟ قال: أرى
الخير كله قد ذهب به مَن كان قبلنا من الأنبياء وأتباعهم ! فقال له الشيخ :
با سلمان لا تحزن ، فإنه قد بقی تبیّ ليس من نى بأفضل تبعاً منه، وهذا زمانه
الذى يخرج فيه ، ولا أُرانى أدركه ، وأما أنت فشاب لعلك أن تدركه ، وهو
(١) فى الدر المنثور: ((فكان أهل تلك البيعة، أفضل مرتبة من الرهبان))

١٥٣
تفسير سورة البقرة : ٦٢
يخرج فى أرض العرّب فإن أدركته فآمن به واتَّبعه . فقال له سلمان: فأخبرنى
عن علامته بشىء . قال : نعم ، هو مختوم فى ظهره بخاتم النُّبُوة ، وهو يأكل
الهدية ولا يأكل الصدقة .
ثم رَجعا حتى بلغا مكان المُقْعَدَ، فناداهما فقال: يا سيّد الرهبان، ارحمى ٢٥٦/١
يرحمك اللّه ! فعطف إليه حماره ، فأخذ بيده فرفعه ، فضرب به الأرض ، ودعا
له وقال: فُمْ بإذن الله! فقام "صحيحاً يشتدّ. (١) فجعل سلمان يتعجب وهو
ينظر إليه يشتدّ. وسار الراهب فتغيب عن سلمان ، ولا يعلم سلمان .
ثم إن سلمان فزع فطلبَ الراهب . فلقيه رجلان من العرب من كلْب ،
فسألهما: هل رأيتما الراهب؟ فأناخ أحدهما راحلته، قال: نِعْمَ رَاعى الصُرمة هذا!(٢)
فحمله فانطلق به إلى المدينة .
قال سلمان : فأصابنى من الحزن شىء لم يصبنى مثله قط . فاشترته امرأة
من ◌ُجَهَيْنة ، فكان يَرْعى عليها هو وغلام لها يتراوحان الغنم، هذا يوماً وهذا يوماً .
فكان سلمان يجمع الدراهم ينتظر خروجَ محمد صلى الله عليه وسلم . فبينا هو يوماً
يرعى، إذْ أتاه صاحبه الذى يَعقُبُهُ، (٣) فقال: أَشعَرْت أنه قد قدم اليوم
المدينةَ رجل يزعمُ أنه تَبِىّ؟(٤) فقال له سلمان: أقم فى الغنم حتى آتيك .
فهبط سلمانُ إلى المدينة . فنظر إلى النبى صلى الله عليه وسلم ودارَ حوله .
فلما رآه النبى صلى الله عليه وسلم عرف ما يريد، فأرسل ثوبه حتى خرج خاتمه ،
فلما رآه أتاه وكلمه . ثم انطلق فاشترى بدينار ، ببعضه شاةً وببعضه خبزاً ، ثم
أتاه به . فقال : ما هذا ؟ قال سلمان : هذه صدقة . قال : لا حاجة لى بها ،
(١) اشتد: عدا وأسرع .
(٢) الصرفة : القطيع من الإبل والغنم.
(٣) عقبه يعقبه: جاء بعده فى ذوبته، ومنه التعاقب: أن يأتى هذا ويذهب ذاك.
(٤) أشعرت: علمت.

١٥٤
تفسير سورة البقرة : ٦٢
فأخرجها فليأكلها المسلمون . ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزاً ولحماً ، فأتى
به النبى صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال : هذه هديّة. قال: فاقعد
[ فكُل].(١) فقعد فأكلا جميعاً منها . فيينا هو يحدّثّه، إذ ذكر أصحابَه فأخبره
خبرهم فقال : كانوا يَصُومون ويصلُّون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًّاً .
فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم ، قال له نبى الله صلى الله عليه وسلم : يا سلمان ،
هم من أهل النار . فاشتدّ ذلك على سلمان ، وقد كان قال له سلمان: لو أدْر كوك
صدَّقُوك واتَّبعوك. فأنزل الله هذه الآية: ((إن الذين آمنوا والذين مادُوا والنصارى
والصابئين مَنْ آمن بالله واليوم الآخر)).(٢)
فكان إيمان اليهود: أنه من تمسَّك بالتوراة وُسنة موسى ، حتى جاء عيسى. فلما جاء
عيسى كان من تمسّك بالتوراة وأخذ بسُنة موسى - فلم يدعها ولم يتبع عيسى - كان
هالكاً . وإيمان النصارى: أنه من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمناً
مقبولا منه ، حتى جاءَ محمد صلى الله عليه وسلم، فمن لم يتبع محمداً صلى اللّه
عليه وسلم منهم ويَدَعْ ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل - كان مالكاً.
٠٠٠
١١١٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((إنّ الذين آمنوا والذين هادُوا)) الآية، قال: (٣)
(١) الزيادة من الدر المنثور ١ : ٧٤.
(٢) الحديث: ١١١٢ - هذا حديث منقطع، فى شأن إسلام ((سلمان الفارسى)). وقال
الحافظ فى الإصابة ٣: ١١٣: «ورويت قصته من طرق كثيرة، من أصحها ما أخرجه أحمد من حديثه
نفسه. وأخرجها الحاكم من وجه آخر عنه أيضاً. وأخرجه الحاكم من حديث بريدة. وعلق البخارى
طرفاً منها . وفى سياق قصته فى إسلامه اختلاف يتعسر الجمع فيه)). وإشارته إلى رواية أحمد، هى فى
المسند ه : ٤٤١ - ٤٤٤ (حلى)، وهى بالإسناد نفسه فى ابن سعد ٤: ٥٣ - ٥٧. وانظر
المستدرك الحاكم ٣ : ٥٩٩ - ٦٠٤. وتاريخ إصبهان لأبي نعيم ١: ٤٨ - ٥٧، والحلية لأبي نعيم
١ : ١٩٠ - ١٩٥.
(٣) فى المطبوعة: ((قال سلمان الفارسى النبى صلى الله عليه وسلم))، بحذف ((سأل)). والصواب
من الدر المنثور ١ : ٧٤ .
:

١٥٥
تفسير سورة البقرة : ٦٢
سأل سلمانُ الفارسىّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن أولئك النصارى وما رأى من
أعمالهم، قال: لم يموتوا على الإسلام . قال سلمان: فأظلمتْ علىّ الأرضُ،
وذكرت اجتهادهم، (١) فنزلت هذه الآية: ((إنّ الذين آمنوا والذين هادوا)). (٢)
فدع سلمان فقال: نزلت هذه الآية فى أصحابك. ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم
من مَاتَ على دين عيسى ومات على الإسلام قبل أن يسمع بى ، فهو على
خير ؛ ومن سمع بى اليوم ولم يؤمن بى فقدْ هَلك.(٣)
٠ ٠٠
وقال ابن عباس بما : -
١١١٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنى معاوية بن
صالح، عن ابن أبى طلحة ، عن ابن عباس قوله: ((إنّ الذين آمنوا والذين
"هَادُوا والنصارى والصابئين)) إلى قوله: ((ولا هم يحزنون)). فأنزل الله تعالى بعدَ
هذا ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينَا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الْآخِرَةِ مِنَ
الخَاسِرِين﴾ [سورة آل عمران: ٨٥]
وهذا الخبر يدلّ على أن ابن عباس كانَ يرى أن الله جل ثناؤه كان قد
وَعَدَ مَنْ عمل صالحاً - من اليهود والنصارى والصابئين - على عمله، فى الآخرة ٢٥٧/١
الجنة ، ثم نسخ ذلك بقوله: ((وَمَنْ يَبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)).
٠
فتاویل الآبة إذاً ، على ما ذ کرنا عن مجاهد والسدی : إنّ الذين آمنوا من
هذه الأمة، والذين هادوا، والنصارى، والصابئين- مَن آمَن منَ اليهود والنصارى
والصائین بالله واليوم الآخر- فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هميحزنون.
٥
والذى قلنا من التأويل الأوّل، أشبهُ بظاهر التنزيل. لأن الله جل ثناؤه لم
(١) فى المطبوعة: ((وذكر اجتهادهم))، والصواب من الدر المنثور.
(٢) الآية لم ترد فى المطبوعة، ووردت فى نص الدر المنثور.
(٣) الحديث : ١١١٣ - وهذا منقطع أيضاً.

,١٥٦
تفسير سورة البقرة : ٦٣
بخصّص - بالأجر على العمل الصالح مع الإيمان - بعض خلقه دون بعض
منهم، والخبرُ بقوله: ((من آمن بالله واليوم الآخر))، عن جميع ما ذكر فى
أول الآية .
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَإِذْ أَخَذْنَ مِيثَقَكُمْ﴾
قال أبو جعفر: ((الميثاق))، ((المفعال))، من ((الوثيقة))، إمّا بيمين،
وإما بعهد ، أو غير ذلك من الوثائق . (١).
ويعنى بقوله: ((وإذْ أخَذْنا ميثاقكم))، الميثاقَ الذى أخبر جل ثناؤه أنه
أَخذَ منهم فى قوله: ﴿وَ إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِى إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلّ اللهَ
وَ بِالوَ الِدِينِ إِحْتَاناً﴾ [سورة البقرة: ٨٣ -٨٥]، الآيات التى ذكر معها . وكان
سببُ أُخذَ الميثاق عليهم - فيما ذكره ابن زید - ما : -
١١١٥ - حدثنى به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال،
قال ابن زيد: لما رَجَع ◌ُمُوسى من عند ربه بالألواح . قال لقومه بنى إسرائيل :
إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمره الذى أمركم به ونهيه الذى نها كم عنه.(٢)
فقالوا: ومن يأخُذُه بقولك أنت؟ لا والله حتى نَرَى اللّه جَهْرةَ، حتى يطلع الله
إلينا فيقول: هذا كتابی فخذوه! فماله لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى ، فيقول :
هذا كتابى فخذوه ؟ قال : فجاءت غضْبة من اللّه، فجاءتهم صاعقة فصَعَقْهم ،
فماتوا أجمعون . قال : ثم أحياهم اللّه بعد موتهم ، فقال لهم موسى: خذوا كتاب
اللّه. فقالوا: لا. قال: أى شىء أصابكم؟ قالوا: مِتنا ثم حيينا!(٣) قال: خذوا
(١) انظر ما سلف ١: ٤١٤، فى قوله تعالى: ((من بعد ميثاقه)) [ سورة البقرة: ٢٧].
(٢) فى المطبوعة: ((وأمره الذى أمر كم))، والتصحيح من روايته فى رقم : ٩٥٩.
(٣) فى رقم: ٩٥٩: ((قالوا أصابنا أنا متنا ... )).

١٥٧
تفسير سورة البقرة : ٦٣
كتاب الله . قالوا : لا . فبعث ملائكته فنتقت الجبل فوقهم، فقيل لهم : أتعرفُون
هذا ؟ قالوا : نعم ، هذا الطور ! قال: "خذوا الكتاب وإلا طرحْناه عليكم.
قال: فأَخذوه بالميثاق، وقرأ قولَ الله: ﴿وإذْ أخَذْنَا مِيثَقَ بَنِ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ
إلاَّ اللهَ وبالْوَ الِدَيْنِ إحْسَنَا﴾ حتى بلغَ ﴿ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمّا تَعملون﴾ [سورة
البقرة: ٨٣- ٨٥]، قال: ولو كانوا أخذوه أول مرة، لأخذوه بغير ميثاق.(١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُ الطُّورَ﴾
قال أبو جعفر: وأما ((الطور)) فإنه الجبل فى كلام العرب ، ومنه قول
العجاج :
دَانَى جَفَاحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَرْ تَقَضِّىَ الْبَارِى إِذَا الْبَازِى كَسَرْ(٢)
وقيل : إنه اسم جبل بعينه. وُذكر أنه الجبلُ الذى ناجَى اللّه عليه موسى.
وقيل : إنه من الجبال ما أنبتَ دُون ما لم يُنبت. (٣)
(١) الأثر رقم: ١١١٥ - مضى أكثره فى رقم: ٩٥٩.
(٢) ديوانه: ١٧، وهو من قصيدة جيدة يذكر فيها مآ ثر عمر بن عبيد الله بن معمر التيمى،
وقد ولى الولايات العظيمة، وفتح الفتوح الكثيرة، وقاتل الخوارج. والضمير فى قوله: ((دانى)) يعود
إلى متأخر، وهو ((البازى)) المذكور فى البيت بعده. فإن قبله، ذكر عمر بن عبيد الله وكتائبه
من حوله :
حَوْلَ أَبْنٍ غَرَّاءَ حَصَانِ إِنْ وَتَرْ فَتَ، وَإِنْ طَالَبَ بالوَغْرِ اقْتَدَرْ
دَانى جناحيه
إِذَا الكِرَامُ أَبْتَدَروا البَّعَ أَبْقَدَرْ
يريد : ((ابتدر منقضاً انقضاض البازى من الطور، دافى جناحيه ... فر)) . فقدم وأخر . وهو
من جيد التقديم والتأخير. وقوله: ((دانى)) أى ضم جناحيه وقر بهما وضيق ما بينهما تأهباً للانقضاض
من ذروة الجبل. ومر: أسرع إسراعاً شديداً. وقوله: ((تقضى)) أصلها ((تقضض))، فقلب الضاد
الأخيرة ياء، استثقل ثلاث ضادات، كما فعلوا فى ((تظنن)) ((وتغلى)) على التحويل. وتقضض
الطائر: هرى فى طيرانه يريد الوقوع . والبازى : ضرب من الصقور ، شديد . وكسر الطائر جناحيه :
ضم منهما شيئاً - أى قليلا - وهو يريد السقوط .
(٣) هذا قول لم أجده فى كتب اللغة فى مادته.

١٥٨
تفسير سورة البقرة : ٦٣
• ذكر من قال : هو الجبلُ كائناً ما كان :
١١١٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى ،
عن ابن أبى تجيح ، عن مجاهد قال : أمر موسى قوَمَه أن يدخلوا الباب ◌ُجَّدًا
ويقولوا:((حِطَّة))، وُطُوطئء لهم البابُ ليسجدوا، فلم يسجدوا ودخلوا على أدبارهم،
وقالوا: حِنْطة . فَنتق فوقهم الجبل - يقول: أخْرَجَ أصْلَ الجبل من الأزه
فرفعه فوقهم كالظُّلّة = و((الطور))، بالسريانية، الجبل= تخويفاً، أو خوفاً، شك"
أبو عاصم ، فدخلوا سجداً على خوف، وأعينهم إلى الجبل. هو الجبل الذى تجلّى
كوربه .(١)
١١١٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : رفع الجبل فَوْقهم كالسحابة ، فقيل لهم :
لتؤمنُنَّ أو ليقعَنَّ عليكم. فآمنوا. والجبل بالسريانية (الطور)).
١١١٨ -حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا یزید بن زريع قال ، حدثنا
٢٥٨/١ سعيد، عن قتادة قوله: ((وإذْ أخذْنا ميثاقكم ورَفعنا فوقكمُ الطور)) قال:
الطور الجبلُ؛ كانوا بأصله، فرُفع عليهم فوقَ رؤسهم، فقال: لتأخُذُنّ أمْرَى،
أوْ لأرمينكم به .
١١١٩ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ،
عن قتادة: ((ورَفعنا فَوْقكم الطور))، قال: الطورُ الجبل. اقتلعه اللّه فَرَفعه
فوقهم، فقال: ((خُذُوا مَا أتيناكمُ بُقوة )) فأقرّوا بذلك.
١١٢٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
الربيع ، عن أبى العالية: ((ورفعنا فوقكم الطور)) قال : رفع فوقهم الجبل ،
◌ُوُفهم به .
(١) الأثر رقم : ١١١٦ - مضى صدر منه برقم: ١٠٢٧.

١٥٩
تفسير سورة البقرة : ٦٣
١١٢١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن النضر ، عن عكرمة قال :
الطُّور الجبلُ .
١١٢٢ - وحدثنا موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ،
عن السدى: لما قال الله لهم: ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة. فأبوا أن يسجدوا، أمر
اللّه الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سجداً على شق، ونظروا بالشق
الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم فذلك قوله: ﴿ وَ إِذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ
ظُلَّةَ﴾ [سورة الأعراف: ١٧١]، وقوله: ((وَرَفعنا فَوْقَكم الطُّرَ )).
١١٢٣ - وحدثنى يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال
ابن زيد : الجبل بالسُّريانية الطُّور .
...
وقال آخرون: ((الطور)) اسم للجبل الذى ناجى الله موسى عليه ، ذکر من
قال ذلك :
١١٢٤ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال: قال ابن عباس: الطُّور، الجبل الذى أنزلت عليه التوراة - يعنى
على موسى - ، وكانت بنو إسرائيل أسفل منه . قال ابن جريج : وقال لى عطاء :
رُفع الجبل على بنى إسرائيل، فقال: لتؤمنُن به أو ليقعَنَّ عليكم . فذلك قوله:
(( كأنه ظُلَّةً)).
٠ ٠
٠
وقال آخرون: الطُّور، من الجبال، ما أنبت خَاصَّةً. ذكر من قال
قال ذلك :
١١٢٥ - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبى روق ،
عن الضحاك، عن ابن عباس فى قوله: ((الطور)) قال: الطور من الجبال ما
أنْبتَ، وما لم ينبت فليس بطُورٍ .
٥٠

١٦٠
تفسير سورة البقرة ٦٣
القول فى تأويل قوله تعالى ذكره (خُذُ واْمَاءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ.
قال أبو جعفر : اختلف أهل العربية فى تأويل ذلك . فقال بعض نحوبي
أهل البصرة : هو مما استغنى بدلالة الظاهر المذكور عما تُرك ذكره له . وذلك
أن معنى الكلام : ورفعنا فوقكم الطور، وقلنا لكم : خذوا ما آتيناكم بقوة، وإلاّ
قَذَ قناهُ عليكم .
وقال بعض نحوبى أهل الكوفة : أخذُ الميثاق قول" ، فلا حاجة بالكلام
إلى إضمار قول فيه ، فيكون من كلامين ، غير أنه ينبغى لكلّ ما خالف القول"
من الكلام - الذى هو بمعنى القول - أن يكون معه ((أن)) ، كما قال الله جل
ثناؤه: ﴿ إِنّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَك﴾ [ سورة نوح: ١] قال:
ويجوز أن تحذف ((أن )) .
والصوابُ فى ذلك عندنا : أن كل كلام نطِقٍ به - مفهومٍ به معنى ما أريد -
ففيه الكفاية من غيره .
ويعنى بقوله: (( خذوا "مَا آتيناكم))، ما أمرناكم به فى التوراة.
٠ ٥٠
وأصلُ ((الإيتاء))، الإعطاء.(١)
ويعنى بقوله: ((بقُوّة))، يجدُّ فى تأدية ما أمركم فيه وافترض عليكم، كما :-
١١٢٦ - حدثت عن إبراهيم بن بشار قال :، حدثنا ابن عيينة ، قال ،
حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((خذوا
"مَا آتيناكم بقوة)). قال : تَعملوا بما فيه .
١١٢٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد مثله .
١١٢٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن
(١) انظر ما سلف ١ : ٥٧٤