Indexed OCR Text
Pages 21-40
:
٢١
تفسير سورة البقرة: ٤٦
هلْ أنتَ بَعِثُ دِينَارٍ لحاجَتِنَا أَوَ عَبْدَرَبٍ أَخَعَوْنِ بِن غِرَاق؟(١)
فأضاف ((باعثاً)) إلى ((الدينار))، ولما يبعث، ونصب ((عبد رَبَ)). عطفاً
على موضع دينار، لأنه فى موضع نصب وإنْ ◌ُخُفِضٍ، وكما قال الآخر (٢) : .
الحافِظُو عَوْرَةِ المَشِيرةِ، لَا يَأْتِيهِمُ مِنْ وَرَائِهِمْ نَطَفْ(٣)
بنصب (العورة)) وخفضها، فالخفضُ على الإضافة، والنصب علىحذف
النون استثقالا وهى مرادة. وهذا قول نحوبى البصرة (٤).
وأما نحويو الكوفة فإنهم قالوا: جائزٌ فى ((ملاقو)) الإضافة، وهو فىمعنى(يلقون))،
وإسقاط النون منه ، لأنه فى لفظ الأسماء ، فله فى الإضافة إلى الأسماء حظ الأسماء.
وكذلك حكم كل اسم كان له نظيراً . قالوا : وإذا أثبتَّ فى شىء من ذلك النون
وتركتَ الإضافة، فإنما تفعل ذلك به، لأن له معنى ((يفعل))، الذى لم يكن ٢٠٨/١
ولم يجب بعد. قالوا: فالإضافة فيه للفظ، وترك الإضافة للمعنى.
(١) سيبويه ١: ٨٧، والخزانة ٣: ٤٧٦، والعين ٣: ٥٦٣. قال صاحب الخزانة:
((البيت من أبيات سيبويه التى لم يعرف قائلها. وقال ابن خلف: قيل هو لجابر بن رألان السنبسى،
وسنبس أبو حى من طيء. ونسبه غير خدمة سيبويه إلى جرير، وإلى تأبط شراً، وإلى أنه مصنوع ،
واقه أعلم بالحال !)). دينار وعبد رب، رجلان. والشاهد فيه نصب ((عبد رب)) على موضع ((دينار)) ،
لأن المعنى : هل أنت باعث ديناراً أو عبد ربه .
(٢) هو عمرو بن امرئ القيس، من بنى الحارث بن الخزرج، وهو جد عبد الله بن رواحة
رضى الله عنه ، جاهل قديم .
(٣) جمهرة أشعار العرب: ١٢٧، سيبويه١: ٩٥، والمسان (وكف) والخزانة ٢ :
١٨٨، ٣٣٧، ٣/٤٨٣: ٤٠٠، ٤٧٣. وهو من قصيدة يقولها لمالك بن العجلان النجارى فى خبر
مذكور. والعورة : المكان الذى يخاف منه مأتى العلو. واالنطف : العيب والريبة ، يقال : هم أهل
الريب والنطف. وهذه رواية سيبويه والطبرى، وأما رواية غيره فهى: ((من ورائنا وكف))، والوكف:
العيب والنقص .
(٤) قال سيبويه ١: ٩٥: ((لم يحذف النون للإضافة، ولا ليعاقب الاسم النون، ولكن
حذفوها كما حلفوها من اللذين والذين، حين طال الكلام ، وكان الاسم الأول منتهاء الامم الآخر ى.
٢٢
تفسير سورة البقرة : ٤٦
٠
٠
فتأويل الآية إذاً : واستعينوا على الوفاء بعهدى بالصّبر عليه والصلاة ، وإن
الصلاة لكبيرة إلا على الخائفين عقابى، المتواضعين لأمرى ، الموقنين بلقائى والرجوع
إلىّ بعد مماتهم.
وإنما أخبر الله جل ثناؤه أن الصلاة كبيرةٌ إلا على من هذه صفته ، لأن من
كان غير ◌ُمُوقن بمعادٍ، ولا مصدّق بمرجع ولا ثواب ولا عقاب، فالصلاة عنده
عناء وضلال ، لأنه لا يرجو بإقامتها إدراك نفع ولا دفعَ ضُرّ. وُحقّ لمن كانت
هذه الصفةُ صفته أنْ تكون الصلاة عليه كبيرة ، وإقامتها عليه ثقيلة وله فادحة .
وإنما خفَّت على المؤمنين المصدِّقين بلقاء الله، الراجين عليها جزيل ثوابه، الخائفين
بتضييعها أليم عقابه، لِمّا يرجون بإقامتها فى معادهم من الوصول إلى ما وعد الله عليها
أهلها ، ولما يحذرون بتضييعها ما أوعد مُضيعتها . فأمر الله جل ثناؤه أحبار بنى
إسرائيل الذين خاطبهم بهذه الآيات ، أن يكونوا من ◌ُقيميها الراجين ثوابها، إذا
كانوا أهلَ يقين بأنهم إلى الله راجعون، وإياه فى القيامة بلاقون.
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر: و((الهاء والميم)) اللتان فى قوله: ((وأنهم))، من ذكر الخاشعين،
و((الهاء)) فى ((إليه))، من ذكر الرب تعالى ذكره فى قوله: ((ملاقو ربهم)).
فتأويل الكلمة، وإنها لكبيرة إلاّ على الخاشمين الموقنين أنهم إلى ربهم راجعون.
٠
٠٠
ثم اختلف فى تأويل (الرجوع)) الذى فى قوله: ((وأنهم إليه راجعون)). فقال
بعضهم ، بما :-
٢٣
تفسير سورة البقرة : ٧٤٤٦ ٤
٨٦٧ - حدثنى به المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا
أبو جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية فى قوله: ((وأنهم إليه راجعون))، قال :
يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة .
وقال آخرون : معنى ذلك : أنهم إليه يرجعون بموتهم .
وأولى التأويلين بالآية ، القول الذى قاله أبو العالية . لأن الله تعالى ذكره
قال فى الآية التى قبلها: ((كيفَ تكفرونَ باللّه وكثّم" أمواتاً فأحياكمْ ثم يميتكم
ثم یحییکم ثم إلیه ترجعون)) . فأخبر جل ثناؤه أن مرجعهم إليه بعد نشرهم وإحيائهم
من مماتهم، وذلك لاشك يوم القيامة. فكذلك تأويل قوله: ((وأنهم إليه راجعون)).
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَنِ إِسْرِّوِيلَ اذْ كُرُوا نِعَتِىَ أَّتِى
أَنْعَنْتُ عَلَيْكُمْ﴾
قال أبو جعفر : وتأويل ذلك فى هذه الآية ، نظيرُ تأويله فى التى قبلها فى
قوله: ((اذكروا نعمتى التى أنعمتُ عليكم وأوفوا بعهدى)). وقد ذكرته هنالك(١).
٥
٠
القول فى تأويل قوله تعالى (وَأَنِى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعُلَمِينَ) )
قال أبو جعفر : وهذا أيضاً مما ذكرهم جل ثناؤه من آلائه ونعمه عندهم .
ويعنى بقوله: ((وأنى فضلتكم على العالمين))، أنى فضلت أسلافكم، فنسب نعمه
على آبائهم وأسلافهم، إلى أنّها نعم منه عليهم، إذ كانت مآثر الآباء مآ ثرَ للأبناء،
( ١) انظر ١ : ٥٥٥ - ٠٥٩ .
٢٤
تفسير سورة البقرة : ٤٧
والتعم عند الآباء نعماً عند الأبناء ، لكون الأبناء من الآباء . وأخرج جل ذكره
قوله: (( وأنی فضلتكم علىالعالمين ) خرّج العموم، وهو یرید به خصوصاً ، لأن
المعنى : وأنی فضلتكم على عالم من کتتم بين ظهریه وفى زمانه (١). کالذی :-
٨٩٨-حدثنا به محمد بنعبد الأعلىالصنعانى قال، حدثنا محمد بن ثور،
عن معمر - وحدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبدالرزاق قال، أخبرنا معمر-
عن قتادة، ((وأنى فضلتكم على العالمين))، قال: فضلهم على عالمَ ذلك الزمان.
٨٦٩-حدثی المتی قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع،
عن أبى العالية: ((وأنّ فضّلتكم على العالمين)) قال: بما أعْطوا من الملك والرُسل
٢٠٩/١ والكتب، على عالم "مَنْ كان فى ذلك الزمان، فإنّ لكل زمان عالماً.
٨٧٠ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال، قال مجاهد فى قوله: ((وأنى فضّلتكم على العالمين))، قال : على
من هم بين ظهرَانَيْه
٨٧١ - وحدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : على من هم بين ظهرانيه .
٨٧٢ - وحدثنى يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال،
سألت ابن زيد عن قول الله: ((وأنىّ فضلتكم على العالمين)، قال: عالم أهل ذلك
الزمان. وقرأ قول اللّه (وَلَقَدِ اخْتَرْ نَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، [سورة الدخان: ٣٢]
قال: هذه لمن أطاعه واتبع أمره، وقد كان فيهم القردةُ، وهم أبغض خلقه إليه، وقال
ثُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِ جَتْ لِلنَّاسِ﴾، [سورة آل عمران: ١١٠]قال:
لهذه الأمة:
(١) انظر ١ : ١٤٣ - ١٤٦، ثم ١٥١ - ١٥٢. يقال لكل ما كان فى وسط شىء ومعظمه:
. ((هو بين ظهرينا وظهرانينا)) على تقدير أنه مقيم بين ظهر من ورائه وظهر من أمامه، فهو مكنوف من
جانبيه، ثم كثر حتى استعمل فى الإقامة بين القوم مطلقاً. ويقال أيضاً: ((هو بين أظهرهم مقيم)) بهذا
المعنى. ويقال أيضاً: ((لقيته بين ظهرانى القليل))، أى بين العشاء والفجر، وعلى هذا فقس استعمال
هذه الكلمة .
٢٥
تفسير سورة البقرة : ٤٧
هذه لمن أطاع الله، واتبع أمرَه ، واجتنب محارمه .
...
قال أبو جعفر : والدليل على صحة ما قلنا من أن تأويل ذلك على الخصوص
الذى وصفنا ما :-
٨٧٣ - حدثنى به يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية - وحدثنا
الحسن بن يحيى ، قال: أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر - جميعاً، عن
بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده ، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم يقول: ألا إنكم وَفَّيْتُم سبعين أمّة - قال يعقوب فى حديثه: أنتم آخرها -
وقال الحسن: أنّمُ خيرُها وأكرُمها على اللّه (١).
...
فقد أنبأ هذا الخبر عن النبى صلى اللّه عليه وسلم أنّ بنى إسرائيل لم يكونوا
مفضَّلين على أمة محمد عليه السلام، وأنّ معنى قوله: ﴿وَفَضِّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِين﴾،
[سورة الجاثية: ١٦، وقوله: ((وأنى فضّلتكم على العالمين))، على مابيّنا من تأويله.
(١) الحديث: ٨٧٣ - بهز، بفتح الباء وسكون الهاء: هو ابن حكيم بن معاوية بن حيدة
القشيرى . وهو ثقة ، وثقه ابن معين وابن المدينى وغيرهما ، ولا حجة لمن تكلم فيه ، وقد ترجمه البخارى فى
الكبير ١ / ٢ / ١٤٢ - ١٤٣، وابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ١ / ١ / ٤٣٠ - ٤٣١. بل
أخرج له البخارى فى الصحيح تعليقاً، كما ذكر الحافظ فى الإصابة ٦ : ١١٢، فى ترجمة جده.
أبوه حكيم بن معاوية: تابعى ثقة، ترجمه البخارى ٢ / ١ / ١٢، وابن أبى حاتم ١ / ٢ / ٢٠٧ .
وجده معاوية بن حيدة: صحابى ثابت الصحبة، قال ابن سعد فى الطبقات ٧ / ١ / ٢٢: (وقد على
النبى صلى الله عليه وسلم، فأسلم وصحبه، وسأله عن أشياء، وروى عنه أحاديث)). وترجمه البخارى
٤ / ١ / ٣٢٩، وقال: ((سمع النبي صلى الله عليه وسلم)).
وهذا الحديث رواه الطبرى هنا بإسنادين : من طريق ابن علية عن بهز، ومن طريق معمر بن راشد
عن بهز. وسيأتى بهذين الإسنادين منفصلين (٤: ٣٠ بولاق ).
ورواه الترمذى ٤: ٨٢ - ٨٣، من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن بهز ، عن أبيه ،
عن جده: (( أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول، فى قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) ،
قال: أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله)). ثم قال الترمذى: ((هذا حديث حسن.
وقد روى غير واحد هذا الحديث عن بهز بن حكيم ، نحو هذا ، ولم يذكروا فيه ( كنتم خير أمة أخرجت
الناس ))).
٢٩
تفسير سورة البقرة : ٤٨،٤٧
وقد أتينا على بيان تأويل قوله: (( العالمين)) بما فيه الكفاية فى غير هذا الموضع،
فأغنى ذلك عن إعادته(١) .
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمَا لَا تَجْزِى نَفْسُ عَنْ
نَفْسٍ حَيْئاً).
قال أبو جعفر : وتأويل قوله: ((واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً)):
واتقوا يوماً لا تجزى فيه نفس عن نفس شيئاً . وجائزٌ أيضاً أن يكون تأويله ، واتقوا
يوماً لا تجزیہ نفس عن نفس شيئاً ، كما قال الراجز :
قَدْ صَبَّحتْ، صبِّحَهَا السَّلامُ، بِكَبِدٍ خَطَهَ سَنَامُ
فى سَاعَةٍ يُحَبُّهَ الطََّمُ(٢)
وهو يعنى: يُحب فيها الطعام. فحذفت («الهاء» الراجعة على اليوم، إذ فيه اجتزاء
ورواه ابن ماجة : ٤٢٨٨، من طريق ابن علية ، عن بهز .
ورواه الإمام أحمد فى المسند (٥: ٣ حلى)، عن يزيد بن هرون، عن بهز. ورواه (٥: ٥)،
عن يحي القطان ، عن بهز .
ورواه الدارى ٢ : ٣١٣، عن النضر بن شميل ، عن بهز .
ورواه ابن ماجة أيضاً : ٤٢٨٧، من طريق ابن شوذب ، عن بهز .
ثم لم ينفرد به بهز عن أبيه حكيم، إذ رواه أيضاً سعيد بن إياس الجريرى: فرواه الإمام أحمد
(٤: ٤٤٧)، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن الجريرى، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه ،
بنحوه. ورواه أيضاً مطولا (٥: ٣)، عن حسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن الجريرى.
والحديث ذكره ابن كثير ١: ١٦٠، نسبه إلى ((المسانيد والسنن)). ثم ذكره مرة أخرى ٢:
٢١٤، عن ((مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذى، وسنن ابن ماجة، ومستدرك الحاكم)). ثم قال عقبه:
(( وهو حديث مشهور. وقد حسنه الترمذى)».
(١) انظر ما سلف ١ : ١٤٣ - ١٤٦.
(٢) الكامل ١: ٢٢، وأمالى ابن الشجرى ١: ٦، ١٨٦ وغيرهما. صبح القوم: مقام
الصبوح ، وهو ما يشرب صباحاً من لبن أو خر . يدعو لها بالخير من حسن ما أطعمته على مسقبة كابدها.
٢٧
تفسير سورة البقرة : ٤٨
- بما ظهر من قوله: ((واتقوا يوماً لا تَجزى نفس))، الدالّ على المحذوف منه -
عما حذف . إذا كان معلوماً معناه .
وقد زعم قوم من أهل العربية أنه لا يجوز أن يكون المحذوف فى هذا الموضع
إلا ((الهاء)). وقال آخرون لا يجوز أن يكون المحذوف إلا «فیه)) . وقد دللنا فيما مضى
على جواز حذف كل ما دل الظاهر عليه (١).
٠ ٠
وأما المعنى فى قوله: ((واتَّقُوا يوماً لا تجزى نفسٌ عن نفس شيئاً))، فإنه
تحذير من اللّه تعالى ذكرُه عبادَه الذين خاطبهم بهذه الآية - عقوبتهُ أن تحلّ
بهم يوم القيامة ، وهو اليوم الذى لا تجزی فیه نفسٌ عن نفس شيئاً ، ولا يُجزى
فيه والدٌ عن ولده ولا مولود هو جازٍ عن والده شيئاً (٢).
٠
وأما تأويل قوله: ((لا تَجْزِى نفسٌ))، فإنه يعنى: لا تُغنى كما : -
٨٧٤ - حدثنى به موسى بن هرون ، قال : حدثنا عمرو ، قال : حدثنا
أسباط، عن السدى: ((واتقوا يوماً لا تجزى نفس)): أما ((تجزى))، فتغنى.
٠٠٠
وأصل ((الجزاء)) - فى كلام العرب -: القضاء والتعويض. يقال: ((جزيته
"قَرْضَهَ ودَينه أجزيه جَزَاءً))، بمعنى قضَيْه دينه، ومن ذلك قيل: «جزى الله
فلاناً "عَنَّى خيراً أو شرًّا))، بمعنى أثابهَ عنى، وَقضاهُ عَنِّى ما لزمنى له بفعله الذى
سلف منه إلىّ. وقد قال قوم من أهل العلم بلغة العرب: ((يقال أجزيتُ عنه كذا)) ٢١٠/١
إذا أعنته عليه، و((َجزَيت عَنك فلاناً)) إذا كافأته.
وقال آخرون منهم: بل ((جزَيت عنك))، قضيت عنك. و((أُجزَيتُ))، كفيت.
(١) انظر ١: ١٣٩ - ١٤١، ١٧٩، وانظر لسان العرب (جزى).
(٢) تفضسمين من آية سورة لقمان : ٣٣.
٢٨
تفسير سورة البقرة : ٤٨
وقال آخرون منهم: بل هما بمعنى واحد، يقال: ((جزت عنك شاةً وأجزّتْ،
وَجَزى عنك درْهمٌ وأجزَى، ولا تجزى عنك شاةً ولا تُجزى))، بمعنى واحد. إلا
أنهم ذكروا أنّ ((جزَت عنك، ولا تُجزى عنك)) من لغة أهل الحجاز، وأنّ
((أجزأ وُتُجزئ)) من لغة غيرهم . وزعموا أن تميماً خاصّة من بين قبائل العرب
تقول: ((أ" جزأتْ عنك شاة، وهى تُجزئ عنك)).
وزعم آخرون أن (("جزى)) بلا همز، قضى. ((وأجزأ)) بالهمز، كافأ(١).
٠
فمعنى الكلام إذاً: واتقوا يَوْماً لا تقضى نفس عن نفس شيأ ولا تُغنى عنها غِنَّى.
٠
٠٠٠
فإن قال لنا قائل: وما معنى: لا تقضى نفسٌ عن نفس ولا تُغنى عنها غِنَّى؟
قيل: هو أنّ أحدنا اليوم ربَّما قضى عن ولده أو والده أوْ ذيى الصداقة
والقرابة - دَيْنه. وأما فى الآخرة فإنه - فيما أتتنا به الأخبار عنها - يسرُّ الرجلَ"
أن يَبرُدَ لهُ على ولده أو والده حقٍّ(٢) . وذلك أن قضاء الحقوق فى القيامة من
الحسنات والسيّآت ، كما :
٨٧٥ - حدثنا أبو كريب ونصر بن عبد الرحمن الأزدىّ قالا ، حدثنا الهاربی،
عن أبى خالد الدالانىّ يزيد بن عبد الرحمن ، عن زيد بن أبى أنيسة ، عن سعيد
ابن أبى سعيد المقبرى، عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رَحم
الله عبداً کانت عندہ لأخيه مظلمة فیعِر ◌ْض- قال أبو کریبفیحديثه :أو مال،
أو جاه - فاستحلَّه قبل أن يُؤخذ منه، وليس ثَمّ دينارٌ ولا درْهَمّ؛ فإنْ كانتْ
له "حسناتٌ أخذوا من "حسناته، وإن لم تكنْ له حسناتْ حَّلوا عليه من
سيّآتهم(٣).
(١) انظر ما جاء فى ذلك فى لسان العرب (جزى)، والذى جاء به الطبرى أتم وأبين.
(٢) برد عليه حق: وجب ولزم. ويرد لى عليه كذا وكذا: أى ثبت . ويقال: لى عليه
ألف بارد ، أى ثابت .
(٣) الحديث: ٨٧٥ - هذا إسناد صحيح. نصر بن عبد الرحمن الأزدى: سبق فى: ٤٢٣،
٢٩
تفسير سورة البقرة : ٤٨
٨٧٦ - حدثنا أبو عمان المقدمى قال، حدثنا الفَرْوىّ، قال حدثنا مالك، عن
المقبرى، عن أبيه، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم، بنحوه(١).
٨٧٧ - حدثنا خلاد بن أسلم قال، حدثنا أبو همام الأهوازى قال، أخبرناعبد الله
بن سعيد ، عن سعيد، عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم، بنحوه (٢).
وأثبت فى الشرح هناك ((التاجى))، وهو سهو، صوابه (التاجى)) بالنون. و((الأزدى)) بالزاى،
وفى المطبوعة هنا ((الأودى)) بالواو، وهو خطأ. المحاربى: هو عبد الرحمن بن محمد، سبق
فى: ٢٢١. أبو خالد الدالافى، يزيد بن عبد الرحمن: تكلموا فيه، والحق أنه ثقة، وثقه أبو حاتم
وغيره، وترجمه البخارى فى الكبير ٤ / ٢ / ٣٤٦ - ٣٤٧، وابن أبى حاتم ٤ / ٢ / ٢٧٧، فلم
يذكرا فيه جرحاً. وهو مترجم فى التهذيب فى الكنى ، خلاف فى اسم أبيه، ولكن رجح الترمذى والطبرى
ما ذكرنا، وكذلك رجح البخارى وابن أبى حاتم. ((الدالافى)) فى المطبوعة هنا ((الدولابى))، وهو خطأ،
صححناه من المخطوطة .
والحديث رواه الترمذى ٣: ٢٩٢، عن هناد، ونصر بن عبد الرحمن، كلاهما عن المحاربى ،
بهذا الإسناد. ثم قال: «هذا حديث حسن صحيح . وقد روى مالك بن انس ، عن سعيد المقبرى ،
عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه سلم، نحوه)).
وقوله أثناء الحديث ((قال أبو كريب))، فى المطبوعة ((قال أبو بكر))، وهو خطأ واضح ،
مهمته من المخطوطة .
. (١) الحديث : ٨٧٦ - هو الحديث السابق، بمعناه، ولكن من رواية مالك. وهى الرواية
التى نقلنا إشارة الترمذى إليها .
أبو عثمان المقدمى - بضم الميم وفتح القاف وتشديد الدال المهملة المفتوحة: وهو أحمد بن محمد بن
أبى بكر، نسب إلى ((مقدم)) أحد أجداده. وهو ثقة، ترجمه ابن أبى حاتم ١ / ١ / ٧٣، وقال:
((سمعت منه بمكة، وهو صدوق))، وترجمه السمعانى فى الأنساب، فى الورقة : ٥٣٩، والخطيب فى
تاريخ بغداد ٤ : ٣٩٨ - ٣٩٩، مات سنة ٢٦٤ . الفروى: بفتح الفاء وسكون الراء ، نسبة إلى أحد
أجداده، وفى المطبوعة بالقاف بدل الفاء ، وهو تصحيف . وهو: إسحق بن محمد بن أبى فروة ، أحد
الرواة عن مالك، وأحد شيوخ البخارى ، وهو ثقة ، تكلم فيه بعضهم بغير حجة . وقد رجحنا توثيقه فى
شرح المسند : ٧٤٢٥ .
والحديث من طريق مالك: رواه البخارى ١١: ٣٤٣ - ٣٤٤ (فتح البارى)، عن إسماعيل - وهو
ابن أبى أويس، ابن أخت مالك ونسيبه - عن مالك. ورواه أحمد فى المسند: ٩٦١٣ (٢: ٤٣٥
حلبي)، من طريق مالك وابن أبي ذئب، كلاهما عن المقبرى. ثم رواه أيضاً: ١٠٥٨٠ (٢:
٥٠٦)، من طريق ابن أبي ذئب. ورواه البخارى أيضاً ٥: ٧٣، من طريق ابن أبي ذئب. وأوله
فى هذه الروايات: ((من كانت عنده مظلمة ... ))، فذكر نحوه ، بمعناه.
(٢) الحديث: ٨٧٧ - هو الحديث السابق، بنحوه، من طريق أخرى. أبو همام الأهوازى :
هو محمد بن الزبرقان، وهو ثقة، وترجمه البخارى فى الكبير ١ / ١ / ٨٧، وقال: ((معروف
الحديث))، ابن أبى حاتم ٣ / ٢ / ٢٦٠، وأخرج له الشيخان فى الصحيحين.
٣٠
تفسير سورة البقرة : ٤٨
٨٧٨ -حدثیموسى بن سهل الرملی قال ، حدثنا نعيم بنحماد قال ، حدثنا
عبد العزيز الدراوردى ، عن عمرو بن أبى عمرو ، عن عكرمة ، عن ابن عباس
قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا یموتن أحدُ کم وعلیه دین، فإنه ليس
هناك دينارٌ ولا درهم، إنما يقتسمون هنالك الحسنات والسيآت. وأشارَ رسول الله
صلى الله عليه وسلم بيده يميناً وشمالاً (١).
٨٧٩-وحدثنی محمد بن إسحق قال ، حدثنا سلم بن قادم، قال حدثنا
أبو معاوية هاشم بن عيسى ، قال أخبرنى الحارث بن مُسلم ، عن الزهرىّ ، عن
أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحو حديث أبى هريرة (٢).
٠٠٠
قال أبو جعفر : فذلك معنی قوله جل ثناؤه : ((لا تجزی نفس عن نفس شيئاً)).
عبد الله بن سعيد: أنا أرجح أنه ((عبد الله بن سعيد بن أبى هند))، وهو ثقة. وبعيد أن يكون
((عبد الله بن سعيد بن أبى سعيد المقبرى))، إذ يأباه سياق الإسناد، لو كان إياه لكان «عبد الله بن
سعيد عن أبيه)). أما وهو ((عبد الله بن سعيد عن سعيد)) - فالظاهر أنه غير ابن سعيد المقبرى. والحديث
صحيح بكل حال ، بالأسانيد السابقة .
(١) الحديث: ٨٧٨ - هذا إسناد صحيح متصل عن ابن عباس، ولم أجده فى مسند الإمام
أحمد، ولا فى الكتب الستة، ولا فى مجمع الزوائد، ولا أشار إليه الترمذى فى قوله ((وفى الباب)). فهو
فائدة زائدة ، يستفاد من رواية أبى جعفر رحمه الله .
(٢) الحديث : ٨٧٩ - هذا إسناد فيه إشكال لم أستطع تحقيقه.
أما ((سلم بن قادم)): فإنه ((سلم)) بفتح السين ومكون اللام. وفى المطبوعة هنا ((سالم)» بالألف
بعد السين، وهو خطأ. وسلم هذا: بغدادى ثقة، يروى عن سفيان بن عينية، وبقية بن الوليد ،
وغيرهما. ترجمه ابن أبى حاتم ٢/ ١ / ٢٦٨، والخطيب فى تاريخ بغداد ٩ : ١٤٥ - ١٤٦.
وله ترجمة موجزة فى لسان الميزان ٣ : ٦٥.
وأبو معاوية هاشم بن عيسى: هو هاشم بن أبى هريرة الحمصى ، اشتهر بالانتساب إلى كنية أبيه ،
أغنى ((هائم بن أبى هريرة)). ترجمه ابن أبى حاتم ٤ / ٢ / ١٠٥، ولم يذكر فيه جرحاً. وله ترجمة
غير محررة فى لسان الميزان ٦: ١٨٤، ذكر فيها أسم الراوى عنه ((مسلم بن قادم))، وهو تحريف .
وأما الإشكال فى الإسناد، ففى ((الحارث بن مسلم»، الراوى هنا عن الزهرى. فما أدرى من ذا ؟
ولا ما صحته؟ ولعل فيه تحريفاً لم أستطع إدراكه . ثم لم أجد هذا الحديث من حديث أنس قط ، بعد
طول البحث والتتبع. وهناك فى المستدرك الحاكم ٤: ٥٧٦، حديث آخر لأنس، من وجه آخر ،
فيه بعض هذا المعنى . إسناده ضعيف .
٣١
تفسير سورة البقرة : ٤٨
يعنى: أنها لا تقضى عنها شيئاً لزمها لغيرها ، لأن القضاءَ هنالك من الحسنات
والسيآت على ما وصفنا. وكيف يقضى عن غيره ما لزمه ، مَنْ كان يسرّه أن
يثبت له على ولده أو والده حق ، فیؤخذ منه ولا يتجافى له عنه؟ (١)
وقد زعم بعض نحویی البصرة أن معنى قوله : (( لا تجزی نفس عن نفس
شيئاً )): لا تجزى منها أن تكون مكانها .
وهذا قولٌ يشهد ظاهرُ القرآن على فساده (٢). وذلك أنه غيرُ معقول فى
كلام العرب أن يقول القائل: ((ما أغنيت عنى شيئاً))، بمعنى ما أغنيت منّى أن
تكون مكانى . بل إذا أرادوا الخبر عن شىء أنه لا يتجزى من شىء قالوا: ((لا
يجزى هذا من هذا))، ولا يستجيزون أن يقولوا: ((لا يجزى هذا من هذا شيئاً)).
فلو كان تأويل قوله: ((لا تجزی نفس" عن نفس شيئاً)) ما قاله من حكينا قوله ،
لقال: واتقوا يوماً لا تجزى نفسٌ" عن نفس، كما يقال: لا تجزى نفسٌ مِنْ ٢١١/١
نفس، ولم يقل: (( لا تجزى نفسُ عن نفس شيئاً)). وفى صحة التنزيل بقوله :
((لا تجزى نفس عن نفس شيئاً))، أوضح الدلالة على صحة ما قلنا، وفساد قول من
ذكرنا قوله فى ذلك(٣) .
القول فى تأويل قوله عز وجل ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَاَ شَفَمَةٌ﴾
قال أبو جعفر: و((الشفاعة)) مصدر من قول الرجل: ((شفع لى فلانٌ إلى فلان
"شفاعة)(٤)، وهو طلبه إليه فى قضاء حاجته. وإنما قيل للشفيع ((شفيعٌ وشافع))، لأنه
(١) فى المطبوعة: ((فيأخذه منه))، والذى فى المخطوطة أعرب. تجافى له عن الشىء: أعرض عنه
ولم يلازمه بطلبه ، وتجاوز له عنه .
(٢) انظر ما مضى فى معنى ((ظاهر)) ١، ٧٢، تعليق: ٢، وهذا الجزء ٢: ١٥.
(٣) هذا من جيد البيان عن معافى اللغة، وهو منهج من النظر سبق به الطبرى كل من تكلم فى
الفصل بين معانى الكلام العربى .
(٤) فى المخطوطة: ((شفع لى فلان شفاعة)) بالحذف.
٣٢
تفسير سورة البقرة : ٤٨
ثنی المستشفع به فصار به شفعاً(١)، فكان ذو الحاجة - قبل استشفاعه به فى
حاجته - فردًا، فصار صاحبُهُ له فيها شافعاً ، وطلبُه فيه وفى حاجته شفاعة .
ولذلك ◌ُمى الشفيعُ فى الدار وفى الأرض ((شفيعاً)، لمصير البائع به شفعاً (٢).
٠٠٠
فتأويل الآية إذاً : واتقوا يوماً لا تقضى نفس عن نَفس حقًّا لزِمها لله جل
ثناؤه ولا لغيره، ولا يقبل اللّه منها شفاعة" شافع، فيترك لها ما لزمها من حق".
وقيل: إن الله عز وجل خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها ، لأنهم
کانوا من يهود بنى إسرائيل، وكانوا يقولون: نحنُ أبناء الله وأحباؤه وأولاد أنبيائه،
وسيشفع لنا عنده آباؤنا. فأخبرهم الله جل" وعز أنّ نفساً لاتجزى عن نفس شيئاً فى
القيامة ، ولا يقبلمنها شفاعة أخد فيها،حتی یستوفیلكل ذىحقمنها حقه. كما :-
٨٨٠ - حدثنى عباس ابن أبى طالب قال ، حدثنا حجاج بن نصير ، عن
شعبة ، عن العوام بن مراجم - رجل من قيس بن ثعلبة -، عن أبى عثمان الهدى ،
عن عثمان بن عفان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الجمَّاء لتقتصُّ من
القرناء يوم القيامة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَنَضَّحُ المَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ
الْفِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَ بِهَ
وَكَفَى بِنَاَ حَاسِبِينَ﴾ [ سورة الأنبياء: ٤٧] (٢)
(١) فى المطبوعة: ((المستشفع له))، وهو خطأ، كما يدل عليه تمام الكلام.
(٢) قال ابن قتيبة فى تفسير ((الشفعة)): ((كان الرجل فى الجاهلية، إذا أراد بيع منزل،
أتاه رجل فشفع إليه فيما باع ، فشفعه وجعله أولى بالمبيع ممن بعد سببه . فسميت شفعة، وسمى طالبها
شفيعاً)). والشفعة فى الدار والأرض: القضاء بها لصاحبها ( اللسان : شفع).
(٣) الحديث: ٨٨٠ - عباس بن أبى طالب: هوعباس بن جعفر بن الزبرقان البغدادى، وهو ثقة،
مترجم فى التهذيب، ترجمه ابن أبى حاتم ٣ / ١ / ٢١٥، والخطيب فى تاريخ بغداد ١٢: ٤١١ - ١٤٢.
((العوام بن مراجم)): بالراء والجيم، ثبت فى الأصول ((مزاحم)) بالزاى والحاء، وهو تصحيف.
والحديث ضعيف الإسناد، من أجل حجاج بن نصير الفساطيعطى. وقد رواه عبد الله بن أحمد ،
فى الزوائد على المسند : ٥٢٠، عن عباس بن محمد وأبى يحيى البزار، كلاهما عن حجاج بن نصير.
وقد فصلنا القول فى ضعفه هناك
٣٣
تفسير سورة البقرة : ٤٨
فايسهم جل ثناؤه مما كانوا أطمعوا فيه أنفسهم ، من النجاة من عذاب الله
- مع تكذيبهم بما عرفوا من الحق، وخلافهم أمرَ الله فى اتباع محمد" صلى الله عليه
وسلم وما جاءهم به من عنده - بشفاعة آبائهم وغيرهم من الناس كلهم ؛ وأخبرهم أنه
غيرُ نافعهم عنده إلا التوبة إليه من كفرهم، والإنابة من ضلالهم. وجعل ما سنَّ فيهم
من ذلك إماماً لكل من كان على مثل منهاجهم، لئلا يطمع ذو إلحاد فى رحمته(١).
وهذه الآية ، وإن كان مخرجها عاماً فى التلاوة، فإنّ المرادَ بها خاصٌّ فى
التأويل، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((شفاعتى
لأهل الكبائر من أمَّى)) وأنه قال: ((ليس منْ نَبِىُّ إلا وقد أعطى دْعوةً ،
وإنىّ اختبأتُ دَعوقى شفاعةٌ لْأُمَّى، وهى نائلةٌ إن شاء اللّهُ منهم من لا يشرك
باللّه شيئاً)) (٢). فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين- بشفاعة
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لهم - عن كثير من 'عقوبة إجرامهم بينهم وبينه ، وأن
قوله: ((ولا يقبل منها شفاعة))، إنما هى لمن مات على كفره غيرَ تائب إلى اللّه
عز وجل . وليس هذا من مواضع الإطالة فى القول فى الشفاعة والوعد والوعيد ،
فنستقصى الحجاجَ فى ذلك. وسنأتى على ما فيه الكفاية فى مواضعه إن شاء الله.
وأما معناه فصحيح ثابت ، من حديث أبى هريرة ، رواه أخد فى المسند : ٧٢٠٣. ورواه
مسلم، والترمذى ، وصححه .
((الجماء): لا قرن لها. و((القرناء)): ذات القرن.
(١) فى المطبوعة: ((فى رحمة الله))، وليست بجيدة.
(٢) حديث: ((شفاعى لأهل الكبائر من أمتى)): هكذا ذكره الطبرى دون إسناد. وهو حديث
صحيح ، ذكره السيوطى فى الجامع الصغير، ونسبه لأحمد، وأبى داود ، والترمذى، وابن حبان، والحاكم-
عن أنس . والترمذى، وابن ماجة، وابن حبان ، والحاكم - عن جابر. انظر شرح المناوى الكبير ،
رقم ٤٨٩٢ (ج ٤ ص ١٦٣).
وحديث (( ليس من فى)) إلخ: كذلك جاء به الطبرى دون إسناد. ومعناه ثابت صحيح ، من حديث
أنس بن مالك، رواه البخارى، ومسلم. انظر الترغيب والترهيب ٤ : ٢١٣.
(٣) فى المطبوعة: ((إجرامهم بينه وبينهم))، والذى فى المخطوطة هو الصواب الجيد.
ج ٢ (٣)
٣٤
مجم
تفسير سورة البقرة : ٤٨
القول فى تأويل قوله تعالى (وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ)
قال أبو جعفر: و(العدل)) - فى كلام العرب؛ بفتح العين- الفِدْية، كما :-
٨٨١-حدثنا به المثنی بن إبراهيم ، قال: حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر،
عن الربيع، عن أبى العالية: ((ولا يؤخذ منها عدل))، قال : يعنى فداء .
٨٨٢-حدثیموسی بن هرون قال ، حدثنا عمرو بنحمّاد قال ، حدثنا
أسباط بن نصر، عن السدى: ((ولا يؤخذ منها عَدلْ))، أَمَا عَدلْ: فيعدلها،
من العدْل: يقول لو جاءت بملء الأرض ذهباً تَفتدى به مَا تُقْبُّل منها.
٢١٢/١ :
٨٨٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبدالرزاق، أخبرنا معمر ، عن
قتادة، فى قوله: ((ولا يؤخذ منها عدل))، قال: لوجاءت بكل شىء لم يقبل منها .
٨٨٤ -حدثنا القاسم بنالحسن قال،حدثنا حسین، قال حدثی حجاج ، عن
ابن جریج قال، قال مجاهد: قال ابن عباس: ((ولا یؤخذ منها عدل))، قال: بدل،
والبدل : الفدية .
٨٨٥ -حدثیيونس بن عبد الأعلى، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن
زيد: ((ولا يؤخذ منها عدل)»، قال: لو أن لها ملء الأرض ذهباً لم يقبل منها فداء.
قال : ولو جاءت بكل شىء لم يقبل منها .
٨٨٦ -حدثی نجیح بن إبراهيم قال ، حدثنا على بن حكيم قال ، حدثنا
حميد بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عمرو بن قيس الملائى ، عن رجل من بنى
أمية - من أهل الشام أحسن عليه الثناء - قال: قيل يا رسول الله: ما العدل ؟
قال : العدلُ الفديةُ (١) .
(١) الحديث: ٨٨٦ - نجيح بن إبرهيم: لم أجد فى كل المراجع التى بين يدى ، غير ترجمة
((نجيح بن إبرهيم بن محمد الكرمانى))، فى لسان الميزان ٦: ١٤٩، وأنه کوفى ثقة ، يروى عن أبى نعيم
فهو من طبقة شيوخ الطبرى. فالراجح أنه هو ، على بن حكيم - بفتح الحاء - هو الأودى الكوفى ، وهو
٣٥
تفسير سورة البقرة : ٤٨
وإنماقيل للفدیة من الشىء والبدل منه: (( عدل »،معادلته إياه وهو منغیر جنسه،
ومصيره له مثلاً، من وَجه الجزاء، لا من وجه المشابهة فى الصورة والخلقة، كما قال جل
ثناؤه: ﴿وَ إِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [ سورة الأنعام: ٧٠]، بمعنى: وإن
تقد کلّ فدیة لا يؤخذ منها(١) .
يقال منه: ((هذا عَدْله وَعديله)). وأما ((العدل)) - بكسر العين -
فهو مثل الحمل المحمول على الظهر. يقال من ذلك: ((عندى غلام عِدْل
غلامك ، وشاة عِدْل شاتك)) - بكسر العين - إذا كان غلامٌ يعدِلُ غلاماً ،
وشاة تعدل شاة (٢). وكذلك ذلك فى كل مثل للشىء من جنسه. فإذا أريد أنّ
عنده قيمتُه من غير جنسه، نُصبت العين، فقيل: ((عندى عَدل شَاتِكَ من
الدراهم)). وقد ذكر عن بعض العرب أنه يكسر العين من ((العدل، الذى هو
بمعنى الفدية ، لمعادلة ما عادَله من جهة الجزاء ، وذلك لتقارب معنى العدل
والعيدْل عندهم. فأما وَاحد ((الأعدال))، فلم يسمع فيه إلا (عدل)) بكسر العين (٣).
٠
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَاهُمْ يُنْصَرُونَ) (٨)
وتأويل قوله: ((ولاهُمٌ يُنصرون))، يعنى أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر ، كما
لا يَشفعُ لهم شافع، ولا يُقبل منهم عَدْلٌ ولا فدية. بَطلت هنالك المُحاباة،
ثقة من شيوخ البخارى ومسلم. حميد بن عبد الرحمن بن حميد الرؤامى، وأبوه : ثقتان. عمرو بن قيس
الملاكى - بضم الميم وتخفيف اللام - الكوفى: ثقة من أتباع التابعين . وقد روى هذا الحديث مرفوعاً ،
عن رجل أبهم اسمه وأثنى عليه، والراجح أنه تابعى . فيكون الإسناد مرسلا أو منقطعاً ، فهو ضعيف .
ولم أجده عن غير الطبرى، نقله عنه ابن كثير ١ : ١٦١، والسيوطى ١: ٦٨.
(١) الجملة فى تفسير الآية، ساقط من المخطوطة.
(٢) وهذه الجملة فى المخطوطة جاءت هكذا: ((يقال من ذلك: عندى غلام عدل غلاماً، وشاة
عدل شاة))، واكتفى بهذا القدر منها ، مع الخطأ البين فيها .
(٣) وهذا أيضاً بيان جيد، قلما تصيبه فى كتاب من كتب اللغة .
:
٣٦
تفسير سورة البقرة : ٤٩،٤٨
واضمحلت الرُّشَى والشفاعات، وارتفع بين القوم التعاون والتناصر(١)، وصار
الحكم إلى العدل الجبار الذى لا ينفع لديه الشُّفعاء والنُّصراء ، فيجزى بالسيئة
مثلها وبالحسنة أضعافها ، وذلك نظير قوله جل ثناؤه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ.
مَا لَكُمْ لَا تَنَصُرُونَ، بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [سورة الصافات: ٢٤ -٢٦]
وکان ابن عباس یقول فی معنی («لا تناصرون)»، ما :-
٨٨٧ - حدثت به عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى روق ،
عن الضحاك، عن ابن عباس: ((ما لكم لا تناصرون))، ما لكم لا تَمانَعون
منا؟ هيهات ليس ذلك لكم اليومَ ! (٢)
٠
وقد قال بعضهم فى معنى قوله: (ولا ◌ُهُمْ يُنصرون))، وليس لهم من الله يومئذ
نصيرٌ ينتصر لهم من اللّه إذا عاقبهم. وقد قيل: ((ولا هم ينصرون))، بالطلب
فيهم والشفاعة والفِدية .
٠
٥
قال أبو جعفر : والقول الأول أولى بتأويل الآية ، لما وصفنا من أن الله جل
ثناؤه إنما أعلم المخاطَبين بهذه الآية، أنَّ يوم القيامة يومٌ لا فدية - لمن استحق
من "خلقه عقوبته - ولا شفاعة فيه، ولا ناصر له . وذلك أنّ ذلك قد كان له
فى الدنيا، فأخبر أنّ ذلك يومَ القيامة معدومٌ لا سبيل لهم إليه.
٠
القول فى تأويل قوله ﴿وَإِذْ نَّيْتَكُمْ مِنْ ، لِ فِرْ عَوْنَ﴾
أما تأويل قوله: ((وإذ نجَّيْنا كم ))، فإنه عطف على قوله: (( يا بنى إسرائيل
اذكرُوا نِعْمتى)». فكأنه قال: اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم ، واذكروا
(١) فى المطبوعة: ((وارتفع من القوم))، وهو خطأ. وارتفع هنا: بمعنى ذهب وانقضى،
مجاز من الارتفاع ، وهو العلو .
(٢) الأثر : ٨٨٧ - لم يذكره فى تفسير الآية من سورة الصافات، انظر (٢٣: ٣٢ بولاق)
٢٧
تفسير سورة البقرة : ٤٩
إنعا منا عليكم - إذ نجيناكم من آل فرعون - بإنجائناكم منهم (١).
٠٠
وأما ((آل فرعون))، فإنهم أهلُ دينه وقوُمه وأشياعُه.
وأصل ((آل)) أهل، أبْد لت الهاء همزة، كما قالوا ((ماءً)(٢) فأبدلوا الهاء همزة،
فإذا صغّروه قالوا: (( مُوَيَنْهٌ)) فردوا الهاء فى التصغير. وأخرجوه على أصله. وكذلك ٢١٣/١
إذا صغّروا ((آل))، قالوا ((أهيل)). وقد حكى سماعاً من العرب فى تَصْغير
((آل)) ((أويل))(٣). وقد قيل: ((فلان من آل النساء)) (٤) ، يراد به أنه منهن
خلق. ويقال ذلك أيضاً بمعنى أنه يريدُمنّ وَيهواهنّ، كما قال الشاعر.
فَإِنَّكَ مِنْ آلِ النِّسَاءِ، وَإِنَّا يَكُنَّ لِأُدْنَى؛ لَ وِصَلَ لِغَائِبٍ (٥)
وأحسن أماكن ((آل)) أن يُنطق به مع الأسماء المشهورة، مثلُ قولهم:
آل النبى محمد صلى اللهعليه وسلم، وآل على، وآل عباس، وآلُ عَقِيل. وغیرُمستحسن
استعمالُه مع المجهول وفى أسماء الأرضين وما أشبه ذلك. غيرُ حسن عند أهل العلم
بلسان العرب أن يقال: رأيتُ آلَ الرجل ورآنى آل المرأة - ولا -: رأيتُ
آل البصرة وآل الكوفة. وقد 'ذكر عن بعض العرب سماعاً أنها تقول: «رأيتُ
آل مكة، وآل المدينة)). وليس ذلك فى كلامهم بالفاشى المستعمل (٦).
١ (١) فى المطبوعة: ((بإنجائنا لكم منهم))، غيروه ليستقيم وما ألفوه من دارج الكلام.
(٢) فى المطبوعة: ((كما قالوا: ماء))، وهو خطأ بين.
(٣) انظر مادة (أهل) و (أول) فى لسان العرب.
(٤) فى المطبوعة: ((وقد يقال: فلان ... )).
(٥) لم أجد البيت ولم أعرف قائله، وقوله: ((يكن لأدنى))، يعنى الدانى القريب الحاضر،
يصلن حباله بالمودة، أما الغائب فقد تقطعت حباله . وتك شيمتهن، أستغفر انه بل شيمة أبناء
أبينا آدم .
(٦) فى المطبوعة: ((بالمستعمل الفاشى)).
٣٨
:
تفسير سورة البقرة : ٤٩
وأما ((فرعون)) فإنه يقال إنه اسمٌ كانت مُلوك العمالقة بمصر تسمَى به،
كما كانتُ مُلوك الروم يسمَّى بعضهم («قيصر))، وبعضهم «هِرَقْل)»، وكما كانت
ملوك فارس تسمّى ((الأكاسرة)) واحدهم ((كسرى))، وملوك اليمن تسمى (( التبابعة ))،
واحدهم (تُبَّع)).
وأما (فرعونُ موسى)) الذى أخبر الله تعالى عن بنى إسرائيل أنه نجاهم منه،
فإنه يقال إن اسمه ((الوليد بن ◌ُمُصْعب بن الرَّيَّان))، وكذلك ذكر محمد بن إسحق
أنه بلغه عن اسمه .
٨٨٨ - حدثنا بذلك محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: أن اسمه
الوليد بن مُصعب بن الرَّيَّان (١).
٠٠٠
وإنما جاز أن يقال: ((وإذ نجيناكم من آل فرعون))، والخطابُ به لمن لم
يدرك فرعونَ ولا المنجّين منه، لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناءَ من تَجَّاهم من
فرعون وقومه ، فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم ، وكذلك ما كان
من كُفران آبائهم على وجه الإضافة، كما يقول القائل لآخر: (( فعلنا بكم كذا
وفعلنا بكم كذا ، وقتلناكم وسبيناكم)) ، والمخبر إما أن يكون يعنى قومه وعشيرته
بذلك، أو أهل بلده ووطنه - كانَ المقولُ له ذلك أدركَ ما فُعِل بهم من ذلك
أو لم يدركه، كما قال الأخطل يُهاجىّ جرير بن عطية":
بِإِرَابَ، حَيْثُ يُقَتِّمُ الأَنْفَلاَ(٣)
وَلَقَدْ سَمَا لِكُمُ الْهُذَيْلُ فَنَالَكُمْ
(١) انظر تاريخ الطبري ١ : ١٩٩.
(٢) ديوانه: ٤٨، ونقائض جرير والأخطل: ٧٧ - ٧٨. قال الطبرى فيما مضى ١ : ٣٦٦:
((سما فلان لفلان: إذا أشرف عليه وقصد نحوه عالياً عليه)). والهذيل، هو الهذيل بن هبيرة التغلبى
غزا بنى يربوع بإراب (وهو ماء لبنى رياح بن يربوع) فقتل منهم قتلا ذريعاً. وأصاب نعماً كثيراً ،
وسي سبياً كثيراً، منهم (الخطى)) جد جرير، فسمى المذيل ((مجدماً))، وصارت بنو تميم تفزع أولادها
٣٩
تفسير سورة البقرة : ٤٩
فِى فَيْلَقٍَ، يَدْعُو الأُرَاقِمَ، لَمْ تَكُنْ فُرْسَانُهُ عُزْلاً وَلَا أَكْفَلاَ (١)
ولم يلحق جريرٌ هذيلا ولا أدركه ، ولا أدرك إرَابَ ولا شهده(٢). ولكنه
لما كان يوماً من أيام قوم الأخطل على قوم جرير، أضاف الخطابَ إليه وإلى
قومه. فكذلك خطاب الله عز وجل من خاطبه بقوله: ((وإذ نَجَّيْناكم من آل
فرعون » ، لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم منْ خاطبه بالآية وآبائهم ، أضاف"
فعله ذلك الذى فعله بآبائهم ، إلى المخاطبين بالآية وقومهم(٣) .
٠ ٥
القول فى تأويل قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ شّوءِ الْعَذَابِ ﴾
وفى قوله: (( يسومونكم)) وجهان من التأويل. أحدهما، أن يكون "خبراً
مستأنفاً عن فِعِل فرعونَ ببنى إسرائيل، فيكونَ معناه حينئذ: واذكروا نعمتى
عليكم إذ نجَّتُكم من آل فرعون(٤)، وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب.
وإذا كان ذلك تأويله ، كان موضع (( يَسومونكم)) رفعاً .
والوجه الثانى: أن يكون يسومونكم حالاً ، فيكون تأويله حينئذ: وإذا نجَّنا كم
باسمه . ( انظر خبر ذلك فى النقائض ٤٧٣، ونقائض جرير والأخطل : ٧٨) نالكم : أدرككم وأصاب
منكم ما أصاب. والأنفال جمع نفل (بفتحتين): وهى الغنائم. وفى المطبوعة: ((تقسم)) وهى صواب
لا بأس بها .
(١) الفيلق: الكتيبة العظيمة. وقوله: ((يدعو)) الضمير الهذيل. والأراقم: هم جشم ومالك والحارث
وثعلبة ومعاوية وعمرو - أبناء بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، رهط الهذيل . وإنما سموا
الأراقم لأن كاهنتهم نظرت إليهم وهم صبيان ، وكانوا تحت دثار لهم ، فكشفت الدثار ، فلما رأتهم
قالت: ((كأنهم نظروا إلى بعيون الأراقم))، والأراقم جمع أرقم: وهو أخبث الحيات، وأشدها ترقداً
وطلباً الناس . والعزل جمع أعزل: وهو الذى لا سلاح معه، والأكفال جمع كفل ( بكسر فسكون):
وهو الذى لا يثبت على متن فرسه ، ولا يحسن الركوب .
(٢) فى المطبوعة: ((ولم يلق جرير ... )).
(٢) انظر ما سلف قريباً، ٢٣ - ٢٤
(٤) فى المطبوعة: ((إذ نجيناكم ... )) على سياق الآية، وهذه أجود.
تفسير سورة البقرة : ٤٩
٤٠
من آل فرعون سائميكم سوء العذاب، فيكون حالاً من آل فرعون.
٥
وأما تأويل قوله: (( يسومونكم)) فإنه: يوردونكم ، وُيُذيقونكم، وُيُولونكم .
٢١٤/١ يقال منه: ((سامه ◌ُخطة ضيم))، إذا أولاه ذلك وأذاقَه، كما قال الشاعر:
• إنْ سِمَ خَسْفَاً، وَجُْهُ تَرَبَّدًا(١).
فأما تأويل قوله: ((ُسوء العذاب))، فإنه يعنى ما ساءَهم من العذاب.
وقد قال بعضهم : أشدّ العذاب . ولو كان ذلك معناه لقيل: أسوأ العذاب.
٠٠٠
فإن قال لنا قائل : وما ذلك العذاب الذى كانوا يُسوُمونهم ، الذى كان
يسوءهم؟(٢)
قيل: هو ما وصفه الله تعالى فى كتابه فقال: ((يُذَّبحون أبناء كم ويَستحيُون
نساء كم))، وقد قال محمد بن إسحق فى ذلك ما :-
٨٨٩ - حدثنا به ابن حميد قال ، حدثنا سلمة قال، أخبرنا ابن إسحق قال :
كان فرعون يعذّب بنى إسرائيل، فيجعلهم "خدماً وَخوَلاً، وصنّفهم فى أعماله ،
فصنف بينون، [ وصنفٌ يحرُتُون]، وصنف يزرعون له ، فهم فى أعماله . ومن
لم يكن منهم فى صنعة [ له ] من عمله: فعليه الجزية - فسامهم - كما قال الله عز
وجل . سوء العذاب (٣).
(١) لم أجد الرجز. الخسف: الظلم والإذلال والهوان، وهى شر ما ينزل بالإنسان، وأقبح
ما ينزله أخ بأخيه الإنسان. وتربد وجهه : تلون من الغضب وتغير ، كأنما تسود منه مواضع . وقوله :
(((وجهه )) فاعل مقدم ، أى تربد وجهه .
(٢) قوله: ((الذى كان يسوهم))، ليس فى المخطوطة، سقط منها.
(٣) الأثر : ٨٨٩ - من خبر طويل فى تاريخ الطبرى ١: ١٩٩، والزيادة بين الأقواس
من موضعها هناك ويقال : هؤلاء خول فلان : إذا اتخذهم عبيداً .