Indexed OCR Text
Pages 1-20
تفسير الابرى جامِعِ البَيان عَز وُجُوه تأويل آى القُرْآن الجزء الأولْ '٠٠٠۴. فيه رسالة التفسير وتفسير فاتحة الكتاب وتفسير سورة البقرة من ١ - ٤٣ والآثار من ١ - ٨٣٩ تفسير الطبرى. لسمالله الرحمن الرحيم تركه من الله وامر الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم" مَلِكِ يومِ الدين . والحمد لله الذى خلق السمواتِ والأرضَ وجعل الظلماتِ والنورَ . والحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب ، ولم يجعل له عِوَجاً . والحمد لله الذى له ما فى السمواتِ والأرضِ ، وله الحمد فى الآخرة ، وهو الحكيمُ الخِيرُ . والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنَّا لنهتدىَ لولا أَنْ هدانا الله. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ومولانا محمدٍ ، رسول الله وخيرته من خلقه ، خاتم النبين ، وأشرف المرسلين . وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين . ((فصلَّى الله على نبيّنا كلَّما ذكره الذاكرون، وغَفَلَ عن ذكره الغافلون. وصلى الله عليه فى الأوَّلين والآخرين. أفضلَ وأكثرَ وأزكى ما صلَّى على أحدٍ من خلقه . وزَكَّانا وإياكم بالصلاة عليه ، أَفضلَ ما زَكَّى أحداً من أمته بصلاته عليه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته))(١). (١) اقتباس من كلام الشافعى، فى كتابه ( الرسالة)، رقم ٣٩، بتحقيقنا. أما بعد : فإن هذا التفسير الجليل ، باكورة عمل عظيم، تقوم به (دار المعارف بمصر)، لإحياء (تراث الإسلام)، وإخراج نفائس الكنوز. التى بقيتْ لنا من آثار سلفنا الصالح ، وعلمائنا الأفذاذ . الذين خدموا دينهم، وُنُوا بكتاب ربّهم، وسنّة نبيّهم، وحفظِ لغتهم، بما لم تصنعه أمةٌ من الأمم ، ولم يبلغْ غيرُهُم مِعْثَارَ ما وقَّهم الله إليه . فكان أوّلَ ما اخترنا ، باكورةً لهذا المشروع الخطير: كتابُ ﴿ تفسير الطبرى ). وما بى من حاجةٍ لبيان قيمته العلمية ، وما فيه من مزايا يندر أن توجدَ فى تفسيرٍ غيرِه . وهو أعظم تفسير رأيناه ، وأعلاه وأثبتُهُ. استحقَّ به مؤلفُه الحجةُ أن يسمَّى ( إمامَ المفسّرين ) . وكنتُ أخشى الإقدامَ على الاضطلاع بإخراجه وأَعْظِمُهُ ، عن على بما يكتنفُ ذلك من صعوباتٍ ، وما يقوم دونَه من عقباتٍ ، وعن خبرةٍ بالكتاب دهراً طويلاً : أربعين سنةً أو تزيد . لولا أنْ قوّى من عزمى، وشدَّ من أَزْرى، أخى الأصغر، الأستاذ محمود محمد شاكر . وهو - فيما أعلم - خير من يستطيع أن يحمل هذا .. العبء، وأن يقوم بهذا العمل حقَّ القيام، أو قريباً من ذلك. لا أعرف أحداً غيرَه له أهلاً . وما أريد أن أُشهدَ لأخى أو أُثْنىَ عليه . ولكنى أقرّ بما أعلم ، . وأشهد بما أُسْتَيْقِن . ٦ 1 وقد أُبَى أخى السيد محمود إلّا أن يُلْقِىَ علىّ بعضَ العبء، بالتعاون معه فى مراجعة الكتاب ، وبتخريج أحاديثه ، ودَرْس أسانيده . وهذا - وحدَه - عملٌ فوقَ مقدورى. ولكنى لم أستطع التخلى عنه ، فقبلتُ وعملتُ ، متوكلاً على الله، مستعيناً به . وأسأل الله سبحانه الهدى والسداد ، والرعاية والتوفيق . إنه سميع الدعاء. کتبه أحمد محمد شاكر عفا الله عنه بمنه القاهرة يوم الجمعة ٤ جمادى الآخرة سنة ١٣٧٤ ٧ : حِلّهُ الرَّمِ الرَّحْمَسْمِ بيـ ﴿تَبَارَكَ الَّذِىِ نَزَّلَ الفُرْقَنَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْمَالَمِينَ نَذِيراً. الَّذِى لَهُ مُلكُ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌُ فِ المُلكِ وَخَلَقَ كُلِّ شَىْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُغْلَقُونَ وَلَا يَْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعَا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْنَاً وَلَا حَيَةً وَلَا نُشُوراً، وَقَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هُذَا إِلَّ إِنْكُ اُفْتَرَاهُ وَأَعَنَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا. وَقَلُوا أَسَطِيرُ الأَوَّلِينَ أَكْتَتَّبَهَاَ فَعِىَ ثُعْلَىْ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِىِ السَّمُواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيماً ﴾ ﴿ قُلْ لَئِنِ أَجْتَتِ الْإِنْسُ وَاِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا مِثْلِ هُذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِثْلِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً. وَلَقَدْ صَرَّفْنَاَ ◌ِنَّاسِ فِى هَذَا القُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَىْ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّ كُفُوراً ﴾ ٠٠٠ والحمد لله الذى أرسلَ رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهُدَىُ ودِينٍ ٨ الحقِّ لِيُظْهِرَه عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِةِ الْمُشْرَكُونَ. ﴿يُسَبِّحُ رِثُهِ مَا فِى السَُّوَاتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ الْتَلِكِ التَّدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. هُوَ الذِى بَعَثَ فِىِ الْأُمِّيِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَتِهِ وَيُزَكِّهِمْ وَيُعَلُِّهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِ ضَلَالٍ مُبِينٍ ، وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْتَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحِكِيمُ. ذُلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيٍ مَنْ يَشَاءِ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ اللَّهُمّ إِنّا نبرأُ إليك من كُلِّ حَوْلِ وقوَّةٍ، ونستَعَينك ونَسْتَهديك، ونعوذُ برضاكَ من غَضَبِك، فاغفر لَنَا وَارْحَمنا وتبْ علينا إنّكَ أنْتَ التَّوَّابُ الرَّحيم . ربَّا وَلَّا تجعلناً من الذين فرّقُوا دِينَهم وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَ لَدَيْهِمْ فَرِحُون . اللَّهُمَّ اجعلنا مسلمينَ لك ، وَافِين لك بالميثاق الذى أخذتَ علينا : أن نكون قوّامين بالقِسْط شُهَدَاءَ على الناس، اللهُمَّ اهدنا صراطَك المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم من النبّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء، الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، وعلموا أنك أنت الجَّارُ الذى خَضَعتْ الجَبرُوتِهِ الجبابرة ، والعزيزُ الذى ذلّتْ لعزَّتَه الملوكُ الأعِزَّة، وخَشَعت لمهَبَة سَطْوتِهِ ذُوُو المهابة، فلم يُرُحِبْهِم بغىُ باغٍ ولا ظُلم سفّحٍ ظالم: ﴿ يثبتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَّوْلِ النَّابِتِ فِى الْحَيَّةِ الدُّنْيَ وَفِ اْلْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءِ﴾. ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّ بُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمِ نَشْخَصُ فِ الْأَبْصَارُ. مُهْظِينَ مُفْنِعِ رُؤُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء) ٠٠٠ اللّهُم اغفر لأبى جعفر محمد بن جرير الطبرى ، وتغيّدّه برحمتك ، واجعله من السابقين المقرّبين فى جنّات النعيم ، فقد كان - ما عَلِمْنا - من الذين بَيِّنوا كتابك للناس ولم يكتموه ، ولم يشتَّرُوا به ثَمَناً قليلاً من مَتاع هذه الحياةِ الدنيا ؛ ومن الذين أدَّوْا ما لزمهم من حقُّك ، وذادُوا عن سنة نبيِّك؛ ومن الذين ورّثوا الخلَفَ من بعدهم على ما عَلموا، وَّلوهم أمانةَ ما ◌َلوا، وخلُوا لك الأندادَ ، وكفَروا بالطاغوتِ ، وَنَضَحوا عن دينك، وذبُّوا عن شريعتك، وأفضَوْا إليك ربنا وهمْ بميثاقك آخذون، وعلى عهدك محافظون، يرجون رَّحْمَتَك ويخافُون عذابك . فاعفُ اللهمّ عنا وعنهم، واغفر لنا ولهم ، وارحمنا وارحمهم، أنت مولاناً فانصرنا على القوم الكافرين . ٠٠٠ كان أبو جعفر رضى الله عنه يقول: ((إِنّى لأعجبُ ممّنْ قرأ القرآن ولم يعلم تأويلَه، كيف يلتذُّ بقراءته ؟)). ومنذ هدانى الله إلى الاشتغال بطلب العلم، وأنا أصاحب أبا جعفر فى كتابيه : كتاب التفسير، وكتاب التاريخ. فقرأتُ تفسيره صغيراً وكبيراً، وما قرأتُهُ مرَّةً إلا وأنا أسمعُ صوته يتخطّى إلىّ القرون : إنى لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله، كيف يلتذُّ بقراءته؟ فكنتُ أجدُ فى تفسيره مصداقَ قوله رضى الله ١٠ عنه . بيد أنى كنتُ أجدُ من المثقّة فى قراءتِهِ ما أجد . كان يستوقفنى فى القراءة ، كثرةُ الفُصُول فى عبارته، وتباعُد أطراف. الجُمَل. فلا يسهم لى المعنى حتى أعيد قراءة الفقرة منه مرتين أو ثلاثاً. وكان سبب ذلك أنّنا ألفنا نهجاً من العبارة غير الذى انتهج أبو جعفر، ولكن تبيَّن لى أيضاً أن قليلاً من الترقيم فى الكتابِ، خليقٌ أن يجعل عبارته أبينَ . فلما فعلتُ ذلك فى أنحاء متفرقة من نسختى ، وعدتُ. بعدُ إلى قراءتها ، وجدتُها قد ذهب عنها ما كنت أجد من المشقّة. ولما راجعتُ كتب التفسير، وجدتُ بعضَهم ينقُلُ عَنْه، فينسبُ إليه ما لم أجده فى كتابه ، فتبيَّنَ لى أن سبب ذلك هو هذه الجمل التى شقّت علىَّ قراءتها . يقرؤها القارئ، فربّما أخطأْ مُرادَ أبى جعفرٍ، ورِّما أصابَ . فتمنّيت يومئذٍ أن ينشر هذا الكتاب الجليلُ نشرةً صحيحة محقّة مرقّمةً، حتى تسهُل قراءتها على طالب العلم، وحتى تجنّبه كثيراً من الزَّل فى فهم مُرَاد أبى جعفر . ولكنْ تبيَّن لى على الزمن أن ما طبع من تفسير أبى جعفر، كانَ فيه خطأ كثير وتصحيفٌ وتحريف، ولما راجعتُ التفاسير القديمة التى تنقُل عَنْه، وجدتُهم يتخطّونَ بعض هذه العبارات المصحفة أو المحرفة، فعلمتُ أن التصحيف قديم فى النسخ المخطوطة . ولا غرو ، فهو كتابٌ ضخْمٌ لا يكادُ يسلمُ كلّ الصواب لناسخه. وكان الذين طبعوه عذرٌ قائمٌ، وهو سقم مخطوطاته التى سلمت من الضياع ، وضخامة الكتاب ، واحتياجه إلى مراجعة مئات من الكتب ، مع الصبر على المشقة والبَصَر بمواضع ١١ اَل. فْضمرتُ فِى نَفْسى أن أنْشُر هذا الكتابَ ، حتى أُؤْدّى بعض حقِّ الله علىَّ، وأشكر به نعمةً أنالُها -- أنَا لَهَاَ غيرُ مستحقّ - من ربٍ لا يؤدّى عبدٌ من عباده شكرَ نعمة ماضيةٍ من نعمه، إلَّا بنعمة منه حادثةٍ توجِب عليه أن يؤدّى شكرها ، هى إقدارُه على شكر النعمة التى سلفت ؛ كما قال الشافعى رضى الله عنه . وتصرَّمَ الزَّمن، وتفانت الأيّامُ، وأنا مستهلكٌ فيما لا يُغْنِى عَنَّى شيئاً يوم يقوم الناس لربّ العالمين. حتَّى أيقظَنِى عدوانُ العادِين ، وظُلْ الظّالمين ، وطغيانُ الجبابرة المتكبِّين ، فعقدت العزمَ على طبع هذا التفسير الإمامِ، أتقرَّبُ به إلى ربّ العالمين ، ملك يوم الدين . وأفضيتُ بما فى نفسى إلى أخى الأكبر السيد أحمد محمد شاكر - أطال الله بقاءه ، وأقبنى من علمه - فرأى أن تنشره ((دار المعارف))، باكورة أعمالها فى نشر ﴿تُراث الإسلام). ولم يمض إلا قليل حتى أعدَّت الدار عُدّتها تنشر هذا الكتاب الضخم ، مشكورةً على ما بذلته فى إحياء الكتاب العربيّ . وكنت أحبُّ أن يكون العمل فى نشر هذا الكتاب مشاركة بينى وبين أخى فى كلّ صغيرة وكبيرة، ولكن حالت دون ذلك كثرة عمله. وليتَه فَعَل ، حتى أستفيد من علمهِ وهدايته ، وأتجنّبَ ما أخاف من الخطأ والزلل، فى كتابٍ قال فيه أبو عمر الزاهد، غلام ثعلب: ((قابلتُ هذا الكتاب من أوّله إلى آخره ، فما وجدتُ فيه حرفاً خطأً فى نحو أو لغة)). وأنَّى لمثلى أن يحقّق كلمة أبى عمر فى كتاب أبى جعفر ! ١٢ ونحن أهل زمانِ أوتوا من العجز والتهاون ، أَضعافَ ما أُوتى أسلافُهم من الجدّ والقدرة ! فتفضل أخى أن ينظُرَ فى أسانيد أبى جعفر ، وهى كثيرة جدًّا، فيتكلّم عن بعض رجالها ، حيثُ يتطلب التحقيق ذلك، ثم يخرِّج جميع ما فيه من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإِن وجدَ بعد ذلك فراغًا نَظَر فى عملى وراجعه واستدرك عليه . فشكرتُ له هذه اليدَ التى طوّقنى بها ، وكم له عندى من يدِ لا أملك جزاءها ، عند الله جزاؤها وجزاء كلّ معروفٍ. وحسبُه من معروف أنّه سدّد خُطاىَ صغيرًا ، وأعانتى كبيرًا . وتوليتُ تصحيحَ نصّ الكتاب، وضبطه ، ومقابلته على ما بين أيدينا من مخطوطاته ومطبوعاته ، ومراجعته على كتب التفسير التى نقلت عنه . وعلّقتُ عليه، وبينتُ ما استغلقَ من عبارته ، وشرحتُ شواهده من الشعر. وبذلتُ جُهْدى فى ترقيمه وتفصيله. فكلّ ما كان فى ذلك من إحسانِ فمن الله، وكلّ ما فيه من زَلَلٍ فمنى ومن عجزى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . والنسخ المخطوطة الكاملة من تفسير الطبرى، لا تكادُ تُوجَد، والذى مِنها فى دار الكتب أجزاء مفردة من الجزء الأوّل، والجزء السادس عشر، ومنها مخطوطة واحدة كانت فى خمسة وعشرين مجلّدًا ضاع منها الجزء الثانى والثالث ، وهى قديمةً غير معروفة التاريخ . وهى على ما فيها تكاد تكون أصحّ النسخ . وهى محفوظة بالدار برقم : ١٠٠ تفسير . ١٣ فجعلتها أمَّا لنشر هذا الكتاب. أما سائر المخطوطات فهى سقيمة رديئة ، لم تنفع فى كثير ولا قليل ، فضلا عن أنها قطع صغيرة منه . f فنهجتُ نهجاً آخر فى تصحيح هذا التفسير ، وذلك بمراجعة ما فيه من الآثار على كتاب ((الدر المنثور)) السيوطى، ((وفتح القدير)) للشوكانى ، فهما يكثران النقل عن تفسير أبى جعفر . أما ابن كثير فى تفسيره ، فإنه لم يقتصر على نقل الآثار، بل نقل بعض كلام أبى جعفر بنَصِّه فى مواضع متفرقة ، وكذلك نقل أبو حيان والقرطبى فى مواضع قليلة من تفسيريهما. فقابلتُ المطبوع والخطوط من تفسير أبى جعفر على هذه الكتب ، وكنت فى هذا الجزء الأوَّل من التفسير أذكر مرجع كلّ أثرٍ فى هذه الكتب ، ثم وجدتُ أن ذلك يطيل الكتاب على غير جدوى ، فبدأت منذ الجزء الثانى أغفل ذكر المراجع ، إِلّا عند الاختلاف ، أو التصحيح ، أو غير ذلك مما يوجب بيان المراجع . وراجعتُ كثيرًا ممّا فى التفسير من الآثار، على سائر الكتب التى هى مظنة لروايتها ، وبخاصّة تاريخ الطبرى نَفْسِهِ ، ومن فى طبقته من أصحاب الكتب التى تروى الآثار بالأسانيد. وبذلك استطعتُ أن أَحرّر أكثرها فى الطبرى تحريراً أرجو أن يكون حسناً مقبولًا . أمّا ما تكلّم فيه من النحو واللغة ، فقد راجعته على أصوله ، من ذلك ((تجاز القرآن)) لأبى عبيدة، ((ومعانى القرآن)) الفراء ، وغيرهما تمن يذكر أقوال أصحاب المعانى من الكوفيين والبصريين . وأما شواهدُه فقد تقيمتُ ما استطعتُ منها فى دواوين العربِ ، ونسبت ١٤ ما لم يكن منها منسوباً، وشرحتُها، وحققت ما يَحتاجُ إلى تحقيق من قصائدها ، مختصراً فى ذلك ما استطعت . وقد رأيتُ فى أثناء مراجعاتى أنّ كثيراً ممن نقل عن الطبری ، ربما أخطا فى فهم مُرَاد الطبرى، فاعترض عليه ، لما استغلقَ عليه بعضُ عبارته . فقيدت بعضَ ما بدا لى خلالَ التعليق ، ولم أستوعِبْ ذلك استيعاباً مخافة الإطالة، وتركت كثيراً مما وقفتُ عليه من ذلك فى الجزء الأوّل ، ولكنى أرجو أنْ أستدرك ما فاتنى من ذلك فى الأجزاء الباقية من التفسير إن شاء الله ربّناً سبحانه . وبينتُ ما وقفتُ عليه من اصطلاح النحاة القدماء وغيرهم ، ممّا استعمله الطبرى، وخالفَه النحاةُ وغيرهم فى اصطلاحهم، بعد ذلك ، إلى اصطلاح مُسْتَحدَث . وربما فاتنى من ذلك شىء، ولكنى أرجو أنْ أبيّن ذلك فيما يأتى من الأجزاء. وقد وضعتُ فهرسًاً خاصًا بالمصطلحات، فى آخر كلّ جزء، حتى يتيسّر لطالب ذلك أن يجدَ ما استبهَمَ عليه من الاصطلاح فى موضع، فى جزء آخر من الكتاب. وكنتُ أحبُّ أن أبيّن ما انفرد به الطبرىّ من القول فى تأويل بعض الآياتِ، وأشرح ما أَغْفَله المفسّرون غيرُه، ولكنى خفتُ أن يكونَ ذلك سبباً فى زيادة الكتاب طولاً على طوله؛ مع أنى أَرَى أن هذا أمرٌ يكشف عن كتاب الطبرى ، ويزيدنا معرفة بالطبرى المفسّر ، وبمنهجه الذى اشتقّه فى التفسير، ولم اختلف المفسرون من بعده، فأغفلوا ما حرصَ هو على بيانه ؟ ١٥ وكنتُ أحبُّ أيضاً أن أُسَهُّل على قارئ كتابه، فأجمل فى آخِرِ الآياتِ المتابعة التى انتهى من تفسيرها، مُلَخَّصاً يجمَعُ ما تفرَّق فى عشراتٍ من الصفحاتِ . وذلك أنى رأيتُ نفسى قديماً، ورأيت المفسّرين الذين نقلوا عَنْهُ ، كانوا يقرأون القطعة من التفسير مفصولةً عمَّ قبلها، أو كانوا يقرأونه متفرقاً. وهذه القراءةُ، كما تبيَّنَ لى ، كانتْ سبباً فى كثير من الخَلْط فى معرفة مُرَادِ الطبرى، وفى نسبة أقوالِ إِليه لم يقلها. لأنّه لما خاف التكرار لطول الكتابِ ، اقتصَر فى بعض المواضِع على ما لابُدَّ منه، ثقَةً منه بأنّه قد أبان فيما مضى من كتابه عن نهجه فى تفسير الآيات المتصلة المعانى . والقارى الملتمس لمعنى آيةٍ من الآياتِ، ربّا غَفَل عن هذا الترابط بين الآية التى يقرؤها ، والآيات التى سبقَ للطبرى فيها بيانٌ يتصل كل الاتصالِ ببيانه عن هذه الآية. ولكنیحین بدأت أفعل ذلك ، وجدت الأمر شاقًّا عسيرًا، وأنه يحتاجُ إِلى تكرار بعضِ ما مضى، وإلى إِطالةٍ فى البيانِ. وهذا شىء يزيدُ التفسيرَ طولًا وضخامة. ولّا رأيتُ أن كثيرًا من العلماء كان يعيبُ على الطبرى أنه حشَدَ فى كتابِهِ كثيرًا من الرواية عن السالفين، الذين قرأوا الكُتُب ، وذكروا فى معانى القرآنِ ما ذكروا من الرواية عن أهل الكتابين السالِفَيْن: التَّوراة والإنجيل - أحببتُ أن أكشف عن طريقة الطبرى فى الاستدلال بهذه الرواياتِ روايةً روايةً ، وأبيّن كيف أخطأ الناسُ فى فهم مقصده ، وأنّه لم يَجْعْل هذه الروايات قطُّ مهيمنةً على كتاب الله الذى لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه. وأحببتُ أن أبيّ عند كُلِّ روايةٍ مقالة الطبرى فى إِستادِها ، وأنه إسنادٌ لا تقوم به حُجَّةٌ فى دين الله، ولا فى تفسیر کتابه ، : ١٦ وأن استدلاله بها كان يقوم مقام الاستدلال بالشّعر القديم ، على فهم معنى كلة، أو للدلالة على سياقٍ جملة. وقد علقتُ فى هذا الجزء ١: ٤٥٤، ٤٥٨ وغيرها من المواضع تعليقاً بينُ عن نهج الطبرى فى الاستدلال بهذه الآثار، وتركتُ التعليقَ فى أماكنَ كثيرة جدًّا، اعتمادًا على هذا التعليق . ورأيتُ أن أدَعَ ذلك حتى أكتب كتاباً عن ((الطبرى المفسِّرِ)) بعد الفراغ من طبع هذا التفسير ، لأنى رأيتُ هناكَ أشياء كثيرةً ، ينبغى بيانُها ، عن نهج الطبرى فى تفسيره . ورأيتنى يجدّ لى كُلَّ يوم جديدٌ فى معرفة نهجه، كلَّما زدتُ معرفةً بكتابه، وإلغاً لطريقته . فاسأل الله أن يعنينى أن أفرد له كتاباً فى الكلام عن أسلوبه فى التفسير، مع بيان الحجّة فى موضع موضعٍ ، على ما تبيّن لى من أسلوبه فيه . ورحمَ الله أبا جعفر، فإِنه، كما قال ، كان حدّث نفسَه بهذا التفسيرِ وهو صبىٌّ ، واستخار الله فى عمله ، وسأله العونَ على ما نواه ، ثلاثَ سنين قبل أن يعمله، فأعانه الله سبحانه . ثم لما أراد أن يملى تفسيره قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن ؟ قالوا: كم يكون قدرُه؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة . فقالوا : هذا ممّا تفنى فيه الأعمارُ قبل تمامه! فاختصره لهم فى ثلاثة آلاف ورقةٍ. فكان هذا الاختصار سبباً فى تركه البيانَ عمّا نجتهد نحنُ . فى بيانه عند كل آية. وهذا الاختصارُ بيّنٌ جدًّا لمن يتّبع هذا التفسير من أولِهِ إِلى آخره . هذا وقد كنتُ رأيتُ أن أكتب ترجمةً للطبرى أجْعُلُها مقدّمَةً للتفسير. ولكنّى وجدت الكتابة عن تفسيره فى هذه الترجمة، لن تتيسّر لی ١٧ إلا بعد الفراغ من كتابه ، وكشف النقاب عمّا استبهم من منهاجِه فى تفسيره ، فأعرضتَ عن ذلك ، وقلت أجمع ترجمةً للطبرى ، فجمعتُ كُلّ ما فى الكتب المطبوعة والخطوطة من ترجمة وأخبار ، وما قيل فى تصانيفه وتعدادها ، فإِذا هى قد تجاوزت ما يمكن أن يكونَ ترجمةً فى صدر هذا التفسير، فَآثرت أن أفردها كتاباً قائماً بنفسه، سوف يخرجُ قريباً بعون الله سبحانه . أمّا الفهارسُ ، فإِنِّى كنت أريدُ أن أدعَها حتى أفرغَ من الكتاب كُلِّ، فأصدرها فى مجلداتٍ مستقلّة، ولكن الكتابَ كبيرٌ، وحاجةٌ الناسِ، وحاجتى أنَا ، إِلى مراجعة بعضه على بعض، وربط أوله بآخره أوجبتْ أن أتمجَّل فأُفرد بعض الفهارس مع كُلّ جزء . فجعلت فهرساً للآيات التى استدلّ بها فى غير موضعها من التفسير . فقد تبين لى أنّه ربّا ذكر فى تفسير الآية فى هذا الموضع، قولًا فى الآية لم يذكرُه فى موضعها من تفسير السورة التى هى منها . .% وأفردت فهرساً ثانياً لألفاظ اللغة، لأنه كثير الإحالة على ما مضى فى كتابه ، وليكون هذا الفهرس مرجعاً لكل اللّغة التى رواها الطبرى ، وكثير منها ممّا لم يرد فى المعاجم ، أو جاء بيانه عن معانيها أجودَ من بيان أصحاب المعاجم. وهو فهرسٌ لا بُدَّ أن يتم عند كُلّ جزء، حتى لا يسقط علىّ شىء من لغة الطبرى . وأفردت فهرساً ثالثاً لمباحث العربّة، لأنّه كثيرًا ما يحيلُ على هذه المواضِع، ولأنّ فيها نفعاً عظيماً تبيّنتُهُ وأنا أعمل فى هذا التفسير. وزدت ١٨ فهرسًاً رابعاً للمصطلحات القديمة التى استحدث الناسُ غيرها ، ليسْهُلُ على قارئ كتابه أن يجد تفسيرها فى موضعها، فإِنى لم أفسِّرها عند كُلّ موضع ذكرت فيه، لكثرة تكرارها فى الكتاب. وفهرساً خامسًا ، هو ردوده على الفرق وأصحاب الأهواء . وأفردتُ فهرسًاً سادساً للرجال الذى تَكلَّ عنهم أخى السيد أحمد فى المواضع المتفرقة من التفسير، حتى يسهل على من يريد أن يحقّق إسنادًا أن يجد ضالّته . فإِنّه حفظه الله ، لم يلتزم الكتابة على الرجال عند كُلّ إِسنادٍ . وهذا فهرسٌ لا بُدّ منه مع كُلِّ جزء حتى لا تتكرّر الكتابة على الرجال فى مواضع مختلفة من الكتاب ، ولتصحيح أسماء الرجال حيث كانوا من التفسير . أما الفهرس العام للكتاب ، فقد اقتصرت فيه على ذِكْرٍ ما سوى ذلك، ولم أذكر فيه بدأه فى تفسير كُلّ آية، لأنّ آيات المصحف مرقمة، وأثبتنا أرقام الآيات فى رأس الصفحات . فمن التمس تفسير آية ، فليستخرج رقها من المصحف، وليطلب رقمها فى تفسير الطبرى من رؤوس الصفحات . هذا ، وقد تركتُ أن أَصْنَع للشعر فهرساً مع كلِّ جزءٍ ، فإنى سأجعلُ لَهُ فهرساً مفرداً بعد تمام طبع الكتابِ ، على نمط اخترتُهُ لصناعته . وأمَّا فهارس الكتاب عامَّة، فستكون بعد تمام الكتاب كله . وهى تشتمل فهارس أسانيد الطبرى ، على طراز أرجو أن أكون موفقًاً فى اختياره وعمله .. ثم فهرس الأعلام، وفهرس الأماكن، وفهرسُ المعانى، ١٩ والفهارس الجامعة لما أفردتُهُ من الفهارس مع كلِّ جزء. وهدا شىء لا بُدَّ منه، لضبط ما فى التفسير من مناحى العلم المختلفة ، وليتيسر على الطالب أن يجد بغيته حيث شاء من كتاب الطبرى، لأنّه كثير الإحالة فى كتابه على ما مضى منه . ٠٠٠ وبعد، فقد بذلتُ جهدى، وتحرَّيتُ الصوابَ ما استطعتُ ، وأردتُ أن أجمَلَ نشرَ هذا الكتابِ الإمامِ فى التفسير، زُلْفَى إِلى اللهِ خالصةً . ولكن كيف يخلُص فى زماننا عملٌ من شائبة تشوبُهُ ! فأسألُ الله أن يتقبَّل منى ما أخلصتُ فيه، وأن يغفر لى ما خالطه مِنْ أمرٍ هذه الدنيا ، وأن يتغمّدنى برحمته يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلََّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وأضرع إليه أن يغفر لنا ولإخوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَاَ بالإِيمان، وآخرُ دَعْوَانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين. محمود محمد شاكر