Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥١٧ تفسير سورة البقرة : ٣٥ عن النضر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : الشجرة التى نهى عن أكل ثمرها آدم ، هى السنبلة (١). ٧١٩ - وحدثنى يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم - وحدثنا ابن وكيع ، . قال : حدثنا عمران بن عتيبة - جميعاً عن حصين، عن أبى مالك، فى قوله : (( ولا تقربا هذه الشجرة))، قال : هى السنبلة ٧٢٠ ۔۔ وحدثنا محمد بن بشار ، قال : حدثنا ابنمهدی۔۔ وحدثنا أحمد بن إسحق الأهوازى ، قال : حدثنا أبو أحمد الزبيرى - قالا جميعاً : حدثنا سفيان ، عن حُصين ، عن أبى مالك، مثله(٢). ٧٢١ - وحدثنا أبو كريب، وابن وكيع، قالا : حدثنا ابن إدريس ، قال : سمعت أبى، عن عطية فى قوله: ((ولا تقربا هذه الشجرة))، قال: السنبلة (٣). ٧٢٢ - وحدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، عن سعيد ، عن قتادة ، قال: الشجرة التى نهى عنها آدم، هى السنبلة (٤). ٧٢٣ - وحدثنى المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال: حدثنا القاسم ، قال : حدثنى رجل من بني تميم ، أن ابن عباس کتب إلى أبى الجَدْد يسأله عن الشجرة التى أكل منها آدمُ، والشجرة التى تاب عندها : فكتب إليه أبو الجلد: ((سألتنى عن الشجرة التى نهى عنها آدم، وهى السنبلة، وسألتنى (١) الخبر: ٧١٨ - فى ابن كثير ١: ١٤٢، والدر المنثور ١: ٥٣، والشوكانى ١ : ٥٦ وهو إسناد ضعيف. محمد بن إسماعيل الأحمسى سبق توثيقه : ٤٠٥ عبد الحميد بن عبد الرحمن، أبو يحيى الحمانى : ثقة، وثقه ابن معين وغيره، وأخرج له الشيخان. النشر: هو ابن عبد الرحمن ، أبو عمر الخزاز - بمعجمات - وهو ضعيف جداً، قال البخارى فى الكبير ٩١/٢/٤: ((منكر الحديث)). وروى ابن أبى حاتم ٤٧٥/١/٤ عن أحمد بن حنبل، قال: ((ليس بشىء، ضعيف الحديث))، و روی عن ابن معین أنه قال: « لا يحل لأحد أن یروی عنه )». (٢) الأثران : ٧١٩، ٧٢٠ - فى ابن كثير ١ : ١٤٢، والدر المنثور ١ : ٥٣ (٣) الأثر: ٧٢١ - عطية: هو العوفى. وقد أشار ابن كثير ١: ١٤٢ إلى هذه الرواية عنه. (٤) الأثر : ٧٢٢ - لم أجده فى مكان. ٥١٨ تفسير سورة البقرة : ٣٥ عن الشجرة التى تاب عندها آدم ، وهى الزيتونة (١)). ٧٢٤ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن رجل ١٨٤/١ من أهل العلم، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، أنه كان يقول : الشجرة التى نهى عنها آدمَ، البُرُّ (٢). ٧٢٥ - وحدثنى المثنى، قال: حدثنا إسحق ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن عيينة ، وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة ، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : كانت الشجرة التى نهى اللّه عنها آدم وزوجته ، السُّنبلة(٣). ٧٢٦ - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق، عن بعض أهل اليمن ، عن وهب بن منبه اليمانى ، أنه كان يقول: هى البُرُّ ، ولكن الحبة منها فى الجنة ككُلَى البقر، ألين من الزبد وأحلى من العسل . وأهل التوراة يقولون: هی البرّ (٤). ٧٢٧ - وحدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحق، عن يعقوب بن عتبة: أنه ◌ُحُدِّث أنها الشجرةُ التى تحتكُّ بها الملائكة للخلد . ٧٢٨ ۔۔ وحدثنا ابن وکیع ، قال : حدثنا ابن یمان ، عن جابر بن یزید ابن رفاعة ، عن محارب بن دثار ، قال : هى السنبلة . ٧٢٩ - وحدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة ، عن يزيد بن إبراهيم، (١) الخبر: ١٢٣ - فى ابن كثير ١: ١٤٢، وفى الأصول: ((أبو الخلد))، وانظر ما سلف فى التعليق على الأثر رقم : ٤٣٤ . وهذا الإسناد ضعيف ، الجهالة الرجل من بنى تميم . (٢) الخبر: ٧٢٤ - ابن كثير ١: ١٤٢، والدر المنثور ١: ٥٢، والشوكافى ١ : ٥٦. والذى فى ابن كثير: ((عن رجل من أهل العلم، عن حجاج، عن مجاهد ... )). (٣) الأثر : ٧٢٥ - فى ابن كثير ١ : ١٤٢. (٤) الأثر: ٧٢٦ - فى ابن كثير ١ : ١٤٢ - ١٤٣، والدر المنثور ١ : ٥٢ - ٥٢. ولكن ليس فيهما قوله ((وأهل التوراة ... ». ٠١٩ تفسير سورة البقرة : ٣٥ عن الحسن ، قال : هى السنبلة التى جعلها الله رزقاً لولده فى الدنيا(١). ... قال أبو جعفر: وقال آخرون: هى الكرمة . ذكر من قال ذلك. ٧٣٠ - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدى، عمن حدثه ، عن ابن عباس ، قال : هى الكرمة . ٧٣١ -حدثی موسی بن هرون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط ، عن السدى فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ((ولا تقربا هذه الشجرة)»، قال: هى الكرمة ، وتزعم اليهود أنها الحنطة . ٧٣٢ - وحدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدى ، قال : الشجرة هى الكَرْم . ٧٣٣ - وحدثنى يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، عن مغيرة ، عن الشعبى، عن جعدة بن هبيرة، قال: هو العنّب فى قوله: ((ولا تقربا هذه الشجرة)). ٧٣٤ ۔۔ وحدثنا ابن وکیع، قال : حدثی ابی ،عن خلاّ د الصفار ،عن بیان، عن الشعبى، عن جعدة بن هبيرة: (ولا تقرَيا هذه الشجرة))، قال: الكرمُ. ٧٣٥ - وحدثنا ابن المثنى ، قال : حدثنى الحسين ، قال : حدثنا خالد الواسطى ، عن بيان ، عن الشعبى، عن جعدة بن هبيرة: (( ولا تقربا هذه الشجرة))، قال : الكرم. ٧٣٦ - وحدثنا ابن حميد، وابن وكيع ، قالا : حدثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبى ، عن جعدة بن هبيرة، قال: الشجرة التى ◌ُنهى عنها آدم، شجرة الخمر . ٧٣٧ ۔ وحدثنا أحمد بن إسمق، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيری، قال : حدثنا (١) الآثار : ٧٢٧ - ٧٢٩: لم أجدها بلفظها فى مكان. . ٥٢٠ تفسير سورة البقرة : ٣٥ عباد بن العوام ، قال : حدثنا سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مُسلم ، عن سعيد بن جبير ، قوله (( ولا تقربا هذه الشجرة))، قال : الكرم. ٧٣٨ - وحدثنا أحمد بن إسحق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان ، عن السدى ، قال : العنب . ٧٣٩ - وحدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثی حجاج ، عن أبى معشر، عن محمد بن قيس ، قال: عِنَب(١). ٠ ٠ # وقال آخرون : هى التِّينة . ذكر من قال ذلك . ٧٤٠ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: تينة (٢). ... قال أبو جعفر : والقول فى ذلك عندنا أن الله جل ثناؤه أخبر عباده أن آدم وزوجته أكلامن الشجرة التى نهاهُنا ربُّهما عن الأكل منها، فأتيا الخطيئة التى نهاهما عن إتيانها بأكلهما ما أكلامنها ، بعد أن بين الله جل ثناؤه لهما عين ١٨٥/١ الشجرة التى نهاهما عن الأكل منها، وأشارلهما إليها بقوله: ((ولا تقربا هذه الشجرة))، ولم يضع الله جل ثناؤه لعباده المخاطَبين بالقرآن، دلالةً على أىّ أشجار الجنة كان نَهيُهُ آدمَ أن يقربها، بنصّ عليها باسمها، ولا بدلالة عليها . ولو كان للّه فى العلم بأىّ ذلك من أىِّ رضاً، لم يُخل عبادَه من نَصْب دلالة لهم عليها يَصلون بها إلى معرفة عينها ، ليطيعوه بعلمهم بها ، كما فعل ذلك فى كل ما بالعلم به له رضاً . فالصواب فى ذلك أن يقال : إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل (١) الآثار: ٧٣٠ - ٧٣٩: مذكورة بلا تعيين فى ابن كثير ١: ١٤٢، والدر المنثور ١ : ٥٣ والشوكانى ١ : ٥٦. (٢) الخبر: ٧٤٠ - فى ابن كثير ١: ١٤٣، والدر المنثور ١: ٥٣، والشوكانى ١ : ٥٦. ٥٢١ تفسير سورة البقرة : ٣٥ شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها ، فخالفا إلى ما نهاهما الله عنه ، فأكلا منها كما وصفهما الله جل ثناؤه به . ولا علم عندنا بأى شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يَضَع لعباده دليلاً على ذلك فى القرآن ، ولا فى السنة الصحيحة. فأنَّى يأتى ذلك ؟(١) وقد قيل : كانت شجرة البر ، وقيل : كانت شجرة العنب ، وقيل : كانت شجرة التين ، وجائز أن تكون واحدة منها ، وذلك علمٌ، إذا ◌ُعُلم لم ينفع العالمَ به علمه(٢)، وإن جهله جاهل لم يضرّه جهلُه به. القول فى تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَلاَ تَقْرَ بَا هُذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَ مِنَ الَّلِينَ﴾ قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية فى تأويل قوله: ((ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين )) . فقال بعض نحويّى الكوفيين: تأويل ذلك : ولا تقربا هذه الشجرة ، فإنكما إن قربتماها كنتما من الظالمين. فصار الثانى فى موضع جواب الجزاء . وجوابُ الجزاء يعمل فيه أوّله ، كقولك: إِن تَقُ أقُ، فتجزم الثانى يجزم الأول. فكذلك قوله ((فتكونا))، لما وقعت الفاء فى موضع شرط الأوّل نُصب بها ، وصُبرت (١) فى المخطوطة خلاف ما فى المطبوعة، وهذا نصه ((ولا علم عندنا بأى ذلك. وقد قيل كمانت شجرة البر ... ))، كأن الناسخ أسقط سطراً فاختل الكلام. وكان فى المطبوعة: ((فأنى يأتى ذلك من أتى)) بزيادة قوله ((من أتى)) والظاهر أن التحريف قديم، فإن ابن كثير نقل نص الطبرى هذا فى تفسيره ١: ١٤٣ فحذف قوله: ((فأنى يأتى ذلك)). وقد استظهرت أن الصواب حذف ((من أتى))، ليكون الاستفهام منصباً على كيفية إتيان العلم بهذه الشجرة، وليس فى القرآن عليها دليل ولا فى السنة الصحيحة. وأما الجملة كما جاءت فى المطبوعة ، فهى فاسدة مفسدة لما أراد الطبرى . (٢) فى المطبوعة: ( وذلك إن علمه عالم لم ينفع العالم ... ))، وأثبت ما فى المخطوطة وابن كثير (١ : ١٤٣). ٥٢٢ تفسير سورة البقرة: ٣٥ بمنزله ((كى)) فى نصبها الأفعال المستقبلة، للزومها الاستقبال. إذ كان أصل الجزاء الاستقبال . وقال بعض نحويّى أهل البصرة : تأويل ذلك ، لا يكن منكما قُرْبُ هذه الشجرة فأن تكونا من الظالمين. غير أنه زعم أنّ ((أن )، غير جائز إظهارها مع ((لا »، ولكنها مضمرة لا بد منها ، ليصح الكلام بعطف اسم - وهى ((أن )- على الاسم. كما غير جائز فى قولهم: ((عسى أن يفعل))، عسى الفعل. ولا فى قولك: (( ما كان ليفعل )» : ما كان لأن يفعل. وهذا القولُ الثانى يُفسده إجماعُ جميعهم على تخطئة قول القائل: ((سرفى تقوم يا هذا »، وهو يريد سرفى قيامُك . فكذلك الواجب أن يكون خطأ على هذا المذهب قول القائل: ((لا تقم)) إذا كان المعنى: لا يكن منك قيام . وفى إجماع جميعهم - على صحة قول القائل: ((لا تقم))، وفساد قول القائل: ((سرنى تقوم)» بمعنى سرنى قيامك - الدليل الواضح على فساد دعوى المدعى أنّ مع ((لا)) التى فى قوله: (( ولا تقربا هذه الشجرة))، ضمير ((أن ))- وصحة القول الآخر. وفى قوله ((فتكونا من الظالمين)»، وجهان من التأويل: أحدهما أن يكون ((فتكونا)) فى نية العطف على قوله ((ولا تقربا))، فيكون تأويله حينئذ: ولا تقربا هذه الشجرة ولا تكونا من الظالمين. فيكون ((فتكونا)) حينئذ فى معنى الجزم مجزوماً بما جزم به ((ولا تقربا))، كما يقول القائل: لا تُكلم عمراً ولا تؤذه ، كما قال امرؤ القيس . فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى القَطَاقِ فَتَزْلَقٍ (١) فَقُلْتُ لَهُ: صوِّبْ ولا تَجْهَدَنَّهُ فجزم ((فیذرك)» بما جزم به ((لا تجهدنه))، كأنه كرّر الهی. (١) ديوانه، من رواية الأعلم الشنتمرى، القصيدة رقم: ٣٠، البيت: ٢٦. وفى معافى القرآن الفراء ١: ٢٦، ونسبه سيبويه فى الكتاب ١: ٤٥٢، لعمرو بن عمار الطائى، وسيذ كره الطبرى فى (١٥: ١٦٤ بولاق) غير منسوب، ورواية سيبويه ((فيدنك من أخرى القطاة)، وقوله: ((فقلت له)) ٠٢٣ تفسير سورة البقرة : ٣٥ والثانى أن يكون ((فتكونا من الظالمين))، بمعنى جواب النهى. فيكون تأويله حينئذ: لا تقربا هذه الشجرة، فإنكما إن قَرَبتماها كنتما من الظالمين. كما تقول: لا تَشَمْ عمراً فيشعُمك، مجازاةً. فيكون ((فتكونا)) حينئذ فى موضع نصب، إذْ كان حرفاً عطف على غير شكله، لمّا كان فى ((ولا تقربا)) حرف عامل فيه، ١٨٦/١ ولا يصلح إعادته فى ((فتكونا))، فنصب على ما قد بينت فى أول هذه المسئلة . وأما تأويل قوله ((فتكونا من الظالمين))، فإنه يعنى به فتكونا من المتعدّين إلى غيرما أذن لهم وأبيح لهم فيه، وإنما عنى بذلك أنكما إن قربما هذه الشجرة، كنما على منهاج من تَعدَّى ◌ُحُدودى، وَعصى أمرى، واستحلَّ محارمبى، لأن الظالمين بعضُهم أولياء بعض، والله ولىّ المتقين. . .. وأصل ((الظلم)) فى كلام العرب، وضعُ الشىء فى غير موضعه ، ومنه قول نابغة ہی ذبيان: إِلّا أَوَارِئَّ لَآيَ مَا أُبِّنُهَا وَالنُّؤىُ كَالحَوْضِ يِالمَظْلُومَةِ الَجَلِّ(١) فجعل الأرض مظلومة ، لأن الذى حفر فيها النوى تحفر فى غير موضع الحفر . فجعلها مظلومة، لموضع الحفرة منها فى غير موضعها(٢). ومن ذلك قول ابن قميئة فی صفة غیٹ : يغنى غلامه، وذكره قبل أبيات. وقوله: ((صوب))، أى خذ الفرس بالقصد فى السير وارفق به ولا تجهده بالعدو الشديد فيصرعك . أذراه عن فرسه : ألقاه وصرعه . والقطاة : مقعد الردف من الفرس . وأخرى القطاة: آخر المقعد. ورواية الشنتمرى: ((من أعلى القطاة)). وهما سواء. (١) سلف تخريجه وشرحه فى هذا الجزء: ١٨٣ (٢) فى المطبوعة: ((لوضع الحفرة منها فى غير موضعها))، وفى المخطوطة أيضاً: ((لموضع الحفر فيها فى غير موضعها)) . ٥٢٤ تفسير سورة البقرة : ٣٥-٣٦ ظَلَمَ البِطَحَ بِهَا انْهلالُ حَرِيصَةٍ فَصَفَ النَّطَفُ لَهُ بَيْدَ الْمُقْلَمِ(١) وظلمه إياه: مجيئه فى غير أوانه ، وانصبابه فى غير مصبُّه. ومنه: ظَلم الرجلُ جزوره، وهو نحره إياه لغير علة . وذلك عند العرب وَضْع النحر فى غير موضعه . وقد يتفرع الظلم فى معان يطول بإحصائها الكتاب، وسنبينها فى أما كنها إذا أتينا عليها إن شاء اللّه تعالى. وأصل ذلك كله ما وصفنا من وضع الشىء فى غير موضعه . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ فَأَزَلَّهُمَ الشَّيْطُنُ عَنْهَا﴾ قال أبو جعفر: اختلفت القَرأة (٢) فى قراءة ذلك. فقرأته عامتهم، ((فأزلَّهما)) بتشديد اللام، بمعنى: استزلَّهما، من قولك زلّ الرجل فى دينه: إذا هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه . وأزلّه غيره: إذا سبب له ما يزلّ من أجله فى دينه أو دنياه ، ولذلك أضاف اللّه تعالى ذكره إلى ابليسَ خروجَ آدم وزوجته من الجنة، فقال: ((فأخرجهما)) يعنى إبليس ((مما كانا فيه))، لأنه كانَ الذى سَبَّب لهما الخطيئة التى عاقبهما الله عليها بإخراجهما من الجنة. ... وقرأه آخرون: ((فأزَالهما))، بمعنى إزالة الشىء عن الشىء، وذلك تنحيته عنه. وقد روى عن ابن عباس فى تأويل قوله: ((فأزلهما))، ما :- (١) جاء أيضاً فى تفسيره (٢: ٥٠ بولاق) منسوباً لعمرو بن قميئة. وصحة نسبته إلى الحادرة الذبيانى، وهو فى ديوان الحادرة ، قصيدة: ٤، البيت رقم: ٧، وشرح المفضليات: ٥٤. والبطاح جمع بطحاء وأبطح: وهو بطن الوادى . وانهل المطر انهلالا: اشتد صوبه ووقعه . والحريصة والحارصة : السحابة التى تحرص مطرتها وجه الأرض ، أى تقشره من شدة وقعها . والنطاف جمع نطفة: وهى الماء القليل يبقى فى الدلو وغيره. وقوله: ((بعيد المقلع)): أى بعد أن أقلعت هذه السحابة. ورواية المفضليات: ((ظلم البطاح له)) وقوله: (( له)): أى من أجله. (٢) فى المطبوعة: ((اختلف القراء)» والقرأة جمع قارىء، وانظر ما مضى: ٥١، تعليق، وص : ٦٤، ١٠٩ وغيرهما . ٥٢٥ تفسير سورة البقرة : ٣٦ ٧٤١ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسین، قال : حدثی حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس فى تأويل قوله تعالى: ((فأزلهما الشيطان))، قال: أغواهم)(١). ٠٠٠ وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ((فأزلَّهما))، لأن الله جل ثناؤه قد أخبر فى الحرف الذى يتلوه . بأن إبليس أخرجهما مما كانا فيه . وذلك هو معنى قوله ((فأزالهما))، فلا وجه - إذْ كان معنى الإزالة معنى التنحية والإخراج - أن يقال: ((فأزالهما الشيطانُ عنها فأخرجهما مما كانا فيه)) فيكون كقوله: فأزالهما الشيطان عنها فأزالهما مما كانا فيه . ولكن المفهوم أن يقال(٢): فاستزلهما إبليس" عن طاعة الله - كما قال جل ثناؤه: ((فأزلهما الشيطان))، وقرأت به القراء - فأخرجهما باستزلاله إياهما من الجنة . . فإن قال لنا قائل : وکیف کان استزلال إبليسُ آدمّ وزوجته ، حتى أضيف إليه إخراجهما من الجنة ؟ قيل: قد قالت العلماء فى ذلك أقوالاً، وسنذكر بعضها(٣): فحکی عن وهب بن منبه فی ذلك ما :۔۔ ٧٤٢ - حدثنا به الحسن بن يحيى ، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهرِب(٤)، قال: سمعت وهب بن منبه ، يقول : ما (١) الخبر: ٧٤١ - فى الدر المنثور ١: ٥٣، والشوكانى ١ : ٥٦. (٢) فى المطبوعة: (( لكن المعنى المفهوم »، زاد ما لا جدوى فيه. (٣) فى المطبوعة: ((سنذكر)) بغير واو. (٤) فى المطبوعة: ((عمرو)) بدل ((عمر))، وفى المخطوطة وابن كثير: ((مهران))، بدل ومهرب)). وكلاهما خطأ، صوابه ما أثبتنا: ((عمر بن عبد الرحمن بن مهرب))، فهذا الشيخ ترجمه ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ١٢١/١/٣، وقال: ((سمع وهب بن منبه، روى عنه إبراهيم بن خالد الصنعانى، وعبد الرزاق)). ثم روى عن يحيى بن معين، قال: ((عمر بن عبد الرحمن بن مهرب: ثقة)). ولم أجد له ترجمة أخرى. و((مهرب)): لم أجد نصاً بضبطها فى هذا النسب ، إلا قول صاحب القاموس أنهم سموا من مادة (حرب) بوزن ((محسن)) - يعنى بضم أوله وسيكون ثانيه وكسر ثالثه. ٥٢٦ تفسير سورة البقرة : ٣٦ أسكن الله آدم وذريته - أو زوجته - الشك من أبى جعفر: وهو فى أصل كتابه ((وذريته بـ ونهاه عن الشجرة، وكانت شجرةً غصونها متشعِّبٌ بعضها فى بعض، ١٨٧/١ وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهى الثمرة التى نهى الله آدمَ عنها وزوجته. فلما أراد إبليس أن يستزلَّهما دخل فى جوف الحية، وكانت للحية أربع قوائم كأنها بُخْتِيَّة، من أحسن دابة خلقها الله - فلما دخلت الحية الجنة، خرج من جوفها إبليس ، فأخذ من الشجرة التى نهى اللّه عنها آدم وزوجته، فجاء بها إلى حواء(١)، فقال: انظرى إلى هذه الشجرة! ما أطيب ريحتها وأطيب طعمها وأحسن لونها! فأخذت حواءُ فأكلت منها ثم ذهبت بها إلى آدم فقالت: انظرْ إلى هذه الشجرة! ما أطيبَ ريحها وأطيبَ طعمها وأحسنَ لونها ! فأكل منها آدم ، فبدت لهما سوآتُهما . فدخل آدم فى جوف الشجرة ، فناداه ربُّه يا آدم أين أنت ؟ قال : قال : أنا هذا يارب (٢)! قال: ألا تخرج؟ قال : أستحيى منك يا رب . قال: ملعونة الأرض التى خُلقتَ منها لعنةً يتحوَّل ثمرها شوكاً. قال : ولم يكن فى الجنة ولا فى الأرض شجرةٌ كان أفضل من الطَّح والسُّدر، ثم قال : يا حواء ، أنت التى غرَرْتِ عبدى، فإنك لا تحملين حَملا إلا حملته كَرْهاً، فإذا أردتِ أن تضعى ما فى بطنك أشرفت على الموت مراراً . وقال للحية : أنت التى دخل الملعون فى جوفك حتى غرّ عبدى، ملعونة أنتٍ لعنة تتحول قوائمك فى بطنك ، ولا يكن لك رزق إلا التراب ، أنت عدوة بنى آدم وهم أعدائك ، حيث لقيت أحداً منهم أخذت بعقِبه، وحيث لقيك شدّخ رأسك . قال عمر: (٣) قيل لوهب: وما كانت الملائكة تأكل ؟ قال: يفعل الله ما يشاء(٤). ووقع اسم هذا الشيخ محرفاً إلى شيخين، فى تاريخ الطبرى ١: ٥٤ - فى هذا الإسناد، هكذا : (( معمر عن عبد الرحمن بن مهران))! (١) فى المطبوعة: ((فجاء به))، والذى أثبتناه من المخطوطة وتاريخ الطبرى. (٢) فى المطبوعة: (( أنا هنا يا رب))، وأثبتنا ما فى المخطوطة وتاريخ الطبرى. (٣) فى المطبوعة: ((قال عمرو))، وأثبتنا الصواب من المخطوطة، ومما ذكرنا آنفاً. (٤) الأثر : ٧٤٢ - فى تاريخ الطبرى ١: ٥٤، بهذا الإسناد، وأوله فى ابن كثير ١: ١٤٣. ٥٢٧ تفسير سورة البقرة : ٣٦ وروى عن ابن عباس نحو هذه القصة : ٧٤٣ ۔۔حدثی موسی بن هرون، قال: حدثنا عمرو ، قال :حدثنا أسباط، عن السدی فی خبر ذكره ، عن أبىمالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لما قال الله عز وجلّ لآدم: ((اسكن أنتَ وزوجك الجنة وكلامنها رغداً حيث شئما ، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين )» ، أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة، فمنعته الخزنة. فأتىالحية - وهی دابة ها أربعُ قوائم كأنها البعير ،وهى كأحسن الدواب - فكلمها أن تُدخله فى فها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته فى فُقْمها - قال أبو جعفر: والفقم جانب الشدق(١) - فمرت الحية على الخزنة فدخلت ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر. فكلمه من فُقمها فلم يُبال كلامه(٢) ، فخرج إليه فقال: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلَكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى﴾ [سورة طه: ١٢٠] يقول : هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل الله عز وجل ، أو تكونا من الخالدين(٣)، فلا تموتان أبداً. وحلف لهما باللّه إنى لكما لمن الناصحين. وإنما أراد بذلك ليبدىّ لهما ما توارى عنهما من سواتهما بهتك لباسهما. وكان قد علم أن لهما سوأة ، لما كان يقرأ من كتب الملائكة ، ولم يكن آدم يعلم ذلك. وكان لباسُهما الظُّهْر، فأبى آدم أن يأكل منها ، فتقدمت حواء فأكلت ، ثم قالت: يا آدم كُلْ ، فإنى قد أكلتُ فلم يضرَّى. فلما أکل آدم بدت لهما سوآتُهما وطفقا بخصفان عليهما من ورق الجنة(٤). (١) فى المطبوعة وتاريخ الطبرى ١: ٥٣: ((فأدخلته فى فها، فرت الحية ... ))، وما أثبتناه من المخطوطة. (٢) فى المطبوعة وتاريخ الطبرى: ((فكلمة من فها)). وفى المطبوعة: ((فلم يبال بكلامه)). (٣) فى المخطوطة: ((وتكونا من الخالدين)). (٤) الخبر: ٧٤٣. بنصه فى تاريخ الطبرى ١: ٥٣، ويبعض الاختلاف فى الدر المنثور ١ : ٥٣، والشوكانى ١ : ٠٦ . ٥٢٨ تفسير سورة البقرة : ٣٦ ٧٤٤ - ◌ُحُدَّثْت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : حدثنى محدّث : أن الشيطان دخل الجنة فى صورة دابة ذات قوائم ، فكان يُرى أنه البعير ، قال : فلعِن ، فسقطت قوائمه فصار حبّةٌ(١) . ٧٤٥ - وُحُدَّثْت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، قال : وحدثنى أبو العالية أن منَ الإبل مَا كان أوّلها من الجن ، قال : فأبيحت له الجنة كلها إلا الشجرة (٢)، وقيل لهما: لا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين )). قال : فأتى الشيطان حواء فبدأ بها ، فقال : أنُهيتما عن شىء؟ ١٨٨/١ قالت: نعم! عن هذه الشجرة فقال: ﴿مَا نَهَاَ كُمَا رَ بُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَة إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَ مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [ سورة الأعراف: ٢٠] قال: فبدأت حواء فأكلت منها ، ثم أمرت آدم فأكل منها . قال : وكانت شجرةً من أكل منها أحدث. قال : ولا ينبغى أن يكون فى الجنة حدّث . قال : ((فأزالهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه))(٣)، قال: فأخرج آدم من الجنة(٤). ٧٤٦ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة ، قال : حدثنا ابن إسحق ، عن بعض أهل العلم : أن آدم حين دخل الجنة ورأى ما فيها من الكرامة وما أعطاه الله منها ، قال : لو أن خُلداً كان! فاغتمز فيها منه الشيطان لما سمعها منه(٥)، فأتاه من قِبَل الخلد (٦). (١) الأثر : ٧٤٤ - فى تاريخ الطبرى ١ : ٥٥ (٢) فى تاريخ الطبرى ١: ٥٥، زيادة سياقها: (( ... كلها - يعنى آدم - إلا الشجرة)). (٣) فى تاريخ الطبرى ١: ٥٥ ((فأزلهما الشيطان)). (٤) الأثر : ٧٤٥ - فى تاريخ الطبرى ١ : ٥٥. (٥) فى التاريخ: ((لو أنا خلدنا)). وفى المطبوعة: ((فاغتنمها منه الشيطان))، لم يحسنوا قراءة المخطوطة فبدلوا الحرف، وأثبتنا ما فى المخطوطة والتاريخ. يقال: سمع منفى كلمة فاغتمزها، أى استضعفها و وجد فيها مغمزاً پعاب و یؤتى من قبله . (٦) الأثر: ٧٤٦ - فى تاريخ الطبرى ١ : ٥٥. ٥٢٩ تفسير سورة البقرة : ٣٦ ٧٤٧ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال: 'حدثت: أن أول ما ابتدأهما به من كيده إياهما ، أنه ناح عليهما نياحة أحزنتهما حين سمعاها، فقالا : ما يبكيك ؟ قال : أبكى عليكما، تموتان فتفارقان ما أنما فيه من النعمة والكرامة . فوقع ذلك فى أنفسهما . ثم أتاهما فوسوس إليهما ، فقال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وُملك لا يبلى؟ وقال: ((مانها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين)). أى تكونا مَلكين، أو تخلدا، إن لم تكونا ملكين(١) - فى نعمة الجنة فلا تموتان. يقول الله جل ثناؤه: ((فَدَلاَّ هُما بِغُرُورٍ))(٢). ٧٤٨ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد: وسوس الشيطان إلى حواء فى الشجرة حتى أتى بها إليها، ثم حسَّها فى عين آدم. قال: فدعاها آدم لحاجته، قالت : لا! إلاّ أن تأتى ههنا. فلما أتى قالت: لا ! إلاَّ أن تأكل من هذه الشجرة. قال: فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما. قال: وذهب آدم هارباً فى الجنة ، فناداه ربه : يا آدم أمنِّى تفرّ ؟ قال : لا يارب ، ولكن حياءً منك. قال : يا آدم أنَّى أُتِيت؟ قال: من قِبَل حواء أى رب. فقال اللّه: فإن لها علىَّ أن أدميها فى كل شهر مرة، كما أدميت هذه الشجرة(٣)، وأن أجعلها سفيهةً فقد كنت خلقتها حليمة ، وأن أجعلها تحمل كرهاً وتضع کرهاً، فقد كنت جعلها تحمل يُسراً وتضع يسراً. قال ابن زيد: ولولا البلية التى أصابت حوّاء، لكان نساء الدنيا لا يحضن، ولكنّ حلمات، وكن يحملن يُسراً ويضعن بُسراً(٤). (١) فى المخطوطة: ((أى تكونا ملكين، أو تخلدان إن لم ... )) وفى التاريخ ١: ٥٥: ((أى تكونان ملكين أو تخلدان - أى إن لم ... )). (٢) الأثر : ٧٤٧ - فى تاريخ الطبرى ١: ٥٥. (٣) فى المخطوطة: ((كما دمت هذه الشجرة)). (٤) الأثر : ٧٤٨ - فى تاريخ الطبرى ١ : ٥٥. (٣٤) ٥٣٠ تفسير سورة البقرة : ٣٦ ٧٤٩ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحق ، عن يزيد ابن عبد الله بن 'قسيط، عن سعيد بن المسيب، قال: سمعته يحلف بالله ما يستثنى- ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ، ولكن حواء سقته الخمر، حتى إذا سكر قادته إليها فأكل (١). ٧٥٠ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق ، عن ليث این أبی 'سليم، عن طاوس ایمانی ، عن ابن عباس ، قال: إن عدو الله إِیلیس عرض نفسه على دواب الأرض أيُّها يحمله حتى يدخل الجنة معها ويكلم آدم وزوجته(٢) ، فكلّ الدواب أبى ذلك عليه ، حتى كلّم الحية فقال لها : أمنعك من ابن آدم ، فأنتفی ذمتی إن أنت أدخلتِی الجنة . فجعلته بین نابین من أنيابها، ثم دخلت به ، فكلمهما من فيها ؛ وكانت كاسية تمشى على أربع قوائم ، فأعراها الله وجعلها تمشى على بطنها. قال : يقول ابن عباس: اقتلوها حيث وجدتُموها، أخفِروا ذمَّةَ عدّوَ اللّه فيها(٣). ٧٥١ - وحدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة، قال قال ابن إسحق : وأهل التوراة يدرُسون : إنما كلم آدمَ الحية . ولم يفسروا كتفسير ابن عباس. ٧٥٢ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسین، قال: حدثی حجاج، عن أبى مَعشر ، عن محمد بن قيس ، قال: نهى الله آدم وحواء أن يأكلا من شجرة ١٨٩/١ واحدة فى الجنة، ويأكلا منها رَغداً حيث شاءً، فجاء الشيطان فدخل فى جوف الحية، فكلم حواء، وروسوس الشيطان إلى آدم فقال: ((ما نها كما رَبُّكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ، وقاسمهما إنى لكما لمن (١) الأثر: ٧٤٩ - فى تاريخ الطبرى ١: ٥٥ - ٥٦، وهو هناك تام. (٢) فى المخطوطة والمطبوعة والدر المنثور: ((أنها تجعله حتى يدخل ... ))، وأثبت ما فى تاريخ الطبرى ١: ٥٤، فهو أجود واصح . (٣) الخبر: ٧٥٠ - فى تاريخ الطبرى ١: ٥٣ - ٥٤، والدر المنثور ١: ٥٣. وأخفر الذمة والعهد: نقضهما، ولم يف بهما. ٥٣١ تفسير سورة البقرة : ٣٦ الناصحين)). قال: فقطعت (١) حواء الشجرة فد ميت الشجرة . وسقط عنهما رياشهما الذى كان عليهما ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، وناداهما ربهما : ﴿أَمَّ أَنْهَكُمَاَ عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُنَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [سورة الأعراف: ٢٣]. لم أكلتها وقد نهيتك عنها؟ قال: يا رب أطعمتنى حواء . قال لحواء : لم أطعمته؟ قالت: أمرتنى الحية. قال للحية : لم أمرتيها ؟ قالت : أمرنى إبليس. قال: ملعونٌ مدحورٌ! أما أنت يا حواء فكما أدميْتِ الشجرة تَدمَيْن(٢) فى كلّ هلال، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جبرياً على وجهك ، وَسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ (٣). ... قال أبو جعفر: وقد رُويت هذه الأخبار - عمن رويناها عنه من الصحابة والتابعين وغيرهم- فى صفة استزلال إيليس عدوًّ اللّه آدمَ وزوجته حتى أخرجهما من الجنة . وأولى ذلك بالحق عندنا ما كان لكتاب الله موافقاً. وقد أخبر اللّه تعالى ذكره عن إیلیس أنه وسوس لآدم وزوجته ليبدىَ لهما ما وُورى عنهما من سوآتهما ، وأنه قال لهما: ((ما نها كما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملکین أو تكونا من الخالدين))، وأنه ((قاسمهما إنى لكما لمن الناصحين)) مُدلِّياً لهما بغرور. ففى إخباره جل ثناؤه - عن عدوّ اللّه أنه قاسم آدم وزوجته بقيله لهما: إنى لكما لمن الناصحين .- الدليلُ الواضح على أنه قد باشر خطابهما بنفسه : إما ظاهراً لأعينهما ، وإما مستجنّاً فى غيره . وذلك أنه غير معقول فى كلام العرب أن يقال: قاسم فلانٌ فلاناً فی كذا وكذا. إذا سبب له سبباً وصل به إلیه دون أن يحلف له . والحلف لا يكون بتسبب السبب. فكذلك قوله ((فوسوس إليه الشيطان))، لو كان ذلك كان منه إلى آدم - على نحو الذى منه إلى ذريته، من تزیین أكل ما نهى الله آدم (١) فى المطبوعة: ((فعقت حواء الشجرة))، وأثبتنا ما فى المخطوطة وتاريخ الطبرى ١: ٥٤. (٢) فى المطبوعة: ((فتدمين))، وأثبتناما فى المخطوطة والتاريخ. (٣) الأثر: ٧٥٢ - فى تاريخ الطبرى ١ : ٥٤. ٥٣٢ تفسير سورة البقرة : ٣٦ عن أكله من الشجرة ، بغير مباشرة خطابه إياه بما استزلّه به من القول والحيل - لما قال جل ثناؤه: ((وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين)) . كما غير جائز أن يقول اليوم قائلٌ ممن أتى معصية: قاسمنى إبليس أنه لى ناصحٌ فيما زيَّن لى من المعصية التى أتيتها . فكذلك الذى كان من آدمَ وزوجته ، لو كان على النحو الذى يكون فيما بين إبليس اليوم وذرية آدم لما قال جل ثناؤه: ((وقاسمهما انى لكما لمن الناصحین»، ولكن ذلك كان - إن شاء الله - على نحو ما قال ابن عباس ومن قال بقوله . فأما سبب وصوله إلى الجنة حتى كلم آدم بعد أن أخرجه الله منها وطرده عنها، فليس فيما رُوى عن ابن عباس ووهب بن منبه فى ذلك معنى يجوز لذى فهم مُدافعته ، إذ كان ذلك قولا لا يدفعه عقل ولا خبر يلزم تصديقه من حجة. بخلافه(١)، وهو من الأمور الممكنة . فالقول فى ذلك أنه وصل إلى خطابهما على ما أخبرنا الله جل ثناؤه(٢)؛ وممكن أن يكون وصل إلى ذلك بنحو الذى قاله المتأولون، بل ذلك - إن شاء الله - كذلك، لتتابع أقوال أهل التأويل على تصحيح ذلك. وإن کان ابن إسحق قد قال فی ذلك ما :۔ ٧٥٣ - حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال : قال ابن إسحق فى ذلك، والله أعلم، كما قال ابن عباس وأهل التوراة: إنه خلص إلى آدم وزوجته بسلطانه الذى جعل الله له ليبتلى به آدم وذريته، وأنه يأتى ابن آدم فى نومته وفى ١٩٠/١ يقظته، وفى كل حال من أحواله، حتى يخلص إلى ما أراد منه، حتى يدعوه إلى المعصية، ويوقع فى نفسه الشهوة وهو لا يراه. وقد قال الله عز وجلّ: ((فأزلهما الشيطان عنها، فأخرَجهما مما كانا فيه))(٣)، وقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ (١) فى المطبوعة: ((إذ كان ذلك قولا لا يدفعه قول ... )). (٢) فى المطبوعة: ((والقول فى ذلك ... )). (٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وقد قال الله فوسوس لهما الشيطان، فأخرجهما مما كان فيه)»، وهذه ليست آية ، والصواب أنه أراد آية سورة البقرة هذه . ٥٣٣ تفسير سورة البقرة : ٣٦ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَ لِبَاسَهُمَاَ لِيُرِهُمَا سَوْآنِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْ لِيَاءِ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف: ٢٧] وقد قال الله لنبيه عليه السلام: ﴿قُلْ أَعُوذُ يِرَبٌّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ) إلى آخر السورة. ثم ذكر الأخبار التى رُويت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم(١). ثم قال ابن إسحق(٢): وإنما أمرُ ابن آدم فيما بينه وبين عدوُ الله، کأمره فيما بينه وبين آدم. فقال الله: ﴿اهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَاَ فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِين﴾ [سورة الأعراف: ١٣ ]. ثم خلص إلى آدم وزوجته حتى کلمهما، كما قصَّ اللّه علينا من خبرهما، فقال: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَلَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [ سورة طه: ١٢٠] ، فخلص إليهمابما خلص إلى ذريته من حيث لا يريانه - فالله أعلم أىّ ذلك كان - فتابا إلى ربهما . قال أبو جعفر : وليس فى يقين ابن إسحق - لو كان قد أيقن فى نفسه - أن إبليس لم يخلص إلى آدم وزوجته بالمخاطبة بما أخبر اللّه عنه أنه قال لهما وخاطبهما به ، ما يجوز لذى فهم الاعتراضُ به على ما ورد من القول مستفيضاً من أهل العلم ، مع دلالة الكتاب على صحة ما استفاض من ذلك بينهم . فكيف بشكّه ؟ والله نسأل التوفيق . (١) حديث ((إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم)) - حديث صحيح جداً - رواه أحمد والشيخان وأبو داود ، من حديث أنس، ورواه الشيخان وأبو داود وابن ماجة ، من حديث صفية ، وهى بنت حيى، أم المؤمنين، كما فى الجامع الصغير : ٢٠٣٦. (٢) فى المطبوعة إسقاط: ((ثم)). ٥٣٤ تفسير سورة البقرة : ٣٦ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ فَأَخْرَ جَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾. قال أبو جعفر: وأما تأويل قوله ((فأخرجهما))، فإنه يعنى: فأخرج الشيطانُ آدمَ وزوجته، ((مما كانا))، يعنى مما كان فيه آدمُ وزوجته من رغد العيش فى الجنة ، وسعة نعیمها الذی کانا فیه . وقد بينا أن الله جل ثناؤه إنما أضاف إخراجهما من الجنة إلى الشيطان - وإن كان اللّه هو المخرجَ لهما - لأن خروجهما منها كان عن سبب من الشيطان ، فأضيف ذلك إليه لتسبيبه إياه(١)، كما يقول القائل الرجل وَصل إليه منه أذى حتى تحوّل من أجله عن موضع كان يسكنه : «ما حولی من موضعی الذی کنت فيه إلا أنت)) ، ولم یکن منه له تحويل ، ولکنه لما کان تحوّله عن سبب منه ، جاز له إضافة تحويله إليه . ٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقُلْنَا أَهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) قال أبو جعفر: يقال "هبط فلان أرضَ كذا ووادى كذا، إذا حلّ ذلك(٢)، كما قال الشاعر : مَازِلْتُ أرمُهُمْ، حَتَّى إِذا هَبَطَتْ أَيْدِى الرِّ كَابٍ بِهِمْ مِنْرَاكِسٍ فَلَقَا (٣) (١) فى المطبوعة: ((وأضيف ذلك ... )). (٢) لعل صواب العبارة: ((إذا حل ذلك الموضع))، فسقطت كلمة من الناسخين. (٣) البيت لزهير بن أبى سلمى، ديوانه: ٣٧، أرمقهم: يعنى أحبابه الراحلين، وينظر إليهم حزيناً كئيباً ، والركاب : الإبل التى يرحل عليها . وراكس: واد فى ديار بنى سعد بن ثعلبة ، من بنى أسد. وفلق وفالق: المطمئن من الأرض بين ربوتين أو جبلين أو هضبتين ، وقالوا : فالق وفلق ، كما قالوا: يابس ريبس (بفتحتين). ٥٢٥ تفسير سورة البقرة : ٣٦ وقد أبان هذا القولُ من الله جل ثناؤه، عن صحة ما قلنا من أنّ المخرجَ آدمّ من الجنة هو الله جل ثناؤه ، وأن إضافة الله إلى إبليس ما أضاف إليه من إخراجهما، کان على ما وصفنا . ودل بذلك أيضاً على أنّ هبوط آدم وزوجته وعدوهما إِبليس، كان فى وقت واحد، بمجتمع اللّه إياهم فى الخبر عن إحباطهم ، بعد الذى كان من خطيئة آدم وزوجته، وتسبّب إبليس ذلك لهما (١)، على ما وصفه ربنا جل ذكرهعنهم. ٠٠٠ قال أبو جعفر: وقد اختلف أهل التأويل فى المعنىّ بقوله: ((اهبطوا))، مع إماعهم على أن آدم وزوجته ممن عنى به . ٧٥٤ - فحدثنا سفيان بن وكيع، قال: حدثنا أبو أسامة، عن أبى عَوَانة ، عن إسماعيل بن سالم، عن أبى صالح: ((اهبطوا بَعضُكم لبعض عدوٌّ))، قال: آدم وحواءُ وإبليس والحية(٢). ٧۵۵ -حدثنا ابن و کیع، وموسی بن هرون، قالا: حدثنا عمرو بن حماد ، قال: حدثنا أسباط، عن السدى: ((اهبطوا بعضكم لبعض عدوًّ)، قال: فلعنَ ١٩١/١ الحية وقطع قوائمها وتركها تمشى على بطنها ، وجعل رزقها من التراب . وأهبط إلى الأرض آدمُ وحواء وإبليس والحية(٣). ٧٥٦ - وحدثتی محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى بن ميمون ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((اهبطوا بعضكم لبعض عدو))، قال: آدم وإبليس والحية (٤). (١) لعل الأجود: ((وتسبيب إبليس ذلك لهياه، وهى فى المخطوطة غير منقوطة. (٢) الأثر: ٧٥٤ - فى الدر المنثور ١: ٠٥. (٣) الأثر: ٧٥٥ - فى تاريخ الطبرى ١: ٥٦، والظاهر أن إسناده هنا سقط منه شىء، وتمامه فى التاريخ: (( ... عن السدى - فى خبر ذكره عن أبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس - وعن مرة الهمدانى عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: اهبطوا ... )). وهو الإسناد الذى يكثر الطبرى من الرواية به . (٤) الأثر : ٧٥٦ - فى تاريخ الطبري ١ : ٥٦ ٥٣٦ تفسير سورة البقرة : ٣٦ ٧٥٧ - وحدثنى المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((اهبطوا بعضكم لبعض عدو))، آدم وإبليس والحية ، ذريةٌ بعضُهم أعداءٌ لبعضٍ . ٧٥٨ - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (( بعضكم لبعض عدوّ ))، قال: آدم وذريته، وإبليس وذريته . ٧٥٩ - وحدثنا المثنى، قال: حدثنا آدم بن أبى إياس، قال : حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبى العالية فى قوله: (( بعضكم لبعض عدوّ ))، قال : يعنى إبليس وآدم(١). ٧٦٠ - حدثنى المثنى ، قال : حدثنا إسحق، قال : حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل، عن السدى، عمن حدثه عن ابن عباس فى قوله: ((اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ))، قال: بعضهم لبعض عدوّ: آدم وحواء وإبليس والحية (٢). ٧٦١ - وحدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: حدثنا ابن وهب ، قال : حدثنى عبد الرحمن بن مهدىّ ، عن إسرائيل ، عن إسمعيل السندى ، قال : حدثنى من سمع ابن عباس يقول: ((اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ))، قال: آدم وحواء وإبليس والحية(٣). ٧٦٢ - وحدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد فى قوله: ((اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ))، قال: لهما ولذريتهما (٤). قال أبو جعفر : فإن قال قائل : وما كانت عداوة ما بين آدم وزوجته وإبليس والحية ؟ (١) الآثار: ٧٥٧ - ٧٥٩ لم أجدها بإسنادها فى مكان. (٢) الخبر: ٧٦٠ - كالذى يليه من طريق آخر. (٣) الخبر : ٧٦١ - فى تاريخ الطبرى ١ : ٥٦. (٤) الأثر : ٧٦٢ - لم أجده فى مكان.