Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
تفسير سورة البقرة : ٧
فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا
أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله عز وجل" والطبع (١)، فلا یکون للإيمان إليها
مَسْلك، ولا للكفر منها ◌َخْلَص، فذلك هو الطَّبع. والختم الذى ذكره الله تبارك
وتعالى فى قوله: ( خَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾، نظيرُ الطبع والختم على ما تدركه
الأبصار من الأوعية والظروف، التى لا يوصّل إلى ما فيها إلا بفضّ ذلك عنها ثمّ
حلّها . فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وَصَف اللّه أنه ختم على قلوبهم ،
إلا بعد فضَّه خاتمَه وحلّه رباطه عنها .
ويقال لقائلى القول الثانى، الزاعمين أنّ معنى قوله جل ثناؤه (( ختم الله على
قلوبهم وعلى سمعهم، ، هو وصفُهم بالاستكبار والإعراض عن الذى دعوا إليه من
الإقرار بالحق تكبُّراً : أخبرونا عن استكبار الذين وصفهم الله جل ثناؤه بهذه
الصفة ، وإعراضهم عن الإقرار بما ◌ُدُعوا إليه من الإيمان وسائر المعانى اللَّواحق به
- أفعلٌّ منهم ، أم فعلٌ من الله تعالى ذكرُهُ بهم ؟
فإن زعموا أنّ ذلك فعلٌ منهم - وذلك قولهم - قيل لهم: فإنّ الله تبارك وتعالى
قد أخبر أنه هو الذى ختم على قلوبهم وسمعهم. وكيف يجوز أن يكون إعراضُ ٨٨/١
الکافر عن الإيمان، وتکبُّره عن الإقرار به - وهو فعله عند کم - ختماً من الله على
قلبه وسمعه، وختمهُ على قلبه وَسَمْعه، فعلُ اللّه عز وجل ◌ُدُون الكافر؟
فإن زعموا أن ذلك جائز أن یکون کذلك- لأن تکبُّره وإعراضه کانا عن
ختم الله على قلبه وسمعه ، فلما كان الختمُ سبباً لذلك، جاز أن يسمى مُسَبُّبه به -
تركوا قولهم، وأوجبوا أنّ الختمَ من اللّه على قلوب الكفار وأسماعهم ، معنَّ غيرُ
كفْرِ الكافر، وغيرُ تكبره وإعراضه عن قبول الإيمان والإقرار به. وذلك الدخولُ
فيما أنكروه(٢).
(١) فى المطبوعة: (أغلفتها)) فى الموضعين، والتصحيح من المخطوطة وابن كثير.
(٢) فى المطبوعة: ((وذلك دخول فيما أنكروه)).

٢٦٢
تفسير سورة البقرة : ٧
وهذه الآية من أوْضح الدليل على فساد قول المنكرين تكليفَ ما لا يُطاق إلا
بمعونة اللّه، لأن الله جل ثناؤه أخبرَ أنه ختم على قلوب صِنْف من كُفَّار عباده
وأسماعهم ، ثم لم يُسقط التكليف عنهم، ولم يَضَعْ عن أحدٍ منهم فرائضَه، ولم
يعذِرْهُ فى شىء مما كان منه من خلاف طاعته بسبب ما فعل به من الختم والطبع
على قلبه وسمعه - بَل" أخبر أن لجميعِهم منه عذاباً عظيما على تركيهم طاعته فيما
أمرهم به ونهاهم عنه من حدوده وفرائضه، مع حَتْمه القضاءَ عليهم مع ذلك ،
بأنهم لا يؤمنون .
٠٠٠
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَارَةٌ ﴾
قال أبو جعفر: وقوله ﴿وَعَلَى أَبْصَارِ هِمْ غِشَاوَةٌ) خبرٌ مبتدأ بعد تمام الخبر
عمّا ختم الله جلَّ ثناؤه عليه من جوارح الكفّار الذين مضت قِصَصهم. وذلك أن
((غشاوة")) مرفوعة بقوله ((وعلى أبصارهم))، فذلك دليل على أنه "خبرٌ مبتدأ،
وأن قوله (( ختم الله على قلوبهم ))، قد تناهی عند قوله (( وعلى سمعهم)).
وذلك هو القراءة الصحيحة عندنا لمعنيين :
أحدهما : اتفاق الحجة من القُرَّاء والعلماء على الشهادة بتصحيحها، وانفرادُ
المخالف لهم فى ذلك، وشذوذه عمّا هم على تخطئته مجمعون. وكفى بإجماع الحجة على
تخطئة قراءته شاهداً على خطئها .
والثانى: أنّ الختمَ غيرُ موصوفةٍ به العيونُ فى شىء من كتاب اللّه، ولا فى
خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا موجود فى لغة أحد من العرب . وقد
قال تبارك وتعالى فى سورة أخرى: ﴿وَخَّمَ عَلَى سَفْعِهٍ وَقْلِهِ﴾، ثم قال: ﴿وَجَعَلَ
....
(١) فى المطبوعة: ((من أوضح الأدلة.

٢٦٣
تفسير سورة البقرة : ٧
عَلَى بَصَرِهٍ غِشَاوَةَ﴾ [سورة الجاثية: ٢٣]، فلم يدخل البصرَ فى معنى الخَتْم.
وذلك هو المعروف فى كلام العرب، فلم يَحُزْ لنا، ولا لأحدٍ من الناس، القراءةُ
بنصب الغشاوة، لما وصفتُ من العلّتين اللتين ذكرت، وإن كان لنّصْبها مخرجٌ
معروفٌ فى العربية .
وبما قلنا فى ذلك من القولِ والتأويلِ ، رُوى الخبر عن ابن عباس :
٣٠٥ -حدثنى محمد بن سعد ، قال: حدثی أبى، قال : حدثنى عمى الحسين
ابن الحسن ، عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس: ((ختم الله على قلوبهم وعلى
سمعهم))، والغشاوة على أبصارهم(١) .
(١) الخبر ٣٠٥ - هذا الإسناد من أكثر الأسانيد دوراناً فى تفسير الطبرى، وقد مضى أول مرة ١١٨،
ولم أكن قد اهتديت إلى شرحه. وهو إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة ، إن صح هذا التعبير !
وهو معروف عند العلماء بـ ((تفسير العوفى))، لأن التابعى - فى أعلاء - الذى يرويه عن ابن عباس، هو
((عطية العوفى))، كما سنذكر. قال السيوطى فى الإتقان ٢: ٢٢٤: ((وطريق العوفى عن ابن عباس، أخرج
منها ابن جرير، وابن أبى حاتم، كثيراً. والعوفى ضعيف، ليس بواه، وربما حسن له الترمذى)).
ومنشرحه هنا مفصلا، إن شاء الله:
محمد بن سعد، الذى يروى عنه الطبرى: هو محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد
بن جنادة العوفى، من (( بنى عوف بن سعد)» فخذ من (( بنى عمرو بن عياذ بن يشكر بن بكر بن وائل)).
وهو لين فى الحديث، كما قال الخطيب. وقال الدارقطى: ((لا بأس به)). مات فى آخر ربيع الآخر
سنة ٢٧٦ . ترجمه الخطيب فى تاريخ بغداد ٥ : ٣٢٢ - ٣٢٣. والحافظ فى لسان الميزان ٥ : ١٧٤.
وهو غير ((محمد بن سعد بن منيع)) كاتب الواقدى، وصاحب كتاب الطبقات الكبير، فهذا أحد الحفاظ
الكبار الثقات المتحرين ، قديم الوفاة، مات فى جمادى الآخرة سنة ٢٣٠.
أبوه «سعد بن محمد بن الحسن العوف)): ضعيف جدًا، مثل عنه الإمام أحمد، فقال: ((ذاك جهمى))،
ثم لم يره موضعاً الرواية ولو لم يكن، فقال: ((لو لم يكن هذا أيضاً لم يكن من يستأهل أن يكتب عنه ،
ولا كان موضعاً لذاك)». وترجمته عند الخطيب ٩: ١٢٦ - ١٢٧، ولسان الميزان ٣: ١٨ - ١٩.
عن عمه: أى عم سعد، وهو ((الحسين بن الحسن بن عطية العوفى)). كان على قضاء بغداد، قال
ابن معين: ((كان ضعيفاً فى القضاء. ضعيفاً فى الحديث)). وقال ابن سعد فى الطبقات: ((وقد سمع
سماعاً كثيراً، وكان ضعيفاً فى الحديث)). وضعفه أيضاً أبو حاتم والنسائى. وقال ابن حبان فى المجروحين:
((منكر الحديث ... ولا يجوز الاحتجاج بخبره)). وكان طويل الحية جدا، روى الخطيب من أخبارها
طرائف، مات سنة ٢٠١ . مترجم فى الطبقات ٧٤/٢/٧، والجرح والتعديل ٤٨/٢/١، وكتاب
المجروحين لابن حبان، رقم ٢٢٨ ص ١٦٧، وتاريخ بغداد ٨: ٢٩ - ٣٢، ولسان الميزان ٢: ٢٧٨.
عن أبيه: وهو ((الحسن بن عطية بن سعد العوف))، وهو ضعيف أيضاً، قال البخارى فى الكبير:
(((ليس بذاك))، وقال أبو حاتم: ((ضعيف الحديث)). وقال ابن حبان: ((يروى عن أبيه ،

٢٦٤
تفسير سورة البقرة : ٧
فإن قال قائل : وما وجهُ مخرجِ النَّصْب فيها؟
قيل له: أن تنصبها بإضمار ((جعل))(١)، كأنه قال: وجعل على أبصارهم
غِشَاوةٌ، ثم أسقط ((جعل))، إذْ كان فى أول الكلام ما يدُلّ عليه. وقد يحتمل نصبُها
على إتباعها موضعَ السمع، إذا كان موضعه نصباً، وإن لم يكن حَسَناً إعادةُ العامل
فيه على ((غشاوة))، ولكن على إتباع الكلام بعضه بعضاً، كما قال تعالى ذكره:
﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِ لْدَانٌ خَلَُّونَ، بِأَ كْوَابٍ وَأُبَارِبِقَ)، ثم قال: (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا
يَتَخَيَّرُونَ . وَلَحْمٍ طَيْرٍ يِمَّا يَشْتَهُونَ، وحُورِ عِينٍ﴾، [سورة الواقعة: ١٧-٢٢]، فخْفَضَ
اللحمَ والحورَ على العطف به على الفاكهة، إتباعاً لآخر الكلام أوّلَه. ومعلومٌ أن
اللحمَ لا يطاف به ولا بالحور العين، ولكن كما قال الشاعر يصف فرسه :
عَلَفْتُهَا ◌ِبْنَا وَمَاءِ بارِدًا حَتَى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا (٢)
روى عنه ابنه محمد بن الحسن ، منكر الحديث ، فلا أدرى : البلية فى أحاديثه منه ، أو من أبيه ،
أو منهما معاً ؟ لأن أباه ليس بشىء فى الحديث، وأكثر روايته عن أبيه، فمن هنا اشتبه أمره ، ووجب
تركه)). مترجم فى التاريخ الكبير ٢٩٩/٢/١، وابن أبى حاتم ٢٦/٢/١، والمجروحين لابن حبان ،
رقم ٢١٠ ص ١٥٨، والتهذيب .
عن جده: وهو ((عطية بن سعد بن جنادة العوفى))، وهو ضعيف أيضاً، ولكنه مختلف فيه، فقال
ابن سعد: (( كان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة. ومن الناس من لا يحتج به))، وقال أحمد :
« هو ضعيف الحديث. بلغنى أن عطية كان يأتى الكلبى فيأخذ عنه التفسير. وكان الثورى وهشيم يضعفان
حديث عطية)). وقال أبو حاتم: ((ضعيف الحديث، يكتب حديثه)). وسئل يحيى بن معين: ((كيف
حديث عطية؟ قال: صالح)). وقد رجحنا ضعفه فى شرح حديث المسند: ٣٠١٠، وشرح حديث
الترمذى: ٥٥١، وإنما حسن الترمذى ذاك الحديث لمتابعات، ليس من أجل عطية. وقد ضعفه النسائى
أيضاً فى الضعفاء: ٢٤. وضعفه ابن حبان جدًا، فى كتاب المجروحين، قال: (( ... فلا يحل كتبة
حديثه إلا على وجه التعجب))، الورقة: ١٧٨. وانظر أيضاً: ابن سعد ٦ : ٢١٢ - ٢١٣ والكبير
البخارى ٨/١/٤-٠٩ والصغير ١٢٦. وابن أبى حاتم ٣٨٢/١/٣ - ٣٨٣. والتهذيب.
والخبر نقله ابن كثير ١: ٨٥، والسيوطى فى الدر المنثور ١: ٢٩، وزاد نسبته لابن أبى حاتم.
وكذلك صنع الشوكانى ١ : ٢٨.
(١) فى المطبوعة: ((إن نصبها ... ))
(٢) لا يعرف قائله، وأنشده الفراء فى معانى القرآن ١: ١٤ وقال: ((أنشدفى بعض بى أسد
يصف فرسه، وفى الخزانة ١: ٤٩٩: «رأيت فى حاشية صحيحة من الصحاح أنه الذى الرمة، ففتشت
ديوانه فلم أجده )). وسيأتى فى تفسير آية سورة المائدة: ١٠٩ (٧: ٨١ بولاق). وقوله ( شنت))

٢٦٠
تفسير سورة البقرة : ٧
ومعلومٌ أن الماء يُشِرَب ولا يعلف به، ولكنه نصب ذلك على ما وصفتُ
قبلُ ، وكما قال الآخر :
ورأَيْتُ زَوْجَكِ فِى الوَغَى مُتَقَلّداً سَيْفاً وَرْحَا(١)
وكان ابن جُريج يقول - فى انتهاء الخبر عن الختم إلى قوله ((وعلى تنمعهم)»، ٨٩/١
وابتداءِ الخبر بعده - بمثل الذى قلنا فيه، ويتأوّل فيه من كتاب الله ﴿فَإنْ يَشَأَ اللهُ
يَخْتِمْ على قلبِكَ) [سورة الشورى:
٣٠٦ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنى حجاج ، قال :
حدثنا ابنُجريج، قال: الختمُ على القلب والسمع، والغشاوة على البَصَر، قال
الله تعالى ذكره: ﴿ فَإِنْ يَشَأَ اللهُ يَخْتَمْ عَلَى قَلْبِكَ (٢٢)، وقال: ﴿ وَخَمَ عَلَى سَمِهِ
وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةٌ﴾ [سورة الجاثية: ٢٣].
والغشاوة فى كلام العرب : الغطاءُ ، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص :
تَّبِعْتُكَ إذْ عَيْنِى عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ فَلَمَّانْجَلَتْ قَطْعْتُ نَفْسِى أَلُومُها (٣)
ومنه يقال : تغشَاه الهم، إذا تجلّله وركبه ، ومنه قول نابغة بنى ذبيان :
من شتا بالمكان : أقام فيه زمن الشتاء ، وهو زمن الجدب، وهمالة: تهمل دمعها أى تسكبه وتصبه من
شدة البرد .
(١) مضى تخريج هذا البيت فى ص ١٤٠ .
(٢) الأثر ٣٠٦ - ساقه ابن كثير فى تفسيره ١: ٨٥، والشوكانى ١ : ٢٨.
(٣) الشاعر هو الحارث بن خالد المخزومى، ويأتى البيت فى تفسير آية سورة الأعراف: ١٨
(٨: ١٠٣ بولاق)، وروايته هناك: ((محبتك إذ عينى ... أذيمها))، شاهداً على ((الذام))، وهو أبلغ
فى العيب من الذم، ثم قال أبو جعفر: ((وأكثر الرواة على إنشاده: ألومها))، وخبر البيت: أن
عبد الملك بن مروان لما ولى الخلافة حج البيت ، فلما انصرف رحل معه الحارث إلى دمشق ، فظهرت له
منه جفوة ، وأقام ببابه شهراً لا يصل إليه ، فانصرف عنه وقال البيت الشاهد وبعده:
وما بِيَ إن أقصَيْتِى من ضَرَاعَةٍ وَلاَ أَفْتَقَرَتْ نَفْسِى إِلى مَنْ يَضِيُها
(انظر الأغانى ٣ : ٣١٧)، وبلغ عبد الملك شعره ، فأرسل إليه من رده إليه .

٢٦٦
تفسير سورة البقرة : ٧
هَلَّا سَأَلْتِ بَنِ ذُبْيَن مَا حَسَبِى إِذَا الدُّخانُ تَّى الْأَشْمَطَ البَرَمَ(١)
يعنى بذلك : تجلّله وَخالطه .
وإنما أخبر اللّه تعالى ذكره نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عن الذين كفروا
به من أحبار اليهود، أنه قد ختم على قلوبهم وطَبعَ عليها - فلا يعقلون لله تبارك وتعالى
موعظةً وعظهم بها ، فيما آتاهم من علم ما عندهم من كتُبِه ، وفيا حدَّد فى كتابه
الذى أوحاه وأنزله إلى نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم - وعلى سمعهم، فلا يسمعُون
من محمد صلى اللّه عليه وسلم نبيِّ اللّه تحذيراً ولا تذكيراً ولا حجةً أقامها عليهم
بنبوَّته ، فيتذكرُوا ويحذروا عقاب الله عز وجلّ فى تكذيبهم إياه ، مع علمهم
بصدقه وصحّة أمره . وأعلمه مع ذلك أنّ على أبصارهم غشاوةً عن أن يُبصروا سبيل
الهُدَى ، فيعلموا قُبْحَ ما هم عليه من الضلالة والرَّدَى .
وبنحو ما قلنا فى ذلك ، رُوى الخبر عن جماعة من أهل التأويل:
٣٠٧ -حدثنا ابن حمید، قال: حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق، عن محمد
ابن أبى محمد مولی زید بن ثابت، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس: (خَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾، أىْ عن
الهدى أن يُصيبوه أبداً بغير ما كذبوك به من الحقّ الذى جاءك من ربِّك، حتى
يؤمنوا به ، وإن آمنوا بكل ما كان قبلك(٢).
٣٠٨ -حدثی موسی بنهرون الهمدانی،قال: حدثنا عمرو بن حماد ، قال:
حدثنا أسباط ، عن السُّدى فى خبر ذ کره عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن
ابن عباس - وعن مُرّة الهمدانی ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول
(١) ديوانه: ٥٢. والأشمط: الذى شاب رأسه من الكبر، والبرم: الذى لا يدخل مع القوم
فى الميسر. قال ابن قتيبة فى المعانى الكبير ٤١٠، ١٢٣٨: ((وإنما خص الأشمط، لأنه قد كبر
وضعف ، فهو يأتى مواضع الم)) .
(٢) الخبر ٣٠٧ - ذكره السيوطى ١: ٢٩ متصلا بما مضى: ٢٩٥، ٢٩٩ و بما يأتى:
٣١١ . ماقها سياقاً واحداً .

٢٦٧
تفسير سورة البقرة : ٧
اللّه صلى الله عليه وسلم: ((ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم)) يقول: فلا يعقلون ولا
يَسْمعون. ويقول: ((وَجعل على أبصارهم غشاوة)) يقول: على أعينهم فلا
يُبصرون(١).
وأما آخرون ، فإنهم كانوا يتأولون أنّ الذين أخبر الله عنهم من الكفّار أنه فعل
ذلك بهم ، هم قادة الأحزاب الذين قتلوا يوم بدر .
٣٠٩ - حدثنى المثنى بن إبراهيم ، قال: حدثنا إسحق بن الحجاج، قال :
حدثنا عبد الله بن أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قال : هاتان
الآيتان إلى ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هم ﴿الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا
قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَار﴾ [سورة إبراهيم: ٢٨]، وهمُ الذين قُتلوا يوم بدر، فلم يدخل
من القادة أحدٌ فى الإسلام إلا رجلان: أبو سفيان بن حَرْب، والحكم بن أبى
العاص(٢).
٣١٠ - وحدثت عن عمار بن الحسن، قال حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه ،
عن الربيع بن أنس ، عن الحسن، قال: أما القادةُ فليس فيهم ◌ُجيبٌ ولا ناجٍ
مْنّد .
ولا مَهتَد
وقد دللنا فيما مضى على أوْلى هذين التأويلين بالصواب، كرهنا إعادته .
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
٧
وتأويلُ ذلك عندى ، كما قاله ابن عباس وتأوّله :
(١) الخبر ٣٠٨ - ساقه ابن كثير ١: ٨٥. وذكره السيوطى ١: ٢٩، والشوكانى ١ : ٢٨
عن ابن مسعود فقط .
(٢) الأثر ٣٠٩ - هو تتمة الأثر الماضى: ٢٩٨، كما ساقه السيوطى ١: ٢٩، والشوكانى
١ : ٢٨ . وقد أشرنا إليه هناك .
.5

٢٦٨
تفسير سورة البقرة : ٧ - ٨
٣١١ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن محمد
ابن أبی محمد مولی زید بن ثابت،عنعكرمة،أو عن سعيد بن جبير،عن ابن عباس:
ولهم بما هُمْ عليه من خلافك عذابٌ عظيم. قال: فهذا فى الأحبار من يهود، فيما
٩٠/١ كذَّ بوكٍ به من الحق الذى جاءك من رّبك بعد معرفتهم(١).
٠٠٠
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ،امَنَّا
بالله وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَاهُمْ بِمُوَّمِنِينَ) (٥)
قال أبو جعفر: أما قوله: (( ومن الناس ))، فإن فی (( الناس )) وجهين:
أحدهما : أن يكون جمعاً لا واحدَ له من نَفْظِهِ، وإنما واحدهم ((إنسانٌ))،
وواحدتهم (إنسانة)) (٢).
والوجه الآخر: أن يكون أصله ((أُناس)) أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام
بها، ثم دخلتها الألف واللام المعرِّفتان، فأدغمت اللام - التى دخلت مع الألف
فيها للتعريف - فى النون، كما قيل فى ﴿لَكِنَّ هُوَ اللهُ رَبِى﴾ [سورة الكهف: ٣٨]،
على ما قد بينا فى ((اسم الله)) الذى هو اللّه (٣). وقد زعم بعضهم أن ((الناس))
لغة غير (( أناس))، وأنه سمع العرب تصغرهُ ((نُوَيْس)) من الناس، وأن الأصل لو كان
أناس لقيل فى التصغير: أُنَيس، فرُدَّ إلى أصله .
وأجمعَ جميع أهل التأويل على أنّ هذه الآية نزلت فى قوم من أهلِ النِّفاق ،
وأن هذه الصِّفة صِفِتُهم .
(١) الخبر ٣١١ - هو تتمة الأخبار: ٢٩٥، ٢٩٩، ٣٠٧، ساقها السيوطى ١: ٢٩
مساقاً واحداً، كما أشرنا من قبل. ولكنه حذف من آخره ما بعد قوله ((فهذا فى الأحبار من يهود)).
لعله ظنه من كلام الطبرى. والسياق واضح أنه من تتمة الخبر .
(٢) فى المطبوعة: ((واحده إنسان، وواحدته إنسانة)).
(٣) انظر ما مضى ص ١٢٥ - ١٢٦.

تفسير سورة البقرة : ٨
ذكر من قال ذلك من أهل التأويل بأسمائهم :
٣١٢- حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق ،
عن محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت، عن عكرمة،أو عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَاهُمْ
بِمُؤْمِنِين)، يعنى المنافقين من الأوْس والخَزْرج ومَنْ كان على أمرهم.
وقد سمى فى حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أبيّ بن كعب، غير أنى
ترکت تسميتهم کراهة إطالة الکتاب بذ کرهم(١).
٣١٣ - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مَعْمَرَ،
عن قتادة فى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَّنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَاهُمْ
بُوْمِنِين)، حتى بلغ: ﴿فَمَارَ بِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) قال : هذه
فى المنافقين(٢).
٣١٤ - حدثنا محمد بن عمرو الباهلى ، قال: حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا
عيسى بن ميمون ، قال : حدثنا عبد الله بن أبى نجيح، عن مجاهد ، قال :
هذه الآية إلى ثلاثَ عشرة ، فى نَعت المنافقين .
٣١٥ - حدثنى المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو حُذيفة، قال : حدثنا
شيئل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
٣١٦ - حدثنا سفيان، قال: حدثنا أبى، عن سفيان ، عن رجل ، عن
مجاهد ، مثله .
(١) الخبر ٣١٢ - مضى نحو معناه: ٢٩٦، وأشرنا إلى هذا هناك.
وأسماء المنافقين ، من الأوس والخزرج ، الذين كره الطبرى إطالة الكتاب بذكرهم - حفظها علينا
ابن هشام، فى اختصاره سيرة ابن إسحق، بتفصيل واف: ٣٥٥-٣٦١ (طبعة أوربة)، ٢: ١٦٦ - ١٧٤
( طبعة الحلبى)، ٢: ٢٦ - ٢٩ (الروض الأنف).
(٢) الأثر ٣١٣ - الحسن بن يحيى، شيخ الطبرى؛ وقع فى الأصول هنا ((الحسين))، وهو خطأ.
وقد مضى مثل هذا الإسناد على الصواب، رقم: ٢٥٧.

٢٧٠
تفسير سورة البقرة : ٨
٣١٧ -حدثیموسی بن هرون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن إسماعيل السدىّ فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ،
عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين)
المنافقون .
٣١٨ - حدثنى المثنى، قال : حدثنا إسمق ، عن ابن أبى جعفر ، عن أبيه ،
عن الربيع بن أنس ، فى قوله : ﴿ ومن الناس مَنْ يقول آمنا بالله وباليوم الآخر)
إلى ﴿ فزادهم الله مَرَضّاً ولهم عذاب أليم)، قال : هؤلاء أهلُ النفاق.
٣١٩ -حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسین بن داود، قال: حدثی حجاج،
عن ابن جريج ، فى قوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم
بمؤمنين) قال : هذا المنافقُ، يخالِفُ قولُه فعله، وسرُّه علانِيَتَه، ومدخلُه
مخرجه ، ومشهدُه مغيبه(١).
وتأويل ذلك: أنّ اللّه جل ثناؤه لما جمع لرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم أمرَهُ فى
دار هجرته ، واستَقرَّ بها قرارُه، وأظهرَ اللّه بها كلمته ، وفشا فى دور أهلها
الإسلام، وقَهرَ بها المسلمون مَنْ فيها من أهل الشرك من عبدة الأوثان، وذّلّ
بها من فيها من أهل الكتاب - أظهر أحبار يهودها لرسول الله صلى الله عليه وسلم
الضَّغائن، وأبدوا له العداوة والشنآنَ، حسداً وَبغياً(٢)، إلا نفراً منهم هداهم الله للإسلام
فأسلموا، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ
بَعْدٍ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَِّ لَهُمُ الْحَقُّ)
[سورة البقرة: ١٠٩]، وطابقتهم سرًّاً على معاداة النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه
(١) الروايات ٣١٤ - ٣١٩: ساق بعضها ابن كثير ١ : ٨٦ بين قص وإشارة. وساق بعضها
أيضاً السيوطى ١: ٢٩. والشوكانى ١ : ٢٩ .
(٢) فى: المخطوطة ((العداوة والشنار))، وهو خطأ. والشنآن والشناءة: البغض يكشف عنه الغيظ
الشديد . شئ" الشىء يشنؤه: أبغضه بنضاً شديداً .

٢٧١
تفسير سورة البقرة : ٨
وَبَغْيِهِم الغوائِل، قومٌ - من أرَاهط الأنصار الذين آوَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ٩١/١
ونَصَروه(١) - وكانوا قدعَسَوْا فى شركهم وجاهليَّتِهم (٢) قدُسُوا لنا بأسمائهم، كرهنا
تطويل الكتاب بذكر أسمائهم وأنسابهم ، وظاهر وهم على ذلك فى خفاء غيرِ جِهارٍ، حذار
القتل على أنفسهم، والسِّباءِ من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه، وركوناً
إلى اليهود لما هم عليه من الشرك وسوء البصيرة بالإسلام. فكانوا إذا تَقُوا رسولَ الله
صلى الله عليه وسلم وأهل الإيمان به من أصحابه قالوا لهم -حذاراً على أنفسهم -: إنا مؤمنون
بالله وبرسوله وبالبَعْث، وأعطَوْهم بألسنتهم كلمة الحقّ، ليدرأوا عن أنفسهمُ حكم الله
فيمن اعتقدَ ما هم عليه مقيمون من الشرك ، لو أظهروا بألسنتهم ما هم معتقدوه من
شركهم. وإذا لقمُوا إخوانتهم من اليهود وأهل الشّركِ والتكذيب بمحمد صلى اللّه عليه
وسلم وبما جاء به، فخلَوْا بهم ﴿ قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّ نَحْنُ مُسْتَهْزِتُونَ﴾. فإياهم
عَنَى جلّ ذكره بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَّنَا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَاهُمْ
بِمُؤْمِنِين)، يعنى بقوله تعالى خبراً عنهم: آمنًا باللّه -: وصدقنا بالله(٣).
وقد دللنا على أنّ معنى الإيمان : التصديق ، فيما مضى قبل من كتابنا
هذا(٤) .
وقوله: ﴿وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ)، يعنى: بالبعث يوم القيامة، وإنما ◌ُمّى يومُ القيامة
((اليومَ الآخر))، لأنه آخر يوم ، لا يومَ بعده سواه .
فإن قال قائل : وكيف لا يكون بعده يوم ، ولا انقطاعَ للآخرة ولافناء
ولا زوال ؟
(١) الغوائل جمع غائلة: وهى: النائبة التى تغول وتهلك. وأراهط جمع رهط، والرهط: عدد
يجمع من الثلاثة إلى العشرة ، لا يكون فيهم امرأة . وعنى بهم العدد القليل من بطون الأنصار.
(٢) فى المطبوعة: ((عتوا فى جاهليتهم)) وكلتاهما صواب. عسا الشى ء يعسو: اشتد وصلب وغلظ
من تقادم العهد عليه، وعسا الرجل: كبر . والعامى: هو الجافى، ومثله العاقى. وعتا يعتو، فى معناه.
وانظر ما مضى ص : ٣٦، تعليق .
(٣) فى المطبوعة ((وصدقنا بالله))، وزيادة الواو خطأً.
(٤) انظر ما مضى ص : ٢٣٤-٢٣٥.

٢٧٢
تفسير سورة البقرة : ٨ - ٩
قيل : إن اليومَ عند العرب إنما ◌ُسمّى يوماً بليلته التى قبله، فإذا لم يتقدم النهار
لیل لم يسمّ يوماً . فيوم القيامة يوم لا لیل بعده ، سوى الليلة التى قامت فى
صبيحتها القيامة ، فذلك اليوم هو آخر الأيام . لذلك سمّاه الله جل ثناؤه ((اليوم
الآخر ))، ونعتَه بالعقسيم. ووصفه بأنه يوم عَقيم، لأنه لا ليل بعده(١).
وأما تأويل قوله: (( وما هم بمؤمنين))، ونفيُّه عنهم جلّ ذكره اسمَ الإيمان ،
وقد أخبرَ عنهم أنّهم قد قالوا بألسنتهم: آمَنَّا بالله وباليوم الآخر - فإن ذلك من الله
جل وعزّ تكذيبٌ لهم فيما أخبَرُوا عن اعتقادهم من الإيمان والإقرار بالبعث، وإعلامٌ
منه نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم أنّ الذى يُبْدونه له بأفواههم خلاف ما فى ضمائر
قلوبهم ، وضِدُّ ما فى عزائم نفوسهم .
وفى هذه الآية دلالةٌ واضحة على بُطول ما زَكَمَتْه الجهميةُ: من أنّ الإيمان
هو التصديق بالقول ، دون سائر المعانى غيره. وقد أخبر الله جل ثناؤه عن الذين
ذكرهم فى كتابه من أهل النفاق، أنهم قالوا بألسنتهم: ((آمنا بالله وباليوم الآخر))،
ثم نفّى عنهم أن يكونوا مؤمنين، إذْ كان اعتقادهم غير مُصَدِّقٍ قِيلَهُم ذلك.
وقوله (( وما هم بمؤمنين))، يعنى بمصدَّقُين)) فيما يزعمون أنهم به مُصَدُّقُون .
...
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يُخْدِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ ءامَنُوا﴾
قال أبو جعفر : وخداعُ المنافق ربَّه والمؤمنينَ، إظهارُه بلسانه من القول والتصديق،
خلاف الذى فى قلبه من الشك والتكذيب، ليدْرَأ عن نفسه، بما أظهر بلسانه ،
حكمَ اللّه عز وجلّ - اللازم" من كان بمثل حاله من التكذيب، لولم يُظهِرْ
(١) وذلك قول ربنا سبحانه فى سورة الحج: ٥٠: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِىِ مِرْيَةٍ
مِنْهُ حَتَّى تَأْنِيَّهِمُ السَّاعَةُ بَفْتَةً أَوْ بَأْتِيَهِمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.

٢٧٣
تفسير سورة البقرة : ٩
بلسانه ما أظهرَ من التصديق والإقرار - من القَتْل والسُّباء. فذلك خداعُهُ ربِّه
وأهلَ الإيمان بالله.
فإن قال قائل : وكيف يكون المنافق اللّه والمؤمنين مخادعاً، وهو لا يظهر
بلسانه خلاف ما هو له معتقدٌ إِلا تَقِيَّةٌ؟
قيل: لا تمتنعُ العربُ من أنْ تُسمّى من أعطى بلسانه غير الذى هو فى
ضميره تَقِيَّة" لينجو مما هو له خائف، فنجا بذلك مما خافه .. ◌ُخادِعاً لمن تخلص
منه بالذى أظهر له من التَّقَيّة. فكذلك المنافق، سمى مخادعاً لله وللمؤمنين ، بإظهاره
ما أظهر بلسانه تقيّةً، مما تخلَّص به من القتل والسُّباءِ والعذاب العاجل، وهو لغير
ما أظهر مستبطينٌ. وذلك من فعلِه - وإن كان خِدَاعاً للمؤمنين فى عاجل الدنيا -
فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ، لأنه يُظهر لها بفعله ذلك بها، أنه يعطيها أمنيّتها، ٩٢/١
وُيُسقيها كأسَ سُرورها، وهو مُورِدُها بهحياض عَطَبها، ومُحَرِّعها بهكأس عذابها،
ومُزِيرُها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبل لها به(١). فذلك خديعتُهُ نفسه، ظنًّا
منه - مع إساءته إليها فى أمر معادها - أنه إليها محسن ، كما قال جل ثناؤه: (( وما
يُخْدَعُون إلا أنفسهم وما يشعُرُون)). إعلاماً منه عبادَه المؤمنين أنّ المنافقين بإساءتهم
إلى أنفُسهم فىإسماطھم رَّبهم بکفرهم وشکُّهم وتکذیہم-غیرُ شاعرین ولا دارین،
ولكنهم على محمْيَاء من أمرِهِم مُقيمون .
وبنحوما قلنا فى تأويل ذلك ، كان ابن زيد يقول .
٣٢٠ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال : سألت
عبد الرحمن بن زيد عن قول الله جل ذكره: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) إلى
(١) فى المطبوعة: ((ومذيقها من غضب الله))، وفى المخطوطة: (( ومريدها ... ))، وفى تفسير
ابن كثير ١ : ٨٧ (( ومز برها ... ))، والصواب ما أثبتناه، وأزاره: حمله على الزيارة. وفى حديث
طلحة: « ... حتى أزرته شعوب))، وشعوب هى المنية، أى أوردته المنية فزارها. وجعلها زيارة، وهى
هلاك . سخرية بهم واستهزاء، لقبح غرورهم بربهم، وفرحهم بما مد لهم من العمر والمال والمتاع.
(١٨)

٢٧٤
تفسير سورة البقرة : ٩
آخر الآية، قال: هؤلاء المنافقُون، يخادعون الله ورسوله والذين آمنوا، أنهم مؤمنون
بما أظهروا(١).
وهذه الآية من أوضح الدليل على تكذيب الله جلّ ثناؤه الزاعمين: أن الله لا
يُعذّب من عباده إلا من كَفَر به عناداً، بعد علمه بوحدانيته ، وبعد تقرُّر صحّة
ما عاندَ ربّه تبارك وتعالى عليه من تَوْحيده، والإقرار بكتبه ورُسله-عنده. لأن
الله جل ثناؤه قد أخبر عن الذين وصفهم بما وصفهم به من النفاق ، وخداعهم
إياه والمؤمنين- أنهم لا يشعرون أنهم مُبْطلون فيما هم عليه من الباطل ◌ُقِيمون،
وأنَّهم بخداعهم -الذى يحسبون أنهم به يخادعون ربهم وأهلَ الإيمان به ــ مخدوعون.
ثم أخبر تعالى ذكره أنّ لهم عذاباً أليماً بتكذيبهم بما كانوا يكذُّبون من نبوة نبيّه،
واعتقاد الكفر به، وبما كانوا يكذ بون فى زعمهم أنهم مؤمنون، وهم على الكفر مُصِرُّون.
فإن قال لنا قائل: قد علمت أن ((المُفاعلة)) لا تكون إلا من فاعلَيْن، كقولك:
ضاربتُ أخاك، وجالست أباك - إذا كان كل واحد مجالسَ صاحبه ومضاربه.
فأما إذا كان الفعلُ من أحدهما ، فإنما يقال : ضربتُ أخاك، وجلست إلى أبيك .
فمَنْ خادع المنافق فجاز أن يُقال فيه: خادع اللّه والمؤمنين؟
قيل: قد قال بعضُ المنسوبين إلى العلم بلغات العرب(٢): إن" ذلك حرفٌ
جاء بهذه الصورة أعنى (( يُخادع)) بصورة ((يُفاعل))، وهو بمعنى ((يَفْعَل))،
فى حروف أمثالها شاذة من منطق العرب، نظيرَ قولهم: قاتلك الله، بمعنى قتلك الله.
وليس القول فى ذلك عندى كالذى قال، بل ذلك من (( التفاعل)) الذى لا يكون
إلا من اثنين، كسائر ما يُعرف من معنى ((يفاعل وُمفاعل)) فى كل كلام
العرب . وذلك: أن المنافقُ يخادع الله جل ثناؤه بكذ به بلسانه - على ماقد تقدّم
(١) الأثر ٣٢٠ - فى الدر المنثور ١: ٣٠، والشوكانى ١: ٣٠ بتاعه، ويأتى تمامه فى تفسير
بقية الآية برقم : ٣٢١ .
(٢) يعنى أبا عبيدة فى كتابه ((مجاز القرآن)): ٣١.

٢٧٥
تفسير سورة البقرة : ٩
وصفه - والله تبارك اسمه خادعُه، بخذلانه عن حسن البصيرة بما فيه نجاةُ نفسه
فى آجل مَعادِه، كالذى أخبر فى قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نَتِى
لُهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّا نُبِلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِنْمَا﴾ [سورة آل عمران: ١٧٨]،
وبالمعنى الذى أخبر أنه فاعلٌ به فى الآخرة بقوله: ﴿ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَتُ
لِلِّينَ آمَنُوا اذْظُرُونَا تَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَ كُمْ فَالَمِسُوا نُوراً
فَغُرِبَ بْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَبٌ بَلِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾
[سورة الحديد: ١٣]، فذلك نظيرُ سائرما يأتى من معانى الكلام: ((يُفَاعِل وُمُفاعل)).
وقد كان بعض أهل النحو من أهل البصرة يقول : لا تكون المفاعلة إلا من
شيئين، ولكنه إنما قيل: (( يُخاد عون الله)) عند أنفسهم، بظنِّهم أن لا يعاقَبُوا،
فقد علموا خلاف ذلك فى أنفسهم ، بحجة الله تبارك اسمه الواقعة على خلقه بمعرفته،
وما يخدعون إلا أنفسهم. قال: وقد قال بعضُهم: (( وما يخدعون))، يقول: يخدّعُون
، أنفسهم بالتَّخلية بها(١) . وقد تكون المفاعلة من واحد فى أشياء كثيرة .
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ)
إن قال قائل : أو ليس المنافقون قد خدعُوا المؤمنين - بما أظهرُوا بألسنتهم
من قيل الحق - عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم حتى سلمت لهم دنياهم، وإن
(١) يعنى بقوله ((بالتخلية بها))، أى بالانفراد بها وإخفاء ما يبطنون من الكفر. كأن أراد
أن يجعل اشتقاق ((يخدعون)) من المخدع، وهو البيت الصغير داخل البيت الكبير، وأراد الستر الشديد
لما يبطنون. وأخل بفلان يخل به إخلاء: انفرد به فى مكان خال. واستعمل ((التخلية)» بمعنى أنه حمل
على الخلوة، كأنه حمل نفسه على الخلوة بها والانفراد، ليخفى ما فيها . وهذا الذى ذكره شرح لبقية الآية
لاذی سیأتى بعد .
١

٢٧٦
تفسير سورة البقرة : ٩
٩٢/١ كانوا قد كانوا مخدوعين فى أمر آخرتهم ؟
قيل : "خطأٌ أن يقال إنهم خدعوا المؤمنين. لأنَّا إذا قلنا ذلك، أوجبنا لهم
حقيقة" خدعةٍ جازت لهم على المؤمنين(١). كما أنَّا لو قلنا: قتل فلان فلاناً، أرجبنا
له حقيقةَ قتلٍ كان منه لفلان. ولكنا نقول: خادَع المنافقون رَبَّهم والمؤمنين ، ولم
يَخْدَعوهم بَل خدعوا أنفسهم، كما قال جل ثناؤه، دون غيرها، نظير ما تقول
فى رجل قاتَل آخر، فقتل نفسُه ولم يقتُل صاحبه: قاتَل فلان فلاناً فلم يقتل إلا
نفسه ، فتوجبُ له مقاتلةَ صاحبه، وتنفى عنه قتله صاحبه، وتوجب له قتل نفسه.
فكذلك تقول: ((خادَعَ المنافقُ ربَّه والمؤمنين فلم يخدعْ إلا نفسه))، فتثبت منه
مخادعةَ ربه والمؤمنين ، وتنفى عنه أن يكون "خدَع غيرَ نفسه، لأن الخادعَ هو الذى
قد صحّت الخديعة له ، وَوَقع منه فعلُها. فالمنافقون لم يخدَعوا غيرَ أنفسهم، لأنّ ما
كان لهم من مال وأهلٍ ، فلم يكن المسلمون مَذكره عليهم - فى حال خداعهم إياهم
عنه بنفاقهم ولا قَبْلها - فيستنقِذُوه بخداعهم منهم، وإنما دافعوا عنه بكذبهم
وإظهارهم بألسنتهم غيرَ الذى فى ضمائرهم، ويحكُم الله لهم فى أموالهم وأنفسهم وذراريهم
فى ظاهر أمورهم بحُكم ما انتسبوا إليه من الملّة، والله بما يُخْفون من أمورِهِم عالم.
وإنما الخادع من خّل غيرَهُ عن شيئِهِ، والمخدوعُ غير عالم بموضع خديعةٍ خادِعِه.
فأما والمخاد ع عارفٌ بخداعٍ صاحبه إياه = غير لاحقه من خداعه إيّاه مكروه ، بل
إنما يَتجافى للظَّانَ به أنه له ◌ُخادع، استدراجاً، ليبلغ غايةٌ يتكامل له عليه الحُجَّةُ
العقوبة التى هو به مُوقِع عندبلوغه إياها(٢)، والمُسْتَدْرَجِ غيرُ عالم بحال نفسه عند
مستدرِجِهِ، ولا عارف باطلاعه على ضميره، وأنّ إمهالَ مستدرِجِه إياه، تركه
معاقبته على جرمه(٣)، ليبلغ المخاتِل المخادعُ - من استحقاقه عقوبة مستدرجه،
(١) فى المطبوعة: ((جاءت لهم على المؤمنين))، وهو خطأ.
(٢) فى المطبوعة: ((التى هو بها موقع))، وعنى: العقوبة التى هو موقعها به ...
(٣) فى المطبوعة: ((وأن إمهال مستدرجه، وتركه إياه معاقبته على جرمه))، وهو خطأ مفسد المعنى.
بـ

٢٧٧
تفسير سورة البقرة : ٩
بكثرة إساءته ، وطول عصيانه إياه، وكثرة صفح المستدرج، وطول عفوه عنه -
أقصى غايةٍ (١) = فإنما هو خادع نفسه لا شك ، دون من حد ◌ّثته نفسه أنه له
مخادعٌ . ولذلك نفى الله جل ثناؤه عن المنافق أن يكون خدَعَ غيرَ نفسه، إذ كانت
الصَّفَةُ التى وَصَقنا صفته.
وإذ كان الأمر على ما وصفتا من خِدَاع المنافق ربَّه وأهلَ الإيمان به، وأنه
غير صائر بخداعه ذلك إلى خديعة صحيحة إلا لنفسه دون غيرها، لما يُوَرِّطها يفعله
من الهلاك والعطب. فالواجب إذاً أن يكون الصحيح من القراءة: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا
أَنْفُسَهُمْ﴾ دون ﴿وَمَا يُخَادِعُونَ﴾ لأن لفظ (المخادع)) غير مُوجب تثبيتَ خديعةٍ
على محمَّة، ولفظ ((خادع)) موجب تثبيت خديعة على صحة . ولا شك أن المنافق
قد أوجبَ خديعة اللّه عز وجل لِنَفْسه بما ركِبَ من خداعه ربَّه ورسوله والمؤمنين
- بنفاقه، فلذلك وجبَت الصِّحةُ لقراءة من قرأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.
ومن الدلالة أيضاً على أن قراءة من قرأ: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ) أولى بالصحة من قراءة
من قرأ: ﴿وَمَا يُخَدِعُونَ﴾، أن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم يخادعون الله
والمؤمنين فى أول الآية ، فمحال أن ينفى عنهم ما قد أثبت أنهم قد فعلوه، لأن ذلك
تضادّ فى المعنى، وذلك غير جائزٍ من الله جلّ وعزّ.
القول فى تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا يَشْعُرُون ﴾﴾)
يعنى بقوله جل ثناؤه (( وما يشعرون))، وما يَدْرُون. يقال: ما شَعَرَ فلانً
بهذا الأمر، وهو لا يشعر به - إذا لم يَدْرٍ ولم يَعْلم - شعراً وشعوراً. وقال الشاعر:
(١) سياق هذه العبارة: ((ليبلغ المخاتل المخادع ... أقصى غاية))، وسياق الذى يليها من صدر
الجملة: ((فأما والمخادع عارف ... فإنما هو خادع نفسه ... ))، وما بينهما فصل طويل.

٢٧٨
تفسير سورة البقرة : ٩ - ١٠
عَقَّوْا بَِسهمٍ وَلَّ يَشْعُر بِهِ أَحَدٌ مُمَّ اسْتَفَاؤُوا وَقَالُوا: حَبَّذَا الْوَضَحُ (١)
يعنى بقوله: لم يَشْعر به ، لم يدر به أحد ولم يعلم. فأخبر الله تعالى
ذكره عن المنافقين: أنهم لا يشعرون بأن اللّه خاد عُهم ، بإملائه لهم واستدراجه
إياهم، الذى هو من الله جل ثناؤه إبلاغٌ إليهم فى الحجة والمعذرة ، ومنهم لأنفسهم
خديعةٌ، ولها فى الآجل مضرّة ، كالذى - :
٩٤/١
٣٢١- حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سألت
ابن زيد عن قوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾، قال: ما يشعرون
أنهم ضرُّوا أنفسهم، بما أسّرُّوا من الكفر والنِّفاق. وقرأ قول الله تعالى ذكره: ( يَوْمَ
يَبْعَنُهُمُ اللهُ ◌َمِيعاً﴾، قال: هم المنافقون حتى بلغ ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَىءٍ﴾
[سورة المجادلة: ١٨]، قد كان الإيمان ينفعهم عندكم (٢) .
٠٠٠
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فِى قُلُوبِمْ مَرَضٌ)
قال أبو جعفر: وأصل المرض : السَّقْم، ثم يقال ذلك فى الأجساد والأديان .
فأخبر الله جلّ ثناؤه أن فى قلوب المنافقين مَرَضاً ، وإنما عنى تبارك وتعالى بخبره
(١) الشعر للمتنخل الهذلى، ديوان الهذليين ٢: ٣١، وأمالى القالى ١: ٢٤٨، وسمط اللآلى"
٥٦٣. على بالسهم: ربى به فى السماء لا يريد به شيئاً، وأصله فى الثأر والدية، وذلك أنهم كانوا يجتمعون
إلى أولياء المقتول بدية مكملة، ويسألونهم قبول الدية. فإن كانوا أقوياء أبوا ذلك، وإلا أخذوا سهماً
ورموا به فى السماء، فإن عاد مضرجاً بدم ، فقد زعموا أن ربهم نهاهم عن أخذ الدية . وإن رجع كما صعد،
فقد زعموا أن ربهم أمرهم بالعفو وأخذ الدية. وكل ذلك أبطل الإسلام. وفاء واستفاء: رجع . والوضح:
اللبن. يهجوهم بالذلة والدناءة، فأمدروا دم قتيلهم، ورموا بالسهم الذى يزعمونه يأمرهم وينهاهم، ورجعوا
عن طاب الترة إلى قبيل الدية، وآثروا إبل الدية وألبانها على دم قاتل صاحبهم ، وقالوا فى أنفسهم :
اللبن أحب إلينا من القود وأنفع .
(٢) الأثر ٣٢١ - هو تمام الأثر الذى سلف: ٣٢٠.

%
٢٧٩
تفسير سورة البقرة : ١٠
عن مرض قلوبهم ، الخبرَ عن مرض ما فى قلوبهم من الاعتقاد = ولكن لما كان
معلوماً بالخبر عن مرض القلب ، أنَّه معنىٌّ به مرضُ ما هم معتقدُوه من الاعتقاد
- استغنى بالخبر عن القلب بذلك = والكفاية عن تصريح الخبر عن ضمائرهم
واعتقاداتهم (١)، كما قال محُمر بن لجأ:
وَسَبََّتِ الْتَدِينَةُ، لَا تَلُهَ، رَأَتْ قَراً بِسُوقِهِمُ نَرَا(٢)
يريد: وسبَّح أهل المدينة، فاستغنى بمعرفة السامعين خبره بالخبرِ عن
المدينة ، عن الخبر عن أهلها . ومثله قول عنترة العبسى :
هَلَّا سَأَلَتِ الْخَيْلَ يَا أَبْنَةَ مَالِكٍ؟ إنْ كُنْتِ جَاهِلَةً بِمَ لَمْ تَعْلِى (٣).
يريد: هلا سألتِ أصحاب الخيل؟ ومنه قولهم: (( يا خَيْلَ الله ارکبی))،
يراد: يا أصحاب خيل الله اركبُوا. والشواهد على ذلك أكثر من أن يحصيها كتاب،
وفيما ذكرنا كفاية لمن وُفِّق لفهمه .
فكذلك معنى قول الله جل ثناؤه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إنما يعنى: فى اعتقاد
قلوبهم الذى يعتقدونه فى الدين ، والتصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وبما جاء
به من عند الله - مَرَض وسُقْم. فاجتزاً بدلالة الخبر عن قلوبهم على معناه، عن
تصريح الخبر عن اعتقادهم .
والمرضُ الذى ذكر الله جل ثناؤه أنّه فى اعتقاد قلوبهم الذى وصفنا: هو شكُهم
فى أمر محمد وما جاء به من عند الله، وتحيِّرُهم فيه، فلاهم به موقنون إيقان إيمان ،
ولا هم له منكرون إنكارَ إشراك، ولكنهم، كما وصفهم الله عز وجل، مُذَبْذَ بُونَ
بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء(٤)، كما يقال: فلان يُمَرَّضُ فى هذا الأمر،
(١) فى المطبوعة: ((والكناية عن تصريح الخبر ... ))، وقوله: ((والكفاية عن تصريح
الخبر ... )) معطوف على قوله ((الخبر من مرض ما فى قلوبهم ... ))
(٢) يأتى البيت فى تفسير آية البقرة: ١١٠ (١: ٣٩١ بولاق).
(٣) فى معلقته المشهورة .
(٤) تغسمين آية سورة النساء : ١٤٣.

٢٨٠
تفسير سورة البقرة : ١٠
أى يُضَعِّف العزمَّ ولا يصحّح الروِيَّة فيه .
وبمثل الذى قلنا فى تأويل ذلك ، تظاهر القول فى تفسيره من المفسّرين .
ذكر من قال ذلك :
٣٢٢ - حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحق،
عن محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس: ((فى قلوبهم مرضٌ))، أى شكّ.
٣٢٣ - وحدّثت عن المِنْجَاب، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبى
رَوْق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : المرض : النفاق .
٣٢٤ -حدثیموسی بن هرون، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السُّد ی فی خبر ذكره، عنأبى مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس
- وعن مُرّة الهمدانى ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله
علیه وسلم : « فى قلوبهم مرض » يقول : فی قلوبهم شك".
٣٢٥ - حدثنى يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال
عبد الرحمن بن زيد، فی قوله: ((فیقلوبهم مرضّ)، قال : هذا مرض فىالدین،
وليس مَرّضاً فى الأجساد ، قال : وهم المنافقون .
٣٢٦ - حدثنى المثنَّ بن إبراهيم، قال: حدثنا سُوَيَد بن نصر ، قال :
أخبرنا ابنُ المبارك قراءةً، عن سعيد، عن قتادة، فى قوله ((فى قلوبهم "مَرَض))
قال : فى قلوبهم ريبة وشك فى أمر الله جل ثناؤه.
٣٢٧ - وحدّثت عن عمّار بن الحسن ، قال : حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن أبيه، عن الربيع بن أنس: ((فى قلوبهم مَرَضٌ)) قال: هؤلاء أهلُ
النفاق، والمرضُ الذى فى قلوبهم: الشك فى أمر الله تعالى ذكره.
٣٢٨ - حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال : قال عبد الرحمن بن
زيد: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَّنَّا بالهِ وَبِالْيَوْم الْآخِرِ) حتى بلغ (فِى