Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
تفسير سورة البقرة : ٣
جنْسَيْن(١): فجعل أحدهما مطبوعاً على قلبه ، مختوماً عليه، مأيوساً من إيابه(٢)،
والآخرَ منافقاً ، يُرائى بإظهار الإيمان فى الظاهر ، ويستسرُّ النفاق فى الباطن .
فصيِّر الكفار جنسَيْن، كما صيَّر المؤمنين فى أول السورة جِنْسين. ثم عرّف عباده
نَعْتَ كلِّ صنف منهم وصِفتهم، وما أعدَّ لكلّ فريق منهم من ثواب أو عقاب،
وَذمَ أهل الذَّم منهم ، وشكرَ سَعْىَ أهل الطاعة منهم .
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وُقِيمُونَ﴾
وإقامتُها: أداؤها - بحدودها وفروضها والواجب فيها - على ما فُرِضَتْ عليهم.
كما يقال : أقام القومُ سُوقَهم، إذا لم يُعَطِّلوها من البيع والشراء فيها، وكما
قال الشاعر :
أَقَمْنَ لِأَهْلِ العِرَاقَيْنِ سُوقَ ال ضِّرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعاً(٣)
٢٨٢ ۔۔ وکما حدثنا محمد بنحميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد
ابن إسحق ، عن محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن
سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، ((ويقيمون الصلاة))، قال : الذين يقيمون
الصلاةَ بفرُوضها .
٢٨٣ - حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن ◌ُمارة،
عن أبى رَوْق ، عن الضحاك، عن ابن عباس، ((ويقيمون الصلاة)) قال: إقامة
(١) سياقه: ((جنس ... جنسين))، وما بينهما فصل، وجنس الشىء: جعله أجناساً،
ء
كصنفه أصنافاً .
(٢) فى المطبوعة: ((إيمانه))، وهى صحيحة المعنى أيضاً. والإياب: الرجوع إلى الله بالتوبة
والطاعة. ومنه قوله تعالى: ((وَاذْ كُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أُوَّابٌ))
(٣) فى المطبوعة ((فحاسوا))، وفى المخطوطة ((مجأمرا)). وخام فى الحرب عن قرنه يخيم خيماً: جبن
ونكص وانكسر . ولم أعرف قائل البيت .
(١٦)

تفسير سورة البقرة : ٣
٢٤٢
الصلاة تمامُ الرُّكوع والسُّجود، والتّلاةُ والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها (١).
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ الصَّلَوةَ﴾
٢٨٤ - حدثنى يحيى بن أبى طالب ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا
جُوَيْبر، عن الضحاك فى قوله: ((الذين يقيمون الصلاة)): يعنى الصلاة المفروضة(٢).
وأما الصلاةُ فإنها فى كلام العرب الدُّعاءُ، كما قال الأعشى :
لَهَا حَارِسٌ لا يبرَحُ الدَّهْرَ بْتَهَا وَإِنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَاَ وزَعْزَمَا(٣)
يعنى بذلك: دعالها، وكقول الأعشى أيضاً(٤):
وَقَلَهَا الرِّيحَ فِى دَنَّهَا وَصَلَّى عَلَى دَنَّهَا وَارْتَمَمْ(*)
(١) الخبران ٢٨٢، ٢٨٣ - فى تفسير ابن كثير ١: ٧٧، والدر المنثور ١: ٢٧،
والشوكانى ١ : ٢٥ .
(٢) الأثر ٢٨٤ - إسناده ضعيف جداً. يحيى بن أبى طالب جعفر بن الزبرقان: قال الذهبي:
((محدث مشهور ... وثقه الدارقطنى وغيره ... والدارقطنى من أخبر الناس به)). مات سنة ٢٧٥ عن
٩٥ سنة. يزيد: هو ابن هرون، أحد الحفاظ الأعلام المشاهير ، من شيوخ الأمة أحمد وابن معين
وابن راهويه وابن المدينى . جويبر - بالتصغير : هو ابن سعيد الأزدى البلخى ، ضعيف جداً، ضعفه
يحيى القطان، فيما روى عنه البخارى فى الكبير ٢٥٦/٢/١، والصغير: ١٧٦، وقال النسائى فى
الضعفاء: ٨ ((متروك الحديث))، وفى التهذيب ٢: ١٢٤ ((قال أبو قدامة السرخى: قال يحيى القطان:
تساهلوا فى أخذ التفسير عن قوم لا يوثقونهم فى الحديث . ثم ذكر الضحاك وجويبراً ومحمد بن السائب.
وقال : هؤلاء لا يحتمل حديثهم، ويكتب التفسير عنهم)).
(٣) ديوانه: ٢٠٠، يذكر الخمر فى دنها. وزمزم العلج من الفرس: إذا تكلف الكلام
عند الأكل وهو مطبق فه بصوت خفى لا يكاد يفهم، وفعلهم ذلك هو الزمزمة. ((ذبحت)) أى بزلت وأزيل
ختمها . وعندئذ يدعو مخافة أن تكون فاسدة، فيخسر .
(٤) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وكقول الآخر أيضاً))، والصواب أنه الأعثى، وسبق قلم
الناسخ .
(٥) ديوان الأعشى: ٢٩. وقوله ((وقابلها الريح)) أى جعلها قبالة مهب الريح، وذلك عند.
بزلهما وإزالة ختمها. ويروى: ((فأقبلها الريح)) وهو مثله. وارتسم الرجل: كبر ودعا وتعوذ، مخلفة
أن يجدما قد فسدت ، فتبور تجارته .

٢٤٣
تفسير سورة البقرة : ٣
وأرى أن الصلاة المفروضة ◌ُميت ((صلاة))، لأنّ المصلّى متعرّضّ لاستنجاح ٨١/١
طَلِبَتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل رَبَّه من حاجاته، تعرُّضَ الداعى بدعائه
ربِّه استنجاحَ حاجاته وسؤلَهُ .
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿ومِمَّا رَزَقَنْهُمْ يُنْفِقَوْن)
اختلف المفسرون فى تأويل ذلك ، فقال بعضهم بما :-
٢٨٥ - حدثنا به ابن ◌ُميد، قال: حدثنا سَكَمة، عن محمد بن إسحق ،
عن محمد بن أبى محمد ملی زید بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير،
عن ابن عباس، ((ومما رزقناهم ينفقون))، قال : يؤتون الزكاة احتساباً بها .
٢٨٦ - حدثنى المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية، عن
على بن أبى طلحة، عن ابن عباس، ((ومما رزقناهم ينفقون))، قال: زكاة أموالهم (١).
٢٨٧ -حدثی یحیبن أبىطالب، قال: حدثنا يزيد، قال : أخبرنا جُویبر ،
عن الضحاك، (ومما رزقناهم ينفقون))، قال: كانت النفقات قُرُبات يتقرَّبون بها إلى الله
على قدر ميسورهم وجُهْدهم ، حتى نَزَلت فرائضُ الصدقات : سبعُ آيات فى سورة
براءة، مما يذكر فيهنّ الصدقات، هنَّ الْمُثْبَتات الناسِمات (٢).
وقال بعضهم بما : -
٢٨٨ - حدثنى موسى بن هرون قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال :
حدثنا أسباط ، عنالسُّدی فی خبر ذكره ، عن أبى مالك، وعن أبى صالح ، عن
ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْدانى، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب
(١) الخبر ٢٨٦ - فى المخطوطة ((ابن المنى))، وهو خطأ. والخبر ذكره ابن كثير ١ : ٧٧.
(٢) الأثر ٢٨٧ - ذكره ابن كثير ١: ٧٧، والسيوطى ١: ٢٧، والشوكانى ١: ٢٥.
وقوله ((المثبتات)): بفتح الباء، أى التى أثبت حكها ولم ينسخ، ويجوز كسرها، بمعنى أنها أثبتت
الفريضة بعد نسخها ما سبقها فى النزول. وبدلها عند السيوطى والشوكانى ((الناخات المبينات)). وليس بشىء.

٢٤٤
١
تفسير سورة البقرة : ٣-٤
النبى صلى الله عليه وسلم، ((ومما رزقناهم ينفقون)): هى نفقَةُ الرّجل على أهله. وهذا
قبل أن تنزل الزكاة (١).
وأوْلى التأويلات بالآية وأحقُّها بصفة القوم : أن يكونوا كانوا لجميع اللازم
لهم فى أموالهم، مُؤُدِّين، زكاةٌ كان ذلك أو نفَقَةَ مَنْ لزمتْه نفقتُهُ، من
أهل وعيال وغيرهم، ممن تجب عليهم نَفَقَتُه بالقرابة والملك وغير ذلك. لأن الله
جل ثناؤه عَمّ وصفهم إذْ وصفهم بالإنفاق مما رزقهم ، فمدحهم بذلك من صفتهم.
فكان معلوماً أنه إذ لم يخصُصَ مدْحتهم ووصفتهم بنوع من النفقات المحمود عليها
صاحبُها دونَ نوعٍ بخبر ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معانى النفقات المحمود
عليها صاحبُها من طيِّب ما رزقهم رَبُّهم من أموالهم وأملاكهم، وذلك الحلالُ منه
الذى لم يَشُبْهُ حرامٌ .
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ
إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾
قد مضى البيان عن المنعوتين بهذا النعت ، وأى أجناس الناس هم(٢)، غير
أنَّا نذ کر ما رُوی فی ذلك عمن روی عنه فى تأويله قول":
٢٨٩ - فحدثنا ابن ◌ُيد، قال: حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحق، عن
محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس، (( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك)): أى يصدّقُونك
(١) الخبر ٢٨٨ - نقله ابن كثير أيضاً. ونقله السيوطى مختصراً، وجعله من كلام ابن مسعود
وحده . وقلده الشوكانى دون بحث .
(٢) انظر ٢٣٧-٢٤١.

-
٢٤٥
تفسير سورة البقرة : ٤
بما جئت به من اللّه جلّ وعز وما جاء به مَنْ قبلك من المرسلين، لا يفرِّقون بينهم،
ولا يجْحدون ما جاؤهم به من عندربهم(١) .
٢٩٠ -حدثنا موسى بن هرون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط ، عن السُّدى فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح، عن ابن
عباس - وعن مُرّة الهَمْدانى، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ((والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم
يوقنون )) : هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب(٢).
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) (١)
قال أبو جعفر : أما الآخرةُ فإنها صفة للدار ، كما قال جل ثناؤه
﴿وإنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة العنكبوت: ٦٤].
وإنما وصفت بذلك لمصيرها آخرةً لأولى كانت قبلها، كما تقول للرجل: ((أنعمتُ عليك
مرَّة بعد أخرى ، فلم تشكر لى الأولى ولا الآخرة)) ، وإنما صارت آخرة للأولى ،
لتقدُّم الأولى أمامها. فكذلك الدارُ الآخرة، ◌ُميت آخرةَ لتقدُّم الدار الأولى أمامها، ٨٢/١
فصارت التاليةُ لها آخرةً. وقد يجوز أن تكون ◌ُميت آخرة" لتأخُّرها عن الخلق،
كما سميت الدنيا ((دنيا)) لِدُنُوُها من الخلق.
(١) الخبر ٢٨٩ - ذكره ابن كثير ١: ٧٩ مع باقيه الآتى: ٢٩١. وذكره السيوطى ١: ٢٧،
والشوكانى ١ : ٢٥ بزيادة أخرى على الروايتين، منسوباً لابن إسحق وابن جرير وابن أبى حاتم .
(٢) الخبر ٢٩٠ - وهذا ذكره ابن كثير أيضاً، لكن بالإشارة إليه دون سياقة لفظه. وقلده الشوكانى.
وعلى الأصل المخطوط بعد هذا ما نصه
سمع أحمد ومحمد والحسن ، بنوعبد الله بن أحمد الفرغانى جميعه .
سمع محمد بن محمد الطرسوسي والحسن بنو محمد بن عبدان، والحسن بن إبراهيم
الحماس جميعه. والحمد لله كثيراً.

٢٤٦
تفسير سورة البقرة : ٤
وأما الذى وَصَف الله جل ثناؤه به المؤمنين - بما أنزل إلى نبيه محمد صلى الله عليه
وسلم وما أنزل إلى مَن قبله من المرسلين - من إيقانهم به من أمر الآخرة ، فهو
إيقانهم بما كان المشركون به جاحدين: من البَعْث والنُّشور والثواب والعقاب
والحساب والميزان ، وغير ذلك مما أعد اللّه لخلقه يومَ القيامة. كما :-
٢٩١ - حدثنا به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة ، عن محمد بن
إسحق ، عن محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد
ابن جبير، عن ابن عباس، ﴿ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: أى بالبَعْث والقيامة
والجنة والنار والحساب والميزان ، أىْ ، لا هؤلاء الذين يزعمون أنَّهم آمنوا بما كان
قبلك ، ويكفرون بما جاءك من ربك(١) .
وهذا التأويل من ابن عباس قد صرَّح عن أنّ السورة من أولها - وإن كانت
الآيات التى فى أولها من نعت المؤمنين - تعريضٌ من الله عزّ وجل بذمّ كُفّار
أهلِ الكتاب، الذين زعموا أنّهم - بما جاءت به رُسُل الله عز وجل الذين كانوا قبل
محمد صلوات الله عليهم وعلیه ◌ُمُصدّقُون ، وهم بمحمد صلى الله علیه مكذً بون ، ولما
جاء به من التنزیل جاحدون، ويد ◌ّعون مع جحودهم ذلك أنهم مهتدون،وأنه لن يدخل
الجنة إلا من كان 'هوداً أو نصارى. فأكذبَ الله جل ثناؤه ذلك من قِيلهم بقوله:
(أَلَمْ ذُلِكَ الْكِتَابُالَ رَيْبَ فِيهِ هُدَى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيُونَ
الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أَنْزِلَ مِنْ
قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةٍ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾. وأخبر جل ثناؤه عبادَه: أن هذا الكتابمُدّى
لأهل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، المصدّقُين بما أنزل إليه وإلى
من قبله من رسله من البينات والهدى - خاصَّةٌ، دون من كذّب بمحمد صلى الله عليه
وسلم وبما جاء به، وادّعى أنه مصدّقٌ بمن قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الرُّسل
(١) الخبر ٢٩١ - هو تتمة الخبر السابق ٢٨٩ وقد أشرنا إليه هناك.

٢٤٧
تفسير سورة البقرة : ٤-٥
وبما جاء به من الكتب. ثم أكَّدَ جل ثناؤه أمر المؤمنين من العرب ومن أهل الكتاب
المصدَّقين بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما أنزل إليه وإلى "مَنْ قبله من الرسل -
بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ فأخبر أنهم هم
أهل الهُدَى والفلاح خاصة دون غيرهم، وأن غيرهم هم أهل الضَّلال والخَسَار .
٠٠٠
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿أُولَتِكَ عَلَى هُدَى مِنْ رَبِّهِمْ﴾
اختلف أهلُ التأويل فيمن عَنَّى الله جل ثناؤه بقوله: ((أولئكَ على هُدِّی
من ربهم » :
فقال بعضهم: عَنّى بذلك أهلَ الصَّفتين المتقدمتين، أعنى: المؤمنين بالغيب
من العرب، والمؤمنين بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم وإلى مَن قبله من الرسل.
وإياهم جميعاً وَصَف بأنهم على هُدَى منه، وأنهم هم المفلحون.
ذكر من قال ذلك من أهل التأويل :
٢٩٢ -حدثیموسی بن هرون، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا
أسباط، عن السُّدى فى خبر ذكره ، عن أبى مالك ، وعن أبى صالح ، عن ابن
عباس - وعن مُرّة الهَمْدانى، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم، أما ((الذين يؤمنون بالغيب))، فهم المؤمنون من العرب ،
((والذين يؤمنون بما أنزل إليك))، المؤمنون من أهل الكتاب . ثم جمع الفريقين فقال :
(أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون)) (١).
وقال بعضهم : بل عنى بذلك المتقين الذين يؤمنون بالغيب ، وهم الذين يؤمنون
(١) الخبر ٢٩٢ - نقله ابن كثير ١: ٨١، والشوكانى ١: ٢٦. ونقله السيوطى ١: ٢٥
مطولا، جمع معه الأخبار الماضية: ٢٧٣، ٢٧٧، ٢٨١، جعلها سياقاً واحداً، عن ابن مسعود
وحده ، ونسبه المطيرى .

٢٤٨
تفسير سورة البقرة : ٥
بما أنزل إلى محمد ، وبما أنزل إلى مَنْ قبله من الرسل .
وقال آخرون : بل عنى بذلك الذين يؤمنون بما أنزل إلى محمد صلى الله عليه
وسلم ، وبما أنزل إلى مَن قبله ، وهم مؤمنو أهل الكتاب الذين صدّقوا بمحمد
٨٢/١ صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وكانوا مؤمنين من قبلُ بسائر الأنبياء والكُتُب.
وعلى هذا التأويل الآخر يحتمل أن يكون ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾
فى محل خفضٍ ، ومحلّ رفع .
فأما الرّفع فيه فإنه يأتيها من وجهين : أحدهما : من قبل العطف على ما فى
(((يؤمنون بالغيب)) من ذكر ((الذين ))، والثانى : أن يكون خبر مبتدأ ، أو يكون
(((أولئك على هدى من ربهم))، مُرافعها .
وأما الخفض فعلى العطف على ((المتقين))، وإذا كانت معطوفة على ((الذين))
اتَّجه لها وجهان من المعنى: أحدهما : أن تكون هى و ((الذين)) الأولى، من صفة
المتَّقين. وذلك على تأويل من رأى أن الآيات الأربع بعد ((ألم))، نزلت فى صنف
واحد من أصناف المؤمنين . والوجه الثانى: أن تكون ((الذين )) الثانية معطوفة فى
الإعراب على ((المتقين)) بمعنى الخفض، وهم فى المعنى صنفٌ غيرُ الصنف الأول .
وذلك على مذهب من رأى أنّ الذين نزلت فيهم الآيتان الأوَّلتان من المؤمنين بعد
قوله ((ألم))، غيرُ الذين نزلت فيهم الآيتان الآخرتان اللتان تليان الأوَّلتين.
وقد يُحتمل أن تكون ((الذين)) الثانية مرفوعةً فى هذا الوجه بمعنى الائتناف(١)،
إذا كانت مبتدأً بها بعد تمام آيةٍ وانقضاء قِصَّةٍ . وقد يجوز الرفعُ فيها أيضاً بنيّة
الائتناف ، إذ كانت فى مبتدأ آية ، وإن كانت من صفة المتقين .
فالرفع إذاً يصحُّ فيها من أربعة أوجه ، والخفضُ من وجهين .
وأولى التأويلات عندى بقوله ﴿ أُوْلْتِكَ عَلَى هُدَى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ما ذكرت من
قول ابن مسعود وابن عباس، وأن تكون ((أولئك)) إشارةً إلى الفريقين، أعنى:
(١) فى المطبوعة: ((الاستئناف)) فى هذا الموضع والذى يليه. وهما بمعنى.

٢٤٩.
تفسير سورة البقرة : ٥
المثَّقين، والذين يؤمنون بما أنزل إليك، وتكونَ ((أولئك)) مرفوعة بالعائد من ذكرهم
فى قوله ((على هدى من ربهم))؛ وأن تكون ((الذين)) الثانيةُ معطوفةً على ما قبل
من الكلام ، على ما قد بيناه .
وإنما رأينا أنّ ذلك أولى التأويلات بالآية، لأن الله جل ثناؤه نَعَت الفريقين
بنعتهم المحمود ، ثم أثْتى عليهم. فلم يكن عزّ وجل ليخصَّ أحد الفريقين بالثناء،
مع تساویهما فيما استحقًّابه الثناء من الصفات. کما غيرُ جائر فى عدله أن يتساويا
فيما يستحقان به الجزاءَ من الأعمال، فيخصّ أحدهما بالجزاء دون الآخر، ويحرم
الآخر جزاء عمله . فكذلك سبيلُ الثناء بالأعمال، لأن الثّناء أحد أقسام الجزاء.
وأما معنى قوله ﴿ أُوْلْئِكَ عَلَى هُدَى مِنْ رَبِّهِمْ) فإن معنى ذلك: أنّهم على نورٍ
من رَبِّهم وبرهانٍ واستقامة وَسدادٍ ، بتسديد اللّه إيّاهم، وتوفيقه لهم . كما :-
٢٩٣ - حدثنى ابن حميد، قال : حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن
إسحق ، عن محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن
سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، « أولئك علی هدی من ربهم )) : أى على نور
من ربِّهم ، واستقامة على ما جاءهم(١) .
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَأُولَتِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ (٥)
وتأويل قوله: ((وأولئك هم المفلحون)) أى أولئك هم المُنْجِحُون المُدْرِكون ما
طَلَبوا عند الله تعالى ذكره بأعمالهم وإيمانهم باللّه وكتبه ورُسله، من الفَوْز بالثواب،
والخلود فى الجِنَان، والنَّجاة مما أعد الله تبارك وتعالى لأعدائه من العقاب . كما :-
٢٩٤ - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة ، قال: حدثنا ابن إسحق،
(١) الخبر ٢٩٣ - ذكره ابن كثير ١: ٨١ مع قتمته الآتية: ٢٩٤.

٢٥٠
تفسير سورة البقرة : ٥
عن محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أوعن سعيد بن جُبير،
عن ابن عباس: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أى الذين أدْركوا ما طلبوا، ونجَوْا
من شرّ ما منه مَرَبُوا .
ومن الدلالة على أن أحد معانى الفلاح، إدراكُ الطَِّبة والظفر بالحاجة ، قول
لبيد بن ربيعة :
اِعْقِلِىِ، إِنْ كُنْتِ لمَّا تَنْقِلِى، وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ (١)
یعنی ظفر بحاجته وأصاب خیراً ، ومنه قول الراجز:
٨٤/١
عَدِمِتُ أَمَّا وَلَتْ رِياحَا جَاءَتْ بِهِ مُفَرَّكَحَاً فِرْ كَاهَا (٢)
تَحْسِبُ أنْ قد وَلَدَتْ نَجَحَا! أَشْهَدُ لَا يَزِيدُها فَلَاحَا
یعنی : خیراً وقرباً من حاجتها . والفلاحُ مصدر من قولك : أفلح فلان
"يُفلح إفلاحاً وفلاحاً وفَلَحاً. والفلاح أيضاً: البقاءُ ، ومنه قول لبيد:
تَحُلُّ بِلادَاً، كُلُّها حُلَّ قَبْلَنَا ونَرْجُو الفَلَاَحَ بَعْدَ عَادٍ وحِيَّرِ (٣)
یرید : البقاء ، ومنه أيضاً قول عبيد :
أَفْلِحَ بِا شِئْتَ، فَقَدْ يُدْرَكُ بِالضّ هْفٍ، وقد يُخْدَعُ الأرِيب(٤)
يريد : عش وابقَ بما شئت ، وكذلك قول نابغة بني ذبيان :
وَكُلُّ فَتَّى سَتَشْعَبُهُ شَعُوبٌ وإِن أَثْرَى، وإِن لَاقَى فَلَاحَا(٥)
أى نجاحاً بحاجته وَبَقاء" .
(١) ديوانه ٢ : ١٢، والخطاب فى البيت لصاحبته.
(٢) البيت الثانى فى اللسان (فركح). والفركحة: تباعد ما بين الأليتين. والفركاح والمفركح
منه ، يعنى به الذم وأنه لا يطيق حمل ما يحمل فى حرب أو مأثرة تبقى .
(٣) ديوانه القصيدة رقم: ١٤، يرقى من هلك من قومه .
(٤) ديوانه: ٧، وفى المطبوعة والديوان ((فقد يبلغ»، وهما روايتان مشهورتان.
(٥) من قصيدة ليست فى زيادات ديوانه منها إلا أبيات ثلاثة، ليس هذا أحدها. وشعوب:
اسم المنية والموت ، غير مصروف ، لأنها تشعب الناس ، أى تصدعهم وتفرقهم . وشعبته شعوب : أى
حطمته من آلافه فذهبت به وهلك .

٢٠١
تفسير سورة البقرة : ٦
القول فى تأويل قوله: ﴿إِنَّ الّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءِ عَلَيِهِمْ
أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمَ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴾)
اختلف أهل التأويل فيمن عُنِى بهذه الآية، وفيمن نزلَتْ. فكان ابن
عباس بقول ، کما :-
٢٩٥- حدثنا به محمد بن حميد، قال حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد
ابن إسحق ، عن محمد بن أبی محمد میلی زید بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس: ((إن الذين كفروا))، أى بما أنزل إليك من ربِّك،
وإن قالوا إنا قد آمنا بما قد جاءنا من قبلك(١).
وكان ابن عباس يرى أنّ هذه الآية نزلت فى اليهود الذين كانوا بنَواحى
المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، توبيخاً لهم فى جُحودهم نبوَّةً محمد
صلى الله عليه وسلم وتكذييهم به، مع علمهم به ومعرفتِهم بأنّه رسولُ اللّه إليهم وإلى
الناس كافة .
٢٩٦ - وقد حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سَلَمة، عن ابن إسحق، عن محمد
ابن أبي محمد مولی زید بن ثابت، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس : أن صّدر سورة البقرة إلى المئة منها ، نزل فى رجال سَمَّاهم بأعيانهم
وأنْسَابهم من أحبار يهود ، من المنافقين من الأوس والخزرج ، كرهنا تطويل
الكتاب بذكر أسمائهم(٢).
(١) الخبر ٢٩٥ - ذكره ابن كثير ١: ٨٢ مع باقيه الآتى: ٢٩٩. وساقه السيوطى ١: ٢٩
بأطول من ذلك، زاد فيه ما يأتى: ٣٠٧، ٣١١، ونسبه أيضاً لابن إسحق وابن أبى حاتم ، وكذلك
نسبه الشوكانى ١ : ٢٨ دون الزيادة الأخيرة .
(٢) الخبر ٢٩٦ - ذكره ابن كثير ١: ٨٦ بنحوه، من رواية ابن إسحق. ونقله السيوطى
١ : ٢٩ يلفظ الطبرى، عنه وعن ابن إمحق. ونقله الشوكانى موجزاً ١: ٢٩. ومن الواضح أن قوله

٢٥٢
تفسير سورة البقرة : ٦
وقد رُوى عن ابن عباس فى تأويل ذلك قول آخر، وهوما :-
٢٩٧ - حدثنا به المثنى بن إبراهيم ، قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن على
ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٍ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ
أَمْ لَمَّ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بحر ص
أن يؤمن جميعُ الناس وُيُتَابعوه على الهدى، فأخبره الله جل ثناؤه أنه لا يؤمنُ إلا
من سبق له من اللّه السعادةُ فى الذّكْر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من اللّه
الشقاءُ فى الذّكر الأول(١).
وقال آخرون بما :-
٢٩٨ - ◌ُحُدّثت به عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا عبد الله بن أبى
جعفر، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قال : آيتان فى قادة الأحزاب :
﴿إِنَّ الّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَ نْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمَّ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ . خَ
اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ولَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٍ ﴾،
قال: وهم الذين ذكرهم الله فى هذه الآية: ﴿أَمَّ تَرَ إلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةً
اللهِ كُفْرَاً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ . جَهََّ يَصْلَوْنَهَا وَبِشَْ القَرَارُ ﴾
[سورة إبراهيم: ٢٨، ٢٩]، قال: فهم الذين قُتلوا يوم بدر (٢).
وأولى هذه التأويلات بالآية تأويلُ ابن عباس الذی ذ کره محمد بن أبى محمد،
عن عكرمة ، أوعن سعيد بن جبير عنه . وإن كان لكلّ قول مما قاله الذین ذ کرنا
قولهم فى ذلك مذهب .
(( كرهنا تطويل الكتاب ... )) من كلام الطبرى نفسه. وانظر ما يأتى : ٣١٢ .
(١) الخبر ٢٩٧ - هو فى ابن كثير ١: ٨٢، والسيوطى ١: ٢٨ - ٢٩، والشوكا
١ : ٢٨، ونسباه أيضاً لابن أبى حاتم والطبرانى وابن مردويه والبيبق .
(٢) الأثر ٢٩٨ - هكذا هو فى الطبرى، من قول الربيع بن أنس. وذكره ابن كثير ١:
٨٢ - ٨٣ مختصراً من رواية الربيع بن أنس عن أبى العالية، ولم يذكر من خرجه . ونقله السيوطى !:
٢٩، والشوكانى ١: ٢٨، بأطول مما هنا بذكر الأثر: ٣٠٩ معه، من قول أبى العالية أيضاً ، ونسباه
لابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم . فالظاهر أن الطبرى قصر بإسناده أو قصر به شيخه المبهم .

vor
تفسير سورة البقرة: ٦.
فأما مذهب من تأوَّل فى ذلك ما قاله الربيع بن أنس، فهو أنّ اللّه تعالى
ذكره لمّا أخبرَ عن قوم من أهل الكفر بأنهم لا يؤمنون، وأن الإنذارَ غيرُ نافعهم، ٨٥/١
ثم كانَ من الكُفَّار من قد نَفَعه اللّه بإنذار النبى صلى الله عليه وسلم إيّاه، لإيمانه
بالله وبالنبى صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله بعد نزول هذه السورة(١)
- لم يَجُزُ أن تكون الآية نزلت إلا فى خاص من الكفار وإذ كان ذلك كذلك-
وكانت قادةُ الأحزاب لا شك أنَّهم ممن لم ينفعه الله عز وجل بإنذار النبى صلى الله
عليه وسلم إياه ، حتى قتلهم الله تبارك وتعالى بأيدى المؤمنين يوم بدرٍ - علم أنهم
ممّن عنى الله جل ثناؤه بهذه الآية.
وأمَّا عِلَّتُنا فى اختيارنا ما اخترنا من التأويل فى ذلك، فهى أنّ قول اللهجل ثناؤه
﴿إِنَّ الّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنْذَرْتَهِمْ أَمْ لَمَ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ،
عَقِيبَ خبر الله جل ثناؤه عن مؤمنى أهل الكتاب ، وعَقِيبَ نعتهم وصِفتهم
وثنائه عليهم بإيمانهم به ويكتبه ورسله. فأوْلى الأمور بحكمة اللّه، أن يُتْلِىّ ذلك
الخبرَ عن كُفَّارهم ونُعُوّهم، وذمّ أسبابهم وأحوالهم (٢)، وإظهارَ شَتْمهم والبراءة"
منهم. لأن مؤمنيهم ومشركيهم - وإن اختلفت أحوالهم فى اختلاف أديانهم - فإن
الجنس يجمع جميعتهم بأنهم بنو إسرائيل.
وإنما احتجّ الله جل ثناؤه بأوّل هذه السورة لنبيِّه صلى اللّه عليه وسلم على
مشركى اليهود من أحبار بنى إسرائيل، الذين كانوا مع علمهم بنبوته مُنكِرِين
نبوته - بإظهار نبيِّه صلى اللّه عليه وسلم على ما كانت تُسِرُّه الأحبار منهم وتكتُّمه،
فيجهلُه ◌ُعُظْ اليهود وتعلمُهُ الأحبار منهم(٣) - ليعلموا أن الذى أطلعه على علم ذلك،
هو الذى أنزل الكتابَ على موسى. إذْ كان ذلك من الأمور التى لم يكن محمد
(١) سياق عبارته ((فهو أن الله تعالى ذكره لما أخبر عن قوم .... لم يجز ... ))
(٢) الأسباب جمع سبب: وأراد بها الطرق والوسائل.
(٣) عظم اليهود: معظمهم وأكثرهم .
٠ ٠٠

٢٥٤
تفسير سورة البقرة : ٦
صلى الله عليه وسلم ولا قومُهُ ولا عشيرتُه يعلمونه ولا يعرفونه من قبل نزول الفرقان
على محمد صلى الله عليه وسلم، فيمكنّهم ادّعاء اللَّبس فى أمره عليه السلام أنه
نبىٌّ، وأنّ ما جاء به فمن عند الله (١). وأنَّى يُمكنُ ادّعاء اللَّبس فى صدق أمِّىُ
نشأبين أمِّيِّين لا يكتب ولا يقرأ ولا يحسُب، فيقال قرأ الكتب فعَلِيمٍ، أو حسب(٢)
فَتَجَّ؟ انبعثَ على أخْبَارِ فُرَّاءٍ كَتَبَةُ (٣) - قد دَرَسوا الكتب ورَأْسوا الأم -
يخبرهم عن مستور عيوبهم، وَمَصُون علومهم، ومكتوم أخبارهم، وخفيّات
أمورهم التى جهلها من هو دونهم من أحبارهم . إنّ أمرَ من كان كذلك لغيرُ
مُشكِلٍ ، وإنّ صدقَه لَبَيِّن.
وما ينبئ عن صحة ما قلنا - من أنّ الذين عنى اللّه تعالى ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُ واسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنْذَرْتَهِمْ أَمْ لَمَّ تُنْذِرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) هم أحبارُ اليهود الذين
قُتلوا على الكفرِ وماتوا عليه - اقتصاصُ اللّه تعالى ذكره نبأهم، وتذكيرُه إياهم ما أخذ
عليهم من العهود والمواثيق فى أمر محمدٍ عليه السلام، بعد اقتصاصه تعالى ذكرُه
ما اقتصّ من أمر المنافقين، واعتراضِه بين ذلك بما اعترضَ به من الخبر عن
إبليسَ وآدمَ. فى قوله: ﴿يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾
الآيات [سورة البقرة: ٤٠ وما بعدها]، واحتجاجُه لنبيّه عليهم، بما احتجَّ به عليهم فيها
بعد جُحُودهم نبوته. فإذا كان الخبر أوّلاً عن مُؤمنى أهل الكتاب، وآخراً
عن مشركيهم، فأولى أن يكون وَسطاً :- عنهم. إذْ كان الكلامُ بعضُه لبعض
تَبَعٌ، إلا أن تأتيهم دلالةٌ واضحةٌ بعدول بعض ذلك عما ابتدأ به من معانيه،
فیکون معروفاً حينئذ انصرافه عنه.
(١) فى المطبوعة: ((من عند الله)).
(٢) يعنى بالحساب هنا: حساب سير الكواكب وبروجها، وبها يعرف المنجم أخبار مايدّعى
من علم الغيب .
(٣) فى المطبوعة: ((وانبعث على أحبار»، كأنه معطوف على كلام سابق. وليس صحيحاً، بل هو
استئناف كلام جديد .

٢٥٥
تفسير سورة البقرة : ٦
وأما معنى الكفر فى قوله ((إن الذين كفروا)) فإنه الجُحُود. وذلك أن الأحبار
من يهود المدينة جحدوا نبوّةَ محمدصلى الله عليه وسلم، وستروه عن الناس وكتمُوا
أمره ، وهُمْ يعرفونه كما يعرفون أبناءهم .
وأصْلُ الكفر عند العرب: تَغطيةُ الشىء، ولذلك سَمّوا الليل ((كافراً))،
لتغطية ظُلمته ما لِبستْه ، كما قال الشاعر :
فَتَذَ كَّرَا ثَلاً رَثِيداً، بَعْدَمَا أَلْقَتْ ذُكَاءِ يَمِينَهَا فِى كَافِرٍ (١).
وقال لبيدُ بن ربيعة :
٨٦/١
• فِىِ كَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمُها (٢) .
يعنى غَطَّاها. فكذلك الأحبار من اليهود غطّوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم
وكَتَمُوُه الناسَ - مع علمهم بنيوّته، ووُجُودِ هِم صِفَتَه فى كُتُبهم - فقال الله
جل ثناؤه فيهم: ﴿ إِنَّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبِيْنَتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ
مَا بَيِّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِىِ الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْمَنُهُمُ اللَّعِنُونَ ﴾
[ سورة البقرة: ١٥٩]، وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم: (إنَّ الّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ
عَلَيْهِمْ أَلْنْذَرْتَهِمْ أَمْ لَمَّ ◌ُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
٠٠ ٠
(١) الشعر الثعلبة بن صعير المازنى، شرح المفضليات: ٢٥٧. والضمير فى قوله ((فتذكر!))
النعامة والظليم . والثقل: بيض النعام المصون، والعرب تقول لكل شىء نفيس خطير مصون : ثقل .
ورثد المتاع وغيره فهو مرثود ورثيد: وضع بعضه فوق بعض ونضده . وعنى بيض النعام، والنعام تنضده وتسويه
بعضه إلى بعض . وذكاء : هى الشمس .
(٢) معلقته المشهورة، ويأتى فى تفسير آية سورة المائدة: ١٢ (٦: ٩٨ بولاق) . ويروى
((ظلامها)». وصدره :
((يَعْلُوْ طَريقةَ مَتْنِهَا مُتَوَاتِراً)»
يعنى البقرة الوحشية، قد و بحت كناسها فى أصل شجرة ، والرمل يتساقط على ظهرها .

٢٥٦
تفسير سورة البقرة : ٦
٠
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَ نْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمَّ
تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (١)
وتأويل ((سواءٌ): معتدل. مأخوذ من التَّساوى، كقولك: ((مُتّساوِ هذان الأمران
عندى))، و((هما عندى سَواء"))، أى هما متعادلان عندى ، ومنه قول الله جل
ثناؤه: ﴿فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء) [سورة الأنفال : : ٥٨]، يعنى: أعلمهم وآذِنْهم
بالحرب، حتى يَستوى علمُك وعلمُهم بما عليه كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخر. فكذلك
قوله ((سواءٌ عليهم)): معتدلٌ عندهم أىّ الأمرين كان منك إليهم ، الإنذار
أم ترك الإنذار لأنهم لا يؤمنون(١)، وقد ختمتُ على قلوبهم وسمعهم . ومن ذلك
قول عبد الله بن قيس الرُّفَيَّات:
تُنِذُّ بِىَ الشّهبَاءِ نَحْوَ أَبْن جَنْفِرِ سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا وَنَهَارُها(٢)
يعنى بذلك: معتدلٌ عندها فى السير الليلُ والنهارُ، لأنه لا فُتُورَ فيه.
ومنه قول الآخر (٣):
وَلَيْلٍ يَقُولُ العَرْءِ مِنْ ظُلُمَاتِهِ سَوَاءٌ صَحِيحَاتُ الْمُيُونِ وَتُورُهَا
لأن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصراً ضعيفاً من ظُلْمته.
وأما قوله: ﴿أَأَ نْذَرْتَهِمْ أَمْ لَمَّ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ، فإنه ظهر به الكلام
ظهورَ الاستفهام وهو خبرٌ، لأنه وَقَعَ موقعَ ((أىّ)) كما تقول: ((لا نُبالى أقمتَ أم
(١) فى المطبوعة ((كانوا لا يؤمنون)).
(٢) ديوانه: ١٦٣، والكامل للمبرد ١: ٣٩٨، ٣٩٩. يملح عبد الله بن جعفر بن أبى
طالب. أخذ السير وأخذ فيه. أسرع. ورواية ديوانه، والكامل ((تقدت)). وتقدى به بعيره: أسرع
على سنن الطريق. والشهباء : فرسه، لمونها الأشهب، وهو أن يشق سوادها أو كمتها شعرات بيض حتى
تكاد تغلب السواد أو الكتة .
(٣) الشعر لمضرس بن ربعى الفقعسى. حماسة ابن الشجرى : ٢٠٤.

٠ ٢٥٧
تفسير سورة البقرة : ٦
قعدت ،، وأنت خبرَلا مستفهم، لوقوع ذلك موقع ((أى)). وذلك أنّ معناه إذا
قلتَ ذلك: ما نبالى أىّ هذين كان منك. فكذلك ذلك فى قوله : ((سواء عليهم
أأنذرتهم أم لم تنذرهم»، لمّا كان معنى الكلام: سواءٌ عليهم أىّ هذين كان منك
إليهم - حسُن فى موضعه مع سواءً": ((أفعلتَ أم لم تفعل)).
وكان بعضُ نحوِيِّى البصرة يزعمُ أنّ حرف الاستفهام إنما دخَل مع ((سواء»،
وليس باستفهام، لأن المستفهم إذا استفهّم غيرَه فقال: ((أزيد عندك أم عمرو؟))
مستثبتٌ صاحبه أيُّهما عنده. فليس أحدُهما أحقّ بالاستفهام من الآخر.
فلما كان قوله: ((سواء عليهم أ أنذرتهم أم لم تُنذرهم)) بمعنى التسوية، أشبه ذلك
الاستفهامَ ، إذ أشبهه فى التَّسوية. وقد بينًا الصَّوَابَ فى ذلك.
تأویل الکلام إذاً: معتدل یامحمدعلىهؤلاء الذین جحدوا نبوّتك من أحبار
يهود المدينة بعد علمهم بها ، وكتموا بيان أمرك الناس بأنك رسولى إلى خلقى ، وقد
أخذتُ عليهم العهدَ والميثاق أن لا يكتموا ذلك، وأن يبيِّنوه الناس، وُبُخْبُرُوهم
أنهم يهدُون صِفتك فى كتبهم - أأنذرتهم أم لم تنذرهم، فإنهم لا يؤمنون، ولا
پرجعون إلى الحق ، ولا یصدقون بك وبما چٹتھم به . كما :-
٢٩٩ - حدثنا محمد بن حميد قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد
ابن إسق، عن محمد بن أبى محمد مولی زید بن ثابت، عنعكرمة، أو عن سعيد بن
جبير، عن ابن عباس: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أْأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمَ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾،
أى أنهم قد كفروا بما عندهم من العلم من ذكرٍ، وححدوا ما أخذ عليهم من الميثاق
لك، فقد كفروا بما جامك، وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك
إنذاراً وتحذيراً، وقد كفروا بما عندهم من علمك؟(١)
٠٠
(١) الخبر ٢٩٩ - سبق تخريجه مع الخبر ٢٩٥.
١٤٠ (١٧)

٢٥٨
تفسير سورة البقرة : ٧
القول فى تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿خَّمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى
قال أبو جعفر: وأصلُ الختم: الطَّبْعِ. والخاتم هو الطَّابع. يقال منه :
ختمتُ الكتابَ ، إذا طبَعْتَه .
فإن قال لنا قائل: وكيف يختِمُ على القلوبِ ، وإنما الخِّمُ طبعٌ على الأوعية
٨٧/١ والظروف والغلف (١)؟
قيل : فإن قلوبَ العباد أوعيةٌ لما أود عت من العلوم، وظروفٌ لما جعل فيها
من المعارف بالأمور(٢). فمعنى الختم عليها وعلى الأسماع - التى بها تُدرَك المسموعات،
ومن قِبّلها يوصّل إلى معرفة حقائق الأنباء عن المُغَيّبَات - نظيرُ معنى الختم على سائر
الأوعية والظروف .
فإن قال : فهل لذلك من صفة تصفُها لنا فنفهمها؟ أهى مثل الختم الذى يُعْرَف
لما ظّهَر للأبصار ، أم هى بخلاف ذلك ؟
قیل : قد اختلف أهل التأويل فى صفة ذلك ، وسنخیر بصفته بعد ذكرنا
قولهم :
٣٠٠ - فحدثنى عيسى بن عثمان بن عيسى الرَّمْلى، قال: حدثنا يحيى بن
عيسى، عن الأعمش، قال: أرانا مُجاهدٌ بِيَدِه فقال: كانوا يُرَ وْنَ أنّ القلب
فى مثل هذا- يعنى الكفّ - فإذا أذنبَ العبد ذنباً ضمّ منه - وقال بإصبعيه الخنصر
هكذا(٣) - فإذا أذنب ◌ُضُمّ - وقال بإصبع أخرى- فإذا أذنبُضُمَّ - وقال بإصبع
أخرى هكذا، حتى ضم أصابعَه كلَّها ، قال: ثم يُطيع عليه بطابعٍ. قال
(١) الغلف جمع غلاف: وهو الصوان الذى يشتمل على ما أوعيت فيه .
(٢) فى المخطوطة: ((من المعارف بالعلوم)).
(٣) قال بإصبعه : أشار بإصبعه .

٢٥٩
تفسير سورة البقرة : ٧
مُجاهد: وكانوا يُرَّوْن أنّ ذلك: الرَّيْنُ (١).
٣٠١ - حدثنا أبو کریب، قال: حدثنا و کیع، عن الأعمش ، عن مجاهد ،
قال : القلبُ مثلُ الكفّ، فإذا أذنب ذنباً قبض أصبعاً حتى يقبض أصابعه
كلها - وكان أصحابنا يرون أنه الرّان(٢).
٣٠٢ - حدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود ، قال :
حدثنى حجاج، قال : حدثنا ابن جُريج، قال: قال مجاهد: نُبِّئْت أنَّ الذنوبّ
على القلب تحُفّ به من نواحيه حتى تلتقى عليه، فالتقاؤُها عليه، الطَّعُ، والطبعُ:
الختم. قال ابن جريج: الخَتْم، الخَتْم على القَلْب والسَّمع(٣).
٣٠٣ - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسین، قال : حدثی حجاج ، عن
ابن جريج، قال: حدثنى عبد الله بن كثير، أنه سمع مجاهداً يقول: الرّانُ أيسَرُ
من الطَّبْعِ، والطَّبْع أيسر من الأقْفَال، والأقفال أشدُّ ذلك كله(٤).
(١) الأثر ٣٠٠ - عيسى بن عثمان بن عيسى بن عبد الرحمن، التميمى المثلى: قال النسائى:
((صالح)). وهو من شيوخ الترمذى وابن مندة وغيرهما، مات سنة ٢٥١، وروى عنه البخارى أيضاً فى
التاريخ الصغير: ٢٢٤ فى ترجمة عمه. وعمه ((يحيى بن عيسى)). وثقه أحمد والعجلى وغيرهما، وترجمه
البخارى فى الصغير، قال: ((حدثنى عيسى بن عثمان بن عيسى، قال : مات يحيى بن عيسى أبو زكريا
التميمى سنة ٢٠١ أو نحوها. كوفى الأصل، وإنما قيل: الرملى، لأنه حدث بالرملة ومات فيها» ،
وترجمه فى الكبير أيضاً ٢/٤: ٢٩٦ ((يحيى بن عيسى بن عبد الرحمن الرمل، سمع الأعمش، وهو التميمى
أبو زكريا الكوفى، سكن الرملة ... )). ولم يذكر فيه جرحاً .
وهذا الأثر، سيأتى بهذا الإسناد فى تفسير آية سورة المطففين: ١٤ (٣٠: ٦٣ بولاق).
وذكره ابن كثير ١ : ٨٢، والسيوطى ٦ : ٣٢٦ .
(٢) الأثر ٣٠١ - سيأتى أيضاً (٣٠: ٦٣ بولاق). وأشار إليه ابن كثير ١: ٨٣ دون أن يذكر
لفظه . وكذلك السيوطى ٦ : ٣٢٥.
(٣) الأثر ٣٠٢ - هذا من رواية ابن جريج عن مجاهد، والظاهر أنه منقطع، لأن ابن جريج
يروى عن مجاهد بالواسطة، كما سيأتى فى الأثر بعده. وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١ : ٨٣، ولكنه
محرف فيه من الناسخ أو الطابع .
(٤) الأثر ٣٠٣ - عبد الله بن كثير: هو الدارى المكى، أحد القراء السبعة المشهورين،
وهو ثقة. وقد قرأ القرآن على مجاهد. وقد خلط ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل ٢/٢ : ١٤٤ بينه وبين
((عبد الله بن كثير بن المطلب بن أبى وداعة السهمى)). ويظهر من كلام الحافظ فى التهذيب ٥: ٣٦٨ أن
هذا الوهم كان من البخارى نفسه ، فلعل ابن أبى حاتم تبعه فى وهمه دون تحقيق .
وهذا الأثر ذكره ابن كثير ١ : ٨٣، وكذلك السيوطى ٦ : ٣٢٦، وزاد نسبته إلى البيبقى.

٢٦٠
تفسير سورة البقرة : ٧
وقال بعضهم: إنما معنى قوله ((ختم الله على قُلوبهم)) إخبارٌ من الله جل ثناؤه
عن تكبرهم، وإعراضهم عن الاستماع لمّا دُعُوا إليه من الحق، كما يقال: ((إنّ"
فلاناً لأصَمُ عن هذا الكلام))، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهُّمه تكبراً.
قال أبو جعفر: والحق فى ذلك عندى ما صَحَّ بنظيره الخبرُ عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وهو ما :-
٣٠٤ - حدثنا به محمد بن بشار قال : حدثنا صفوان بن عيسى ، قال :
حدثنا ابن عَجْلان، عن القَعْفَاع، عن أبى صالح، عن أبى هريرة ، قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّالمؤمن إذا أذنب ذنباً كانت نُكْتَةً سوداءُ فى
قلبه ، فإن تاب وَنَزَع واستغفر، صَقّلت قلبه ، فإن زاد زادت حتى تُغْلق قلبه ،
فذلك ((الرَّانُ) الذى قال الله جل ثناؤه: ﴿كَلَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا
يَكْسِبُونَ ﴾(١)
[سورة المطففين: ١٤ ].
(١) الحديث ٣٠٤ - سيأتى فى الطبرى بهذا الإسناد ٣٠: ٦٢ بولاق. ورواه هناك بإسناد آخر
قبله ، وبإسنادين آخرين بعده : كلها من طريق محمد بن عجلان عن القعقاع .
محمد بن بشار: هو الحافظ البصرى، عرف بلقب ((بندار)) بضم الياء وسكون النون. روى عنه
أصحاب الكتب الستة وغيرهم من الأئمة. ووقع فى المطبوعة هنا ((محمد بن يسار))، وهو خطأ . ابن عجلان،
بفتح العين وسكون الجيم: هو محمد بن عجلان المدنى، أحد العلماء العاملين الثقات . القعقاع بن حكيم
الكنانى المدنى: تابعى ثقة. أبو صالح: هو السمان، واسمه ((ذكوان)). تابعى ثقة، قال أحمد:
(( ثقة ثقة، من أجل الناس وأوثقهم)).
والحديث رواه أحمد فى المسند ٧٩٣٩ (٢: ٢٩٧ حلى) عن صفوان بن عيسى، بهذا الإسناد.
ورواه الحاكم ٢: ٥١٧ من طريق بكار بن قتيبة القاضى عن صفوان. وقال: «هذا حديث صحيح
على شرط مسلم، ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي. ورواه الترمذى٤: ٢١٠، وابن ماجة ٢ : ٢٩١،
من طريق محمد بن عجلان. قال الترمذى: ((هذا حديث حسن صحيح)).
وذكره ابن كثير ١: ٨٤ من رواية الطبرى هذه، ثم قال: هذا الحديث من هذا الوجه ، قد رواه
الترمذى والنسائى عن قتيبة عن الليث بن سعد ، وابن ماجة عن هشام بن عمار عن حاتم بن إسمعيل والوليد
ابن مسلم - ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به. وقال الترمذى: ((حسن صحيح))، ثم ذكره مرة أخرى
٩: ١٤٣ من رواية هؤلاء ومن رواية أحمد فى المسند. وذكره السيوطى ٦: ٣٢٥، وزاد نسبته إلى
عبد بن حميد ، وابن حبان ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، والبيهقى فى شعب الإيمان .
وفى متن الحديث هنا، فى المطبوعة ((كان نكتة ... صقل قلبه ... حتى يغلف قلبه)). وهو فى
رواية الطبرى الآتية، كما فى المخطوطة، إلا قوله ((حتى تغلق قلبه))، فهى هناك ((حتى تعلو قلبه)).