Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سورة النازعات : الآيات ١٨ - ٢٤
وقرَأ: ﴿وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَى﴾ [عبس: ٣]. قال: يُسْلِمُ. وقرَأ: ﴿ وَمَا عَلَّكَ أَلَّا
يَزَّلَى﴾ [عبس: ٧]: أن لا يُسْلِمَ.
حدَّثنى سعيدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَم ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ،
عن الحكم بنٍ أبانٍ، عن عكرمةَ: قولَ موسى لفرعونَ: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَّكَ﴾:
هل لك إلى أن تقولَ: [٠٦٢/٢ ١ظ] لا إلهَ إلا اللَّهُ(١).
واختلَفت القرأةُ فى قراءةٍ قوله: ﴿ تَزَّكَ﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ: (تَزَّكَّى)
بتشديدِ الزاي (١) . وقرَأَته عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿ إِلَى أَنْ تَزَّكَ﴾ بتخفيفِ
الزاي(٣). و کان أبو عمرو یقولُ، فیما ذُكِر عنه: ( تَزَّلَّى) بتشديد الزاي ، بمعنى :
تَتَصَدَّقُ بالزكاةِ، فتقولُ: تَتَرَكَّى. ثم تُدْغِمُ، وموسى لم يَدْعُ فرعونَ إلى أن
يَتَصَدَّقَ، وهو كافرٌ، إنما دعاه إلى الإسلام، فقال: تَزَكّى. أى: تكونَ زاكيًا
مؤمنًا . والتخفيفُ فى الزاي هو أفصحُ القراءَتين فى العربيةِ .
فَرَنَّهُ الْآَيَةَ
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَخْشَى
٢٠٠
اُلْكُبْرَى
فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ
٢٣
فَكَذَبَ وَعَصَى
ثُمَّ أَذْبَرَ يَسْعَى
٢١
فَحَشَرَ فَنَادَى
٢٢
٢٤
اُلْأَعْلَى
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه موسى: قلْ لفرعونَ : هل لك إلى أن أَرْشِدَك إلى ما
يُرْضِى ربَّك عنك، وذلك الدينُ القَيِّمُ، ﴿فَتَخْشَى﴾. يقولُ: فَتَحْشَى عقابَه بأداءٍ
ما ألْزَمَك مِن فرائضِه، واجتنابٍ ما نهاك عنه مِن معاصيه .
(١) أخرجه البيهقى فى الأسماء والصفات (٢٠٥) من طريق حفص عن الحكم عن عكرمة عن ابن عباس،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) وهى قراءة نافع وابن كثير. حجة القراءات ص ٧٤٩.
(٣) وهى قراءة أبى عمرو وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائى. المصدر السابق .
( تفسير الطبرى ٦/٢٤ )

٨٢
سورة النازعات : الآية ٢٠
وقولُه: ﴿فَأَرَنَّهُ الْآَيَةَ الْكُبْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فأَرَى موسى فرعونَ
﴿الْآَيَةَ الْكُبْرَى﴾. يعنى الدلالةَ الكبرى على أنه للَّهِ رسولٌ أرْسَله اللَّهُ، فكانت تلك
الآيةُ يدَ موسى إذ أَخْرَجها بيضاءً للناظرين، وعصاه إذ تحوَّلت ثعبانًا مبينًا .
/وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٤٠/٣٠
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى أبو زائدةَ زكريا بنُ يحيى بنٍ أبى زائدةً، قال: ثنا مسلمُ بنُّ إبراهيمَ ، عن
محمدِ بنِ سيفٍ أبى رَجاءٍ - هكذا هو فى كتابى ، وأَظُنُّه عن نوح بنٍ قيسٍ ، عن
محمدِ بنِ سيفٍ - قال: سمِعتُ الحسنَ يقولُ فى هذه الآيةِ: ﴿فَرَنَّهُ الْآَيَةَ
آلگترى ﴾ . قال : یدَه وعصاه .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
﴿فَرَبَّهُ الْآَيَّةَ الْكُبْرَى﴾. قال: عصاه ويدَه(١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَأَرَنَّهُ الْآَيَةَ
اُلْكُبْرَى﴾. قال: رأى يدَ موسى وعصاه، وهما آيتان .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً: ﴿الْآَيَةَ
اُلْكُبْرَى﴾. قال : عصاه ویدَه(٢) .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَأَرَبُهُ
آَيَةَ الْكُبْرَى﴾. قال: العصا والحيةً .
(١) تفسير مجاهد ص ٧٠٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٤٦/٢ عن معمر، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٦ إلى عبد بن حميد.

٨٣
سورة النازعات : الآيات ٢١ - ٢٨
وقولُه: ﴿ فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾. يقولُ: فكذَّب فرعونُ موسى فيما أتاه مِن الآياتِ
المُعْجِزةِ ، وعصاه فيما أَمَرّه به من طاعتِه ربَّه، وخشيتِه إياه .
وقولُه: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ . يقولُ: ثم ولَّی مُغْرِضًا عما دعاه إلیه موسی مِن
طاعتِه ربَّه، وخشيتِه وتوحيدِه، ﴿يَسْعَى﴾. يقولُ: يَعْمَلُ فى معصيةِ اللَّهِ، وفيما
يُشْخِطُه عليه .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن أبنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿ثُمَّ أَذْبَرَ يَسْعَى﴾. قال: يَعْمَلُ بالفسادِ(١).
وقولُه: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾. يقولُ: فجمَع قومَه وأتباعَه، فنادَى فيهم،
فَقَالَ﴾ لهم: ﴿ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ الذى كلُّ ربِّ دونى. وكذَبَ الأحمقُ.
وبمثلِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَحَشَرَ
فَنَادَى﴾. قال: صرَخ وحشَر قومَه، فنادَى فيهم، فلمَّا اجْتَمعوا قال: أنا ربُّكم
الأعلى . فأخَذه اللَّهُ نَكالَ الآخرةِ والأولى .
(٢٥) إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً ٤١/٣٠
/ القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ
(١) تفسير مجاهد ص ٧٠٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.

٨٤
سورة النازعات : الآية ٢٥
◌َأَنْتُ أَشَدُّ خَلْقًّا أَمِ اُلَمَاءُ بَنَهَا
لِمَن يَخْشَى
٢٦
رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّنَهَا
٢٧
٢٨
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾: فعاقَبِهِ اللَّهُ، ﴿تَكَالَ اْآَخِرَةِ
وَالْأُولَ﴾. يقولُ: عقوبةَ الآخرةِ مِن كلمتَيْه؛ وهى قولُه: ﴿ أَنَاْ رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
ر
والأولى قولُه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨].
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال (١ جماعةٌ مِن١) أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : سمِعْتُ أبا بكرٍ ، وسُئِل عن هذا، فقال: كان بينَهما
أربعون سنةً؛ بينَ قولِه: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾. وقوله: ﴿ أَنَأْ
رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾. قال: هما كلِمِتاه، ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾. قيل له: مَن
ذكره؟ قال: أبو محُصَينٍ. فقيل له: عن أبى الضُّحَى، [١٠٦٣/٢ و] عن ابنِ عباسٍ؟
(٢)
قال : نعم(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ تَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾. قال: أما الأُولى فحينَ
٦
قال: ﴿ مَا عَلِّمْتُ لَكِكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾. وأما الآخِرةُ فحينَ قال: ﴿ أَنَاْ رَبِّكُمُ
الْأَعْلَى ﴾ .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى الوَضَّاحِ، عن
عبدِ الكريم الجَزَّرىِّ، عن مجاهدٍ فى قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾. قال:
(١ - ١) سقط من: م، ت ١، ت ٢.
(٢) أخرجه العقيلى فى الضعفاء ١٨٩/٢ من طريق أبى بكر به، وهو فى تفسير مجاهد ص ٧٠٣ من طريق أبى
حصين به .

٨٥
سورة النازعات : الآية ٢٥
هو قولُه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾. وقوله: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
وكان بينَهما أربعون سنةً .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن إسماعيلَ
الأسدىِّ، عن الشعبىِّ بمثله .
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن زكريا، عن عامٍ: ﴿نَكَالَ الْآَخِرَةِ
وَالْأُولَ﴾. قال: هما كَلِمتاه: ﴿ مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾، و: ﴿ أَنَّ
رَبِّكُمُ الْأَعَْى﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُوْلَ﴾؛ فذلك قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَاءِ
غَيْرِى﴾. والآخِرةُ(١) قولُه: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، قال: أخبرنى مَن سمِع
مُجاهدًا يقولُ: كان بينَ قولٍ فرعونَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾.
وبينَ قولِهِ: ﴿ أَنَّا رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾. أربعون سنةً .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قولِه/: ﴿تَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُوْلَ﴾: أما الأُولى فحينَ قال فرعونُ: ٤٢/٣٠
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَاءٍ غَيْرِى﴾. وأما الآخِرةُ فحينَ قال: ﴿ أَنَا رَبِّكُمُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) بعده فى م: ((فى)) .
(٣) تفسير مجاهد ص ٧٠٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٦ إلى الفريابى.

٨٦
سورة النازعات : الآية ٢٥
الْأَعْلَى﴾. فأخَذه اللَّهُ بكلمتَيْه كلتيهما، فأغْرَقه فى اليَمِّ(١).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿فَأَخَذَهُ
اللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ﴾. قال: اخْتَلفوا فيها، فمنهم من قال: نَكالَ الآخرةِ مِن
كلمتيه والأولى؛ قولُه: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾، وقولُه: ﴿ أَنَاْ
رَّكُمُ الْأَعْلَى﴾. وقال آخرون: عذابَ الدنيا، وعذابَ الآخرةِ، عجَّل اللَّهُ له الغرقَ،
مع ما أعَدَّ له من العذابِ فى الآخرةِ .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن خَيْثمةً
الجُغْفىِّ، قال: كان بينَ كلِمتى فرعونَ أربعون سنةً؛ قولِه: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَ﴾.
وقوله: ﴿مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾(١)
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا وكيع، عن إسرائيلَ، عن ثُوَيْرٍ، عن مجاهدٍ ، قال :
مكَث فرعونُ فى قومِه بعدَ ما قال: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. أربعين(٣) سنةً .
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك: فأخَذَه اللَّهُ نَكالَ الدنيا والآخرةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال : ثنا عوفٌ، عن الحسنِ فى قولِه :
فَذَهُ لَهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ﴾. قال: الدنيا والآخرةِ .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿فَأْخَذَهُ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٤٦/٢ عن سفيان به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى ابن
المنذر .
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((أربعون)).

٨٧
سورة النازعات : الآية ٢٥
اللَّهُ تَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالْأُوْلَّ﴾. قال: عقوبةَ الدنيا والآخرةِ (١).
وهو قولُ قتادةَ(٢).
وقال آخرون: الأُولى: عِصيانُه ربَّه وكفرُه به، والآخرةُ: قولُه: ﴿ أَنَاْ رَبِّكُمُ
الْأَعْلَى ﴾ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بنِ سُمَيْعٍ، عن
أبى رَزِينِ: ﴿فَخَذَهُ اَللَّهُ تَكَلَ الْأَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾. قال: الأولى: تكذيئه وعِصيانُه،
والآخرةُ: قولُه: ﴿أَنَاْ رَّكُمُ الْأَعْلَى﴾. ثم قرأ: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى
ثُمَّ أَدْبَرَ
فَقَالَ أَنَا رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾. فهى الكلمةُ الآخِرةُ(١).
يَسْعَى [49] فَحَشَرَ فَنَادَى
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك أنه أخَذه بأوّلٍ عملِه وآخرِه
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ :
فَذَهُ اَللَّهُ تَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُوْلَ﴾. قال: أول عملِه وَآخرِه (٤) .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَلَ الْآَخِرَةِ وَالْأُولَّ﴾. قال: أولِ أعمالِه وآخرِها .
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٤٧/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٢/٦ إلى
عبد بن حميد .
(٣) ذكره ابن الجوزى فى زاد المسير ٩/ ٢١.
(٤) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٠٢/١٩.

٨٨
سورة النازعات : الآيات ٢٥ - ٢٨
٤٣/٣٠
/ حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبىّ: ﴿فَأَخَذَهُ
الَّهُ تَكَلَ الْأَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾، قال: نَكالَ الآخرةِ مِن المعصيةِ والأولى(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَكَالَ
الْآَخِرَةِ وَالْأُولَ﴾. قال: عملِه للآخرةِ والأولى .
وقولُه: ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن فى العقوبةِ التى
عاقَبِ اللَّهُ بها فرعونَ فى عاجلِ الدنيا، وفى أخْذِه إياه نكالَ الآخرةِ والأولى، عِظةً
ومُعْتَبَرًا لمن يَخافُ اللَّهَ ويَخْشَى عقابَه.
وأُخْرَج نكالَ الآخرةِ مصدرًا مِن قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ﴾؛ لأن قولَه: ﴿فَأَخَذَهُ
الَّهُ ﴾: نكَّل اللَّهُ(١٢) به، فجعَل: ﴿تَكَلَ الْآَخِرَةِ﴾ مصدرًا مِن معناه، لا مِن لفظِه .
وقولُه: ﴿ءَأَنْتُ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه للمكذِّبين بالبعثِ
قَالُواْ تِلْكَ إِذَا كَرَّةُ خَاسِرَةٌ﴾ :
مِن قريشٍ، القائلين: ﴿أَعِذَا كُنَّا عِظَمًا تَخِرَةٌ
أنتم أيُّها الناسُ أشدُّ خلقًا، أم السماءُ [١٠٦٣/٢ظ] بناها ربُّكم؟! فإن مَن بنَى السماءَ
فرفعها سقفًا ، هَيِّنٌ علیه خلقكم وخلق أمثالِکم، وإحیاؤُ کم بعدَ مَماتِکم ، ولیس
خلقُكم بعدَ مماتِكم بأشدَّ مِن خلقِ السماءِ .
وعُنِى بقولِه: ﴿ بَهَا﴾: رفَعها فجعَلها للأرضِ سقفًا .
وقولُه: ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا فَوَّنَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فسؤَّى السماءَ، فلا
شىءَ أرفعُ مِن شىءٍ، ولا شىءَ أخفضُ مِن شىءٍ، ولكنَّ جميعَها مُسْتَوٍ فى"
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٤٦/٢ عن معمر به .
(٢) سقط من: م، ت ١.
(٣ - ٣) فى م: ((مستوى)).

٨٩
سورة النازعات : الآيات ٢٨ - ٣٢
الارتفاع والامتدادِ .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا
فَوَّنِهَا﴾. يقولُ: رفَع بناءَها فسوَّاها (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهد
قولَه: ﴿ رَفَعَ سَمْكَهَا﴾. قال: رفَع بناءَها بغيرِ عَمَدٍ (١).
حدّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا﴾. يقولُ: بُنْيَانَها(٣) .
وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَنِهَا (
دَحَتَهَ مّ
٣٢
وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا
أَخْرَجَ مِنْهَمَاءَهَا وَمَرْعَنْهَا
وقولُه: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : وَأَظْلَم ليلَ السماءِ. فأضاف
الليلَ إلى السماءِ؛ لأن الليلَ / غروبُ الشمسِ، وغروبُها وطلوعُها فيها، فأضِيف ٤٤/٣٠
إليها لمَّا كان فيها، كما قيل: نجومُ الليلِ. إذ كان فيه الطلوعُ والغروبُ.
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) تفسير مجاهد ص ٧٠٣، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الفتح ٢٩٤/٦ - من طريق ابن أبى
نجيح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الفتح ٢٩٤/٦ - من طريق على بن طلحة به ، وعزاه السيوطى
فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى ابن المنذر.

٩٠
سورة النازعات : الآية ٢٩
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. يقولُ: أَظْلَم ليلَها(١).
حدَّثنی محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنی ابی ، قال : ثنی عمی ، قال : ثنی أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. يقولُ: أَظْلَم ليلَها .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال : ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قوله: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. قال: أَظْلَم(٢) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَغْطَشَ
لَيْلَهَا﴾ . قال : أَظْلَم ليلَها .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ وَأَغْطَشَ
لَيْلَهَ﴾. قال: أَظْلَمْ(٣) .
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَغْطَشَ
لَيْلَهَا﴾. قال: الظُّلمةُ .
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
(١) تفسير مجاهد ص ٧٠٤، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) تفسیر مجاهد ص ٧٠٤.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٤٧/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .

٩١
سورة النازعات : الآية ٢٩
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. يقولُ: أَظْلَم ليلَها .
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانِ القَزَّازُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال : ثنا الحكمُ ، عن
عكرمةَ: ﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾. قال: أَظْلَم ليلَها (١).
وقولُه: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَنِهَا﴾. يقولُ: أَخْرَج ضياءَها . يعنى: أَبْرَز نهارَها
فَأَظْهَره ، ونوَّر ضُحاها .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿ وَأَخْرَ سُحَنَهَا﴾ : نؤَّرَها(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَخْرَجَ
ضُمَهَا﴾. يقولُ: نَوَّر ضياءَها(٣).
حُدِّقْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ : أخبرنا عبيدٌ ، قال : سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَأَخْرَجَ شُحَنَهَا﴾. قال: نهارَها(٤).
حدَّثنى يونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَأَخْرَجَ
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ٣٣٩/٨.
(٢) تفسیر مجاهد ص ٧٠٤.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٣٤٧/٢ عن معمر عن قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى
عبد بن حميد وابن المنذر .
(٤) فى ت ١: ((هو النهار))، وفى ت ٢، ت ٣: ((نورها)).

٩٢
سورة النازعات : الآية ٣٠
ضُحَنَهَا﴾ . قال : ضوءَ النهارِ .
/وقولُه: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَا﴾. اختلف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِه:
٤٥/٣٠
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: دُحِيَت الأرضُ مِن بعدِ خلْقِ السماءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثنی معاویةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه، حيث ذكَّر خلقَ الأرضِ قبلَ السماءِ، ثم ذكَر السماءَ قبلَ الأرضِ : وذلك أن
اللَّهَ خَلَق الأرضَ بأقواتِها مِن غيرٍ أَن يَدْخُوَها قبلَ السماءِ، ثم اسْتَوى إلى السماءِ
فسوَاهنَّ سبعَ سماواتٍ، ثم دحا الأرضَ بعدَ ذلك، فذلك قوله: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ
(١)
دَحَنَهَاَ﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أَخْرَجَ مِنْهَ مَآءَهَا وَمَرْ عَنْهَا
أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتَهَا (٥ّ
٣١
وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا﴾. يعنى: أن اللَّهَ خَلَق السماواتِ والأرضَ، فلما فرَغْ مِن السماواتِ
قبلَ أن يَخْلُقَ أقواتَ الأرضِ (" بثَّ أقواتَ الأرض٢ِ) فيها بعدَ خلقِ السماءِ، وأُرْسَى
الجبالَ، يعنى بذلك: دخْوَها(٢)، ولم تَكُنْ تَصْلُعُ أقواتُ الأرضِ [١٠٦٤/٢ و] ونباتُها
إلا بالليلِ والنهارِ، فذلك قوله: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنُهَا﴾. ألم تَسْمَعْ أنه قال:
﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآَمَهَا وَمَرْعَنْهَا﴾ (٤)؟
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١ / ٤٨. وتقدم فى ١/ ٤٦٤.
(٢ - ٢) سقط من النسخ، والمثبت من تاريخ المصنف.
(٣) بعده فى النسخ: ((الأقوات))، والمثبت من تاريخ المصنف.
(٤) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٨.

٩٣
سورة النازعات : الآية ٣٠
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يعقوبُ ، عن حفصٍ ، عن عكرمةَ ، عن ابنِ عباسٍ ،
قال: وضَع البيتَ على الماءِ على أربعةِ أركانٍ قبلَ أن يَخْلُقَ الدنيا بألفَى عامٍ ، ثم
دُحِيَت الأرضُ مِن تحتِ البيتِ(١) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن بُکَیْرِ بنِ
الأُخْنَسِ ، عن مجاهدٍ ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمٍو، قال: خلَق اللَّهُ البيتَ قبلَ الأرضِ
بأَلَفْى سنةٍ ، ومنه دُحِيَت الأرضُ(٢) .
وقال آخرون : بل معنى ذلك: والأرضَ مع ذلك دحاها . وقالوا: الأرضُ
خُلِقَت ودُحِيَت قبلَ السماءِ، وذلك أن اللَّهَ قال: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى
اُلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اُسْتَوَىَ إِلَى السَّمَآءِ فَسَوَّهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾ [البقرة: ٢٩].
قالوا: فأخْبَرِ اللَّهُ أنه سؤَّى السماواتِ بعدَ أن خلَق ما فى الأرضِ جميعًا (٣) . قالوا :
فإذا كان ذلك كذلك، فلا وجهَ لقوله: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَاَ﴾ . إلا ما ذكَرْنا ،
مِن أنه : مع ذلك دحاها . قالوا: وذلك كقولِ اللَّهِ عزَّ وجلّ: ﴿عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ
زَنٍِ﴾ [القلم: ١٣]. بمعنى: مع ذلك زنيمٌ. وكما يقالُ للرجلِ: أنت أحمقُ،
وأنت بعدَ هذا لئيمُ الحَسَبِ، بمعنى: مع هذا. وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿ وَلَقَدْ
كَتَبْنَا فِ الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ١٠٥]. أى: مِن قبلِ الذِّكْرٍ.
واسْتَشْهَد بقولِ الهُذَليّ(٤) :
(١) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٩، وينظر ما تقدم تخريجه ٥٥٣/٢.
(٢) أخرجه المصنف فى تاريخه ١/ ٤٩، وأخرجه البيهقى فى الشعب (٣٩٨٣) من طريق مجاهد به .
(٣) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: ((جميعها)).
(٤) هو أبو خراش الهذلى. والبيت فى ديوان الهذليين ٢/ ١٥٧.

٩٤
سورة النازعات : الآية ٣٠
خِراشٌ وبعضُ الشرِّ أهونُ مِن بعضٍ
حَمِدْتُ إلهى بعدَ عروةَ إِذ نجا
وزعموا أن خِراشًا نجا قبلَ عروةَ .
٤٦/٣٠
/ حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكي، عن سفيان ، عن خُصَيْفٍ ، عن مجاهدٍ :
﴿ وَاَلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتَهَا﴾ . قال : مع ذلك دحاها .
حدَّثنى ابنُّ بشارٍ ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمشِ ، عن
مجاهدٍ، أنه قرأ(١): (والأرضَ عندَ ذلك دحاها)(٢).
حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال: ثنا علىُّ بنُ مَعْبَدٍ ، قال :
ثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَهَاَ﴾ .
قال : مع ذلك دخّاها .
حدَّثنى محمدُ بنُ خلفِ العَسْقلانيُ، قال: ثنا رَوَّادُ بنُ الجَوَّاحِ، عن أبى حمزةَ ،
عن السدىِّ فى قوله: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنَهَا﴾ . قال : مع ذلك دخَاها .
والقولُ الذى ذكّوْناه عن ابنِ عباسٍ مِن أن الله تعالى خلق الأرضَ، وقدَّر فيها
أقواتَها ، ولم يَدْخُها ، ثم اسْتَوَى إلى السماءِ فسوَّا هن سبعَ سماواتٍ، ثم دحَا الأرضَ
بعدَ ذلك، فأخْرَج منها ماءَها ومرعاها، وأَرْسَى جبالَها - أشْبَهُ بما دلَّ عليه
ظاهرُ التنزيلِ؛ لأنه جلَّ ثناؤُه قال: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنِهَاَ﴾. والمعروفُ
مِن معنى ((بعد)) أنه خلافُ معنى ((قبل))، وليس فى دحوِ اللَّهِ الأرضَ بعدَ تسويِه
السماواتِ السبعَ، وإغطاشِه ليلَها، وإخراجِه ضُحاها، ما يُوجِبُ أن تكونَ
الأرضُ خُلِقَت بعدَ خلقِ السماواتِ؛ لأن الدحوَ إنما هو البسطُ فى كلام
العرب والمدُّ، يقالُ منه: دحَا يَدْخُو دَحْوًا، ودحَيْثُ أَدْحَى دَخْيًا. لغتان ،
(١) فى م: ((قال)).
(٢) هى قراءة شاذة لمخالفتها رسم المصحف .

٩٥
سورة النازعات : الآية ٣٠
ومنه قولُ أميةَ بنِ أبى الصَّلْتِ(١):
وأقام بالأخرى التى هى أَمْجُدُ
دارٌ دحَاها ثم أَعْمَرَنا بها
وقولُ أوسٍ بنِ حجرٍ فى نعتِ غيثٍ(٢) :
كأنه فاحصٌ أو لاعبّ داحِى
يَنْفِى الْحَصَى عن جديدِ الأرضِ مُبْتَرِكٌ
وبنحوِ الذى قلنا فى " معنى قوله: ﴿دَحَنِهَاَ﴾(١). قال أكثرُ(٤) أُهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ
دَحَنَهَا﴾. أى: بسطها (٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا رَوَّادٌ، عن أبى حمزةَ، عن السدىِّ:
دَحَتَهَا﴾ . قال : بسَطَها .
/ حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ: ﴿دَحَنَهَا﴾: ٤٧/٣٠
بسطها .
وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثنی یونُسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال
ابنُ زيدٍ، فى قوله: ﴿ دَحَهَا﴾. قال: حَثها؛ شقَّها. وقال: ﴿أَخْرَجَ
مِنْهَ مَآءَهَا وَمَرْ عَنْهَا﴾. وقرَأ: ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا﴾، حتى بلَغ: ﴿وَفَكِهَةٌ
(١) ديوانه ص ٦٣.
(٢) ديوانه ص ١٦، وهو أيضًا فى ديوان عبيد بن الأبرص ص ٣٥.
(٣ - ٣) فى م: ((ذلك)).
(٤) سقط من: م، ت ٢.
(٥) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
-

٩٦
سورة النازعات : الآيتان ٣٢،٣١
وَأَبَّاً﴾ [عبس: ٢٦ - ٣١]. وقال: حينَ شقَّها أَنْبَت هذا منها. وقرَأ: ﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ
الصَّدَعِ﴾(١) [ الطارق:
وقولُه: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَمَآءَهَا﴾. يقولُ: فجّر فيها الأنهارَ، ﴿ وَمَرْعَنْهَا ﴾
يقولُ : أَنْبَت نباتَها .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
محُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال : سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿وَمَرْعَنْهَا﴾: ما خلَق اللَّهُ فيها مِن النباتِ، و﴿ مَاءَهَا﴾:
ما فجّر فيها من الأنهارِ .
وقولُه: ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا﴾. يقولُ: والجبالَ [١٠٦٤/٢ظ] أَثْبَتها فيها. وفى
الكلام متروك استُغْنِی بدلالة الكلام علیه من ذکړه، وهو « فیها ))، وذلك أن معنی
الكلام : والجبال أرساها فيها .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَنُهَا ﴾.
:
أى : أَثْبَتَها لا تَمِيدُ بأهلِها (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبى عبد الرحمنِ السُّلَمیّ ،
عن علىٍّ، قال: لما خلق اللَّهُ الأرضَ قمَصَت، وقالت: تَخْلُقُ علىَّ آدمَ وذريتَه يُلْقُون
علىَّ نْنَهم، ويَعْمَلون علىَّ بالخطايا. فأرْساها اللَّهُ، فمنها ما تَرَوْن، ومنها ما لا
(١) ذكره القرطبى فى تفسيره ٢٠٥/١٩ مختصرًا.
(٢) تقدم تخريج أوله فى الصفحة السابقة .

٩٧
سورة النازعات : الآيات ٣٢ - ٣٦
تَرَوْن، فكان أولُ قرارِ الأرضِ كلحمِ الجَزَورِ إذا نُحِرِ يَختلِجُ لحمُها .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ مَنَفًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ(
فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَةُ
٣٣
(٣٤)
الكُتْری
٣٦
وَبُرَّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَنُ مَا سَعَى
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿ مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ ﴾. أنه خلق هذه الأشياءَ،
وأخْرَج مِن الأرضِ ماءَها ومرعاها منفعةً لنا ، ومتاعًا إلى حينٍ .
وقولُه: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّمَةُ الْكُبْرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : فإذا جاءت التى
تَطِمُّ على كلِّ هائلةٍ مِن الأمورِ، فَتَغْمُرُ ما سواها بعظيمِ هَوْلِها .
وقيل : إنها اسمٌ مِن أسماءِ يومِ القيامةِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علىّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿فَإِذَا جَمَتِ الظَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللَّهُ، وحذَّره
(١)
عبادَه(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ ، قال : ثنا سهلُ بنُ عامٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ ،
عن القاسمِ بنِ الوليدِ فى قوله: ﴿فَإِذَا جَمَتِ الطَّمَةُ الْكُبْرَى﴾. قال: سِيق أهلُ الجنةِ
إلى الجنةِ ، وأهلُ النارِ إلى النارِ(١).
/ وقولُه: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَنُ مَا سَعَى﴾. يقولُ: إذا جاءت الطامَّةُ يومَ يَتَذَكَّرُ ٤٨/٣٠
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٥٥٨/١٣ من طريق مالك بن مغول به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٣/٦ إلى
ابن المنذر .
( تفسير الطبرى ٧/٢٤ )

٩٨
سورة النازعات : الآيات ٣٥ - ٤١
الإنسانُ ما عمِل فى الدنيا مِن خيرٍ وشرٌّ، وذلك سعيُه، ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾،
يقولُ: وأُظْهِرت الجحيمُ، وهى نارُ اللَّهِ، لمن يَاها. يقولُ: لأبصارِ الناظرين.
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَا مَنْ طَفٌَ
فَإِنَّ
وَءَاثَرَ الْحَيَوَةَ الدُّنّ
٣٧
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَّهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَىِّ
الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى
) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ
٤٠
٤١
الْمَأْوَى
يقولُ تعالى ذكرُه: فأما مَن عَتا على ربِّه، وعصَاه واستكْبَر عن عبادته .
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿طَغَىِّ﴾. قال: عصَى(١).
وقولُه: ﴿ وَءَثَرَ الْخَوَةَ الدُّنياً﴾. يقولُ: وآثَر متاعَ الحياةِ الدنيا على كرامةٍ
الآخرةِ وما أعدَّ اللَّهُ فيها لأوليائِه، فعمِل للدنيا وسعى لها، وترك العملَ للآخرةِ ،
فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى﴾. يقولُ: فإن نارَ اللَّهِ التى اسمُها الجحيمُ، هى مَنزِلُه
ومَأْواه ، ومصيرُه الذى يصيرُ إليه يومَ القيامةِ .
وقولُه: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَةٌ﴾. يقولُ: وأما مَن
خاف مسألةَ اللَّهِ إِيَّه عندَ وقوفِهِ يومَ القيامةِ بينَ يديه، فاتقاه ؛ بأداءِ فرائضِه،
واجتنابٍ معاصيه، ﴿ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوٌَ﴾ . يقولُ: ونھی نفسه عن هواها ،
فيما يكرّهُه اللَّهُ ولا يَوْضاه منها، فزجرها عن ذلك، وخالَف هواها إلى ما أمره
به ربُّه، ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾. يقولُ: فإن الجنةَ هى مأواه ومنزِلُه يومَ
القيامةِ .
(١) تفسير مجاهد ص ٧٠٤.

٩٩
سورة النازعات : الآيات ٤١ - ٤٦
وقد ذكّرنا أقوال أهلِ التأويلِ فى معنى قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِهِ﴾
[ الرحمن: ٤٦]. فيما مضى، بما أغْنى عن إعادته فى هذا الموضع.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَسْشَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيََّنَ مُرُّسَنَهَا
) فِيَ أَنْتَ مِن
٤٢
إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَلُهَا
ذِكْرَهَاَ ﴿﴿ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَنَّهَا
كَهُمْ يَّمَ يَوْنَهَا لَمْ
٤٥
٤٦
يَلْبَنُواْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ مُحَهَا
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مَّ الِ: يسألُك يا محمدُ هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ
عن الساعةِ التى يُتْعَثُ فيها الموتى مِن قبورِهم أيَّان مُؤْساها ، متى قيامُها وظهورُها .
وكان الفرّاءُ يقولُ (٢): إنْ قال القائلُ: إنما الإرساءُ للسفينةِ والجبالِ الراسيةِ وما
أَشبَههنَّ، فكيف وُصِفت الساعةُ بالإرساءِ؟. قلتُ: هى بمنزلةِ /السفينةِ إذا ٤٩/٣٠
كانت جاريةً فَرَسَت، ورسؤُّها قيامُها. قال: وليس قيامُها كقيامِ القائم، إنما هى
كقولك : قد قام العدْلُ، وقام الحقُّ. أى: ظهَر وثبت .
قال أبو جعفرٍ رحِمه اللَّهُ: يقولُ اللَّهُ لنبيّه: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا﴾. يقولُ: فى
أىِّ شىءٍ أنت مِن ذكرِ الساعةِ والبحثِ عن شأنِها .
وذُكِر أنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لِ كان يُكْثِرُ ذكرَ الساعةِ ، حتى نزَلت هذه الآيةٌ .
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ،
عن عائشةَ، قالت: لم يزَلِ النبىُّ ◌َ ◌ّمِ [١٠٦٥/٢ و] يسألُ عن الساعةِ، حتى أَنزَل اللَّهُ
إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاَ ﴾(٣) .
(٤٣
عزَّ وجلّ: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَا
(١) ينظر ما تقدم فى ٢٣٥/٢٢ - ٢٣٩.
(٢) فى معانى القرآن ٣/ ٢٣٤.
(٣) أخرجه البزار (٢٢٧٩ - كشف )، وأبو نعيم ٣١٤/٧ من طريق يعقوب به، وأخرجه ابن مردويه فى
تفسيره - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى ١٥١/٤ - والحاكم ٥١٣/٢، والخطيب فى تاريخه ٣٢١/١١=

١٠٠
سورة النازعات : الآية ٤٢ - ٤٥
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ، عن طارقٍ بن شهابٍ،
قال: كان النبىُ عَلَمٍ لا يزالُ يذكُرُ شأنَ الساعةِ، حتى نزَلت: ﴿يَتْشَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ
أَيَانَ مُرُّسَهَا﴾ إلى: ﴿مَنْ يَخْشَنَهَا﴾(١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿فِيَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَهَ﴾. قال: الساعةٍ(٢).
وقولُه: ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْنَهَاَ﴾. يقولُ: إلى ربِّك منتهى علمِها. أى: إِليه
ينتهِى علمُ الساعةِ ، لا يعلَمُ وقتَ قيامِها غيرُه .
وقولُه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَنِهَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ: إنما أنت
رسولٌ مبعوثٌ بإنذارِ الساعةِ مَن يخافُ عقابَ اللَّهِ فيها على إجرامِه، ولم تُكلَّفْ
علمَ وقتٍ قيامِها . يقولُ : فَدَعْ ما لم تُكلَّفْ علمَه ، واعملْ بما أَمِرتَ به؛ مِن إنذارِ مَن
أُمِرتَ بإنذارِه .
واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَئِهَا﴾؛ فكان أبو جعفرِ القارئُ
وابنُ مُحَيْصِنٍ يقرَأأن: (مُنْذِرٌ) بالتنوينِ. بمعنى أنه منذِرٌ مَن يخشاها . وقرأ ذلك
سائرُ قرأةِ المدينةِ ومكةَ والكوفةِ والبصرةِ بإضافةِ: ﴿مُنذِرُ﴾ إِلى: ﴿مَن﴾(١).
= من طريق ابن عيينة به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢/ ٣٤٧، وابن مردويه وسعيد بن منصور فى
تفسيريهما - كما فى تخريج الكشاف ١٥٢/٤ - من طريق ابن عيينة به مرسلًا ، بدون ذكر عائشة ، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ٣١٤/٦ إلى ابن المنذر.
(١) أخرجه النسائى فى الكبرى (١١٦٤٥)، وابن مردويه - كما فى تخريج الكشاف للزيلعى ١٥١/٤ -
والطيرانى (٨٢١٠) من طريق إسماعيل به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٣١٤/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) تفسیر مجاهد ص ٧٠٤.
(٣) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وحمزة والكسائى وأبى عمرو ويعقوب وخلف وابن عامر. ينظر =