Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
سورة الممتحنة : الآية ١٠
على المشرِكين مثلَ ذلك إذا جاءتهم امرأةٌ من المسلمين، أن يؤُدُّوا الصداقَ إلى
أزواجِهن، فقال: ﴿ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَاِ﴾(١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنِنّ﴾: كان نبىُ اللَّهِ وَمِ عاهَد
من المشرِكين ومِن أهلِ الكتابِ ، فعاهَدهم وعاهَدوه، وكان فى الشرطِ أن يَؤُدُّوا
الأموالَ والنساءَ، فكان نبىُ اللَّهِ إذا فاته أحدٌ من أزواج المؤمنين، فلحِق بالمعاهِدَةِ
تاركًا لدينِهِ مختارًا للشركِ، ردَّ على زوجِها ما أنفق عليها، وإذا لحِقٍ بنبيِّ اللَّهِ عَ لَه
أحدٌ من أزواج المشركين، امتحنَها نبىُ اللَّهِ عَلَيهِ، فسألها: ((ما أخرَجَكِ من
قومِك؟)). فإن وجَدها خرَجت تريدُ الإِسلامَ قبِلها رسولُ اللَّهِ ع ◌َهِ، وردَّ على
زوجِها ما أنفَق عليها، وإن وجَدها فرَّت من زوجِها إلى آخرَ بينَها وبينَه قرابةٌ ، وهی
مُتَمَسِّكَةٌ بالشركِ، ردَّها رسولُ اللَّهِ بِّهِ إلى زوجِها من المشركين .
حدّثنی یونسُ بنُ عبدِ الأعلى ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی
قوله: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُوْاْ إِذَا جَاءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ الآية كلّها .
قال: لما هادن رسولُ / اللَّهِ عَ لّه [٩٥٤/٢ظ] المشركين كان فى الشرطِ الذى شُرِط أن ٧١/٢٨
تَرِّدَّ إِلينا مَن أتاك منا، ونؤُدَّ إليك مَن أتانا منكم، فقال النبىُ عَ لِ: ((مَن أتانا منكم
فنرُدُّه إليكم، ومن أتاكم منا فاختار الكفرَ على الإيمانِ فلا حاجةَ لنا فيهم)) . قال :
فَأَبَى اللَّهُ ذلك للنبيِّ عَّهِ فى النساءِ، ولم يَأْبَه للرجالِ، فقال اللَّهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِذَا
جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ ﴾
أزواجهن .
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٨/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/٦ إلى عبد بن
حمید وأبى داود فى ناسخه وابن المنذر .

٥٨٢
سورة الممتحنة : الآية ١٠
حدَّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : أخبرنى عمرُو بن الحارث ، عن بُکیرِ
ابنِ الأشْجِّ، قال: كان بينَ رسولِ اللَّهِ وَّهِ والمشركين هدئةٌ فى من فرَّ من النساءِ، فإذا
فرّت المشركةُ أعطى المسلمون زوجَها نفقته عليها ، وكان المسلمون يَفْعَلون ، وكان إذا لم
يُعْطِ هؤلاء ولا هؤلاء، أخرَج المسلمون للمسلم الذى ذهَبت امرأتُه نفقتها .
وقولُه: ﴿ وَلَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا ءَانَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. يقولُ تعالى
ذكرُه : ولا حرجَ عليكم أيُّها المؤمنون أن تَنْكِحوا هؤلاء المهاجرات اللاتى لحِقِن بكم
من دارٍ الحربِ مفارقاتٍ لأزواجهن، وإن كان لهن أزواجٌ فى دارِ الحربِ ، إذا
علِمتُموهن مؤمناتٍ ، إذا أنتم أعطَيتُموهن أجورَهن. ويعنى بالأجورِ: الصَّدُقاتِ .
وكان قتادةُ يقولُ: كنَّ إذا فرَرْن من المشرِكين الذين بينهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ عَه
وأصحابِه عهدٌ - إلى أصحابٍ نبيِّ اللَّهِ عَ لَّهِ فتزوَّمُوهن، بعَثوا بمهورِهن إلى
أزواجِهن من المشركين، الذين بينَهم وبينَ أصحابٍ نبيّ اللَّهِ بِِّ عهدٌ. حدَّثنا
بذلك بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن قتادةَ(١).
وكان الزهرىُّ يقولُ: إِنما أمَر اللَّهُ بردِّ صدَاقِهنَّ إليهم إذا حُبِسن عنهم، إن هم
ردُّوا على المسلمين صداقَ مَن حَبَسُوا عنهم من نسائِهم. حدَّثنا بذلك ابنُ حميدٍ ،
قال : ثنا سلمةُ ، عن ابنٍ إسحاقَ ، عن الزهرىِّ(٢) .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَ﴾: ولها زوجٌ ثَمَّ؛ لأنه فرَّق بينَهما الإِسلامُ إذا استُبرِتَت(٣)
أرحامُهن.
(١) تقدم فى ص ٥٨٠ .
(٢) سيرة ابن هشام ٣٢٦/٢ من قول عروة.
(٣) فى م: ((استبرأتن)).

٥٨٣
سورة الممتحنة : الآية ١٠
وقولُه: ﴿ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ ﴾ . يقولُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين به من
أصحابِ رسولِ اللهِ عَ لَّهِ: لا تُمْسِكوا أيُّها المؤمنون بحبالِ النساءِ الكوافرِ وأسبابِهن.
والكوافرُ جمعُ كافرةٍ، والعِصمُ جمعُ عِصْمَةٍ، وهى ما اعتصَم به من العقدِ
والسببٍ، وهذا نهىٌّ من اللّهِ للمؤمنين عن الإقدامِ (١) على نكاح النساءِ المشركاتِ من
أهلِ الأوثانِ ، وأمرٌ لهم بفراقِهن .
وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدِ القطانُ ، قال : ثنا
عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن الزهرىٌّ، عن عروةً، عن المسورِ
ابنِ مخرمةَ ومروانَ بنِ الحكم، أن النبىَّ ◌َ ◌ِّ جاءه نسوةٌ مؤمناتٌ بعدَ أن كتَب
كتابَ القضيةِ بينَه وبينَ قريشٍ، فأنزل اللَّهُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَكُمُ ٧٢/٢٨
الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَاتٍ﴾. حتى بلَغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِ﴾. فطلّق عمرُ يومَئذٍ امرأتين
كانتا له بالشركِ، فتزوَّج إحداهما معاويةُ بنُ أبى سفيانَ، والأخرى صفوانُ بنُ
.(٢)
أميةً(٢).
حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى يونسُ ، عن ابنِ شهابٍ ،
قال: بلَغَنا أنَّ آيَةَ المحنةِ التى مادَّ(٢) فيها رسولُ اللَّهِ ◌َّهِ كفارَ قريشٍ، مِن أجلِ العهدِ
الذی کان بین کفار قریش ویین النبيِّ ێ ، فکان النبیُ یپِّ یَردُّ إلی کفار قریش ما
(١) فى ص، ت ١، ت ٢: ((المقدام))، وفى ت ٣: ((القدام)).
(٢) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٧٢٠)، والطبرانى ٩/٢٠ (١٣)، والبيهقى ١٧١/٧ من طريق معمر
به ، وينظر ما تقدم فى ٣٦٢/٣، ٣٦٣.
(٣) ماد فيها : أى: أطالها. النهاية ٣٠٩/٤.

٥٨٤
سورة الممتحنة : الآية ١٠
أنفَقوا على نسائِهم اللاتى يُسْلِمْن ويهاجِرْنَ - وبعولتُهُنَّ كفارٌ - للعهدِ الذى كان
بينَ النبيِّ عَلَّهِ وبينَهم، ولو كانوا حربًا ليست بينهم وبينَ النبيِّ عَ لِ مدَّةٌ وعقدٌ لم
يردَّ عليهم شيئًا مما أنفَقوا، وحكم اللَّهُ للمؤمنين على أهلِ المدَّةِ مِن الكفارِ بمثلِ ذلك ،
قال اللَّهُ: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى
بلَغْ: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. فطلَّق المؤمنون حينَ أُنزِلت هذه الآيةُ كلَّ امرأةٍ كافرةٍ
كانت تحتَ رجلٍ منهم ، فطلّق عمرُ بنُ الخطابِ رضى اللَّهُ عنه امرأتَه ابنةَ أبى أميةَ بنِ
المغيرةِ مِن بنى مخزوم ، فتزوَّجها معاويةُ [٩٥٥/٢ و] بنُ أبى سفيانَ ، وابنةَ جَزْوَلٍ مِن
خُزَاعَةَ ، فتزوَّجها أبوجهم بنُ حُذافةَ العدوِىُّ، وجعَل اللَّهُ ذلك حُكْمًا حكم به بينَ
المؤمنين والمشركين فى هذه المدَّةِ التى كانت(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ ، قال : وقال
الزهرىُّ: لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ﴾ إلى
قوله: ﴿ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ ﴾. كان ممن طلَّق عمرُ بنُ الخطابِ رضى اللَّهُ
عنه امرأته قُرَيبةَ ابنةَ أَبِى أميةَ بنِ المغيرةِ ، فتزوَّجها بعدَه معاويةُ بنُ أبى سفيانَ ، وهما
على شركهما بمكةَ، وأَمَّ كلثومٍ ابنةَ جَزْوَلِ الخزاعيةَ، أَمَّ ◌ُبَيْدٍ(٢) اللَّهِ بنِ عمرَ، فتزوَّجها
أبو جهمٍ بِنُ خُذافةً (١) بنِ غانمٍ ، رجلٌ مِن قومِه، وهما على شركهما، وطلحةُ بنُ عبيدِ اللَّهِ
ابنِ عثمانَ بنِ عمرٍو التيمىُّ ؛ كانت عندَه أَرْوَى بنتُ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطلبِ ،
ففرَّق بينَهما الإِسلامُ حينَ نَهى القرآنُ عن التمسكِ بعِصمِ الكوافرِ، وكان طلحةُ قد
هاجَر وهى بمكةً على دينٍ قومِها، ثم تزوَّجها فى الإسلامِ بعدَ طلحةً ( خالدُ بن٤ُ)
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٧/٦ إلى ابن مردويه.
(٢) فى النسخ: ((عبد)). والمثبت من مصادر التخريج، وينظر تاريخ المصنف ١٩٩/٤، والإصابة ٥٢/٥، ٢٩٢/٨.
(٣) فى سيرة ابن هشام، وغوامض الأسماء: ((حذيفة)). والمثبت موافق لما فى تاريخ المصنف.
(٤) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((حابس)) .

٥٨٥
سورة الممتحنة : الآية ١٠
سعيدِ بنِ العاصِ بنِ أميةَ بنِ عبدِ شمسٍ، وكان ممن فرَّ إلى رسولِ اللهِ صَ لّهِ مِن نساءٍ
الكفارِ، ممن لم يكنْ بينَه وبينَ رسولِ اللَّهِ مِلِّ عهدٌ، فحبَسها وزوَّجها رجلًا مِن
المسلمين، أميمةُ بنتُ بشرِ الأنصاريةُ، ثم إحدى نساءِ بنى أميةَ بنِ زيدٍ مِنْ
أوسِ اللَّهِ ، كانت عندَ ثابتِ بنِ الدَّحداحةِ ، ففرَّت منه - وهو يومئذٍ كافرٌ - إلى
رسولِ اللَّهِ وَمِ، فزوَّجها رسولُ اللَّهِ ◌َلِ سهلَ بنَ حُنيفٍ، أحدَ بنى عمرو بنٍ
عوف، فولَدتْ عبدَ اللهِ بنَ سهٍ(١).
حدَّثنى ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمر ، عن الزهرىِّ: قال اللَّهُ :
﴿ وَلَا تُمْسِكُوْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ ﴾. قال الزهرىُّ: فطلَّق عمر امرأتين كانتا له بمكةً(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال : ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
﴿ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ ﴾ . قال : أصحابُ محمدٍ ، أمِروا بطلاقٍ نسائِهم؛
كوافرَ بمكةَ قعَدْن مع الكفارِ ) .
٧٣/٢٨
/حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ وَلَا تُمْسِكُواْ !
بِعِصَمِ الْكَوَافِ ﴾: مشركاتِ العربِ اللاتى يأتَيْن الإسلامَ، أَمِر أن يُخَلَّى سبيلُهنَّ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَلَا
تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ ﴾: إذا كفَرت المرأةُ فلا تُمْسِكوها، خلُّوها، وقعَت الفرقةُ
فيما بينها وبينَ زوجِها حينَ كفَرت .
(١) فى ت ١، ت ٢، ت ٣: (( بن)).
(٢) سيرة ابن هشام ٢/ ٣٢٧، وأخرجه المصنف فى تاريخه ٢ / ٦٤٠، وأخرجه ابن بشكوال فى غوامض
الأسماء المبهمة ٧١٧/٢ من طريق سلمة به . وهو عندهم مختصر .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٨/٢ عن معمر به .
(٤) تفسير مجاهد ٦٥٦، ومن طريقه الفريابى، وعبد بن حميد - كما فى تغليق التعليق ٣٣٨/٤ - والبيهقى
٧/ ١٧١، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٦/٦ إلى ابن المنذر.

٥٨٦
سورة الممتحنة : الآية ١٠
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الْكَوَافِ ﴾؛ فقرَأ ذلك
عامةُ قرَأَةِ الحجازِ والمدينةِ والكوفةِ والشام، ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ ﴾ بتخفيفِ السينِ (١).
وقرّأ ذلك أبو عمرو: (أُمَسِّكُوا) بتشديدِها(٢)، وذُكر أنَّها قراءةُ الحسنِ . واعتبر
مَن قرَأ ذلك بالتخفيفِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، ولغتان مشهورتان ،
محكىٌّ عن العربِ : أمسكتُ به، ومَسَكْتُ ، وتمسّكْتُ به .
وقولُه: ﴿ وَسْتَلُواْ مَآ أَنْفَقْتُمُ وَلْيَسْئَلُواْ مَا أَنَفَقُواْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لأزواج
اللواتى لحِقْنَ مِن المؤمنين مِن دارِ الإسلامِ بالمشركين إلى مكةً مِن كفارٍ قريشِ :
واسألوا أيُّها المؤمنون الذين ذهبَتْ أزواجهم فلحِقْنَ بالمشركين - ما أنفَقتم على
أزواجِكم اللواتى لحِقْنَ بهم مِن الصداقِ ، مَن تزوَّجهنَّ منهم ، وليَسْألُكم المشركون
منهم الذين لحِق بكم أزواجهم مؤمناتٍ ، إذا تزوَّجن فيكم ، مَن تزوّجها منكم ، ما
أنفقوا عليهنَّ مِن الصداقِ .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ ، قال:
أقرّ المؤمنون بحكم اللَّهِ، وأدَّوا ما أُمروا به مِن نفقاتِ المشركين التى أنفقوا على نسائهم، وأتى
المشركون أن يُقِرُّوا بحكم اللَّهِ فيما فُرِض عليهم مِن أداءِ نفقاتِ المسلمين(٤).
(١) وهى قراءة نافع وابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائى وأبى جعفر وخلف. ينظر النشر ٢٨٩/٢.
(٢) وبها قرأ يعقوب من العشرة . المصدر السابق .
(٣) وهى إحدى الروايات عن الحسن ، وبها قرأ مجاهد بخلاف عنه وابن جبير والأعرج ، وعن الحسن
(تَمَسَّكوا). وبها قرأ ابن أبى ليلى وابن عامر فى رواية عبد الحميد وأبو عمرو فى رواية معاذ. وعن الحسن
(تمسكوا) بكسر السين مضارع ((مسك)) ثلاثيا. البحر المحيط ٢٥٧/٨.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢١/٨ عن المصنف، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٧/٦ إلى ابن مردويه.

٥٨٧
سورة الممتحنة : الآية ١٠
حدَّثنى محمدُ بنُ عمٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَسَثَلُواْ مَآ أَنْفَقْتُمُ وَلْيَسْئَلُواْ مَآ أَنْفَقُواْ﴾. قال: ما ذهَب مِن أزواج
ج
أصحابٍ محمدٍ عَظِلّه إلى الكفارِ، فَلْيُعْطِهم الكفارُ صَدُقاتِهِنَّ، ولْيُمْسِكوهنَّ، وما
ذهَب مِن أزواج الكفارِ إلى أصحابِ النبيِّ ◌َِّ فمثلُ ذلك، فى صلح كان بينَ
محمد ێ وبینَ قریشٍ().
وقولُه: ﴿ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ . يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الحكم
الذى حكمتُ بينَكم مِن أمرٍ كم أيُّها المؤمنون [٩٥٥/٢ظ] بمسألةِ المشركين ما أنفَقتم
على أزواجِكم اللاتى لحِقْنَ بهم ، وأَمْرِهم بمسأَلتِكم مثلَ ذلك فى أزواجِهنَّ اللاتى
لحِقْنَ بكم - حكمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بينَكم فلا تَعْتَدُوه ، فإنه الحقُّ الذى لا يُشْمعُ غيرُه .
فانتهى المؤمنون مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ ◌َِِّّ، فيما ذُكر، إلى أمرِ اللَّهِ وحكمِه،
وامتنَع المشركون منه، / وطلَبوا الوفاء بالشروطِ التى كانوا شارَطوها بينَهم فى ذلك ٧٤/٢٨
الصلح . وبذلك جاءت الآثارُ والأخبارُ عن أهلِ السِّيرِ وغيرِهم.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، قال :
أما المؤمنون فأقرُّوا بحكم اللَّهِ ، وأما المشركون فأبَوْا أن يُقرّوا، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ :
﴿ وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَتِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية(٢) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنٍ إسحاقَ، عن الزهرىِّ، قال :
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٨/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/٦ إلى أبى
داود فى ناسخه وابن المنذر .

٥٨٨
سورة الممتحنة : الآيتان ١٠، ١١
قال اللَّهُ: ﴿فَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، فأمسَك رسولُ اللَّهِ عَظِّمِ النساءَ، وردًّ "
الرجالَ ، وسألَ الذى أمَرَه اللَّهُ أن يسألَ مِن صَدُقاتِ النساءِ مَن حبسوا منهنَّ، وأن
يردُّوا عليهم مثلَ الذى يردُون عليهم إن هم فعلوا ، ولولا الذى حكَم اللَّهُ به مِن هذا
الحكم، ردَّ رسولُ اللَّهِ عَ لَّهِ النساءَ كما ردَّ الرجالَ، ولولا الهدنةُ والعهدُ الذى كان
بينَه وبينَ قريشٍ يومَ الحديبيةِ ، أمسَك النساءً ولم يَزْدُدْ إليهم صداقًا ، وكذلك يصنعُ
بمن جاءه مِن المسلماتِ قبلَ العهدِ(١).
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه : واللَّهُ ذو علم بما يُصْلِحُ
خلْقَه، وغيرٍ ذلك مِن الأمورِ، حكيمٌ فى تدبيرِه إيَّاهم .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَارِ فَعَاقَبْتُ
فَثَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِثْلَ مَآ أَنفَقُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُ بِهِ، مُؤْمِنُونَ
يقولُ جلَّ ثناؤُه للمؤمنين مِن أصحابٍ رسولِ اللَّهِ مَّهِ: وإن فاتكم أيُّها
المؤمنون شىءٌ من أزواجِكم إلى الكفارِ فلحِق بهم .
واختلف أهلُ التأويلِ فى الكفارِ الذين عُنُوا بقولِه: ﴿إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ مَن هم؟ فقال
بعضُهم: هم الكفارُ الذين لم يكنْ بينهم وبينَ رسولِ اللَّهِ يَِّمِ عهدٌ. قالوا: ومعنى
الكلامِ: وإن فاتكم شىءٌ مِن أزواجِكم إلى مَن ليس بينكم وبينَهم عهدٌ مِن الكفارِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح، عن مجاهدٍ
فى قوله: ﴿ وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾: الذين ليس بينكم وبينهم
(١) سيرة ابن هشام ٣٢٦/٢، ٣٢٧ من قول عروة .

٥٨٩
سورة الممتحنة : الآية ١١
.
عهد
( (١)
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ
أَزْوَحِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: إذا فرَرْن مِن أصحابِ النبيِّ ◌َِّ إلى كفارٍ ليس بينهم وبينَ
رسولِ اللَّهِ مَعِ عهدٌ(٢).
/حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حبيبٍ بن أبى ثابتٍ، عن ٧٥/٢٨
مجاهدٍ : ﴿وَإِنِ فَتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾. قال: مَن ١ لم يكنْ بينَهم عهدٌ .
وقال آخرون : بل هم كفار قريشِ الذين كانوا أهلَ هدنةٍ ، وذلك قولُ الزهرىِّ.
حدَّثنى بذلك يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: أخبرنى يونسُ عنه (٤).
وقولُه: ﴿ فَعَاقَبُْ﴾ اختلفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةٍ
الأمصارِ: ﴿فَعَاقَبْتُ﴾ بالألفِ على مثالِ ((فاعَلْتُم))، بمعنى: أَصَبْتم منهم عُقْبِى.
وقرَأَه حميدٌ الأعرجُ فيما ذُكر عنه: (فَعَقَّبْتُمْ). على مثالِ ((فَعَلْتم))، مشدّدة
القافٍ(٥). وهما فى اختلافِ الألفاظِ بهما نظيرُ قولِه: ﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَذَّكَ لِلنَّاسِ:
[لقمان: ١٨]. و(تُصاعِرْ) مع تقاربِ معانيهما (١).
قال أبو جعفرٍ: وأولى القراءتين عندى بالصوابِ فى ذلك قراءةُ مَن قرأه :
﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ بالألفِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه .
وقولُه: ﴿ فَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ﴾. يقولُ: فَأَغْطوا
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٦/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) سيأتي تخريجه فى ص ٥٩٢ .
(٣) سقط من : م.
(٤) تقدم تخريجه فى ص ٥٨٦ .
(٥) مختصر الشواذ لابن خالويه ص ١٥٦.
(٦) ينظر ما تقدم فى ٥٥٩/١٨ .

٥٩٠
سورة الممتحنة : الآية ١١
الذين ذهبت أزواجهم منكم إلى الكفارِ مثلَ ما أنفَقوا عليهنَّ مِن الصداقِ .
واختلف أهلُ التأويل فى المالِ الذى أُمِرِ أن يُعْطَى منه الذى ذهبَت زوجتُه إلى
المشركين ؛ فقال بعضُهم: أَمِروا أن يُعْطوهم من (١) صداقٍ مَن لحِقٍ بهم مِن نساءٍ
المشركين .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى يونسُ ، عن الزهرىِّ،
قال : أقرّ المؤمنون بحكم اللَّهِ، وأدَّوا ما أُمِروا به مِن نفقاتِ المشركين التى أنفقوا على
نسائهم، وأتَى المشركون أن يُقِرُّوا بحكم اللَّهِ فيما فرَض عليهم مِن أداءِ نفقاتٍ
المسلمين، فقال اللَّهُ للمؤمنين: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ [٩٥٦/٢ و] إِلَى الْكُفَّارِ
فَعَاقَبْتُمُ فَكَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُواْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُ بِ مُؤْمِنُونَ﴾.
فلو أنَّها ذهَبت بعدَ هذه الآيةِ امرأةٌ مِن أزواج المؤمنين إلى المشركين، ردًّ المؤمنون إلى
زوجِها النفقةَ التى أَنفَق عليها مِن العُقْبِ الذى بأيديهم ، الذى أُمِروا أن يردُوه على
المشركين مِن نفقاتِهم التى أنفَقوا على أزواجِهم ، اللاتى آمَنَّ وهاجَرْن، ثم رَدُّوا إلى
المشركين فضلًا إن كان بقِى لهم. والعُقْبُ ما كان بأيدى المؤمنين مِن صداقِ نساءٍ
الكفارِ حينَ آمَنَّ وهاجُزْن(٣) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن الزهرىِّ، قال: أَنزَل
اللَّهُ: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُغَارِ فَعَاقَبْنُ فَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم
مِثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ﴾. فأمَرِ اللَّهُ المؤمنين أن يردُّوا الصداقَ إذا ذهَبت امرأةٌ مِن المسلمين ولها
(١) سقط من : م.
(٢) تقدم تخريجه فى ص ٥٨٦ .

٥٩١
سورة الممتحنة : الآية ١١
زوجٌ ، أن يرُدَّ إليه المسلمون صداقَ امرأتِه ، مِن صداقٍ إِن كان فى أيديهم مما أُمِروا أن
يردُّوا إلى المشركين(١).
وقال آخرون : بل أُمِروا أن يُعْطوه مِن الغنيمةِ أو الفَىءٍ.
٧٦/٢٨
/ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَارِ فَعَاقَبْتُمْ فَكَانُواْ
الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ﴾. يعنى: إِن
لحِقَتِ امرأةٌ رجلٍ مِن المهاجرين بالكفارِ، أمَرله رسولُ اللَّهِ سَظَلِ أَن يُعْطَى مِن الغنيمةِ
(٢)
مثلَ ما أنفَقَ(١) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن
مجاهدٍ، أنهم كانوا أَمِروا أن يردُّوا عليهم مِن الغنيمةِ. وكان مجاهدٌ يقرأ:
﴿فَاقُِّ﴾(٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ :
فَعَاقَبُ ﴾. يقولُ: أَصَبْتم مغنمًا مِن قريشٍ أو غيرِهم، ﴿فَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٨/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٨/٦ إلى عبد بن
حمید وأبی داود فى ناسخه وابن المنذر .
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢١/٨ عن العوفى ، عن ابن عباس .
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٨/٢ عن معمر به .

٥٩٢
سورة الممتحنة : الآية ١١
أَزْوَجُهُم مِثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ ﴾: صَدُقاتِهِنَّ عِوَضًا(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا مِهْرانُ ، عن سفيان ، عن حبیبٍ بنِ أبی ثابتٍ ، عن
مجاهدٍ: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾. قال: مَن لم يكنْ بينَهم
وبينَهم(٢) عهدٌ فذهَبت امرأةٌ(٢) إلى المشركين، فيُدْفَعُ إلى زوجِها مهرُ مثلِها،
﴿فَعَاقُّ﴾ فأصبْتم غنيمةً ، ﴿فَشَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُمْ مِثْلَ مَآ أَنَفَقُواْ وَأَتَّقُواْ
اللَّهَ ﴾ . قال: مَهْرُ مثلِها يُدْفَعُ إلى زوجها .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِن ذَاتَّكُمْ شَىْءٌ
مِّنْ أَزْوَِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبُ فَثَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنْفَقُواْ وَأَتَّقُواْ
اللَّهَ﴾: كنَّ إذا فرَرْن مِن أصحابِ النبيِّ عَّهِ إلى كفارٍ ليس بينَهم وبينَ نبيِّ اللَّهِ
عهدٌ، فأصاب أصحابُ رسولِ اللَّهِ عَ لَّمِ غنيمةً، أَعْطِى زوجُها ما ساق إليها مِن
جميع الغنيمة ، ثم يَقْتَسِمون غنیمتَھم .
حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ ، قال : ثنا القاسمُ ، قال : سمِعتُ الكسائىَّ يخبِرُ عن زائدةَ ،
عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ أنه قرأها: ﴿فَعَاقُّ﴾. وفسَّرها: فغنمتم(١).
حدَّثنا أحمدُ ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ فى
قوله: ﴿ فَعَاقَبُْ﴾ . قال: غنِمْتم" .
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٦، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٦/٦ إلى الفريابى وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((امرأته)).
(٤) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٣/٤ من طريق سفيان ، عن خصيف ، عن مجاهد.
(٥) أخرجه ابن الجوزى فى نواسخ القرآن ص ٤٩٠ من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢٠٦/٦، ٢٠٧ إلى عبد بن حميد وأبى داود فى ناسخه وابن المنذر.
(٦) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٦٣/٤ من طريق الأعمش به .
(٧) ينظر تفسير ابن كثير ١٢١/٨.

٥٩٣
سورة الممتحنة : الآية ١١
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا سلمةُ ، عن ابن إسحاقَ ، قال: سألْنا الزهرىَّ عن
هذه الآيةِ وقولِ اللَّهِ فيها: ﴿وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ الآية . قال:
يقولُ : إِن فات أحدًا منكم أهلُه إلى الكفارِ ، ولم تأتِكم امرأةٌ تأخُذون لها مثلَ الذى
يأخذون منكم، فعوّضوه مِن فَىْءٍ إن أصبْتموه (١) .
وقال آخرون فى ذلك ما حدَّثنى به يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال
ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿وَإِن فَاتَكُمْ شَىْءٌ مِّنْ أَزْوَجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبُ ﴾. قال: خرَجت
امرأةٌ من أهلِ الإسلامِ إلى المشركين ولم يَخْرُجُ غيرُها . قال: فأَتَت امرأةٌ مِن
المشركين، فقال القومُ: هذه عُقْبتُكم قد أتَتْكم . فقال اللّهُ: ﴿وَإِن فَاتَّكُمْ شَىْءٌ مِّنْ
أَزْوَجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُ ﴾: أمسَكْتم الذى جاءكم منهم مِن أجلِ/ الذى لكم ٧٧/٢٨
عندَهم ، ﴿ فَشَاتُواْ الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَجُهُم مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ﴾. ثم أخبَرهم اللَّهُ أنه لا
جناحَ عليهم إذا فعلوا الذى فعَلوا ، أن يَنكِحوهنَّ إذا استُبْرِئ رحمُها . قال : فدعا
رسولُ اللَّهِ عَ لِ الذى ذهَبت امرأتُه إلى الكفارِ، فقال لهذه التى أتت مِن عندٍ
المشركين: ((هذا زوج التى ذهَبتْ أَزْوِّيجكِه؟)). فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، عذَر اللَّهُ
زوجةَ هذا أن تَفِرَّ منه، لا واللَّهِ مالى به حاجةٌ . فدعا البَخْتَريَّ، رجلًا جسيمًا، قال:
((هذا؟)) قالت : نعم. وهى ممن جاء مِن مكةً.
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ أن يقالَ: [٩٥٦/٢ظ] أمَرِ اللَّهُ عزَّ وجلَّ
فى هذه الآيةِ المؤمنين أن يُعْطوا مَن فرَّت زوجتُه مِن المؤمنين إلى أهلِ الكفرِ إذا هم
كانت لهم على أهلِ الكفرِ عُقْبِى؛ إما بغنيمةٍ يُصِيبونها منهم، أو بلحاقِ نساءٍ
بعضِهم بهم - مثلَ الذى أنفقوا على الفارَّةِ منهم إليهم ، ولم يَخْصُصْ إيتاءَهم ذلك
مِن مالٍ دونَ مالٍ ، فعليهم أن يُعْطوهم ذلك مِن كلِّ الأموالِ التى ذكرناها .
(١) سيرة ابن هشام ٣٢٧/٢.
( تفسير الطبرى ٣٨/٢٢ )

٥٩٤
سورة الممتحنة : الايتان ١٢،١١
وقولُه: ﴿ وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنْتُ بِهِ، مُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ الذى أنتم به
مصدِّقون أيُّها المؤمنون ، فاتقوه بأداءٍ فرائضِه واجتنابٍ معاصيه .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَمَكَ الْمُؤْمِنَثُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّ
يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ
بَيْنَ أَبْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهُّ إِنَّ اللَّهَ
١٢
غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ مَّهِ: يَأيُّها النبىُ إذا جاءك المؤمناتُ باللَّهِ
يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِفْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا
يَأْتِنَ بِبُهْتَنِ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. يقولُ: ولا يأتين بكذبٍ يَكْذِبْنه فى
مولودٍ يوجَدُ بينَ أيدِيهنَّ وأرجلِهنَّ. وإنما معنى الكلام: ولا يُلْحِقْن بأزواجِهنَّ غيرَ
أولادهم .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علیٍّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَلَا يَأْتِنَ بِبُهْتَنٍ يَفْتَرِنَّهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. يقولُ: لا يُلْحِقْن
بأزواجهنَّ غيرَ أولادِهم .
وقولُه : ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ . يقولُ: ولا يَعْصِينك يا محمدُ فى
معروفٍ مِن أمرِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ تأمرُهنَّ به . وذُكر أنَّ ذلك المعروفَ الذى شُرِط عليهنَّ
(١) أخرجه ابن أبى حاتم - كما فى الإتقان ٤٧/٢ - من طريق أبى صالح به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور
٢١٠/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه .

٥٩٥
سورة الممتحنة : الآية ١٢
ألا يَعْصِين رسولَ اللَّهِ وَ الِ فيه ، هو النياحةُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا علىّ، قال: ثنا أبو صالح، قال : ثنا معاويةُ ، عن علىٍّ ، عن ابنِ عباسٍ
قولَه: ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ . يقولُ: لا يَنُحْنَ(١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن
منصورٍ، عن سالم بنِ أبي الجعدِ: ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾. قال: النَّوْحِ .
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا أبو أحمدَ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن منصورٍ ، عن سالمٍ
ابنِ أبى الجعدِ مثلَه .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سالم مثلَه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدِ المحاربيُّ، قال : ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن أبى صالحٍ فى
قولِه: ﴿ وَلَا يَعْضِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾. قال: فى نِياحةٍ() .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ ، عن سفيانَ، عن منصورٍ ، عن سالمٍ بن أبى
الجعدِ : ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾. قال: النَّوْحِ.
قال : ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن زيدِ بنِ أسلمَ : ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِىِ مَعْرُوفٍ﴾ .
قال: لا يَخْدِشْن وجهًا، ولا يَشْقُقْن جِيبًا، ولا يدعُون ويلًا، ولا يَنْشُدْن شِغْرًا ) .
(١) تمام الأثر المتقدم فى الصفحة السابقة ، وسقط بقيته من مطبوعة الدر المنثور، وهو بتمامه فى المخطوطة
المحمودية ص ٤١٥، ولم يرد هذا اللفظ عند ابن أبى حاتم .
(٢) أخرجه ابن عبد البر فى التمهيد ٢٣٧/١٢ من طريق سفيان به ، وهو فى تفسير مجاهد ص ٦٥٧ من
طريق منصور به .
(٣) أخرجه أحمد بن منيع - كما فى المطالب العالية (٤١٤٧) - عن جرير به .
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢٧/٨.
(٥) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٩٠/٣، وابن عبد البر فى التمهيد ٢٣٨/١٢ من طريق سفيان به.

٥٩٦
سورة الممتحنة : الآية ١٢
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت محنةُ النساءِ أنَّ رسولَ اللّهِ عْ ظَّهِ أَمَر عمرَ بنَ
الخطابِ رضى اللَّهُ عنه فقال: ((قلْ لهنَّ: إنَّ رسولَ اللَّهِ يُبايعكنَّ على ألا تُشْرِكْنَ
باللَّهِ شيئًا)). وكانت هندُ بنتُ عتبة بن ربيعةَ التى شقَّت بطنَ حمزةَ رحمةُ اللَّهِ عليه
مُتَنكِّرةً فى النساءِ، فقالت: إنى إِنْ أتكلَّمْ يعرفْنى، وإن عرَفنى قتَلنى. وإنما تنكّرَتْ
فَرَقًّاً مِن رسولِ اللَّهِ عَهِ، فسكَت النسوةُ اللَّاتى مع هندٍ، وأيَيْن أنْ يتكلَّمْن، قالت
هندٌ وهى مُتنكّرةٌ : كيف يَقْبَلُ من النساءِ شيئًا لم يَقْبَلْه مِن الرجالِ ؟ فنظَر إليها رسولُ
اللَّهِ مٍَّ وقال لعمرَ: ((قلْ لهنَّ: ولا يَشْرِقن)). قالت هندٌ: واللَّهِ إنى لأُصيبُ مِن
أبى سفيانَ الهَنَاتِ ما أدرى أَيُحِلُّهنَّ لى أم لا. قال أبو سفيانَ : ما أصبْتِ مِن شىء
مضَى أو قد بَقِى، فهو لك حلالٌ. فضحِك رسولُ اللَّهِ بِمٍ وعرَفها ، فدعاها
فأتَتْه، فأخذتْ بيدِه فعاذت به، فقال: ((أنتِ هندٌ؟)). فقالت: عفا اللَّهُ عما
سلَف. فِصرَّف عنها رسولُ اللَّهِ عَه، فقال: ((﴿ وَلَا يَزْنِينَ﴾)). فقالت: يا
رسولَ اللَّهِ، وهل تزنى الحرّةُ؟ قال: ((لا واللهِ ما تزنِى الحرّةُ)). قال: ((﴿ وَلَا يَفْئُلْنَ
أَوْلَدَهُنَّ﴾)). قالت هندٌ: أنتَ قتَلتَهم يومَ بدرٍ، فأنت وهم أبصرُ. قال: ((﴿ وَلَا يَأْتِينَ
بِبُهْتٍَ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾)). قال: منعهنَّ أنّ
يَنُحْن، وكان أهلُ الجاهليةِ يُمِزِّقْن الثيابَ ، ويَخْدِشْن الوجوهَ، ويَقْطَعْن الشعورَ،
ويدْعُون بالُبورِ والويلِ(١) .
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا جَاءََ
اَلْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ حتى بلَغ: ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾: ذُكِر لنا أنَّ نبىَّ اللَّهِ صَ لِ أَخَذ عليهنَّ
٧٩/٢٨ يومئذٍ النياحةَ: / و (( لا تُحدِّثْن الرجالَ، إلا رجلًا منكنَّ مَحْرَمًا)). فقال عبدُ الرحمنِ
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢١٠/٦ إلى المصنف وابن مردويه.

٥٩٧
سورة الممتحنة : الآية ١٢
ابنُ عوفٍ: يا نبيَّ اللَّهِ إِنَّ لنا أضيافًا، وإنا نَغِيبُ عن نسائنا. قال: فقال
رسولُ اللَّهِ مَ له: (( ليس أولئك عَنيثُ، ليسَ أولئك عَنِيتُ))(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ وَلَا
يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾. قال: هو الثَّوْحُ، أَخِذ عليهنَّ لا يَتُحْن، ولا يَخْلُونَّ
بحديثِ الرجالِ إلا مع ذى مَخْرمٍ ، قال : فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: إنا نَغِيبُ
ويكونُ لنا أضيافٌ. قال: ((ليس أولئك عنيثُ))(٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا سليمانُ ، قال : أخبرنا أبو هلالٍ ، قال : ثنا قتادةُ فى
قوله : ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: لا يُحدِّثْن رجلًا.
حدَّثنی يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : ثنی ابنُ عياش ، عن سليمانَ بنِ
سليمٍ(١) ، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال : جاءت أُميمةُ بنتُ رقيقةَ إِلى
النبيِّ يَ ◌ّهِ تُبايعُه على الإسلامِ، فقال لها النبيُّ ◌َّهِ: (( أُبَايِعُكِ على ألا تُشْرِكِى بِاللَّهِ
شيئًا ، ولا تسرِقى ، ولا تزنى ، ولا تقتُلى ولدَك، ولا تأتِى ببهتانٍ تفترينه بين يديك
ورجليك، ولا تنوحى ، ولا تبرَّجی تبرج الجاهلية الأولى))(4).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا مِهْرانُ ، عن سفيانَ ، عن محمدِ بنِ المنكدرِ ، عن
أُميمةَ بنتِ رقيقةَ، قالت: جاءت نسوةٌ إلى النبيِّ عَ لَّه يُبَايِعْنَه، فقال: ((فيما
اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقتُنَّ)). فقلنا: اللَّهُ ورسولُه أرحَمُ بنا منا بأنفسِنا(٥).
(١) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٢٧/٨ عن المصنف .
(٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٩/٢ عن معمر به.
(٣) فى ص، م، ت ١، ت ٢: ((سليمان))، وفى ت ٣: ((سلمان)). والمثبت من مصدرى التخريج ،
وتهذيب الكمال ٤٣٩/١١.
(٤) أخرجه ابن عساكر ص ٥٥ - تراجم النساء - من طريق ابن وهب به، وأخرجه أحمد ٤٣٧/١١
(٦٨٥٠)، ومن طريقه ابن عساكر ص ٥٥ - تراجم النساء - من طريق ابن عياش به، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٠٩/٦ إلى ابن مردويه .
(٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٩٨٢٦)، وأحمد ٣٥٧/٦ (اليمنية)، والطبرانى ١٨٦/٢٤ (٤٧٠)=

٥٩٨
سورة الممتحنة : الآية ١٢
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكم ، قال : ثنا أبى وشعيبُ بنُ الليثِ ، عن
الليثِ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ، عن ابنٍ أبى هلالٍ، عن ابنِ المنكدرِ، أنَّ أَميمةَ
أخبَرَتْه أنَّها دخلَت على رسولِ اللهِ وَظِّمِ فى نسوةٍ ، فقُلن: يا رسولَ اللَّهِ ابشطْ يدَك
نصافِحْك. فقال: ((إنى لا أصافِحُ النساءَ، ولكن سآخُذُ عليكنَّ)). فأخذ علينا
حتى بلَغ: ((﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾)). فقال: ((فيما أَطَفْتُنَّ واسْتَطَعْتُنَّ)) .
فقُلْن: اللَّهُ ورسولُه أَرْحَم بنا مِن أنفسِناً(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا هارونُ ، عن عمرٍو، عن عاصم، عن ابنٍ سيرينَ،
عن أمّ عطيةَ الأنصاريةِ ، قالت : كان فيما اشْترط علينا مِن المعروفِ حينَ بايَعْنا : ألا
نُوحَ . فقالت امرأةٌ (" مِن بنى فلانٍ(٢): إنَّ بنى فلانٍ أَسْعَدُونِى(٣) ، فلا حتى أَجْزِيَهم،
فانْطَلَقَت فأسعَدَتْهم، ثم جاءت فبايَعت . قال: فما وفى منهنَّ غيرُها وغيرُ أمِّ سليمٍ ابنةٍ
مِلْحانَ ؛ أمّ أنسٍ بنِ مالكٍ (٤) .
حدَّثْنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا عمرُ(٥) بنُ فروعَ القتابُ(٩)،
= من طريق الثورى به .
(١) أخرجه مالك ٢ / ٩٨٢، والطيالسى (١٧٢٦)، والحميدى (٣٤١)، وابن سعد ٥/٨، وأحمد ٣٥٧/٦
(الميمنية)، وابن ماجه (٢٨٧٤)، والترمذى (١٥٩٧)، والنسائى (٤٢٠١)، وابن أبى عاصم فى الآحاد
والمثانى (٣٣٤٠، ٣٣٤١)، وابن حبان (٤٥٥٣)، والطبرانى ١٨٦/٢٤ - ١٨٨ (٤٧١ - ٤٧٤، ٤٧٦)
من طريق محمد بن المنكدر به .
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
(٣) إسعاد النساء فى المناحات: تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة . اللسان (س ع د).
(٤) أخرجه أحمد ٤٠٨/٦ (الميمنية)، والنسائى (٤١٩٠) من طريق ابن سيرين به، وتفسير مجاهد
ص ٦٥٦، ٦٥٧، وأخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٩/٣، وأحمد ٤٠٨/٦ (اليمنية)، ومسلم (٩٣٧)، وابن أبى
عاصم فى الآحاد والمثاني (٣٣٣٣)، وابن حبان (٣١٤٥)، والبيهقى ٤٨٨/٦ من طريق عاصم، عن حفصة
بنت سيرين عن أم عطية به ، وأخرجه البخارى (٤٨٩٢)، وسنيد - كما فى التمهيد ٢٤٠/١٢ - والبيهقى
٦٢/٤ من طريق حفصة عن أم عطية به .
(٥) فى النسخ: ((عمرو)). وينظر تهذيب الكمال ٤٧٨/٢١.
(٦) فى النسخ: ((القتات)).

٥٩٩
سورة الممتحنة : الآية ١٢
قال : ثنا مصعبُ بنُ نوح الأنصارىُّ، قال: أَدْرَكْتُ عجوزًا لنا كانت فى من بايع
رسولَ اللَّهِ مَ الَه، قالت: فأتيتُه لأبايعَه، فأخذ علينا فيما أُخَذ: ((ولا تَنُحْن)).
فقالت عجوزٌ: يا نبيَّ اللَّهِ، إِنَّ ناسًا قد كانوا أَسْعَدُونى على مصائبَ أصابتْنى،
وإنهم قد أصابتهم مصيبةٌ ، فأنا أريدُ أنْ أَسْعِدَهم. قال: ((فانْطَلِقِى فكافِئِيهم)). ثم
إِنَّها أتت فبايعَتْه، قال: هو المعروفُ الذى قال اللَّهُ: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾ .
/حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيع، عن يزيدَ مولى الصهباءِ، عن شهرِ بنِ ٨٠/٢٨
حوشبٍ، عن أمّ سلمةَ، عن رسولِ اللَّهِ مِ ◌ّهِ فى قولِه: ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِىِ
مَعْرُوفٍ﴾. قال: ((النَّوْحُ))(٢) .
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا يونسُ ، قال : ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ ، عن محمدِ بنِ
المنكدرِ ، عن أَميمةَ بنتِ رُقيقةَ التيميةِ ، قالت: بايعتُ رسولَ اللَّهِ عَ لِّ فى نسوةٍ مِن
المسلمين، فقلنا له: جئناك يا رسولَ اللَّهِ نبايعُك على ألا نشركَ باللَّهِ شيئًا، ولا
نسرِقَ ، ولا نزنِىَ، ولا نقتلَ أولادَنا، ولا نأتىَ ببهتانٍ نفترِيه بين أيدينا وأرجلِنا ، ولا
نعصيك فى معروفٍ. فقال رسولُ اللَّهِ يَجِ: ((فيما اسْتَطَعْتُنَّ [٩٥٧/٢ظ]
وأطَقْتُنَّ)). فقلنا: اللَّهُ ورسولُه أرحمُ بنا مِن أنفسِنا، فقلنا: بايِعْنا يا رسولَ اللَّهِ .
فقال: ((اذهبْنَ فقد بايعْتُكنَّ، إنما قَوْلى لِائةِ امرأةٍ كقولى لامرأةٍ واحدةٍ)). وما صافح
رسولُ اللَّهِ ◌ٍ لِلّهِ منا أحدًا (٣).
(١) أخرجه ابن سعد ٨/ ٨، وأحمد ٥٥/٤ (الميمنية) من طريق عمر بن فروخ به، وعزاه السيوطى فى الدر
المنثور ٢١٠/٦ إلى عبد بن حميد وابن مردويه .
(٢) أخرجه ابن أبى شيبة ٣٨٩/٣، وأحمد ٣٢٠/٦ (الميمنية)، وابن ماجه (١٥٧٩)، وابن عبد البر فى التمهيد
٢٣٨/١٢ من طريق وكيع به، وأخرجه ابن سعد ٨/٨، وعبد بن حميد - كما فى الدر المنثور ٢١٠/٦، وعنه
الترمذى (٣٣٠٧) - من طريق يزيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه.
(٣) أخرجه الحاكم ٤ / ٧١، وابن عساكر ص٥٣ - تراجم النساء - من طريق يونس به ، وأخرجه أحمد
٣٥٧/٦ (الميمنية) من طريق ابن إسحاق به .

٦٠٠
سورة الممتحنة : الآية ١٢
حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال : ثنا يونسُ بنُ بكيرٍ ، عن عيسى بن عبدِ اللَّهِ التميمىّ،
عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أميمةَ ( بنتِ رقيقةً) خالةٍ فاطمةَ بنتِ رسولِ اللهِ عَ ظِلّهِ،
قال: سمِعْتُها تقولُ: بايَعْنا رسولَ اللَّهِ ◌ِهِ، فأخذ علينا ألا نشركَ باللَّهِ شيئًا . فذكَر
مثلَ حديثِ محمدِ بنِ إسحاقَ .
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال: ثنا سفيانُ ، عن محمدِ بنِ
المنكدرِ، عن أَميمةَ بنتِ رقيقةً، قالت: أتيتُ رسولَ اللَّهِ يَّمِ فى نساءٍ نُبايعُه،
قالت: فَأَخَذ علينا النبيُّ عَ لَهِ بما فى القرآنِ: ﴿أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية . ثم
قال: ((فيما اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَفْتُنَّ)). فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ أَلَا تُصافِحُنا؟ فقال: ((إنى لا
أُصافِعُ النساءَ، ما قَوْلِى لامرأةٍ واحدةٍ إلا كقولى لمائةٍ امرأةٍ))(٢) .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الرحيم البرقىُ، قال: ثنا عمرُو بنُّ أبى سلمةَ، عن زهيرٍ ، عن
موسى بن عقبةً، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، عن أميمةَ بنتِ رُقيقةَ، عن رسولِ اللَّهِ مَّاله
(٣)
بنحوه
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعْتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِىِ مَعْرُوفٍ﴾: والمعروفُ: ما اشْتَرط
عليهن فى البيعةِ أن يَتَّبِعْنَ أمرَه .
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ: ﴿ وَلَا
يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ﴾. فقال: إن رسولَ اللَّهِ ◌ِلِ نبيه وخِيرتُه مِن خلقِه، ثم لم
(١ - ١) سقط من: ص، ت ١، ت ٣.
(٢) أخرجه النسائى (٤١٩٢) عن محمد بن بشار به، وأخرجه أحمد ٣٥٧/٦ (الميمنية) من طريق
عبد الرحمن به .
(٣) أخرجه سنيد - كما فى التمهيد ٢٤٠/١٢ - والطبرانى ١٨٨/٢٤ (٤٧٥) من طريق موسى بن عقبة به ،
وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٩/٦ إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه .