Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١
سورة الحشر : الآية ١٦
وعَدوا اليهودَ من النَّضيرِ النُّصرةَ إِنْ قُوتِلوا، أو الخُرُوجَ معهم إنْ أُخْرِجُوا، ومَثَلُ
النَّضيرِ فى غرورِهم إيَّهم بإخلافِهم الوعْدَ، وإسلامِهم إِيَّاهم عندَ شدَّةِ حاجتِهم
إليهم ، وإلى نُصْرتِهم إِيَّهم - كمثَلِ الشيطانِ الذى غَرَّ إنسانًا ، ووعَده على اتِباعِه
وكفرِه باللَّهِ، النَّصْرةَ عندَ حاجتِه(١) إليه، فكفَر باللَّهِ واتَّبَعه وأطاعه ، فلما احتاج إلى
نصْرتِه أسلَمه وتبرَّأ منه، وقال له : إنى أخافُ اللَّهَ ربَّ العالمين فى نُصْرَّتِك.
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى الإنسانِ الذى قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَنِ
اُكْفُرْ﴾. أهو إنسانٌ بعينِه، أَمْ أُرِيد به المثَّلُ لمَن فعَل الشيطانُ ذلك به؟ فقال
بعضُهم : عُنِى بذلك إنسانٌ بعينِه .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا خلَّادُ بنُ أسلمَ ، قال: ثنا النَّصْرُ بنُ شُمَيْلٍ، قال: أخبرنا شعبةُ ، عن أبى
إسحاقَ ، قال : سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بِنَّ نَهِيكِ ، قال: سمِعتُ عليًّا رضِى اللهُ عنه يقولُ:
إِنَّ راهبًا تعبَّ سِتِين سنةً ، وإنَّ الشيطانَ أراده فأَعْياه، فعَمَد إلى امرأةٍ فَأَجَنَّها، ولها
إخوةٌ، وقال لإخوتِها : عليكم بهذا القِسِّ فيُداوِيَها . فجاءوا بها ، قال : فداواها ،
وكانت عندَه، فبينما هو يومًا عندَها إِذْ أَعْجَبَتْه، فأتاها فحَمَلت، فعَمَد إليها فقتلها ،
فجاء إخوتُها ، فقال الشيطانُ للراهبِ : أنا صاحبُك، إنك أَعْيَيْتَنِى، أنا صنَعْتُ بك
هذا فَأَطِغْنِى أَنْجِك مما صنَعْتُ بك، اسْجُدْ لى سجدةٌ . فسجَد له، فلمَّا سجَد له، قال:
إنى بَرِىءٌ منك، إنى أخافُ اللَّهَ ربَّ العالمين. فذلك قولُه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ
لِلْإِنِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٌّ مِنكَ إِنَّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾
(١) فى م: ((الحاجة)).
(٢) أخرجه البخارى فى التاريخ الكبير ٢١٣/٥ من طريق النضر بن شميل به، وأخرجه عبد الرزاق فى تفسيره =
٥٤٢
سورة الحشر : الآية ١٦
حدَّثنى يحيى بنُ إبراهيمَ المسعودىُّ، قال: ثنا أبى ، عن أبيه، عن جدِّه، عن
الأعمش، عن عُمارةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ (١) ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ فى هذه
الآيةِ: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنِسَنِ أَكْفُرْ فَمَّا كَفَرَ قَالَ إِى بَرِىٌّ مِّنْكَ
إِنّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾. قال: كانت امرأةٌ تَرْعَى الغنمَ، وكان لها أربعةُ
إخوةٍ، وكانت تَأْوِى بالليلِ إلى صومعةِ راهبٍ . قال: فنزَل الراهبُ ، ففجر بها ،
فحمَلَتْ ، فَأَتَاه الشيطانُ ، فقال له : اقْتُلْها ثم ادِفِتْها ، فإنك رجلٌ مُصَدَّقٌ يُسْمَعُ
قولُك(١) . فقتَلها ثم دفَنها، قال: فأتى الشيطانُ إخوتَها فى المنامِ، فقال لهم: إن
الراهبَ صاحبَ الصومعةِ فجَر بأَخْتِكم ، فلمَّا أَحْبَلها قتَلها، ثم دفنها فى مكانٍ كذا
وكذا. فلما أَصْبَحوا قال رجلٌ منهم: واللَّهِ لقد رأَيْتُ البارحةَ رُؤْيا ما أَدْرِى أَقُصُها
٥٠/٢٨ عليكم / أم أتركُ ؟ قالوا: لا ، بل قُصَّها علينا . قال : فقصَّها، فقال الآخرُ: وأنا واللَّهِ،
لقد رأيتُ ذلك. قالوا(٢): فما هذا إلا لشىءٍ. فانْطَلَقوا فاسْتَعْدَوْا مَلِكَهم على
ذلك الراهبِ، فَأَتَوه، فَأَنزَلوه ثم انْطَلَقوا به، فَلَقِيَّه الشيطانُ فقال: إنى أنا
الذى أَوْقَعْتُك فى هذا، ولن يُنْجِيّك منه غيرى، فاسجُدْ لى سجدةً واحدةً وأنا
أُنْجِك مما أَوْقَعْتُك فيه. قال: فسجَد له، فلما أَتَوا به مَلِكَهم تبرّأ منه، وأُخِذ
[٩٤٨/٢ظ] فَقُتِل (٤).
= ٢٨٥/٢ من طريق أبى إسحاق عن نهيك بن عبد الله به، وعنه إسحاق بن راهويه - كما فى المطالب
(٤١٤٣) - والحاكم ٢/ ٤٨٤، والبيهقى فى الشعب (٥٤٥٠)، وعندهم ((حميد بن عبد الله)) بدلا من
((عبد الله بن نهيك)). ينظر الجرح والتعديل ١٨٣/٥، ٤٩٧/٨، وتهذيب الكمال ٢٣١/١٦، وعزاه
السيوطى فى الدر المنثور ١٩٩/٦ إلى أحمد - فى الزهد - وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه .
(١) فى م: ((زيد)). ينظر تهذيب الكمال ١٢/٨.
(٢) فى م: ((كلامك)).
(٣) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((قال)).
(٤) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٠/٦ إلى المصنف.
٥٤٣
سورة الحشر : الآية ١٦
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى، قال: ثنى عمى ، قال: ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍٍ قولَه: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنِسَنِ اُكْفُرْ﴾ إلى:
وَذَلِكَ جَزَُّؤْ الظَّالِمِينَ﴾. قال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: كان راهبٌ مِن بنى إسرائيلَ
يعبُدُ اللَّهَ فَيُحسِنُ عبادته، وكان يُؤْتَى مِن كلِّ أرضٍ فيُسئلُ عن الفقهِ، وكان عالماً ،
وإِنَّ ثلاثةَ إخوةٍ كانت لهم أختٌ حسنةٌ مِن أحسنِ الناسِ ، وإنَّهم أرادوا أن يُسافِروا ،
فكبر عليهم أن يُخْلِفوها ضائعةٌ ، فجعَلوا يَأْتَمرون ما يفعَلون بها ، فقال أحدهم :
أدُلُكم على مَن تَتْؤُكونها عندَه؟ قالوا: مَن هو؟ قال : راهبُ بنى إسرائيلَ؛ إن
ماتت قام عليها)، وإن عاشت حَفِظها حتى تَرْجِعوا إليه. فَعَمَدوا إليه فقالوا : إنا نريدُ
السفرَ ، ولا نجدُ أحدًا أوثقَ فى أنفسِنا، ولا أحفَظَ لما وُلِّى منك لما يُعِل عندك، فإنْ
رَأَيْتَ أَنْ نجعَلَ أُخْتَنا عندَك، فإنها ضائعةٌ شديدةُ الوَجَعِ ، فإن ماتَتْ فَقُمْ عليها ، وإن
عاشَتْ فَأَصْلِحْ إليها حتى نرجِعَ. فقال: أَْفِيكُم إن شاء اللَّهُ . فانْطَلَقوا ، فقام عليها
فداواها حتى بَرَأَتْ، وعاد إليها حسنُها، فاطِّلَع إليها، فوجَدها مُتَصَنِّعةً، فلم يَزَلْ به
الشيطانُ ◌ُزِيِّنُ له أنْ يَقَعَ عليها حتى وقَع عليها ، فحمَلَتْ ، ثم ندَّمه الشيطانُ ، فَلَّن له
قَتْلَها ، قال : إنْ لم تَقْتُلْها افْتَضَحْتَ ، وعُرِف شَبَهُك فى الولدِ ، فلم يكنْ لك معذرةٌ .
فلم يَزَلْ به حتى قتَلها ، فلما قَدِم إخوتُها (" سأَلوه ما فعَلْتَ؟ قال: ماتت فدَفَتْتُها" .
قالوا : قد أَحْسَنْتَ . ثم جعَلوا يَرَوْن فى المنامِ ، وَيُخْبَرون أنَّ الراهبَ هو قتَلها، وأنها
تحتَ شجرةٍ كذا وكذا ، فعَمَدوا إلى الشجرةِ، فوجَدوها تحتَها قد قُتِلَت ، فعَمَدوا إليه
فَأَخَذوه ، فقال له الشيطانُ : أنا زيَّنْتُ لك الزنا وقَتْلَها بعدَ الزنا، فهل لك أن أُنْجِيَك ؟
قال: نعم . قال : أَفَتُطِيعُنى؟ قال: نعم . قال: فاسْجُدْ لى سَجْدَةٌ واحدةٌ . فسجد له
ثم قُتِل . فذلك قولُه: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَا كَفَرَ قَالَ إِنِّى
(١ - ١) فى ص: ((عليها))، وفى ت ١: ((غسلها)).
(٢ - ٢) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٥٤٤
سورة الحشر : الآية ١٦
بَرِىٌّ مِنكَ﴾ الآية(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ ، عن ابنٍ طاوسٍ، عن
أبيه ، قال: كان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ عابدًا، وكان ربما داوى المجانينَ ، فكانت
امرأةٌ جميلةٌ ، فَأَخَذها الجنونُ ، فجِىء بها إليه، فتُرِكَتْ عندَه، فَأُعجَبَتْه، فوقَع
عليها فحمَلت ، فجاءه الشيطانُ فقال : إِنْ عُلِم بهذا اقْتَضَحْتَ ، فاقْتُلْها وادفِتْها فى
بيتِك. فقَتَلها ودفَتَها (١) ، ( فجاء أهلُها بعدَ ذلك بزمانٍ يسألونه، فقال: ماتَتْ. فلم
يَتَّهِمُوه لصلاحِه فيهم، فجاءهم الشيطان١ُ) فقال: إنها لم تُمُتْ، ولكنه وقَع عليها،
فقتلها ودفنَها فى بيتِه ، فى مكانٍ كذا وكذا . فجاء أهلُها ، فقالوا: ما نَتَّهِمُك، فأُخْبِرْنا
أين دفَنتَها ، ومَن كان معك؟ فوجَدوها حيثُ دفَتها ، فأُخِذ وسُجِن، فجاءه الشيطانُ
فقال: إِنْ كنتَ تريدُ أنْ أَخْرِجَك مما أنت فيه، فتخرجَ منه، فاكْفُرْ باللَّهِ . فَأَطاع
الشيطانَ وكفَر باللَّهِ ، فأَخِذ وقُتِل ، فتبرَّأُ الشيطانُ منه حينَئذٍ، قال: فما أَعْلَمُ هذه الآيةَ
٥١/٢٨ إلا نزَلت فيه: / ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِّ بَرِىَّءٌ
مِّنْكَ إِنّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾(٤).
وقال آخرون : بل عُنِى بذلك الناسُ كلُّهم . وقالوا : إنما هذا مثلٌ ضُرِب للتَّضيرِ
فى غرورِ المنافقين إيَّاهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنی
(١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ١٩٩، ٢٠٠ إلى ابن أبى حاتم.
(٢) بعده فى ص، ت ١، ت ٣: ((وقال لأهلها قد ماتت)).
(٣ - ٣) سقط من: ت ٢.
(٤) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٤/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٠/٦ إلى عبد بن حميد.
٥٤٥
سورة الحشر : الآيات ١٦ - ١٨
الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهدٍ :
كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَنِ أَكْفُرْ﴾: عامةُ الناسِ.
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيهَأَ وَذَلِكَ
جَزَُّؤُ الظَّالِمِينَ
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَمَتْ لِغَدٍّ
١٧
١٨
وَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
يقولُ تعالى ذكره : فكان عُقْبِى أَمرِ الشيطانِ والإنسانِ الذى أطاعه ، فكفَر
باللَّهِ ، أنَّهما خالدان فى النارِ ، ماكثان فيها أبدًا، ﴿ وَذَلِكَ جَزَُّؤُاْ اَلَّالِمِينَ﴾ .
يقولُ : وذلك ثوابُ اليهودِ مِن النضيرِ، والمنافقين الذين وعَدُوهم النصرةَ، وكلِّ
كافرٍ باللَّهِ، ظالم لنفسِه على كفرِه به، أنهم فى النارِ مُخَلَّدون .
واختلف أهلُ العربيةِ فى وجْهِ نصبٍ قولِهِ: ﴿ خَلِدَيْنِ فِيَهَا ﴾ ؛ فقال بعضُ
نحوِّى البصرةِ: نُصِب على الحالِ، و﴿فِىِ النَّارِ ﴾: الخبرُ، قال: ولو كان فى
الكلامِ لكان الرفعُ أجودَ فى ﴿ خَلِدَيْنِ﴾. قال: وليس قولُهم : إذا جئتَ مرّتين.
فهو نصبٌ لشىءٍ ، إنما فيها توكيدٌ، جئتَ بها أو لم تَجِىُّ بها، فهو سواءٌ، إلا أنَّ
العربَ كثيرًا ما تَجْعُلُه حالًا إذا كان فيها للتوكيدِ وما أشبهه فى غيرِ مكانٍ ، قال :
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ فِ نَارِ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيَهََّ ﴾
[ البينة: ٦]. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ(١٢): فى قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (فَكَانَ
عاقِبْتُهُمَا أَنَّهُمَا(٢) خَالِدَان(٤) (ْ فِى النَّارِ)). قال: وفى ﴿أَنَّهُمَا فِىِ النَّارِ خَالِدَيْنِ
(١) تفسير مجاهد ص ٦٥٣، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠١/٦ إلى عبد بن حميد.
(٢) معانى القرآن للفراء ١٤٦/٣.
(٣) بعد فى م، ت ٢: ((فى النار)).
(٤) فى النسخ: ((خالدين)). والمثبت من معانى القرآن ٣/ ١٤٦، وينظر البحر المحيط ٢٥٠/٨.
(٥ - ٥) فى ت ٢: ((فيها)). وقراءة ابن مسعود شاذة لمخالفتها رسم المصحف. (تفسير الطبرى ٣٥/٢٢)
٥٤٦
سورة الحشر : الآيتان ١٨،١٧
فِيهَا﴾. نصبٌ؛ قال: ولا أُشْتَهِى الرفعَ وإن كان يجوزُ، فإذا رأيتَ الفعلَ بين
صِفَتَيْن قد عادَت إحداهما على موضع الأخرى نَصَبْتَ ، فهذا مِن ذلك . قال :
ومثلُه فى الكلام قولُكَ: مررتُ برجلٍ على بابِهُ(١) مُتَحَمِّلًا به. ومثلُه قولُ الشاعر(٢):
٥٢/٢٨
شَرِقًا به اللَّبَّاتُ والنَّخْرُ
والزَّعْفَرانُ على تَرائِها
/ لأنَّ الترائبَ هى اللَّبَاتُ هلهنا، فعادت الصفةُ باسمِها الذى وقَعَت عليه،
فإذا اختلفتِ الصفتان جاز الرفع والنصبُ على محُسْنٍ؛ مِن ذلك قولُك : عبدُ اللهِفى
الدارِ راغبٌ فيك. ألا تَرَى أنَّ ((فى)) التى فى الدارِ مخالفةٌ لـ ((فى)) التى تكونُ فى
الرغبةِ ، قال: والحجةُ ما يُعرَفُ به النصبُ مِن الرفع أنْ لا تَرَى الصفةَ الآخرةَ تَتَقَدَّمُ
قبلَ الأولى ؛ ألا تَرَى أنك تقولُ: هذا أخوك(٣)(٤) فى يدِه درهم قابضًا عليه. فلو
قُلْتَ: هذا أخوكُ) قابضًا عليه فى يدِه درهم. لم يَجُزْ، أَلا تَرَى أنك تقولُ : هذا
رجلٌ قائمٌ إلى زيدٍ فى يدِه درهمٌ. فهذا يدُلَّ على(٢) المنصوبٍ إذا امتَنَع تقديمُ الآخرِ،
ويدُلُّ على الرفعِ إذا سَهُل تقديمُ الآخرِ .
وقولُه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يا أيُّها الذين
صدَّقوا اللَّهَ ووحَّدُوه، اتَّقوا اللَّهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابٍ معاصيه .
وقولُه: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. يقولُ: وَلَيَنْظُرْ أحدُكم ما قدَّم
ليوم القيامةِ مِن الأعمالِ ، أَمِن الصالحاتِ التى تُنْجِيه أم مِن السيئاتِ التى تُوبِقُه؟
(١) فى م: ((نابه)).
(٢) ذكره الفراء فى معانى القرآن ١٤٦/٣ غير منسوب، وينظر البحر المحيط ٤٥٣/٨.
(٣) بعده فى ص، ت ١: ((قابضا عليه)).
(٤ - ٤) سقط من: ت ٢، ت ٣.
(٥) بعده فى م: ((أن)).
٥٤٧
سورة الحشر : الآيتان ١٨، ١٩
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ أَتَّقُواْ اللَّهَ
وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَمَتْ لِغَدٍّ ﴾: ما زال ربُّكم يُقرِّبُ الساعةَ حتى جعَلها كغدٍ ،
وغدٌ يوم القيامةِ .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ مَّا قَدَّمَتْ
لِغَدٍ﴾. يعنى يومَ القيامةِ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ
الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. يعنى يومَ القيامةِ .
حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : قال ابنُ زيدٍ، وقرَأْ قولَ اللَّهِ عزَّ
وجلَّ: ﴿ وَلْتَنْظُرْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾. يعنى يومَ القيامةِ؛ الخيرَ والشرّ، قال:
والأمشُ فى الدنيا، وغدٌ فى الآخرةِ. وقرَأ: ﴿ كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ﴾
[ يونس: ٢٤]. قال: كأن لم تَكُنْ فى الدنيا(٢) .
وقولُه: ﴿ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ بأداءِ فرائضِه، واجتنابٍ
معاصيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ ذو خبرةٍ وعلم بأعمالِكم
خيرِها وشرِّها، لا يَحْفَى عليه منها شىءٌ، وهو مجازِيكم على جميعِها .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ وَلَا تَكُنُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ
ج
(١) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٥/٢ عن معمر به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠١/٦ إلى عبد بن
حمید .
(٢) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٢٥٠/٨ مختصرا.
٥٤٨
سورة الحشر : الآيات ١٩ - ٢١
أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ
﴾
١٩
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تكونوا كالذين تَرَكوا أداءَ حقِّ اللَّهِ الذى أُوْجَبه عليهم
فَأَنْسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾. يقولُ: فَأَنْساهم اللَّهُ حظوظَ أنفسِهم مِن الخيراتِ .
/ وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
٥٣/٢٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿نَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ
أَنفُسَهُمْ﴾. قال: نَسُوا حقَّ اللَّهِ، ﴿فَأَنسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾. قال: حظَّ
(١)
أنفسِهم
وقولُه: ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: هؤلاء الذين نَسُوا
اللَّهَ، ﴿هُمُ الْفَسِقُونَ﴾. يعنى: الخارجون مِن طاعةِ اللهِ إلى معصيتِه .
القولُ فى تأويل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِىّ أَصْحَبُ النَّارِ وَأَصْحَبُ الْجَنَّةِ أَصْحَبُ
الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ
يقولُ تعالى ذكره: لا يَعْتَدِلُ أهلُ النارِ وأهلُ الجنةِ ، أهلُ الجنةِ هم الفائزون ،
يعنى أنَّهم المُدْرِكون ما طلَبوا وأرادوا، والناجون مما حَذِروا .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لََّأَيْتَهُ خَشِعًا
مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَنَفَكَّرُونَ
وقولُه: ﴿ لَوْ أَنَزْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلِ لََّّأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةٍ
(١) ذكره أبو حيان فى البحر المحيط ٨/ ٢٥١.
٥٤٩
سورة الحشر : الآية ٢١
اللَّهِ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: لو أنزلنا هذا القرآنَ على جبل - وهو حجرٌ - لرأيتَه ( یا
محمدُ)، ﴿خَشِعًا﴾. يقولُ: متذلِّلًا، ﴿مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ على
قساوتِه، حَذَرًا مِن ألا يُؤدِّىَ حقَّ اللَّهِ المُفْتَرَضَ(٢) فى تعظيمِ القرآنِ، وقد أُنزِل على
ابنِ آدمَ ، وهو بحقٌّه مُستَخِفٌّ، وعنه و(٣) عما فيه من العِبَرِ والذْرِ مُعرِضٌ، كأن لم
يَسْمَعْها، [٩٤٩/٢ظ] كأَنَّ فِى أُذُنَيه وقرّا .
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن
أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لََّّأَيْتَهُ خَشِعًا
مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾. قال: يقولُ: لو
أنى أَنزَلتُ هذا القرآنَ على جبلٍ حمَّلْتُه إِيَّهِ، تَصَدَّع وخشَع مِن ثِقَلِه ومِن خشيةِ
اللَّهِ . فأمَر اللَّهُ عزَّ وجلَّ الناسَ إذا أُنزِل عليهم القرآنُ، أنْ يأْخُذُوه بالخشيةِ الشديدةِ
والتَّخَشُّعِ. قال: كذلك يَضْرِبُ اللَّهُ الأمثالَ للنَّاسِ لَعَلَّهم يتفَكَّرون(٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا
اَلْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لََّأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآية: يَعْذِرُ اللَّهُ
الجبلَ الأصمَّ، ولم يَعْذِرْ شَقِىَّ ابنِ آدمَ، هل رأيتم أحدًا قطُّ تصدَّعَتْ
(١ - ١) سقط من: ت ٢، ت ٣.
(٢) بعده فى م: ((عليه)).
(٣) سقط من : م.
(٤) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٤/٨، عن العوفى عن ابن عباس، وعزاه إلى المصنف. وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٠١/٦ إلى المصنف وابن مردويه .
٥٥٠
سورة الحشر : الآيات ٢١ - ٢٣
(٢)
جوانِحُهُ مِن خشيةِ اللَّهِ(٢)؟!
٥٤/٢٨
(" وقولُهُ): ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾. يقولُ / تعالى ذكره:
وهذه الأشياءُ نُشَبِّهُها للناسِ. وذلك تعريفُه جلَّ ثناؤُه إيَّاهم أنَّ الجبالَ أشدُّ تعظيمًا
لحقِّه منهم مع قساوتها وصلابتها".
وقولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ ﴾. يقولُ: يضربُ اللَّهُ لهم هذه الأمثالَ
ليتفكّروا فيها ، فينيبوا وينقادوا للحقِّ .
القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
٢٢
يعنى تعالى ذكره : الذى يَتَصَدَُّ مِن خشيتِهِ الجبلُ أيُّها الناسُ، هو المعبودُ
الذى لا تَنْبغى العبادةُ والألوهةُ إلا له، عالمُ غيبِ السماواتِ والأرضِ، وشاهدُ ما
فيها مما(٦) يُرِى ويُحَسُ، ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: هو رحمنُ الدنيا
والآخرة ، رحيمٌ بأهلِ الإيمانِ به .
القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ
السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا
يُشْرِكُونَ
٢٣
(١) فى ت١: ((جوارحه)). والجوانح: الضلوع تحت الترائب مما يلى الصدر. واحدته جانحة. القاموس
المحيط (ج ن ح).
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٤/٨.
(٣ - ٣) سقط من: م.
(٤ - ٤) فى ص، ت ٢، ت ٣: ((قساوته وصلابته)).
(٥) فى م: ((يقول)).
(٦) فى ت ٢، ت ٣: ((ما)).
٥٥١
سورة الحشر : الآية ٢٣
يقولُ تعالى ذكرُه: هو المعبودُ الذى لا تصلُحُ العبادةُ إلا له، المَلِكُ الذى لا
مَلِكَ فوقَه، ولا شىءَ إلا دونَه، ﴿اَلْقُدُّوسُ﴾. قيل: هو المباركُ.
وقد بيَّنتُ فيما مضى قبلُ معنى التقديسِ بشواهدِه، وذكرتُ اختلافَ
المختلفِين فيه بما أَغْنى عن إعادتِه(١).
ذكرُ مَن قال: عُنِى بِه المباركُ
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اَلْقُدُّوسُ﴾. أى:
ء (٢)
المباركُ(٢) .
وقولُه: ﴿السَّلَمُ﴾. يقولُ: هو الذى يَسْلَمُ خَلْقُه من ظُلْمِه. وهو اسمٌ مِن
أسمائه .
كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ:
السَّلَمُ﴾. اللَّهُ السلامُ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا يحيى بنُ واضح، قال : ثنا عبيدُ اللَّهِ، يعنى
العَتَكِىَّ، عن جابرِ بنِ زيدٍ قوله: ﴿السَّلَمُ﴾. قال: هو اللَّهُ.
وقد ذكرتُ الروايةَ فيما مضى، وبيَّنتُ معناه بشواهدِهِ، فأُغْنى ذلك عن
(٤)
إعادته
(١) ينظر ما تقدم فى ٥٠٥/١ - ٥٠٧.
(٢) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٥/٨. وأخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٨) من طريق خليد بن دعلج عن
قتادة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٢/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٥/٢ عن معمر به .
(٤) ينظر ما تقدم فى ٢٦٥/٨، ١٥٣/١٢، ١٥٤.
٥٥٢
سورة الحشر : الآية ٢٣
وقولُه: ﴿اٌلْمُؤْمِنُ﴾. يعنى بالمؤمنِ الذى يُؤْمِّنُ خَلْقَه مِن ظُلْمِه.
وكان قتادةُ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنا بشرٌ ، قال : ثنا يزيدُ ، قال: ثنا سعيدٌ ، عن
قتادةَ: ﴿ اَلْمُؤْمِنُ﴾: آمن لقولِه أنه حقِّ(١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً :
اُلْمُؤْمِنُ﴾: آمَن(٢) لقوله(٣) .
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ :
اُلْمُؤْمِنُ﴾. قال : المُصدِّقُ .
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
﴿اَلْمُؤْمِنُ﴾. قال: المؤمنُ / المُصَدِّقُ المُوقِنُ؛ آمن الناسُ بربِّهم(٢)
فسمَّاهم مؤمنين، وآمن الربُّ الكريمُ لهم بإيمانِهم؛ صدَّقهم أن يسمّى بذلك
(٥)
الاسم.
٥٥/٢٨
وقولُه: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾. اختلف أهلُ التأويل فى تأويلِه؛ فقال بعضُهم:
المهيمنُ : الشهيدُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدّثنی علّ ، قال : ثنا أبو صالح، قال : ثنی معاویةُ ، عن على ، عن ابنِ عباسٍ
(١) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٨) من طريق خليد بن دعلج عن قتادة .
(٢) سقط من: ت ٢.
(٣) فى م: ((بقوله أنه حق)). والأثر أخرجه عبد الرزاق فى تفيسره ٢٨٥/٢ عن معمر به ، وعزاه السيوطى فى
الدر المنثور ٢٠٢/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) فى ت ٢، ت ٣: ((ربهم)).
(٥) ذكره البغوى فى تفسيره ٨٧/٨، وابن كثير فى تفسيره ١٠٥/٨.
٥٥٣
سورة الحشر : الآية ٢٣
فى قولِه: ﴿اَلْمُهَيْمِنُ﴾. قال: الشهيدُ(١).
وقال مرّةً أخرى: الأمينُ(٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى
الحارثُ قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ فى
قوله: ﴿اَلْمُهَيْمِنُ﴾. قال: الشهيدُ(٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾.
قال: أَنزَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ كتابًا فشَهِد عليه (٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً :
اٌلْمُهَيْمِنُ﴾. قال: الشهيدُ عليه (٥) .
وقال آخرون : ﴿اٌلْمُهَيْمِنُ ﴾: الأمينُ .
ذكرُ مَن قال ذلك
[٩٥٠/٢و] حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ ، عن جويبرٍ، عن
الضحاكِ: ﴿اَلْمُهَيْمِنُ﴾: الأمينُ(٦).
وقال آخرون: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ : المصدِّقُ .
(١) تقدم تخريجه فى ٤٨٦/٨ .
(٢) تقدم تخريجه فى ٤٨٨/٨ .
(٣) تفسير مجاهد ص ٦٥٤.
(٤) أخرجه أبو الشيخ فى العظمة (٧٨) من طريق خليد بن دعلج عن قتادة .
(٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٥/٢ عن معمر به ، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٢٠٢/٦ إلى عبد بن
حميد وابن المنذر .
(٦) ذكره ابن كثير فى تفسيره ١٠٥/٨ بمعناه .
٥٥٤
سورة الحشر : الآية ٢٣
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله :
اٌلْمُهَيْمِنُ﴾. قال: المُصدِّقُ لكلِّ ما حدَث. وقرأ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾. قال:
فالقرآنُ مُصدِّقٌ على ما قبلَه مِن الكتبِ ، واللَّهُ مصدِّقٌ فى كلِّ ما حدَّث عما مضى
مِن الدنيا، وما بَقِى، وما حدَّث عن الآخرةِ (١).
وقد بيَّنتُ أولى هذه الأقوالِ بالصوابِ فيما مضى قبلُ فى سورةِ ((المائدةِ))،
بالعللِ الدالةِ على صحتِهِ، فَأَغْنَى عن إعادته فى هذا الموضعِ().
وقولُه: ﴿ الْعَزِيزُ﴾: الشديدُ فى انتقامِه، ثمّن انتقم مِن أعدائِه .
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ:
اُلْعَزِيزُ﴾(٢) : فى نقمتِهِ إذا انْتَقم .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ :
اٌلْعَزِيزُ﴾: فى نقمتِه إذا انْتَقَم(٤).
وقولُه: ﴿الْجَبَّارُ﴾. يعنى: المُصْلِحُ أمورَ خَلْقِهِ، المُصرِّفُهم فيما فيه
صلاحهم. وكان قتادةُ يقولُ : جَبَر خَلْقَه على ما يشاءُ مِن أمرِه .
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً :
الْجَبَّارُ﴾. قال: جَبَر خَلْقَه على ما يشاءُ(٤).
(١) تقدم تخريجه فى ٤٩٠/٨ .
(٢) ينظر ما تقدم فى ٤٨٥/٨ - ٤٩١.
(٣) بعده فى ص، م، ت ١: ((أى)).
(٤) جزء من أثر تقدم تخريجه فى ص ٥٥٢.
٥٥٥
سورة الحشر : الآيتان ٢٣، ٢٤
/ وقولُه: ﴿اَلْمُتَكَبِرُ﴾. قيل: عُنِى به أنه تكبّر عن كلِّ شرٍ.
٥٦/٢٨
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿اَلْمُتَكَبِّرُ﴾.
ج
قال : تكبّر عن كلِّ شرٌّ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ ، قال: ثنا ابنُ عليةَ ، قال : أخبرنا أبو رجاءٍ ، قال :
ثنى رجلٌ ، عن جابرٍ بنِ زيدٍ ، قال: إنَّ اسمَ اللَّهِ الأعظمَ هو اللَّهُ، ألم تَشْمَعْ يقولُ:
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ
٢٢
هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ
اُلْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّ﴾(٢).
"(وقولُه): ﴿سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: تبرئةٌ للَّهِ وتنزيهًا له
عن شركٍ المشركين به .
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ لَهُ الْأَسْمَآءُ
اُلْحُسْنَى يُسَيِّحُ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ اُلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
٢٤٦
يقولُ تعالى ذكره : هو المعبودُ الخالقُ، الذى لا معبودَ تصلُحُ له العبادةُ غیرُه ،
ولا خالقَ سِواه ، البارئُّ الذى بَرَأْ الخَلْقَ، فأوجَدهم بقدرتِه، المصوِّرُ خَلْقَه كيف
شاء، وكيف يشاء .
(١) جزء من أثر تقدم تخريجه فى ص ٥٥٢.
(٢) ذكره القرطبى فى تفسيره ٤٩/١٨.
(٣ - ٣) سقط من: م، ت ٣.
٥٥٦
سورة الحشر : الآية ٢٤
وقولُه: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىَّ﴾. يقولُ تعالى ذكره: للَّهِ الأسماء الحسنى،
وهى هذه الأسماءُ التى سمَّى اللَّهُ بها نفسَه، التى ذكرها فى هاتين الآيتين، ﴿ ◌ُسَيِّحُ
لَهُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾. يقولُ: يسبِّحُ(١) له جميعُ ما فى السماواتِ
والأرض، ويسجدون(٢) له طوعًا وكرهًا، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾. يقولُ: وهو الشديدُ
الانتقامِ مِن أعدائِه، ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ فى تدبيرِهِ خَلْقَه، وصرفِهم فيما فيه صلاحهم .
آخرُ تفسير سورةٍ ((الحشِرِ))
(١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((يصلح)).
(٢) فى م: ((يسجد)).
٥٥٧
سورة الممتحنة : الآية ١
تفسير سورةِ ((الممتحنةِ))
/ بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
٥٧/٢٨
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ
تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُواْ
بِالَّهِ رَبِّكُمْ إِن كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِى وَأَبْتِغَاءَ مَنْ ضَائِيّ ◌ُِّرُونَ إِلَيْهِم بِلْمَوَدَّةِ وَأَنَاْ
أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَآ أَعْلَئِنُمَّ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّيِلِ
قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ عٍَّ:
يأيّها الذين آمنوا لا تتخِذُوا عدوِّى مِن المشركين وعدوَّكم، ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ . يعنى:
أنصارًا .
وقولُه: ﴿ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِلْمَوَّةِ ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: تُلْقون إليهم مودَّتَّكم
إِيَّاهم. ودخولُ الباءِ فى قولِه: ﴿بِلْمَوَدَّةِ﴾ وسقوطُها سواءٌ، (وهو نظيرُ قولٍ
القائلِ: أريدُ بأن تذهبَ . و: أريدُ أن تذهبَ. سواءٌ، وكقوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ
بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. والمعنى: ومَن يُرِدْ فيه إلحادًا بظلم. ومن ذلك قولُ
(٢)
الشاعرٍ (٢) :
شَحِيحٌ له عندَ الإزاءِ نَهِيمُ
فَلَمَّا رَجَتْ بالشُّربِ هِزَّلَهَا العَصَا(١)
بمعنى : فلما رَجَت الشُّوْبَ .
(١ - ١) سقط من: م.
(٢) تقدم تخريجه فى ١٦/ ٥٠٦.
(٣) سقط من: ص، ت ١، ت ٢، ت ٣.
٥٥٨
سورة الممتحنة : الآية ١
﴿ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُمْ مِّنَ الْحَقِّ﴾. يقولُ: وقد كفَر هؤلاء المشركون الذين
نهيتُكم أن تَّخِذُوهم أولياءَ بما جاءكم مِن عندِ اللَّهِ مِن الحقِّ. وذلك كفرُهم باللّهِ
ورسولِهِ ، وكتابه الذى أنزله على رسولِه .
وقولُه: ﴿ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه:
يُخْرِجون رسولَ اللَّهِ وإِيَّاكم. بمعنى: ويُخْرِجونكم أيضًا مِن ديارِكم وأرضِكم.
وذلك إخراج مشركي قريشٍ رسولَ اللَّهِ عَ لَه وأصحابَه مِن مكةً .
وقولُه: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: يُخْرِجون الرسولَ وإيّاكم
مِن ديارِكم لأنْ آمنتم باللّهِ .
٥٨/٢٨
/ وقولُه: ﴿إِن كُمْ خَرَحْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِى وَأَبْتِغَآَ مَرْضَائِ﴾ مِن المؤخّرِ
الذى معناه التقديمُ، ووجْهُ الكلام: يأيُّها الذين آمنوا لا تَّخِذوا عدوِّى وعدوَّكم
أولياءَ تُلْقون إليهم بالموذَّةِ، وقد كفَروا بما جاءكم مِن الحقِّ إن كنتم خرَجْتم جهادًا فى
سبيلى وابتغاءَ مرضاتى، يخرِجون الرسولَ وإياكم أن تؤمنوا باللهِ ربّكم .
ويعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿إِن كُنتُمْ خَرَحْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِ﴾: إن كنتم
خرَجْتم مِن ديارِ كم، فها جَرْتم منها إلى مُهاجَرٍ كم للجهادِ فى طريقى الذى شرعْتُه
لكم، ودینی الذی أمرتكم به، والتماس مرضاتی .
وقولُه: ﴿ ◌ُِّرُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾. يقول تعالى ذكرُه للمؤمنين مِن أصحابٍ
رسولِ اللَّهِ وَهِ: تُسِرُون أيُّها المؤمنون بالمودَّةِ إلى المشركين باللّهِ، ﴿ وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَآَ
أَخْفَيْتُ﴾. يقولُ: وأنا أعلمُ منكم بما أَْفى بعضُكم مِن بعضٍ، فأَسَّه منه، ﴿ وَمَآ
أَعْلَئُمْ ﴾. يقولُ: وأعلم أيضًا منكم ما أَعْلَنه بعضُكم لبعضٍ، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ
فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَِّيلِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ومَن يُسِرَّ منكم إلى المشركين بالمودَّةِ
أيُّها المؤمنون ﴿ فَقَدْ ضَلَّ﴾. يقولُ: فقد جار عن قصدِ السبيلِ التى جعَلهَا اللَّهُ طريقًا
٥٥٩
سورة الممتحنة : الآية ١
إلى الجنةِ ومحجةً إليها .
وذُكر أنَّ هذه الآياتِ مِن أَوَّلِ هذه السورةِ نزَلت فى شأنِ حاطبٍ بن أبى
بلتعةَ، وكان كتَب إلى قريشِ بمكةَ يُطْلِعُهم على أمرٍ كان رسولُ اللّهِ مٍِّ قد أَخْفاه
عنهم، وبذلك جاءت الآثارُ والروايةُ عن جماعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ عَّ له
وغيرهم .
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبارىُّ والفضلُ بنُ الصباح، قالا : ثنا سفيانُ بنُ
عيينةً ، عن عمرو بنِ دينارٍ ، عن حسنٍ بنِ محمدِ بنِ علىٍّ ، أخبرنى عبيدُ اللَّهِبنُ أبی
رافعٍ، قال: سمِعتُ عليًّا رضى اللَّهُ عنه يقولُ: بعثنى رسولُ اللّهِ صَلَّهِ أَنا والزُّبِيرَ بنَ
العوَّامِ والمِقْدادَ - قال الفضلُ: قال سفيانُ: نفرٌ مِن المهاجرين - فقال: ((انْطِلِقوا
حتى تأتوا روضةً خاخ ، فإن بها ظَعينةٌ معها كتابٌ ، فخذوه منها )) . فانْطلَقْنا تَتَعادى
بنا خيْلُنا ، حتى انتهَيْنا إلى الروضةِ، فوجَدْنا امرأةٌ ، فقلنا: أَخْرِجِى الكتابَ . قالت :
ليس معى كتابٌ. قلنا: لتُخْرِجِنَّ الكتابَ، أو لئُلْقِيَّ الثيابَ. فَأَخْرَجَتْه مِن
عِقاصِها، وأخَذْنا الكتابَ، فانطلقنا به إلى رسولِ اللَّهِ ◌َِّ، فإذا فيه : مِن حاطبٍ
ابنِ أبى بلتعةً إلى ناسٍ بمكةَ يخبرُهم ببعضِ أمرِ رسولِ اللَّهِ صَ لِّ، فقال
رسولُ اللَّهِ مَهِ: ((يا حاطِبُ، ما هذا؟)). قال: يا رسولَ اللهِ، لا تَعْجَلْ عليَّ،
كنتُ امرأً مُلْصَقًا فى قريشٍ ، ولم يكنْ لى فيهم قرابةٌ ، وكان مَن معك مِن المهاجرين
لهم قراباتٌ يَحْمون أهليهم بمكةً ، فأَحْبَبْتُ إذ فاتنى ذلك مِن النسبِ ، أَنْ أَتَّخِذَ فيها
يدًا يَخْمون بها قرابتى، وما فعَلتُ ذلك كفرًا ولا ارْتِدادًا عن دينى، ولا رضًا بالكفرِ
بعدَ الإسلامِ . فقال رسولُ اللَّهِ ◌ِهِ: ((قد صَدَقَكم)). فقال عمرُ: يا رسولَ اللَّهِ،
دعْنى أُضْرِبْ عنقَ هذا المنافقِ. فقال: ((إنَّه قد شَهِد بدرًا، وما يُدْرِيك لعلَّ اللَّهَ
٥٦٠
سورة الممتحنة : الآية ١
[٩٥١/٢و] قد اطَلَع على أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلوا ما شِئْتُم، فقد غفَرْتُ لكم)) . زاد
الفضلُ / فى حديثِهِ: قال سفيانُ: ونزَلت فيه: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى
وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ ﴾ إلى قولِه: ﴿ حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾(١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال : ثنا مِهْرانُ ، عن أبى سنانٍ سعيدِ بنِ سنانٍ ، عن عمرو بنِ
مرَّةَ الجَمَلىِّ، عن أبى البَخْتَرِىِّ الطائىِّ، عن الحارثِ، عن علىٍّ رضى اللّهُ عنه، قال:
لما أراد النبىُّ عَلِ أن يأتىَ مكةً، أسرّ إلى ناسٍ مِن أصحابِه أنه يريدُ مكةً، فيهم حاطبُ
ابنُ أبى بلتعةً ، وأفشَى فى الناس أنه يريدُ خيبرَ ، فكتَب حاطبُ بنُ أبى بلتعةً إلى أهلِ
مكةَ أنَّ النبيَّ عَظِلِّ يريدُ كم. قال: فبعَثنى النبيُّ عَّهِ وَأَبا مَرْتَدٍ، وليس منا رجلٌ إلا
وعندَه فرسٌ، فقال: ((ائتوا روضةً خاخٍ، فإنكم ستَلْقَون بها امرأةً ومعها كِتابٌ ،
فخُذُوه منها)). فانْطَلَقْنا حتى رأَيْناها بالمكانِ الذى ذكَر النبيُّ عَ لِّ، فقلنا: هاتى
الكتابَ . فقالت: ما معى كتابٌ. فوضَعْنا متاعَها وفَتَّشْنا، فلم نَجِدْه فى متاعِها ،
فقال أبو مَرْثَدٍ: لعله ألا يكونَ معها. فقلتُ: ما كذَب النبىُ مَّمِ ولا كُذِب . فقلنا
لها(٢): أَخْرجِى الكتابَ، وإلا عرَّيْناكِ. قال عمرُو بنُ مرَّةَ: فأخْرَجَتْه من حُجْزَتِها .
وقال حبيبٌ: أخْرَ جَتْه من قُبُلِهَا. فَأَتَيْنا به النبيَّ عَّهِ، فإذا الكتابُ مِن حاطبِ بنِ أبى
بلتعةَ إلى أهلِ مكةً ، فقام عمرُ فقال: خان اللَّهَ ورسولَه، ائذَنْ لى أَضْرِبْ عنقَه. فقال
(١) أخرجه الشافعى ٤٣٦/٢ (٧٠٣)، والحميدى (٤٩)، وأحمد ٣٧/٢ (٦٠٠)، والبخارى (٣٠٠٧،
٤٢٧٤، ٤٨٩٠)، ومسلم (٢٤٩٤)، وأبو داود (٢٦٥٠)، والترمذى (٣٣٠٥)، والبزار (٥٣٠)،
والنسائى فى الكبرى (١١٥٨٥)، وأبو يعلى (٣٩٤، ٣٩٥، ٣٩٨)، وابن حبان (٦٤٩٩)، والبيهقى
٩/ ١٤٦، وفى الدلائل ١٦/٥، ١٧، وفى الشعب (٩٣٧١، ٩٣٧٢)، والواحدى فى أسباب النزول ص
٣١٦، والبغوى فى تفسيره ٩١/٨ من طريق سفيان بن عيينة به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ٦/ ٢٠٢،
٢٠٣ إلى عبد بن حميد وأبى عوانة وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه وأبى نعيم فى الدلائل.
(٢) سقط من: م .
٥٩/٢٨