Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ سورة المجادلة : الآية ٣ فى قولِه: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نِسَآبِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾. فهو الرجلُ يقولُ لامرأَتِه: أنتِ علىَّ كظَهْرٍ أمِّى. / فإذا قال ذلك، فليس يَحِلّ له أن يَقْرَبَها بنكاح ولا ٩/٢٨ غيرِهِ ، حتى يُكفِّرَ عن يمينِه بعِثْقِ رقبةٍ ، فمن لم يجدْ فصيامُ شهرين متتابعَيْن مِن قبلِ أن يتماسّا . والمسُّ النكاح، فمن لم يَشْتطِعْ فإطعامُ سِتِّين مسكينًا ، وإنْ هو قال لها : أنتِ علىَّ كظهرٍ (١) أمِّى إِن فَعَلْتِ كذا وكذا. فليس يقعُ فى ذلك ظهارٌ حتى يَحْنَثَ، فإِن حَنِث فلا يَقْرَبُها حتى يُكفِّرَ، ولا يقعُ فى الظهارِ طلاقٌ . حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، قال: ثنا أشعَتُ ، عن الحسن أنه كان لا يَرَى بأسًا أنْ يَغْشَى الْمُظاهِرُ دونَ الفرجِ(٣). حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنازيدٌ ، قال: قال سفيانُ: إنما نُهِى المظاهِرُ عن الجماع. ولم يَرَ بأَسّا أنْ يَقْضِىَّ حاجته دونَ الفرج، أو فوقَ الفرج، أو حيث يشاءُ ويباشرُ . وقال آخرون : عُنِى بذلك كلُّ معانى المَسِيسِ . وقالوا : الآيةُ على العمومِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا وُهَيْبٌ ، عن يونسَ ، قال : بلَغنى عن الحسنِ أنه كَرِه للمُظاهِرِ الْمَسِيسَ. وقولُه: ﴿ ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ،﴾. يقول تعالى ذكره: أوجَب ربّكم ذلك عليكم عظةً لكم تَتَّعِظون به ، فتَنْتَهون عن الظهارِ وقولِ الزورِ ، ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١) فى ص، ت ٢، ((مثل ظهر)). (٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١١٤٩٨) من طريق هشام عن الحسن بمعناه . (٣ - ٣) فى م: ((الظاهرة)). ٤٦٢ سورة المجادلة : الآيتان ٣، ٤ خَبِيرٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره : واللَّهُ بأعمالِكم التى تعمَلونها أيُّها الناسُ ذو خبرةٍ ، لا يَخْفى عليه شيءٌ منها، وهو مُجازِيكم عليها ، فانْتَهوا عن قولِ المنكرِ والزورِ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِيتِينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِّ وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيُّ يقولُ تعالى ذكره: فمن لم يجدْ منكم ممن ظاهر مِن امرأته رقبةً يُحرِّرُها ، فعليه صيامُ شهرين متتابعَيْن مِن قبلِ أن يتماسًا . والشَهْران المتتابعان هما اللذان لا فضْلَ بينَهما بإفطارٍ فى نهارِ شىءٍ منهما إلا مِن عذرٍ ، فإنه إذا كان الإفطارُ بالعذرِ ففيه اختلافٌ بينَ أهلِ العلم ؛ فقال بعضُهم: إذا كان إفطارُه لعذرٍ فزال العذرُ، بَنَّى على ما مضَى مِن الصومِ . وقال آخرون: بل يَشْتَأْنِفُ؛ لأن مَن أَفطَر بعذرٍ (١) أو غيرِ عذرٍ لم يُتَابِعْ صومَ شَهْرین . ذكرُ مَن قال: إذا أفطر بعذرٍ وزال العذرُ بنَى وكان مُتَابِعًا حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى عدىٍّ وعبدُ الأعلى ، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنه قال فى رجلٍ صام مِن كفارةِ الظهارِ ، أو كفارةِ القتلِ، فَمَرِض فأفطَر، أو أفطَر من عذرٍ ، قال: عليه أنْ يَقْضِىَ يومًا مكانَ يومٍ ، ولا يَسْتَقبِلُ (٢) صومَه(٢). حدَّثنا ابنُ المثنى ، قال : ثنا ابنُ أبى عدىٍّ، عن سعيدٍ ، عن قتادةَ ، عن سعیدِ بنِ (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣: ((لعذر)). (٢) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١١٥١٣) من طريق قتادة به بنحوه . ٤٦٣ سورة المجادلة : الآية ٤ المسيَّبِ بمثلِه . / حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن ابن أبى عروبةَ، عن قتادةَ، ١٠/٢٨ [٩٣٦/٢ظ] عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ فى المُظاهِرِ الذى عليه صومُ شَهْرين متتابعَيْن، فصام شهرًا ثم أفطَر. قال: يُتُمُّ ما بَقِى. حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا(١) عبدُ الأعلى، عن سعيدٍ ، عن قتادةً، عن الحسنِ وسعيدِ بنِ المسيَّبِ فى رجلٍ صام مِن كفارةِ الظهارِ شهرًا أو أكثرَ ثم مَرِض. قال: يَعْتدُّ بما مضى إذا كان له عذر. حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عامٍ ، عن قتادةَ ، عن الحسنِ فى الرجلِ يكونُ عليه الصومُ فى قتلٍ أو نَذْرٍ أو ظهارٍ، فصام بعضَه ثم أفطَر . قال : إن كان معذورًا فإنه يَقْضِى(٣). حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن هشام، عن الحسنِ ، قال: إن أفطَر مِن عذرٍ أتمّ ، وإن كان مِن غيرِ عذرٍ اسْتَأْنَف . حدَّثنى يعقوبُ ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حجاج ، عن عطاءٍ، قال: مَن كان عليه صيامُ شَهْرين متابعَيْن فمَرِض فأفطَر. قال : يَقْضِى ما بَقِى عليه . حدَّثنى يونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال : أخبرنى ابنُ جريج ، عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ وعمرو بن دينارٍ فى الرجلِ يُفْطِرُ فى اليومِ الغَيْمِ ، يَظُنُّ أنَّ الليلَ قد دخَل عليه (١) بعده فى م، ت ٢، ت ٣: ((ابن))، وكلاهما صواب. ينظر تهذيب الكمال ٣٥٩/١٦. (٢) فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((عمرو))، ينظر تهذيب الكمال ٤٠٣/٢١. (٣) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١١٥١٦) عن معمر عن الحسن وقتادة بنحوه . ٤٦٤ سورة المجادلة : الآية ٤ فى الشهرين المتتابعَيْن، أنه لا يزيدُ على أن يُبَدِّلَه، ولا يَأْتَنِفُ (١) شَهْرين آخرَيْن(١). حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ ، قال : إِنْ جامَع المعتكفُ وقد بَقِى عليه أيامٌ مِن اعتكافِه. قال: يُتُمُّ ما بَقِىَ، والمظاهِرُ كذلك(٣). حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن ابنٍ جريج، عن عطاءٍ، قال : إذا كان شيئًا ابْتُلِى به بَنَى على صومِه، وإذا كان شيئًا هو فعَله استَأَنَف . قال سفيانُ : هذا معناه . حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ يزيدَ ، عن إسماعيلَ ، عن عامٍ فى رجلٍ ظاهر، فصام شَهْرين متابعَيْن إلا يومين ثم مَرِض. قال: يُتُمُّ ما بَقِى" . حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ ، عن الشَّغبىّ بنحوه . حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ ، قالا: ثنا هشيمٌ، عن إسماعيلَ، عن الشَّغبىِّ فی رجلٍ عليه صيامُ شَهْرين متابعَيْن، فصام، فمَرِض، فأفطَر. قال: يَقْضِى ولا يَشْتَأْنِفُ . ذكرُ مَن قال: يَسْتقبِلُ مَن أفطَر بعذرٍ أو غيرِ عذرٍ . حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ فى رجلٍ عليه صيامُ شَهْرين متتابعَيْن فأفطَر. قال: يَشْتَأْنِفُ. والمرأةُ إذا (١) فى م: ((يستأنف))، وكلاهما بمعنى يبتدئ. ينظر الوسيط (أن ف). (٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٩/ ٥٤٢، والقرطبى فى تفسيره ١٧/ ٢٨٣، وأبو حيان فى البحر المحيط ٢٣٤/٨. (٣) أخرجه ابن أبى شيبة (القسم المتمم من الجزء الرابع) ص ٤٤ من طريق أشعث عن عطاء . (٤) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١١٥١٧) من طريق إسماعيل به بنحوه . ٤٦٥ سورة المجادلة : الآية ٤ حاضَتْ فأفطَرَتْ تَقْضِى (١). حدَّثْنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ ، قال: إذا مَرِض فَأَفطَرِ اسْتَأْنَف . يعنى مَن كان عليه صومُ شَهْرين متتابعَيْن فمَرِض فأفطَر . حدَّثنا أبو كريبٍ ، قال: ثنا هشيمٌ، عن جابرٍ، عن أبى جعفرٍ، قال: يَسْتَأْيِفُ(٢). وأولى القولينِ عندَنا بالصوابِ قولُ مَن قال : يَثْنِى المُغْطِرُ بعذرٍ، ويستقبِلُ الْمُفْطِرُ بغيرِ عذرٍ. لإجماع / الجميع على أنَّ المرأةَ إذا حاضَتْ فى صومِها الشهرين المتتابعَيْن ١١/٢٨ بعذرٍ فمثلُه؛ لأَنَّ إفطارَ الحائضِ بسببٍ حيضِها بعذرٍ كان مِن قِبَلِ اللَّهِ . فكلُّ عُذرٍ کان من قبلِ اللهِ فمثلُه . وقولُه: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِينَ مِسْكِينًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه : فمن لم يَسْتطِعْ منهم الصيامَ فعليه إطعامُ سِتِّين مسكينًا. وقد بيَّنا وجْهَ الإطعامِ فى الكفاراتِ فيما مضى قبلُ ، فأَغْنى ذلك عن إعادتِهُ(١) . وقولُه: ﴿ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِ،﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: هذا الذى فَرَضْتُ على مَن ظاهَر منكم ما فَرِضْتُ فى حالِ القدرةِ على الرَّقَبَةِ ، ثم خَفَّفْتُ عنه مع العجزِ بالصومِ، ومع فقدِ الاستطاعةِ على الصومِ بالإطعام، وإنما فعَلْتُه كى يُقِرَّ الناسُ بتوحيدِ اللَّهِ ورسالةِ الرسولِ محمدٍ عَظِلّهِ، ويُصدِّقوا بذلك ويَعْملوا به، ويَنْتهوا عن قولِ الزورِ والكذبِ، ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وهذه الحدودُ التى حدَّها اللَّهُ لكم، والفروضُ التى بيَّنها لكم، حدودُ اللَّهِ ، فلا تَتَعدَّؤْها أيُّها ب (١) أخرجه عبد الرزاق فى مصنفه (١١٥١١) من طريق مغيرة به بنحوه، وأخرجه ابن أبى شيبة (القسم المتمم من الجزء الرابع ) ص ٣٤ من طريق حماد عن إبراهيم . (٢) ذكره الطوسى فى التبيان ٩/ ٥٤٢. (٣) ينظر ما تقدم فى ٦٢٤/٨ - ٦٣٨. ( تفسير الطبرى ٣٠/٢٢ ) ٤٦٦ سورة المجادلة : الآيتان ٤، ٥ الناسُ، ﴿ وَلِلْكَفِرِينَ﴾ بها، وهم جاحِدو هذه الحدودِ وغيرِها مِن فرائضِ اللَّهِ أن تكونَ مِن عندِ اللَّهِ - ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . يقولُ : عذابٌ مؤلِمٌ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحَذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, كُواْ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَتٍ بَيِّنَتٍّ وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ يقولُ تعالى ذكرُه : إنَّ الذين يُخالفون اللَّهَ فى حدودِه وفرائضِه، فيجعلون حدودًا غيرَ حدودِه، وذلك هو المحادَّةُ للَّهِ ولرسولِه . وأما قتادةُ فإنه كان [٩٣٧/٢و] يقولُ فى معنى ذلك، ما حدَّثنا به بشرٌ ، قال : ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. يقولُ : يعادُون اللَّهَ ورسولَهُ(١). وأما قولُه: ﴿ كُوْ كَمَا كُنْتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾. فإنه يعنى: غِيظُوا وأُخْزُوا كما غِيظ الذين من قبلهم مِن الأمم الذين حادُّوا اللَّهَ ورسولَه، وخُزُوا. وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذکرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كُوْ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾: خُزوا كما خُزِى الذين مِن قبلِهم(٢). وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: معنى ﴿كُتُواْ﴾ أُهلِكوا. وقال آخرُ منهم: يقولُ: معناه غِيظوا وأَخْزُوا يومَ الخندقِ، ﴿ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٣/٦ إلى عبد بن حميد وابن أبى حاتم . (٢) أخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره - كما فى الفتح ٦٢٨/٨ - من طريق سعيد به، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٣/٦ إلى عبد بن حميد . ٤٦٧ سورة المجادلة : الآيات ٥ - ٧ مِن قَبْلِهِمْ﴾. يريدُ مَن قاتل الأنبياءَ مِن قبلِهم. / وقولُه: ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَآ ءَايَتِ بَيْنَتٍ﴾. يقولُ: وقد أَنزَلْنا دلالاتٍ ١٢/٢٨ مُفَصَّلاتٍ، وعلاماتٍ مُحكَمَاتٍ، تدلُّ على حقائقٍ حدودِ اللَّهِ . وقولُه: ﴿ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولجاحِدِى تلك الآياتِ البيّناتِ التى أَنزَلناها على رسولِنا محمدٍ عَّهِ ومُنكرِيها - عذابٌ يومَ القيامةِ، مُّهِينٌ﴾. يعنى: مُذِلٌّ فى جهنمَ . القولُ فى تأويلٍ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِثُهُمِ بِمَا عَمِلُواْ ج ٦ أَحْصَنْهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ يقولُ تعالى ذكرُه: وللكافرين عذابٌ مهيٌّ فى يومٍ يَعَثُهم اللَّهُ جميعًا (١) مِن قبورهم لموقفِ القيامةِ، فَيُنبِّثُهم اللَّهُ بما عَمِلوا، ﴿أَحْصَلَهُ اللَّهُ وَنَسُوهٌ﴾. يقولُ تعالى ذكره: أَخْصَى اللَّهُ ما عَمِلوا، فعدَّه عليهم وأَثْبته وحَفِظه، ونَسِيه عامِلوه، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾. يقولُ: وَاللَّهُ جلّ ثناؤه على كلِّ شىءٍ عَمِلوه وغيرِ ذلك مِن أمرٍ خَلْقِهِ ﴿ شَهِيدٌ﴾ . يعنى: شاهدٌ، يعلمُه ويُحيطُ به ، فلا يَعْزُبُ عنه شىءٌ منه . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمّ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَا يَكُونُ مِن تَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ منے وَلَّ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوْ ثُمَ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ ٧ عَلِيمُ (١) بعده فى ص، ت ١، ت ٢، ت ٣: ((يوم يبعثهم الله جميعا))، وبعده فى م: ((وذلك يوم يبعثهم الله جميعا)). وهو تكرار. ٤٦٨ سورة المجادلة : الآية ٧ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيّه محمدٍ عَّهِ: ألم تَنْظُرْ يا محمدُ بعينِ قلبِك فَتَرَى أن اللهَ يَعلمُ ما فى السماواتِ وما فى الأرض مِن شىءٍ، لا يَخْفَى عليه صغيرُ ذلك وكبيرُه . يقولُ جلَّ ثناؤه : فكيف يَخْفَى على مَن كانت هذه صفته أعمالُ هؤلاء الكافرين وعصيانُهم ربَّهم . ثم وصَف جلّ ثناؤه قُرْبَه من عبادِه وسماعَه نجواهم ، وما يَكْتُمونه الناسَ مِن أحاديثهم، فيَتَحَدَّثونه سرًّا بينَهم، فقال: ﴿مَا يَكُثُ مِن تَّجْوَى ثَاثَةٍ﴾ مِن خَلْقِه، ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يَسمعُ سرَّهم ونجواهم، لا يَخْفَى عليه شىءٌ مِن أسرارِهم، ﴿ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾. يقولُ: ولا يكونُ مِن نجوَى خمسةٍ إلا هو سادسُهم كذلك، ﴿ وَلَآَ أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ﴾. يقولُ: ولا أقلَّ مِن ثلاثةٍ، ﴿ وَلَآَ أَكْثَرَ﴾. (١ يقولُ: ولا أكثرَ مِن خمسةٍ، ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ إذا تناجُوا ﴿ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ . يقولُ : فى أىِّ موضعٍ ومكانٍ كانوا . وعُنى بقولِه: ﴿هُوَ رَابِعُهُمْ ﴾. بمعنى: أنه مشاهدُهم بعلمِه وهو على عَرْشِه . كما حدَّثنى عبدُ اللَّهِ بنُ أبي زيادٍ ، قال: ثنى نصرُ بنُ ميمون المضروبُ ، قال: ثنا بُكيرُ بنُ معروفٍ، عن مقاتلٍ بنِ حيانَ، عن الضحاكِ فى قولِه : ﴿مَا يَكُونُ مِن ◌َجْوَ ثَلَاثَةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿هُوَ / مَعَهُمْ﴾. قال: هو فوقَ العرشِ، وعلمُه معهم ﴿ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ (٣) عَلِيمٌ ﴾ ١٣/٢٨ (١ - ١) سقط من: م، ت ٢، ت ٣. (٢) كذا فى النسخ، وهو خطأ، وصوابه نوح بن ميمون. ينظر تهذيب الكمال ٣٠/ ٦٢. (٣) أخرجه عبد الله بن أحمد فى السنة (٥٩٢)، والآجرى فى الشريعة (٦٥٥)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٩٠٩)، والاعتقاد من طريق نوح بن ميمون به . ٤٦٩ سورة المجادلة : الآيتان ٧ ، ٨ وقولُه: ﴿ثُمَّ يُنَبِثُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يُخِرُ هؤلاء المتناجِين وغيرَهم بما عمِلوا مِن عملٍ مما يُحِبُّه أو يُسْخِطُه يومَ القيامةِ؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ ﴾. يقولُ: إِنَّ اللَّهَ بنجواهم وأسرارِهم وسرائرِ أعمالِهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِهم وأمورِ عبادِه - عليمٌ . واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَجْوَى ثَثَةٍ ﴾؛ فقرأَتْ قِرَةٌ الأمصارِ ذلك: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى﴾ بالياءِ، خلا أبى جعفرِ القارئِّ، فإنه قرَأَه: (ما تَكُونُ) بالتاءِ. والياءُ هى الصوابُ فى ذلك؛ لإجماع الحجةِ عليها ، ولصحتِها فى العربية (١) . القولُ فى تأويلِ قوله تعالى: ﴿ أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُوُدُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَبَتَجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيََّكَ بِمَا لَمْ [٩٣٧/٢] يُّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيَّ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَّمُ يَصْلَوَنَّا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ يقولُ تعالى ذكرُه النبيِّه محمدٍ عَّهِ: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تُهُواْ عَنِ النَّجْوَى﴾ مِن اليهودِ، ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ﴾ فقد نَهى اللَّهُ عزّ وجلّ إِيَّهم عنها، ﴿وَيَتَجُوْنَ﴾ بينَهم بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح، عن مجاهدٍ (١) ينظر النشر ٢٨٧/٢. ٤٧٠ سورة المجادلة : الآية ٨ فى قولِهِ: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَى﴾. قال: اليهودُ(١). قولُه: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ . يقولُ جلّ ثناؤه: ثم يَرْجِعون إلى ما نُهُوا عنه مِن النَّجوَى، ﴿ وَيَتَجَوْنَ بِآلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه : ويتناجون بما حرَّمِ اللَّهُ عليهم مِن الفواحشِ والعدوانِ، وذلك خلافُ أمرِ اللَّهِ ، ومعصيةُ الرسول محمد ێِّ . واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿ وَيَتَجَوْنَ ﴾. فقرأتْ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيّين والبَصرِيِّين: ﴿ وَيَتَجُوْنَ﴾ على مثالٍ ((يتفاعَلْن))(١). وكان يحتِى وحمزةُ والأعمشُ يقرَُّون: (ويَنْتَجُونَ) على مثالٍ ((يَفْتَعِلون))(١). واعتَلّ الذين قرَءوه: ﴿يَتَنَجَوْنَ﴾. بقولِه: ﴿إِذَا تَجَيْتُمْ﴾ [ المجادلة: ٩]، ولم يقلْ: إذا انْتَجْتُم. وقولُه: ﴿ وَ إِذَا جَاءُوَكَ حَيّوَكَ بِمَا لَوْ يُحْيَّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ عَ له: وإذا جاءك يا محمدُ هؤلاءِ الذين نُهُوا عن النَّجوَى، الذين وصَف اللَّهُ جلّ ثناؤُه صفتَهم ، حَيَّوْك بغيرِ التحيةِ التى جعَلها اللَّهُ لك تحيةً . وكانت تحيتُهم التى كانوا يُحيُّونه بها - التى أخبَرِ اللَّهُ أنه لم يُحيِّه بها فيما جاءت به الأخبارُ - أنهم كانوا يقولون : السام عليكم(٤) . ١٤/٢٨ / ذكرُ الروايةِ الواردةِ بذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيع ، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبى الضُّحَى، (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٤/٦ إلى ابن المنذر، وذكره الواحدى فى أسباب النزول ص ٣٠٦. (٢) هى قراءة نافع وابن كثير وأبى عمرو وابن عامر وعاصم والكسائى وأبى جعفر ويعقوب فى رواية روح وخلف . ينظر النشر ٢٨٨/٢. (٣) وبها قرأ يعقوب فى رواية رويس. ينظر البحر المحيط ٢٣٦/٨. (٤) فى م: ((عليك)). ٤٧١ سورة المجادلة : الآية ٨ عن مسروقٍ ، عن عائشةَ، قالت: جاء ناسٌ مِن اليهودِ إلى النبيِّ عَ لَّهِ، فقالوا: السامُ عليك يا أبا القاسم . فقلتُ: السامُ عليكم، وفعَل اللَّهُ بكم وفعَل. فقال النبيُّ عَ لَه: (( يا عائشةُ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفُحْشَ)). فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ألستَ تَرى ما يقولون ؟! فقال: ((ألستِ تَرَيْنَنِى أَرُدُّ عليهم ما يقولون؟ أقولُ: وعليكم)). وهذه الآيةُ فى ذلك نزَلت: ﴿ وَ إِذَا جَآءُوَكَ حَيَّوَكَ بِمَا لَمْ يُحِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيَّ أَنْفُسِهِمْ لَوْلًا يُعَذِّبْنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَّمُ بَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾(١). حدَّثنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبى الضُّحى، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: كان اليهودُ يأتون النبيَّ عَّهِ، فيقولون: السائمُ عليكم. فيقولُ: ((وعليكم)). قالت عائشةُ: فقلتُ(١) : السامُ عليكم وغَضَبُ اللَّهِ. فقال النبىُ عَلَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفاحشَ المُتُّفَخِّشَ)). قالت: إنهم يقولون: السامُ عليكم ! قال: ((إنى أقولُ: وعليكم)). فنزلت: ﴿ وَإِذَا جَاءُوَكَ حَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية، قال: فإنَّ اليهودَ يأتون النبىَّ عَ لَّه، فيقولون : السام عليكم(٢) . حدَّثنا ابنُ بشارٍ ، قال : ثنا عبدُ الرحمنِ ، قال : ثنا سفيانُ ، عن الأعمشِ، عن أبى الضُّحى، عن مسروقٍ: ﴿ وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّكَ بِمَا لَمْ يُحِيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: كانت اليهودُ يأتون النبىَّ عَِّ ، فيقولون: السامُ عليكم . حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال: ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن (١) أخرجه الواحدى فى أسباب النزول ص ٣٠٧ من طريق جرير به. وأخرجه أحمد ٢٢٩/٦ (اليمنية)، ومسلم (١١/٢١٦٥)، والنسائى فى الكبرى (١١٥٧١)، والبيهقى فى الشعب (٩٠٩٨) من طريق الأعمش به . (٢) سقط من: م . (٣) أخرجه ابن أبى شيبة ٤٤٢/٨ - ومن طريقه ابن ماجه (٣٦٩٨) - من طريق الأعمش به بشطره الأول . ٤٧٢ سورة المجادلة : الآية ٨ أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى: ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. قال: كان المنافقون يقولون لرسولِ اللَّهِ عَ ◌ّ إذا حَيَّوه: سامٌ عليكم. فقال اللَّهُ: ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوَّنَهَا فَبْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١). حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال : ثنا الحسنُ ، قال : ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: ﴿ وَإِذَا جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: يقولون: سامٌ عليكم . قال: هم أيضًا يهودُ() . حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةً فى قوله : ◌ْحَوْكَ بِمَا لَمْ يُّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: اليهودُ كانت تقولُ: سامٌ عليكم(٢). حدَّثنا ابنُ عبدِ الأُعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن الزهرىِّ أنَّ عائشةً فَطَنَت إلى قولِهم، فقالت: وعليكم السامةُ(٤) واللعنةُ. فقال النبىُ عَمِ: (( مهلًا يا عائشةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرَّفْقَ فى الأمرِ كلِّه)). [٩٣٨/٢و] فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ ، ألم تسمع ما يقولون؟! قال: ((أفلم تَسْمَعِى ما أَردُّ عليهم؟ أقولُ: وعليكم)) (١). (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٤/٦ إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٤/٦ إلى عبد بن حميد. (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٩/٢ عن معمر به . (٤) كذا فى النسخ، قال صاحب اللسان: السامَّة: الموت، نادر، والمعروف ((السالمُ)) بتخفيف الميم بلا هاء. اللسان (س م م) . L (٥) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٩/٢، وفى المصنف (١٩٤٦٠)، وأحمد ١٩٩/٦ (الميمنية)، وعبد بن حميد (١٤٦٩)، والبخارى (٦٣٩٥)، ومسلم (١٠/٢١٦٥)، والنسائى فى الكبرى (١٠٢١٥)، وابن حبان (٦٤٤١)، والبيهقى ٢٠٣/٩ من طريق معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة. وأخرجه الحميدى (٢٤٨)، وأحمد ٣٧/٦، ٨٥ (الميمنية)، والبخارى (٦٠٢٤، ٦٢٥٦، ٦٩٢٧)، ومسلم (١٠/٢١٦٥)، والترمذى (٢٧٠١)، والنسائى فى الكبرى (١٠٢١٣، ١٠٢١٤، ١٠٢١٦، ١١٥٧٢)، وابن ماجه (٣٦٨٩) من طريق الزهرى عن عروة، عن عائشة، وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٤/٦ إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبى حاتم وابن مردويه . ٤٧٣ سورة المجادلة : الآيتان ٨، ٩ / حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، عن أنسٍ بنِ مالكِ، ١٥/٢٨ أن نبيَّ اللَّهِ ◌َِّ بينما هو جالسٌ مع أصحابِهِ، إذ أتَى عليهم يهودىٌّ فسلَّم عليهم ، فردُّوا عليه، فقال نبىُّ اللَّهِ مَ ◌ّهِ: ((هل تَدْرون ما قال؟)). قالوا: سلَّم يا رسولَ اللَّهِ. قال: ((بل قال: سأُمْ عليكم)). أى تَسْأَمون دينكم. فقال النبىُ عَ له: ((أَقُلْتَ: سأُمّ عليكم؟)) قال: نعم. فقال النبىُّ عٍَّ: ((إذا سلَّم عليكم أَحدٌ مِن أَهلِ الكتابِ فقولوا: وعليك)). أى: عليك ما قُلتَ(١). حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿ وَإِذَا جَاءُوَ حَبَّكَ بِمَا لَمْ يُحْيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: هؤلاء يهودُ، جاء ثلاثةُ نَفَرٍ منهم إلى بابِ النبىِّ يَّهِ ، فتناجوا ساعةٌ ، ثم استأْذَن أحدُهم، فَأَذِن له النبيُّ ◌َهِ، فقال: السامُ عليك(٢) . فقال النبيُ عَّهِ لهُ: ((عليك)). ثم الثانى. ثم الثالثُ. قال ابنُ زيدٍ: السامُ الموتُ وقولُه جلَّ ثناؤه: ﴿ وَيَقُولُونَ فِى أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبْنَا ◌َللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤه: ويقولُ مُحُّوك بهذه التحيةِ مِن اليهودِ : هلّ يُعاقِبْنا اللَّهُ بما نقولُ لمحمدٍ عليه السلامُ، فَيُعَجّلَ عقوبتَه لنا على ذلك. يقولُ اللَّهُ: حَسْبُ قائلى ذلك يا محمدُ جهنمُ ، وكفاهم بها يَصْلَوْنها يومَ القيامةِ، فبِئْس المصيرُ جهنمُ . القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَجَيْتُمْ فَلاَ تَنَجَوْ بِالْإِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَجَوْ بِالْبِرِ وَالنَّقْوَىُّ وَتَّقُواْ اللَّهَ اُلَّذِىّ إِلَيْهِ مُخْشَرُونَ ٩ (١) أخرجه ابن حبان (٥٠٣) من طريق يزيد بن زريع به. وأخرجه ابن أبى شيبة ٤٤٢/٨ - ومن طريقه ابن ماجه (٣٦٩٧) - والبزار (٢٠١٠ - كشف) من طريق سعيد به . وأخرجه عبد بن حميد - كما فى الدر المنثور ١٨٤/٦ - وعنه الترمذى (٣٣٠١)، ومسلم (٧/٢١٦٣)، وأبو داود (٥٢٠٧)، والواحدى فى أسباب النزول ص ٣٠٧ من طريق قتادة به، وأخرجه أحمد ١٤/١٩ (١١٩٤٨)، والبخارى (٦٢٥٨)، ومسلم (٢١٦٣) من طريق عبيد الله بن أبى بكر عن أنس . (٢) فى م، ت ٢، ت ٣: (( عليكم)). (٣) سقط من : م . ٤٧٤ سورة المجادلة : الآيتان ٩، ١٠ يقولُ تعالى ذكره: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ، إذا تناجَيتم بينَكم فلا تتناجَوا بالإثم والعدوانِ ومعصيةِ الرسولِ ، ولكن تناجَوا ﴿ بِلِيرِ ﴾. يعنى: بطاعةٍ اللَّهِ وما يُقَرّبُكم منه، ﴿وَالنَّقْوَىّ ﴾. يقولُ: وباتقائِه بأداءِ ما كلَّفكم مِن فرائضِه واجتنابِ معاصيه، ﴿ وَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. يقولُ: وخافوا اللَّهَ الذى إليه مصيرُكم، وعندَه مُجْتَمَعُكُم، فى تَضْبِيعِ فرائضِه، والتقدُّمِ على معاصيه، أن یعاقتکم علیه عندَ مصیر کم إليه . القولُ فى تأويل قولِه تعالى: ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَيْنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَارِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١٠ يقولُ تعالى ذكرُه : إنما المناجاةُ مِن الشيطانِ . ثم اختلف أهلُ العلم فى النجوى التى أخبَر اللَّهُ أنها مِن الشيطانِ ، أُّ ذلك هو ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك مناجاةُ المنافقين بعضِهم بعضًا . ذكرُ مَن قال ذلك ١٦/٢٨ حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ / لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: كان المنافقون يَتناجُون بينَهم، وكان ذلك يَغِيظُ المؤمنين ويَكْبُرُ عليهم، فأَنزَل اللَّهُ فى ذلك القرآنَ: ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَارِهِمْ شَيْئًا﴾ الآيةُ(١). وقال آخرون بما حدّثنی یونسُ ، قال : أخبرنا ابنُ وهب ، قال : قال ابنُ زيدٍ فی قولِ اللَّهِ عزّ وجلّ: ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال: كان الرجلُ يأتى رسولَ اللَّهِ صَ لّهِ يسألُه الحاجةَ، لِيُرِىَ الناسَ أنه قد ناجَى رسولَ اللَّهِ صَّ ◌ِهِ. قال: وكان النبيُّ عَظِلّه لا يَمْنَعُ ذلك مِن أحدٍ . (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٤/٦ إلى المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . ٤٧٥ سورة المجادلة : الآية ١٠ قال : والأرضُ يومئذٍ حربٌ على أهلِ هذا البلدِ ، وكان إبليسُ يأتى القومَ فيقولُ لهم: إنما يتناجون فى أمورٍ قد حضَرت، وجموعٍ قد جمعت لكم ، وأشياءَ. فقال اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ(١) . حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال: ثنا ابنُ ثورٍ ، عن معمرٍ، عن قتادةَ ، قال : كان المسلمون إذا رأَوًا المنافقين خَلَوا يَتَنَاجَون - يَشُقُّ عليهم، فنزلت: ﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ لِيَحْزُنَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾(١). وقال آخرون : ◌ُنِى بذلك أحلامُ النومِ التى يراها الإنسانُ فى نومِه فتُحزِنُه . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّتّنا ابنُ حميدٍ ، قال: ثنا يحيى بنُ داودَ الْبَلْخِىُّ، قال: سُئِل عطيةُ - وأنا أسمعُ - عن(٢) الرُّؤْيا، فقال: الرُّؤْيا على ثلاثٍ منازلَ؛ فمنها وسوسةُ الشيطانِ ، فذلك قوله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَنِ﴾، ومنها ما يُحدِّثُ نفسَه بالنهارِ فيراه (° من الليلِْ) ، ومنها كالأَحْذِ باليدِ . وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ [٩٣٨/٢ظ] قولُ مَن قال: عُنِى به مناجاةُ المنافقين بعضِهم بعضًا بالإثم والعدوانِ . وذلك أنّ اللَّهَ جلَّ ثناؤه تقدَّم بالنهي عنها بقولِه: ﴿ إِذَا تَجَيْتُمْ فَلَا تَنَجَوْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾. ثم عمَّا فى ذلك مِن المكروهِ على أهلِ الإيمانِ، وعن سببٍ نهيِهِ إِيَّهم عنه، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّجْرَى مِنَ (١) ينظر التبيان ٩/ ٥٤٦، والبحر المحيط ٢٣٦/٨. (٢ - ٢) سقط من: ص، م، ت ١. (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٩/٢ عن معمر به . (٤) سقط من : م . (٥ - ٥) فى م: ((بالليل)). ٤٧٦ سورة المجادلة : الآيتان ١٠، ١١ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾. فَبِيِّنٌ بذلك إذ كان النهى عن رؤيةِ المرءِ فى منامِه كان كذلك، وكان عَقِيبَ نهيه عن النجوى بصفةٍ أنه مِن صفةٍ ما نَھی عنه . وقولُه: ﴿ وَلَيْسَ بِضَارِهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾. يقولُ تعالى ذكره : وليس التناجى بضارِّ المؤمنين شيئًا إلا بإذنِ اللهِ . يعنى بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه. وقولُه: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وعلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ فى أمورِهم أهلُ الإِيمانِ به، ولا يَخْزَنوا مِن تَناجِى المنافقين ومَن يَكيدُهم بذلك، وأنّ تناچِيّهم غیرُ ضارِّهم إذا حَفِظهم ربُّهم . ١٧/٢٨ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى اُلْمَجَزِلِسِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ، وَإِذَا قِيلَ آنشُرُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يقولُ تعالى ذكره : يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى المجْلِسِ). يعنى بقوله: ﴿تَّفَسَّحُواْ﴾: توسَّعوا. من قولهم: مكانٌ فَسِيحٌ . إذا كان واسِعًا . واختلف أهلُ التأويلِ فى المجلسِ الذى أمَر اللَّهُ المؤمنين بالتفتح فيه؛ فقال بعضُهم: ذلك كان مجلسَ النبيِّ عَ لِّ خاصةً . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى ، عن ابنٍ أبى (١) فى ص، ت ١، ت ٢، ت٣ هنا وفيما سيأتى: ((المجْلِس)) على الإفراد، وهى القراءة التى اختارها المصنف كما سيأتى . (٢) فى م: ((المجالس)). ٤٧٧ سورة المجادلة : الآية ١١ نجيح، عن مجاهدٍ قوله: (تَفَسَّحُوا فِى المَجْلِسِ). قال: مجلسٍ النبيِّ سَ لّم. ، كان يُقالُ ذاك خاصةً . حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن (١) مجاهدٍ مثلَه(١). حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةً قولَه: ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيل لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى المَجْلِسِ) الآية، كانوا إذا رأَوْا مَن جاءهم مُقبِلًاً ضَنُّوا بمجلسِهم عندَ رسولِ اللَّهِ عَ لَّه، فأمَرهم أن يَفسَحَ بعضُهم (٢) لبعضٍ(). حدِّثتُ عن الحسينِ ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَحُوا فِى المَجْلِسِ). قال: كان هذا للنبىِّ عَّه ومَن حَوْلَه خاصةً ، يقولُ: استوسِعوا حتى يصِيبَ كلَّ رجلٍ منكم مجلسًا مِن النبيِّ عَ ◌ّه. وهى أيضًا مقاعدُ للقتالِ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى ، قال : ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ ، عن قتادةً فى قولِه : ( تَفَسَّحُوا فِى المَجْلِسِ). قال: كان الناسُ يتنافسون فى مجلسٍ النبيِّ عَ لَّهِ ، فَقِيل لهم : (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى المَجْلِسِ فافْسَحُوا)(٢). حدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللَّهِ: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِى المَجْلِسِ(٤) فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). قال: هذا مجلسُ (١) تفسير مجاهد ص ٦٥٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٤/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٤/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبى حاتم . (٣) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٧٩/٢ عن معمر به . (٤) فى م: ((المجالس)). ٤٧٨ سورة المجادلة : الآية ١١ رسولِ اللَّهِ وَّهِ، كان الرجلُ يأتى فيقولُ: افسحوا لى رحِمكم اللَّهُ. فَيَضَنُّ كلّ واحدٍ منهم بقُرْبِه مِن رسولِ اللَّهِ وَلَّهِ، فأمَرهم اللَّهُ بذلك، ورأَى أنه خيرٌ لهم. وقال آخرون: بل عُنِى بذلك فى مجالسِ القتالِ إِذا اصْطَفُّوا للحربِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال : ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَحُوا فِى المَجْلِسِ فاْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ). قال : ذلك فى مجلسِ القتالِ(١). ١٨/٢٨ / والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقال: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أمَر المؤمنين أن يَتَفَسَّحوا فى المجلسِ، ولم يَخْصُصْ بذلك مجلسَ النبيِّ عَلَّهِ دونَ مجلسٍ القتالِ ، وكلا الموضعين يقالُ له: مجلسٌ. فذلك على جميع المجالسِ مِن مجالسٍ رسولِ اللَّهِ عَ لَه ومجالسِ القتالِ . واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ : (تَفَسَّحُوا فِى المَجْلِسِ) على التوحيدِ ، غيرَ الحسنِ البصرىِّ وعاصم؛ فإنهما قرأا ذلك: ﴿فِى اُلْمَجَئِسِ﴾ على الجماع. وبالتوحيدِ قراءةُ ذلك عندَنا؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ (٢) عليه(٢) . وقولُه: ﴿فَأَفْسَحُواْ﴾. يقولُ: فوسِّعوا، ﴿يَفْسَحِ اَللَّهُ لَكُمْ ﴾. يقولُ: يُوسِّعٍ اللَّهُ منازلَكم فى الجنةِ، ﴿ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَأَنْشُرُواْ﴾. يقولُ تعالى ذكره: وإذا (١) عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٥/٦ إلى المصنف. (٢) ينظر الكشف ٣١٤/٢، ٣١٥. ٤٧٩ سورة المجادلة : الآية ١١ قيل: ارْتَفِعوا . وإنما يُرادُ بذلك وإذا قيل لكم: قُوموا إلى قتالِ [٩٣٩/٢و] عدوٍّ، أو صلاةٍ، أو عملٍ خيرٍ، أو تفرّقوا عن رسولِ اللهِ عِلَيهِ. فقوموا. وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ . ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ ، قال : ثنى أبى ، قال: ثنى عمى ، قال : ثنى أبى ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا قِيلَ أُنْشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ إلى: ﴿ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال: إذا قيل: انشُزوا. فانشُزوا إلى الخيرِ والصلاةِ. حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال : ثنا أبو عاصم، قال : ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنٍ أبى نجيح ، عن مجاهدٍ فى قولِهِ: ﴿فَانشُزُواْ﴾. قال: إلى كلِّ خيرٍ ؛ قتالِ عدوٍّ، أو أمرٍ بالمعروفِ، أو حقٍّ ما كان(١) . حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَأَنْشُرُواْ﴾. يقولُ: إذا دُعِيتُم إلى خيرٍ فَأُجِيبوا. وقال الحسنُ: هذا كلُّه فى (٢) الغزو (٢) . حدِّثتُ عن الحسينِ، قال : سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ : ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ : كان إذا نُودِى للصلاةِ تَثَاقَل رجالٌ ، فَأَمَرهم اللَّهُ إذا نُودِى للصلاةِ أن يَوْتِفِعوا إليها؛ يَقوموا إليها (١) . (١) تفسير مجاهد ص ٦٥٠. وعزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٥/٦ إلى عبد بن حميد وابن المنذر. (٢) أخرجه عبد الرزاق فى تفسيره ٢٨٠/٢ عن معمر عن قتادة والحسن، وقول قتادة عزاه السيوطى فى الدر المنثور ١٨٥/٦ إلى عبد بن حميد . (٣) ذكره البغوى فى تفسيره ٥٨/٨، والقرطبى فى تفسيره ١٧/ ٢٩٩. ٤٨٠ سورة المجادلة : الآية ١١ وحدَّثنى يونسُ ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ أَنشُزُواْ فَأَنْشُرُواْ﴾. قال: انشُزُوا عن رسولِ اللَّهِ ◌َ ◌ّهِ. قال: هذا فى بيتِه، إذا قيل: انشُزوا. فارتفِعوا عن النبيِّ يَّامٍ؛ فإن له حوائجَ، فأحبَّ كلَّ رجلٍ منهم أن يكونَ آخرَ عهدِه برسولِ اللَّهِ مََّه، فقال اللَّهُ: ﴿ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ وإنما اختَوْتُ التأويلَ الذى قلتُ فى ذلك؛ لأن اللَّهَ عز وجل أَمَر المؤمنين إذا قيل لهم: انشُزوا. أنْ يَنْشُزوا، فعمَّ بذلك الأمرِ جميعَ معانى النشوزِ مِن الخيراتِ ، فذلك على عمومِه حتى يَخُصَّه ما يجبُ التسلیمُ له . واختلَفتِ القرأَةُ فى قراءةٍ ذلك؛ فقرأَتْه عامةُ قرأَةِ المدينةِ ﴿فَانْشُرُواْ﴾ بضمّ الشينِ . وقرأ ذلك عامةُ قرأَةِ الكوفة والبصرةِ بكسرِها (١) . / والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان ، ولغتان مشهورتان ، ١٩/٢٨ بمنزلةٍ يَعْكُفون ويَعْكِفون، ويَعْرِشون ويَعْرِشون، فبأَىِّ القراءتين قرَأ القارئُّ فمصيبٌ . وقولُه: ﴿ يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾. يقولُ تعالى ذكره: يرفعِ اللَّهُ المؤمنين منكم أيُّها القومُ بطاعتهم ربَّهم فيما أَمَرهم به من التفسُّحِ فى المجلس إذا قِيل لهم: تفسّحوا. أو بنُشُوزِهم إلى الخيراتِ إذا قيل لهم : انشُزوا إليها . ويرفع اللَّهُ الذين أوتوا العلمَ مِن أهلِ الإيمانِ على المؤمنين الذين لم يُؤْنَوا العلمَ بفضلٍ علمِهم درجاتٍ - إذا عمِلوا بما أُمِروا به . كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ (١) ذكره القرطبى فى تفسيره ١٧/ ٢٩٩، وابن كثير فى تفسيره ٧٤/٨. (٢) قرأ نافع وعاصم وابن عامر بضم الشين والابتداء بضم الألف ، وقرأ الباقون بكسر الشين والابتداء بكسر الألف . الكشف ٣١٥/٢.